عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

     قضية الرئيس عمر البشير والمحكمة الجنائية الدولية وانعكاساتها على السياسة والحكم فى السودان  تستدعى الى الذهن التعبير فى لغة الإنجليز وهم يصفون شخصا او حالة ما بأنها  :  فيل في الغرفة (بالانجليزية  :  Elephant   in the room) وهى عبارة  مجازية وتعني حقيقة واضحة يتم تجاهلها أو عدم معالجتها وتنطبق تلك العبارة أيضًا على مشكلة او خطر حقيقي حاصل ولا أحد يريد التحدث فيه. ترتكز الفكرة على أنه لو كان هناك فيل في الغرفة فمن المستحيل التغافل عنه وبالتالي فإن الأشخاص الموجودين بالغرفة والذين يتظاهرون بعدم وجود الفيل اختاروا عدم التعامل أو حل تلك المشكلة الكبيرة التي تلوح بالأفق. انتهى
    قانونيا انتهت القضية وليس من سبيل امام الرئيس سوى المثول امام المحكمة طال الزمن او قصر . سياسيا القضية فيها نظر وسيمضي الجميع فى لعبة  :   ( أمسك  بى ان استطعت ) الى ان يقضى الله أمرا  كان مفعولا.
    ولا تلومن الحكومة الا نفسها فى وصول المسالة الى هذا الحد الذى يكبل بلدا وشعبا باكمله ويضعهما فى أتون معركة من غير طائل مثل  تلك التى نشهد فى كل مرة يسافر فيها الرئيس الى خارج السودان.  او فى هذه الأيام وقد طلب الرئيس تأشيرة دخول الى الولايات المتحدة الامريكية لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة  المقبلة فى سبتمبر من هذا العام  فى مقرها الرئيس بمدينة نيو يورك.و فى كل مرة جرت تجاذبات دبلوماسية واعلامية حول دور الحكومة الامريكية فى تامين ضمان مشاركة الدول الاعضاء فى الامم المتحدة فى نشاطاتها المختلفة  او العكس باعتبارها دولة مقر او العكس التزامها بتنفيذ امر القيض والاحضار فى مواجهة متهم بجرائم حرب وضد
    الانسانية وهو سناريو تكرر من قبل  وانتهى بان تغيب الرئيس البشير عن حضور الاجتماعات بسبب وصول التاشيرة متاخرة او عدم إصدارها أصلا اذ تحجم وزارة الخارجية الامريكية عن الخوض فى تفاصيل منح التاشيرة لأسباب تتعلق بحماية الخصوصية.
    والمثير ان الحكومة الامريكية وإسرائيل  ناهضتا الاتجاه  نحو عالمية سلطات المحكمة الجنائية الدولية بما يمنحها نفوذا أقوى وبدلا من  عن ذلك تم التوصل إلى تفاهم يقضي بممارسة المحكمة لسلطتها فقط ضمن ظروف محددة. فمثلا إذا كان المتهم بارتكاب الجرم مواطنا لإحدى الدول الأعضاء - أو إذا قبلت دولة المتهم بمحاكمته. أو إذا وقع الجرم المزعوم بأراضي دولة عضو في المحكمة وسمحت الدولة التي وقع الجرم على أراضيها للمحكمة بالنظر في القضية، أو إذا أحيلت القضية للمحكمة من قبل مجلس الأمن، وهى  الحالة التي انطبقت على وضع  دارفور الذي بموجبه صدرت مذكرتا التوقيف بحق الرئيس البشير بعد ان  أحال مجلس الأمن الدولي الوضع في دارفور الى المحكمة عبر  قراره رقم ١٥٩٣ بتاريخ مارس ٢٠٠٥م .
    وعمدت الولايات المتحدة الامريكية وأسرائيل  بشكل غير مكشوف  وبعيدا عن عيون وآذان الراى العام الدولى الى أضعاف قوة المحكمة بسبب خوفهما  من ان تفتح ملفات جرائم حرب او ضد الانسانية فى مواجهة جنودهما المشاركين فى نزاعات عسكرية فى  العراق او أفغانستان كما فى حالة الاولى او  فلسطين فى حالة الثانية .
    وكنت قد ذكرت أعلاه ان الحكومة لا تلومن الا نفسها فى الوصول بالملف الى هذا الدرك فرغم ان الحرب فى  الجنوب استمرت ٢٥ عاما  وشهدت فظائع أشد وانكى الا ان المجتمع الدولى لم يشر  قط طوال تلك العقود الى جرائم حرب او ضد الانسانية .
