عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

    سنة ٢٠٠٩م عدت الى الخرطوم قادما من الولايات المتحدة الامريكية حيث أعيش واعمل . كانت  دواع العودة عائلية  وبعد قضاء بعض  الواجبات الاسرية و الاجتماعية ولقاء عدد من الأصدقاء طلبت الى احدهم  - وهو من المقربين جدا الى نفسى - ان ينتهى بِنَا الى مكتب او منزل د. الترابى.وسالنى الصديق  :  وماعندك؟
    فقلت له :  واجب السلام كما أريد ان انقل اليه ان المفاصلة ليست شرا كلها بل هى اقرب الى معانى الآية الكريمة  :  { وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: ٢١٦] . وكنت سأضيف الى ماسبق من القول  :  ان المفاصلة منعت الحركة الاسلامية ان تتحول الى الحزب الطائفى الثالث فى السودان  وتلاميذك ادوا واجبهم فى  فى مفارقة الاستاذ كما حال الأبناء فى المروق من طوع الأب ولو لم يفعلوا لما كانوا جديرين يالتلمذة او البنوة .
    غير ان صديقي ذاك كان له رأى اخر مفاده ان الزيارة لن تخدم غرضا وان من  الأصوب لى ان انتفع بوقتى ووقته وجهدى وجهده فى ما يحقق  خيرا . وبدا لى  ان منطقه معوج ولكن حماسه فى شرحه ابطل رغبتى  فى إتمام تلك الزيارة  والحديث الى د. الترابى  وخاصة ان صديقى ذاك كان يبذل لى وقته وسيارته الخاصة فى تنقلاتى وقضاء المشاوير والزيارات فى أنحاء الخرطوم المختلفة وبدا لى انه من غير  اللائق ان  أكرهه على توصيلى الى مكتب او منزل د. الترابى  . ثم مضى بى  وبه  الوقت الى ان وجدت نفسي وقد قفلت راجعا ومغادرا  السودان الى الولايات المتحدة الامريكية وقد غفلت عن امر تلك الزيارة وشغلت عن  غرضها الذى قدمت فلم تتحقق او تقع الا فى الخيال .
    ومنذ ذلك الوقت جرت  تحولات واحداث  عديدة وضخمة - لعل أهمهامن حيث التأثير  غياب د. الترابى بالموت  فى مارس من هذا العام - ولكننا كبلد وأناس  بقينا   فى قلب عاصفة الانتقالات المقبلة والارتكاسات التى تحدق بِنَا من كل صوب. فقد ظللنا رسميا  منذ ٣٠ يونيو ١٩٨٩م اسرى مشروعه الفقهي والسياسي ولكننا لم نتقدم الى الامام قيد انملة . ولا شك ان د.  الترابى قد امتلك مقدرات فذة فى التعبئة والتنظيم  وظفها بجدارة فى توسعة كسب الحركة الاسلامية فى السودان لكن الامر انتهى به وبها ان تتحول الى طائفة او نحلة Cult تأتمر لشخص واحد او عدد محدود  وذات  هيئة  وسلوك بعينه وتكاد تكون منغلقة ويتطلب الانتماء اليها شروطا محددة وتديرها حلقة مغلقة من الأشخاص على النحو الذى نراه الان فى السودان .واحيل القارىء الى مقال :  الدكتور حسن الترابي ومقاربة التجديد .. بقلم: خليفة محمد السمري المحامي والذى نشر فى سودانيل بتاريخ ال١٠ من شهر مايو ٢٠١٦م  وَمِمَّا جاء فيه فى اخره  :   (  أقول إن كان للدكتور حسن الترابي عليه رحمة الله من ثمرة، فثمرته، أنه بجرأته المعهودة ، قذف حجراً في آسن الجمود الفكري الذي ضرب بأطنابه على الفقه والفكر الإسلاميين ، فأشار عليه رحمة الله مثل كثيرين للداء لكنه لم يوصِّف علاجاً، وحاول نقل الدين إلى رحاب صناعة القرار السياسي لكنه لم يبدع لا أصولاً شرعية ولا مناهج وضعية تخدم قضية الوطن، وإنما شغل نفسه بكيد السياسة والغالب فيها والمغلوب، فأنتج تناقضات عبقرية هزمت مشروعه في لحظة الميلاد). انتهى
      فغياب الحرية قيمة وممارسة  يودى بالانسان من حيث هو مطلق إنسان  ويسلبه أعز ما وهبه المولى عزوجل بعد العقل   . وغياب الحرية يؤدى حتما الى انتفاء التعددية والتنوع وغلبة حالة الاقصاء وهى نزعة  تؤدى بدورها الى احتضار المجتمع ومن ثم موته فى النهاية . وهاتان من سَنَن  تاريخ النوع الانساني فلا فكاك منهما. وبالحقيقة ان مجتمعنا ظل يعيش على هامش الحياة بسبب من غياب الحرية  لكننا حفظنا  فضيلة التعددية وقبول الاخر  الامر الذى سمح لنا بالبقاء وعدم الفناء لكن ذلك  لم يعد  الان سوى ماض  فحسب .
