شغل الفساد ما ظهر منه وما بطن حيزا كبيرا فى  اهتمامات وهموم  الراى العام فى المجالس الخاصة والصحف والوسائط الإعلامية  وغيرها وتصاعدت وتيرة ونبرة الاستنكار والرفض لاشكاله المختلفة وتكون نتيجة لذلك توجه محمود  لا يمكن تجاهله   فى المطالبة بمواجهته ومحاربته حتى لا يتحول الى وحش كاسر يلتهم كل شىء وقد كاد ! ولا ريب ان تلك علامة ظاهرة على صحة قيم المجتمع فى بلادنا ان ينهض الى رفض الفساد وباطله جميعه فلا يغنى الباطل عن الحق شيئا . وأثمر ذلك عن ضغط قوى ومحسوس رغم انه غير مرىء  دفع الحكومة الى الانتقال من وضع التظاهر بعدم وجود الفساد ابتدأ الى الاعتراف بانه مشكلة حقيقية يتعين البحث عن حل لها.

وفى كتابه القيم الذى صدر عام ٢٠٠٩م  بعنوان : (الفقر والفساد فى العالم العربى ) يقول الاستاذ سمير التنًير:( تعرف منظمة الشفافية العالمية الفساد بانه استغلال السلطة من اجل المنفعة الخاصة . اما البنك الدولى فيعرفه بانه إساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص فالفساد يحدث عادة عندما يقوم موظف بطلب او قبول رشوة او ابتزاز لتسهيل عقد او اجراء  لطرح مناقصة عامة كما يتم عندما يقوم وسطاء او وكلاء   لشركات او اعمال خاصة بتقديم رشى للاستفادة من سياسات او إجراءات عامة للتغلب على منافسين او تحقيق أرباح خارج إطار القوانين المرعية . كما يقع الفساد ايضا من دون الرشوة عن طريق استغلال الوظيفة العامة وذلك بتعيين الاقارب او سرقة أموال الدولة مباشرة).

ويمضى ليقول: (من هذا التعريف يمكن تبين آليتين رئيسيين من اليات الفساد أولهما آلية دفع الرشوة او العمولة الى الموظفين والمسؤولين وعادة بطرق غير مشروعة فى القطاعين العام او الخاص. اما الثانية فهى مقنعة ويقوم المسؤول  فى الموقع السياسى باستغلال مركزه من اجل تحقيق مصلحة خاصة).انتهى

ورغم ظهور تعريفات اخرى الا ان الانسان   بفطرته السليمة  لا يحتاج الى العلم باي تعريف مطلقا للفساد ليصف اى حالة مطلقا لاى نوع فساد  ايضا.

وفى حلقة نقاش عقدت   بتاريخ  ١٢ فبراير ٢٠١٢م  بوزارة مجلس الوزراء  تحت  عنوان :محاربة الفساد وتحقيق الشفافية في الدولة وشارك فيها أ.د. البخاري عبد الله الجعلى ،د. محمد احمد سالم العوض، د. بركات موسى الحواتي، د..عادل عبدالعزيز , د.سيد علي أحمد زكي، د. أحمد شريف عثمان , د. الكندي يوسف، د. محمد حسين سليمان ابو صالح،. د.يوسف الكودة،ا .عبد الباسط عبد الماجد ،م. عثمان ميرغني،أ. حاتم حسن بخيت.و اتفق المشاركون على ان: (هنالك الكثير من التعريفات العامة للفساد وقد عرفه الدكتور الواثق كمير والدكتور ابراهيم الكرسني في بحثهما (الفساد عامل الإنتاج الخامس) بأنه (إستعمال السلطة في تحقيق فائدة أو محسوبية أو وجاهة لمصلحة فرد أو جماعة أوطبقة بطريقة تشكل خرقاً للقانون أو المفاهيم التي صاغتها الأعراف والأخلاق) .

وانتهوا الى مسالة الفساد السياسي  وهو ما:(يؤدي  عدم الإستقرار السياسي وسلب حريات المواطنين وعدم إشراكهم في إتخاذ القرارات فضلاً عن إتباع سياسات تنموية لم يقدر لها النجاح إلى تمركز السلطات في أيدي فئات محددة مما يؤدي إلى تدهور الاوضاع وإزدياد جرائم إستغلال النفوذ والتعيين بدون مؤهلات ومخالفة القوانين والأعراف والتعاليم فضلاً عن طبيعة البناء الحكومي الذي يشجع ويساعد في حد ذاته على إنتشار الفساد). انتهى [ يعنى الحكومة عارفه ، وهو فى حد بيعرف أحسن من الحكومة على قول الممثل المصرى عادل امام!].

