عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
    لا اعلم عصرا انتاشت فيه سهام الانتقاد والتشكيك دين الاسلام كما وقع الان فى زماننا هذا. فمن جهة ينهض اسلام ضد اسلام  ومن ناحية مقابلة يتعرض الاسلام الى حملة شعواء تبغى إلغاء وجوده بالكلية وحجب تاثيره فى حياة البشر. ولا غنى للإنسان كما نعلم عن الله وظل البحث عن الله سمة لازمة لكل جماعة بشرية حتى ولو اختلفت التسميات لمن تبحث عنه  وكأنها بل قل هى حاجة مركوزة فى فطرة الانسان فى رحلته فى هذا الكون . وقد سقت هذه المقدمة القصيرة لتكون مدخلا لتناول كتاب حيوى صدر فى العام ٢٠٠٩م  بالولايات المتحدة الامريكية وحمل عنوان  :
    ? Was Jesus A Muslim
    هل كان المسيح مسلما؟
     للكاتب  الأكاديمي والباحث المسيحي روبرت شيدينغر، الذي يعمل رئيسا لقسم الدراسات الدينية والعقائد بجامعة لوثر بولاية أيوا الأميركية . الإجابة بالنسبة لاى مسلم لهذا السؤال هى :  بلى المسيح عيسى ابن مريم مسلم.  لكن الإجابة عند المسيحى ستكون مختلفة تماما  وذاك امر متوقع .
    بروفسور روبرت نال درجة الدكتوراة فى مجال دراسات الإنجيل من جامعة تيمبل العريقة فى فلادلفيا . وقد درس الاسلام فى فصلين أكاديميين على يد بروفسور محمود أيوب ليس بسبب نزعة داخلية  فى التعرف اكثر على الاسلام بل لتحسين فرصته فى الحصول على وظيفة أكاديمية بعد التخرج وبعد احداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١م  وجد نفسه الخبير الوحيد فى موضوع الاسلام فى ايوا حيث يعيش ويعمل. وقاده ذلك الى الانغماس فى دراسة الاسلام مدفوعا برغبة ذاتية هذه المرة خاصة وان احدى طالباته  وهى مسلمة من المغرب  و تدعى هدى واجهته بانه لا يعرف الاسلام بشكل  صحيح او سليم . وقاده ذلك الى اعادة النظر فى مجمل أفكاره ودراسته عن الاسلام على وجه الخصوص والدين عامة وهو ما استغرق حوالى ٨ سنوات  فى تأليف الكتاب .  الفكرة المحورية فى الكتاب لا تدور حول الاعتقاد المسيحى بألوهية المسيح بل عن المسيح كزعيم سياسي وصاحب برنامج للعدالة الاجتماعية  تماماً كما فى الاسلام . ويقول بروفسور روبرت  :  (  اعدت التفكير والنظر فى الاسلام ووصلت الى نتيجة انه حركة عدالة اجتماعية وهو ما كان عليه المسيح فى القرن الاول وتاليا  فان من المنطقى ان يكون هو  مسلما كذلك) . وكما نعرف فان مجيء السيد المسيح كان قبل اكثر من الفى عام  تقريبا ووقعت بعثة النبى صلى الله عليه وسلم بعده  حوالى ٦١٠ م.
    قد نعلم ان الدين هو تاريخ الإيمان ولا  يستقيم ان نتجاهل المحمول الروحى للأول لكن فكرة ان الدين هو حركة  عدالة اجتماعية  تمنحه  من بعد الزخم والطاقة اللازمة  فى احداث التغيير وبحيث يصبح اداة ووسيلة للناس فى تحقيق الانتقال والثورة.
    وحول الكتاب الذى اثار ضجة عند صدوره ثم تبعه تجاهل وصمت تام يقول بروفسور روبرت  انه أعاد تقييم معظم الاطروحات والمسلمات التى درسها فى السابق وتبينت له مفاجاة ان العديد من الباحثين يقولون نفس الأفكار التى وردت فى كتابه .وهو يعتبر  الكتاب  بمثابة دعوة للمسيحيين والمسلمين على السواء للعمل معا من اجل  بسط  دعوة العدالة الاجتماعية. وهى كما نلحظ حالة غائبة فى  فهمنا للدين فالمسيحى ينظر الى عيسى عليه السلام باعتباره مخلصا روحيا فحسب اما المسلم فانه ينظر الى دينه ناقصا هذا البعد الهام الذى يمنح المجتمع فى افراده والجماعة  المقدرة على تحقيق قيمية  وممارسة العدالة الاجتماعية وهى  وسيلة كل الأديان للتغيير .
    وقد نظر الشاعر العراقى الراحل بدر شاكر السياب الى بعض هذا المعنى فى قصيدته بعنوان :  المسيح بعد الصلب