    وعلى سبيل الإشارة والمقارنة انظر مثلا التحولات العميقة الغور فى ايران او المملكة العربية السعودية على  وجه الخصوص - والانتقال ١٨٠ درجة من الحالة او الوضعية الاقصائية والراى الواحد -   من حيث انتزاع المزيد من الحريات والقبول بدرجة من الاخر المختلف دينيا وسياسيا وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا.  
       فى إصداره الجديد "الآخر والآخرون في القرآن" (منشورات "دار التنوير"، القاهرة ٢٠١٥م )، يحاول المفكّر التونسي يوسف الصدّيق (١٩٤٣م ) التطرّق إلى مجالات نظرية تشكّل إضافة نوعية إلى مفهوم "الآخر" في القرآن.
    ( ودلالة مفهوم "ختم النبوّة/ الوحي"، في هذا السياق، وباعتباره منطوقاً، فهو يضمر في طيّاته مسكوتاً عنه يكاد يضارعه من حيث الأهمية الانطولوجية، نعني بداية حقبة الاحتكام إلى العقل، أو بتعبير آخر فتح الظاهرة الدينية التوحيدية على مجهودات العقل الإنساني وعلى تماساتها الفلسفية، وهو ما جرى طمسه بعنف في مراحل عديدة مفصلية، منها ما جرى مع فيلسوف قرطبة ابن رشد). انتهى انظر للمزيد العربى الجديد بتاريخ ٢٠ ابريل ٢٠١٦م .
    وعودة الى د. الترابى وتلاميذه الذين اعتراهم حياله  ماوصفه عالم النفس سيجموند فرويد بعقدة اوديب وبعيدا عن التفسيرات الجنسية المتعلقة بهذه الحالة فان مقصدى منها هو رمزية الحكاية الأصلية وهى تقول   :   (  في العصر القديم كان هناك ملك إغريقي أنجب أبن يُدعى أوديب و كانت من عادات الإغريق  أن يقوموا بقراءة مستقبل ابناءهم عند ولادتهم فقرأ الكهنة  انذاك مستقبل أوديب و قالوا للملك أن ابنه أوديب سيقوم بقتله و يتزوج من امراءته التي هي ام اوديب فأمر الملك بأن يتولى أمر أوديب الحرس و ذلك بقتله الا أنهم قاموا بإعطاءه لمزارع لديهم فقام بتربيته  . و في احد الأيام كان أوديب في حانة و كان فيها بعض من يُطلق عليهم المستبصرون و ذلك  لإعتقادهم بأنهم على إطلاع كامل على المُستقبل, فقرأ العرافون  لاوديب مستقبله و قالوا له أن سيقتل ابوه و يتزوج أمه. فخاف أوديب إعتقاداً منه أنه سيقوم بقتل اباه المزارع و امه زوجة المزارع لذا قرر أن يترك المدينة و يذهب إلى مدينة تُدعى  ثيبس (مسقط رأسه) و قبل دخوله  اليها كان هناك جسر للمرور, اثناء عبوره لذلك الجسر واجه موكب ملك ثيبس (والده الحقيقي) فطلب منه الحرس التنحي جانباً ليعبر الملك الا أن الاعتداد  بالنفس  الذي رباه  عليه  المزارع جعله يرفض ذلك و قتل الملك و الحرس. و لم يكن على معرفة بأن الشخص الذي قتله هو ملك ثيبس, عند وصوله إلى المدينة كان يمنع من دخولها حيوان خرافى يطلق عليه  سفنكس و ليتمكن اي احد من دخول أو الخروج من هذه المدينة يلزم عليه حلّ  اللغز الذى يطرحه عليه , استطاع اوديب بقدرته حلّ هذا اللغز و تخليص المدينة من اللعنة ووصل ايضاً خبر مقتل ملك ثيبس فلم يكن هناك أجدر من اوديب البطل أن يخلف الملك, فتزوج ارملة الملك (أمه الحقيقية). وأنجب منها ابناء و بعد فتره انتشر الطاعون فأتى بمُستبصر ليعلمه ما سبب ما يحدث اجابه بأن هذه اللعنة هي بسبب أن الملك السابق قُتل و لم يؤخذ بثأره, فسأل أوديب زوجته عن اسباب مقتل زوجها و كانت تجيبه بأنه قاطع طريق قتله و لم تكن على علم بأن اوديب (زوجها|ابنها) هو من قتله و بعد التحقيق و البحث جاء المزارع (والده) وأخبرهم الحقيقة كامله وصُدمت الملكة و قالت انها حصلت على ولد من الولد و زوج من الزوج فشنقت نفسها وأما صدمة (عُقدة) أوديب كانت كبيره جداً لم يستطع تحملها ففقع عينيه الاثنتين بيده لانه لم يتمكن من معرفة الحقيقة و هي امامه).
    العينان اللتان سنبصر بهما   الحقيقة التى أمامنا هما :  الحرية والتعددية . فماذا نحن فاعلون؟