غير ان  بروفسور  جارى بيكر الحاصل على جائزة نوبل فى الاقتصاد وأستاذ علم الاقتصاد والاجتماع فى جامعة شيكاجو الامريكية  يشير  فى مقال له نشر فى بروجكت سندكيت بتاريخ ٢٦ فبراير ١٩٩٨م  بعنوان :أسباب ومعالجات الفساد ) الى  :(فشل اى توجه مهما كان مخلصا لمحاربة الفساد واقتلاعه او حصاره فى أضيق نطاق حد ممكن الا فى حالة واحدة وهى انسحاب الحكومة من الاقتصاد بالكامل وتقليص القوانين واللوائح التى تهدف الى تنظيم حركة النشاط الإقتصادى الى اقل مايمكن ).انتهى

المخيف فى ظاهرة الفساد عندنا - وكأنما الفساد وحده لا يكفى لبعث الخوف من اثاره وتأثيره المُهلك - هو ما يوصف بالتجنيب او أخذ مبالغ مالية  نظير خدمات او رسوم ولا يتم توريدها للخزينة العامة وهى حالة مافوية - من المافيا - بامتياز. والطريف ان مسوءولا تم توقيفه  موءخرا بسبب شبهة اختلاس ذكر انه صرف المبلغ موضوع الاختلاس على الانتخابات الاخيرة ! فتأمل ومن بعد تألم.

وحتى موءسسة مثل البنك الدولى على خطل وصفاته لعلاج الخلل فى اقتصادنا لحظ تأثير الفساد على الاقتصاد وقال ممثل البنك فى الخرطوم فى مقابلة نشرت فى صحيفة التيار بتاريخ ١٧ من هذا الشهر :( عندما نعمل مع السودان في مسألة الفساد فإن عملنا يتمحور في ما نسميه إدارة الأموال العامة، هذا يحيلنا إلى ما قلته مسبقاً عن أن النمو شيء مهم لكن ما يساويه في الأهمية هو ما يختار السودان فعله بعوائد هذا النمو، حتى نكون محددين، لدينا حالياً مشروع بقيمة  ٥ ملايين دولار يسمى "مشروع تعزيز كفاءة الميزانية"، وهدف المشروع هو تقوية قدرات السودان في إدارة المال العام على كلا من المستوى الاتحادي والولائي، وتقوية إدارة المال العام تعني- أيضاً- إدخال المزيد من المحاسبية والشفافية في كيفية استخدام الحكومة لعوائد الضرائب والموارد الداخلية). انتهى

وعودة الى كتاب (الفساد والفقر فى العالم العربى )الذى ورد أعلاه فان للفساد نتائج وخيمة على المستوى السياسي والاقتصادى والاجتماعى اذ يخفض من مستوى الأداء الحكومى ويشيع اجواء من عدم النقاء والإحساس بالظلم ويؤدى تاليا الى تقويض الشرعية السياسية للدولة .

قد نعلم ان الفساد هو عرض اخر لغياب الحرية فى مجتمعنا ومن ثم العدالة فحسب الفيلسوف السياسي  امارتيا صن  فان توفر  الحريات العامة والسياسية للأفراد  هو الخطوة الأولى لتحقيق العدالة، وهي تحقيق للمساواة أيضاً وبذلك نكون قد اعترفنا بإنسانية الإنسان، وينتهى صن من تحليله المعمق لفكرة العدالة  إلى القول بأن "الاقتراب من العدالة لا يتحقق إلا بالديمقراطية" أي الحكم من خلال الحوار والتعددية  وسواء اكنا مع أنصار التفكير المثالي أو من أنصار المنهج المقارن مع صن  فإننا لا نملك الا الإقرار بأنه لا عدالة بدون حرية، وقديماً قال فقهاء المسلمين أن "العدل أساس الملك"،

حسين التهامى

كويكرتاون ، الولايات المتحدة الامريكية

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.