النكتة المتداولة فى أوائل التسعينات كانت تقول: كان السفير الامريكى فى الخرطوم يقرأ  فى التقارير الدورية  التى ترصد الأحوال فى السودان عندما طالع فى أحدها ان التلفزيون الرسمى والإذاعة  يبثان نشيدا جهاديا  يقول : أمريكا روسيا قد دَنَا عذابها *** على ان لاقيتها ضرابها.

والضراب هو القتال.

ورفع السفير الامريكى راْسه وسال متعجبا : كليهما فى ذات الوقت !؟ وتقول رواية اخرى انه سال : وماذا عن الصين ؟

ومنذ التسعينات وحتى يوم الجمعة ٢ من شهر أكتوبر الحالى تغيرت صورة المشهد بدرجة لا يمكن قياسها . وفى حقيقة الامر ان التحول فى علاقات الحكومة السودانية  والإدارة الامريكية  بدأ بعد احداث ١١ سبتمبر وتوج بزيارة مدير جهاز الامن العام والمخابرات  السودانية  السابق صلاح عبدالله الى مقر جهاز الاستخبارات الامريكية المركزية  فى لانغلى عام ٢٠٠٥م .ولكن تصنيف الحكومة السودانية فى الدوائر الامريكية الرسمية  ظل على حاله ويصفه  بيت شعر للمتنبي يقول فيه  : 

ومِنْ نَكَدِ الدُنْيا على الحُرٍ أنْ يَرى *** عَدُواً لهُ مَا مِنْ صَدَاقَته بُدُّ .

   فقد إعتمدت الدورة  ٣٠ لمجلس حقوق الإنسان  بتاريخ الجمعة  ١٠/٢/ ٢٠١٥م بجنيف مشروع القرار الخاص بحالة حقوق الانسان في السودان الذي أعدته بعثة الولايات المتحدة الأمريكية لدي الأمم المتحدة وتبنته الحكومة السودانية وتم تقديمه من قبل الجزائر نيابة عن المجموعة الافريقية. وابقى فيه السودان تحت البند العاشر والخاص بما يوصف ب (المساعدة التقنية وبناءالقدرات). وذلك بدلا من البند الرابع (حالات حقوق الإنسان التي تتطلب اهتمام المجلس).وابقى مجلس حقوق الإنسان  على السودان تحت البند العاشر، وذلك دون أي تصويت تحت بند (الإشراف). وقرَّر تجديد ولاية الخبير المستقل المعني بحالة حقوق الإنسان في السودان لمدة سنة واحدة.

ومع  وافر الاحترام لجهود الدبلوماسية السودانية واتصالات  وزير الخارجية بروفسور غندور الا ان القرار لم يكن له علاقة بالدبلوماسية السودانية من قريب او بعيد .

وحسبما قال لى مسؤول امريكى مفسرا موقف بلاده فان المسالة تتعلق بعدم رغبة الادارة الامريكية ان تبدو امام العالم والراى العام الدولى اقرب من اللازم من  حكومة ذات سجل وسخ كما وصفه Dirty Record فى  ما يختص بحقوق الانسان. وهى حالة الصداقة -وعلى وجه ادق التعاون او المشاركة Enragement التى تنتهجها إدارة الرئيس الامريكى اوباما فى التعامل مع الدول المارقة - الاضطرارية التى وصفها بيت شعر المتنبي الذى قدمت. والحال هذه يتعين  ان لا يتم ضبطها متلبسة بالجرم المشهود وهى تتعامل مع نظام او حكومة ذات سجل مخجل فى انتهاك حقوق الانسان.

 وهكذا دخل السودان فى ما يطلق عليه لعبة الامم التى  اوردها ضابط وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية سي اى ايه السابق مايلز كوبلاند فى كتابه الشهير ( لعبة الامم). فقد ذكر المترجم للنسخة العربية :(يقول زكريا محى الدين نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة سابقاً فى محاضرة استراتيجية ألقاها بالكلية العسكرية المصرية في مايو عام ١٩٦٢م متحدثاً عن " لعبة الأمم ": (إنها لعبة تختلف عن غيرها من انواع اللهو واللعب مثل البوكر أو الحرب أو التجارة فى عدة نواح مهمة وهى) :أولاً : لكل لاعب فى هذه اللعبة أهدافه الخاصة التى تختلف عن أهداف الآخرين، كما أن تحقيق هذه الأهداف هو مقياس نجاحه.ثانياً: كل لاعب فى هذه اللعبة مجبر بظروفه داخل بلاده على القيام بأعمال وتحركات ضمن مجال اللعبة دون أن يكون لها علاقة باسباب النجاح بل يمكن أن تقلل من فرصة النجاح نفسه.ثالثاً: فى لعبة الأمم لا يوجد فائزون البته، بل الكل خاسرون، لهذا لم يكن حرص كل لاعب على النجاح بقدر ما هو تجنب الضياع والخسارة.إن الهدف المشترك لجميع اللاعبين  فى " لعبة الأمم" هو رغبتهم فى المحافظة عليها مستمرة دون توقف. ذلك لأن توقف هذه اللعبة " لعبة الأمم" – لا يعنى سوى شئ واحد ألا وهو " الحرب")  . انتهى

 وفى لعبة الامم هذه  ماذا قدمت الحكومة بالمقابل ؟  فى تصريحات ل (اليوم السابع) المصرية   هذا الاسبوع:(  نفى سفير السودان لدى القاهرة عبدالمحمود عبدالحليم، أن تكون بلاده قد قدمت أي تنازلات إزاء الحصول على قرار مجلس حقوق الإنسان بجنيف، بالإبقاء على السودان تحت البند العاشر، بدلاً عن البند الرابع. ووصف عبدالحليم قرار الإبقاء على السودان تحت البند العاشر، بأنه انتصار للسودان مع المجموعة العربية والأفريقية وعدم الانحياز على المشروع الغربي، الذي كان يريد تحويل السودان إلى البند الرابع. واضاف السفير السوداني لـ (اليوم السابع)  إن القرار يمثل نجاحاً كبيراً للدبلوماسية السودانية، وهزيمةً للأطراف التي تريد تسييس القضية، باستغلال حقوق الإنسان لتحقيق مآرب سياسية، مضيفاً أن حقوق الإنسان هي جزء من تكوين الشخصية السودانية. وأشار إلى أن بلاده عضو في كل المنظمات الحقوقية. وقال إن السودان ساهم كثيراً في تعزيز هذه الحقوق، لأنه حق أصيل من حقوق الشعب.)؟!. انتهى [ علامتا السؤال  والتعجب من عندى].

المطلوبات الامريكية  للتذكير لا الحصر تشمل الحرب على الاٍرهاب ،واستقرار دولة جنوب السودان وتقليص النفوذ الروسي فى افريقيا ومنافسة الزحف الصيني الإقتصادى فى الاستحواذ  على ثرواتها.

اما حقوق الانسان فهي فى اخر القاءمة ولعل ذلك من حسن حظنا ان نتحصل على حقوقنا خدمة ضراعنا لا يمنحنا او يهبها لنا  احد . حقنا فى الحرية والعدالة والمساواة والكرامة الانسانية.ولا يظنن احد  ان غاية السياسة هى الحكم ، بل و كما فى الدين فان الغاية هى الانسان .

حسين التهامى

كويكرتاون ، الولايات المتحدة الامريكية

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.