عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

يصف بيت شعر للنابغة الذييانى يقول فيه : سَقَطَ النَصيفُ وَلَم تُرِد إِسقاطَهُ    فَتَناوَلَتهُ وَاِتَّقَتنا بِاليَدِ

العلاقة الملتبسة والمشتبكة بين جهاز الامن والمخابرات السودانى ووكالة الاستخبارات الامريكية المعروفة اختصاراً : سى .اى. ايه. فقد ورد فى الأخبار حسب صحيفة الصيحة التى نقلت جزءا من اجابة لمدير المخابرات المركزية الامريكية فى لقاء اجرته معه قناة العربية وبثته بتاريخ ١٢ من هذا الشهر : ( امتدحت المخابرات المركزية الأمريكية جهود جهاز الأمن والمخابرات السوداني وتعاونه معهم في كشف وتدمير منظمات إرهابية، في ذات الأثناء التي كشف فيها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي. آي. إيه) جون أوين برينان عن لقاء جمعه بمدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني الفريق أول مهندس محمد عطا فضل المولى، وقال جون إنه يتعاون مع نظرائه السودانيين، معلناً عن عقد اجتماعات أخيراً مع مدير عام جهاز الأمن محمد عطا إلا أنه لم يحدد مكانها أو تاريخها، لكن المسؤول الأمريكي أبدى ارتياحه لما يقوم به السودان من جهود من خلال التعاون معهم في كشف وتدمير المنظمات الإرهابية، وأن الجانبين لديهما الرغبة في حماية مواطنيهما). انتهى
وجعلت من عنوان المقال : سقوط النقاب بسبب الدلالة الإيحائية فى كلمة النقاب فى فقه لباس المرأة المسلمة. وكما نعلم فان جهاز الامن والمخابرات ومنذ وقوع انقلاب ٣٠ يونيو ١٩٨٩م ظل يلعب دورا محوريا فى العملية السياسية فى السودان فقد نفذت مجموعة من حوالى ٣٠٠ شخص من المكتب الخاص خطة الاستيلاء على الحكم . وسواء كان الوضع الحالى هو تحالف السوق والأمن والقبيلة كما يقول د. التجانى عبد القادر او البرجوازية الصغيرة فى شرهها وسعيها -يميناً او يسارا- للنفوذ والسيطرة كما يقول د. عبد الله على ابراهيم فان المحصلة النهائية الان هى خروج الجيش من معادلة السياسة فى السودان الى الأبد وانتقال دوره فى ممارسة العنف المقنن الى جهاز الامن والمخابرات بصلاحياته وميزانيته المفتوحة الى درجة لا تصدق .ولم يقع ذلك اعتباطا او بغرض تحييده بل انه كان منهاجا مقصودا ومطلوبا .
وأزعم انه خلافا للشائع فى تاريخنا السياسى الحديث حول وصف ٢١ أكتوبر ١٩٦٤م والسادس من ابريل ١٩٨٥م بأنهما ثورة الا أنهما لم تكونا سوى انتقال او تسليم وتسلم من حكومة عسكرية لأخرى مدنية مقارنة على سبيل المثال بالثورة الفرنسية سنة ١٧٨٩م او الروسية ١٩١٧م لجهة التغييرات الفكرية والسياسة والاجتماعية والاقتصادية التى أوقعتاها فى فرنسا وروسيا آنذاك .
ومن عجب ان اخواننا الصغار كما كان يصفهم د. الترابى لا يزالون يعيشون عوالم السرية والتكتم والتخفى بالنقاب بينما الإخوة الكبار يمارسون الشفافية وإطلاق سراح الأسرار وما يدور خلف الجدران العالية والغرف المغلقة كما فعل جون اوين وهى مسألة كما هو واضح تتعلق بمفهوم العمل الأمنى والاستخباراتي .
وعودة الى تفاصيل اللقاء المشار اليه فقد جاء ذكر السودان فى معرض سؤال : ( هناك الكثير من وكالات الاستخبارات التي تنشط في المنطقة وخاصة في سوريا والعراق. ثمة الأميركيون والروس والايرانيون والاسرائيليون والاتراك وغيرهم كثر. كيف تتعاملون مع هذه الصورة المعقدة؟ من يعارض من؟ ومن يتعاون مع من؟)
وجاءت الإجابة مطولة : ( يوجد فاعلون محليون وجماعات وحكومات واجهزة الاستخبارات والامن. باستثناء ايران التعاون مع جميع شركائي في المنطقة سواء كانوا عربا او اتراكا او اسرائيليين او غيرهم. توجد مصلحة كبيرة في التعاون فيما بيننا للقضاء على الجماعات الارهابية مثل القاعدة وداعش وغيرهما. رغم ما يميز السي اي اي من حيث العمل الذي تقوم به، فاننا نحتاج للعمل من خلال شراكات مع بلدان اخرى. لدينا تعاون وثيق مع شركائنا المصريين وقد التقيت قادة هذه الدول من رؤساء الدول ورؤساء الحكومات . القيت مرات عدة الرئيس السيسي وهو مصمم على القضاء على داعش نظرا لما يمثله التنظيم من تحد حقيقي لمصر لتواجده في سيناء. اتعاون ايضا مع نظرائي السودانيين حيث عقدت مؤخرا اجتماعات مع رئيس جهاز الاستخبارات السوداني محمد عطا. وانا مرتاح جدا تجاه ما يقوم به السودان من جهود من خلال التعاون معنا لكشف وتدمير المنظمات الارهابية. لدينا رغبة مشتركة في حماية مواطنينا. ستبذل السي اي اي كل ما بوسعها لحماية المواطنين الأميركيين داخل الولايات المتحدة وخارجها وكذلك لحماية الرجال والنساء والاطفال العرب والفرس في ارجاء المعمورة. لذلك ما نسعى اليه هو بناء وتعزيز الشراكات لان الجماعات الارهابية لا يوقفها شيء عن بتر الاعضاء والقتل). انتهى
وكانت صحيفة الواشنطن بوست الامريكية قد نشرت بتاريخ ٣٠ اغسطس ٢٠١٠ م مقالا بقلم جيف ستاين كشفت فيه ان وكالة المخابرات المركزية الامريكية لا زالت توفر التدريب والاجهزة لجهاز الامن والمخابرات السودانى رغم سجل الحكومة السودانية فى مجال حقوق الانسان وجرائم الإبادة فى دارفور وملاحقة الرئيس عمر البشير عبر المحكمة الجنائية الدولية ووضع السودان فى قائمة الدول الراعية للارهاب . واضاف مسوءول استخباراتي امريكى عمل سابقا فى الخرطوم ان بدايات ذلك التعاون النشط تعود الى التسعينات وكانت مستورة ومحاطة بقدر من السرية حتى داخل السفارة الامريكية بالخرطوم ولم تنقطع تلك الصلات حتى إبان فترة إغلاق السفارة ونظمت الدورات التدريبية المتعلقة بمكافحة الاٍرهاب خارج السودان. وتوجت عام ٢٠٠٥م بزيارة مدير جهاز الامن والمخابرات آنذاك صلاح عبد الله الى مقر وكالة المخابرات المركزية الامريكية فى لانغلى حيث سافر بطائرة خاصة وفرتها الوكالة. وتردد ان صلاح عبد الله شديد الإيمان بفكرة ان جهاز المخابرات فى اى دولة هو من - او يتوجب - ان يمارس الحكم !