    ولعلنا نذكر ان مجلس الامن الدولى قد اصدر القرار١٥٥٦ بتاريخ يونيو ٢٠٠٤م والذى كانت نقاطه  المهمة الدعوة لنزع سلاح الجنجويد واعتقال قادتهم  وعدم اعاقة وصول الإغاثات  الانسانية وذلك خلال فترة لا تتجاوز ال٣٠ يوما. ولكن برونك مبعوث الامم المتحدة الخاص الى السودان  آنذاك اعتبر الفترة الزمنية غير كافية ومدها الى ٩٠ يوما كما انه اعتبر ان مقترح نزع سلاح الجنجويد غير عملى ويتجاوز مقدرة الحكومة. واقترح انشاء مناطق آمنة حول المدن الامنة المحمية . واستغلت الحكومة الوضع لتشن هجمات بالطائرات وقوات الجنجويد . وفى كل مرة خلال تلك الفترة تجاوزت الحكومة واجهزتها العسكرية والأمنية الخطوط الحمراء التى وضعتها الامم المتحدة او ممثلها برونك ولم يسألها اى احد او  يخضعها للمحاسبة . وكان الإحساس لدى المسؤليين  الحكوميين السودانيين حسب اليكس دى وال   و الذى تابع مفاوضات سلام دارفور ونيفاشا ايضا هو انهم يمسكون بأهم خيوط اللعبة وهو الوصول الى اتفاق سلام فى الجنوب. اى ان الحكومة والمجتمع الدولى قايضا مسألة دارفور بالسلام - او  الاحرى - انفصال الجنوب. وتم توقيع نيفاشا فى يناير ٢٠٠٥م . ولكن قبل ذاك بقليل فى ١٨ سبتمبر ٢٠٠٤م اصدر مجلس الامن قراره رقم ١٥٦٤ والذى قضى بإنشاء لجنة تحقيق دولية خاصة بدارفور لرصد انتهاكات حقوق الانسان والتاكد من مزاعم وقوع مذابح وتطهير عرقى . ذلك القرار - كما وصفه اليكس دى وال  ايضا بحق - كان بمثابة طلقة موجهة بدقة  الى قلب نظام الخرطوم . بقية القصة معروف  لكن من اهم فصولها القرار الذى اصدره الكونجرس الامريكى فى ٢٤ يونيو ٢٠٠٤م والذى اعتبر ما يجرى فى دارفور تطهيرا عرقيا.
    وتجاهلت الحكومة نصائح رئيس الاتحاد الافريقى حينذاك  ألفا عمر كونارى والتى بذلها مخلصا الى وزير الخارجية فى تلك الفترة  . مصطفى عثمان اسماعيل - الذى يفتقد الى الاحترافية فى فهم وممارسة الدبلوماسية -بان تقبل الحكومة لجنة تحقيق أفريقية على غرار تلك التى أنشئت  بعد مذابح رواندا. ولكن الحكومة السودانية بدلا من ذلك اختارت ان تنشىء لجنة تحقيقها والتى أصدرت تقريرا اقل ما يوصف به انه جاء غير منصفا ومنحازا الى الحكومة بدرجة ملحوظة من السفور حتى ان بعض أعضاء اللجنة أعربوا عدم رضاءهم عنه عند صدوره فى يناير ٢٠٠٥م .
    وقال وزير الخارجية الامريكية آنذاك كولن باول للجنة العلاقات الخارجية بالكونجرس :  ان  الخرطوم  فشلت فى وقف العنف رغم التنبيهات المتكررة . واضاف ن الحكومة والجنجويد   مارسا التطير العرقى فى دارفور.ورغم ان الأدلة على الارض الواقع ليست كافية بحد ذاتها او لوحدها فى إثبات جريمة التطهير العرقى اذ ان الكلمة المفتاحية فى وقوع الجريمة هى النية او  القصد المبيت الا ان ذلك كله لم يعد مهما الان.  ولن يكون بمقدور احد ان يتجاوز او يغفل عن حقيقة ان وضع الرئيس البشير فى مواجهة المحكمة الجنائية الدولية هو احد -  بل انه اهم اجندة اى معالجة سياسية مستقبلية فى السودان .