    بعدما أنزلوني سمعت الرياح

    في نواح طويل تسف النخيل

    و الخطى و هي تنأى إذن فالجراح

    و الصليب الذي سمروني عليه طوال الأصيل

    لم تمتني و أنصتّ كان العويل

    يعبر السهل بيني و بين المدينة

    مثل حبل يشدّ السفينة

    و هي تهوي إلى القاع كان النواح

    مثل خيط من النور بين الصباح

    و الدجى في سماء الشتاء الحزينة

    ثم تغفو على ما تحسّ المدينة

    حينما يزهر التوت و البرتقال

    حيت تمتدّ جيكور حتى حدود الخيال

    حين تخضرّ عشبا يغنّي شذاها

    و الشموس التي أرضعتها سناها

    حين يخضرّ حتى دجاها

    يلمس الدفء قلبي فيجري دمي في ثراها

    قلبي الشمس إذ تنبض الشمس نورا

    قلبي الأرض تنبض قمحا وزهرا و ماء نميرا

    قلبي الماء قلبي هو السنبل

    موته البعث يحيا بمن يأكل

    في العجين الذي يستدير

    ويدحى كنهد صغير كثدي الحياة

    متّ بالنار أحرقت ظلماء طيني فظلّ الإله

    كنت بدءا و في البدء كان الفقير

    متّ كي يؤكل الخبز باسمي لكني يزرعوني مع الموسم

    كم حياة سأحيا ففي كل حفرة

    صرت مستقبلا صرت بذرة

    ذرت جيلا من الناس في كل قلب دمي

    قطرة منه أو بعض قطرة

    هكذا عدت فاصفرّ لما رآني يهوذا

    فقد كنت سره

    كأن ظلا قد اسود مني و تمثال فكرة

    جمّدت فيه و استلّت الروح منها

    خاف أن تفضح الموت في ماء عينيه

    عيناه صخرة

    راح فيها يواري عن الناس قبره

    خاف من دفئها من محال عليه فخبّر عنها

    أنت أم ذاك ظلي قد أبيضّ وارفضّ نورا

    أنت من عالم الموت تسعى هو الموت مرّه

    هكذا قال آباؤنا هكذا علمونا فهل كان زورا

    ذاك ما ظنّ لما رآني و قالته نظرة

    قدم تعدو قدم قدم

    القبر يكاد بوقع خطاها ينهدم

    أترى جاءوا من غيرهم

    قدم قدم قدم

    ألقيت الصخر على صدري

    أو ما صلبوني أمس فها أنا في قبري

    فليأتوا إني في قبري

    من يدري أني من يدري

    ورفاق يهوذا من سيصدق ما زعموا

    قدم قدم

    ها أنا الآن عريان في قبري المظلم

    كنت بالأمس ألتف كالظن كالبرعم

    تحت أكفاني الثلج يخضل زهر الدم

    كنت كالظل بين الدجى و النهار

    ثم فجرت نفسي كنوزا فعرّيتها كالثمار

    حين فصلت جيبي قماطا و كمّي دثار

    حين دفأت يوما بلحمي عظام الصغار

    حين عريت جرحي و ضمدت حرجا سواه

    حطم السور بيني و بين الإله

    فاجأ الجند حتى جراحي و دقات قلبي

    فاجأوا كل ما ليس موتا و إن كان في مقبرة

    فاجأوني كما فاجأ النخلة المثمرة

    سرب جوعى من الطير في قرية مقفرة

    أعين البندقيات يأكلن دربي

    شرع تحلم النار فيها بصلبي

    إن تكن من حديد و نار فأحداق شعبي

    من ضياء السماوات من ذكريات و حب ّ

    تحمل العبء عني فيندى صليبي فما أصغره

    ذلك الموت موتي و ما أكبره

    بعد أن سمّروني و ألقيت عينيّ نحو المدينة

    كدت لا أعرف السهل و السور و المقبرة

    كان شيء مدى ما ترى العين

    كالغابة المزهرة

    كان في كلّ مرمى صليب و أم حزينة

    قدس الربّ

    هذا مخاض المدينة

    وفى دراسة ممتعة عن القصيدة لطونى
    عيسى نشرت فى جريدة الجمهورية بتاريخ ٣ ابريل ٢٠١٥م قال :  (
     من المؤكد أنّ بدر شاكر السيّاب، المولود في بلدة جيكور العراقية، في العام 1926، تعرّف إلى مشهد الصلب ومقدماته (العشاء الأخير...) ومُستتبعاته (القيامة...)، وعلى الأرجح من خلال مصدرين مبدئيّين: الأوّل من القرآن الكريم الذي أورد في سورة النساء ما يأتي: «وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا 157 بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيماً 158 وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً 159«. والثاني من البيئة العراقية المتأثرة جداً، خصوصاً في زمن كتابة القصيدة (1957) بالتراث المسيحي الأشوري والكلداني) . انتهى
    والطريف ان لويس فرقان زعيم جماعة أمة الاسلام فى أمريكا يصل الى نفس النتيجة استدلالا بالإنجيل ويشير الى ان الكتاب المقدس يذكر ان المسيح قال :  مشيئتك ولم يقل مشيئتى فى إشارة الى  استسلام المسيح  وخضوعه للإرادة الإلهية . ويضيف ان  الاستسلام فى اللغة العربية وفقه الدين يعنى الاسلام.

    حسين التهامى