وإذ يكمل من العمر قرنا من الزمان الا قليلا  نشر المستشرق - وهو فى اعتقادى شيخ المستشرقين فى عصرنا الحالى - برنارد لويس فى سنة ٢٠١٢م أحدث كتاب له   وجاء بعنوان : (ملاحظات عن قرن من الزمان..تأملات مؤرخ للشرق الأوسط) وهو سيرة ذاتية .فمن هو ؟

 فى عدد الجمعة ٢٩  مارس ٢٠١٣ م نشرت صحيفة الحياة اللندنية مقالا بقلم ريتا فرج حمل عنوان: برنارد لويس ... المستشرق الكلاسيكى . وجاء المقال متوازنا وموضوعيا الى حد كبير وسط صخب بعضه عن حق وجله تجريمى فى حق برنارد لويس . وانقل الى القاريء قسما من المقال المذكور مما يتيح له التعرف على أفكار ومجالات بحث لويس. (يُعد برنارد لويس  والذى ولد عام ١٩١٦م آخر ممثل للاستشراق الكلاسيكي بعد مكسيم رودنسون وكلود كاهين ولويس غارديه وسواهم، وقد اكتسب موقعه العلمي كمتخصص في الفترة العثمانية، إلاّ أن شهرته أتت أيضاً بسبب دعمه لإسرائيل، ما دفعه إلى التبرع بمكتبته إلى مركز موشيه دايان بعد وفاته، وكانت له مواقف ربما لم تكن مفاجئة حين أنكر المجازر التي قام بها العثمانيون بحق الأرمن، كما أنه يعتبر من بين أكثر الكتّاب الغربيين قرباً من دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، وطالما سعى إليه السياسيون الأميركيون عبر مراكز بحثية انخرطت في العمل السياسي، خصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من  سبتمبر ٢٠١١م  أي تلك المراكز التي تسمى في الولايات المتحدة بـ «خزانات الفكر» Think Tank.ولد لويس من أسرة يهودية في لندن، وفي عام ١٩٣٦م  تخرج في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في بريطانيا، وحصل على الدكتوراه من الكلية نفسها. ويُجيد لويس اللغات العبرية والآرامية والعربية واللاتينية واليونانية والفارسية والتركية، وهو الآن أستاذ فخري بريطاني - أميركي لدراسات الشرق الأوسط في جامعة برنستون في الولايات المتحدة (حصل على الجنسية الأميركية عام ٢٩٨٢م ) وما زال يحتفظ بهذا المقعد إلى اليوم، ومعلوم أن الجامعات الأميركية لها تاريخ في استقدام المستشرقين لدعم الدراسات العربية والإسلامية لديها، ومن بين هؤلاء هاملتون جب الذي استقدمته جامعة هارفرد، غوستاف جرونبوم الذي دعته جامعة كاليفورنيا.ينتمي لويس إلى الاستشراق الأميركي الجديد أي ذلك الاستشراق الذي أحدث تحولاً وظيفياً من خلال انتقال المستشرق التقليدي إلى خبير ومستشار في مراكز البحث الأميركية التي ترسم السياسات الخارجية تجاه العالم العربي والإسلامي، إذ اعتمدت الإدارة الأميركية، خصوصاً في عهد جورج بوش الابن على خلاصات بعض المناوئين للعرب والإسلام وفي طليعتهم مارتن كريمر (تلميذ لويس)، ودانييل بايبس.بعد حرب الأيام الستة كتب لويس أول مقال له حول الصراع العربي - الإسرائيلي واستنتج «أن الإنسان الذي يتمتع بإرادة طيبة من الصعب أن يكون معادياً لإسرائيل من دون أن يكون ضد العرب».وضع لويس حوالى ثلاثين مؤلفاً الجزء الأكبر منها يعالج قضايا الإسلام وتاريخ الامبراطورية العثمانية والدراسات الشرق أوسطية، كان آخرها «Faith and Power: Religion and Politics in the Middle East» (الإيمان والسلطة: الدين والسياسة في الشرق الأوسط - 2010). ولم يكن صاحب «فرقة الحشاشين» بمنأى عن الحركات الاحتجاجية في العالم العربي، وقد أطلق بعض التصريحات، وهو الذي قدم النصحية لواشنطن وأوروبا من أجل الإقرار بالإسلاميين إثر وصولهم إلى السلطة. وقد رأى أن هذا الأمر يسمح بتحييد الاتجاه الإسلامي الراديكالي، وسيدفعهم إلى الاعتراف بإسرائيل أو على الأقل عدم المساس باتفاقيات السلام الموقعة، كما أنه راهن على الصراع المذهبي ما يؤدي إلى تخفيف الضغط على إسرائيل. (هاشم صالح: الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ).يعتقد لويس أن الإسلام يفتقر إلى النقد التاريخي للنصوص الدينية، كما حصل في المسيحية الغربية، وقد عمق فرضيته في كتابه المشار إليه سابقاً «أزمة الإسلام»، وهو لا ينكر وجود اتجاه عقلاني/ نقدي حين كان المسلمون في ذروة حضارتهم و «لا ريب في أنه وُجِد لاهوت عقلاني أو ليبرالي أيام المأمون والمعتزلة والفلاسفة وابن رشد، ولكنه ضمر ومات منذ زمن طويل، وانتصر عليه التيار الحَرْفي المتشدد منذ سبعمئة سنة على الأقل أي التيار المتمثل بالمذهب الحنبلي. وربما وجد اللاهوت الليبرالي أي التفسير العقلاني الحر للدين مستقبلاً في الإسلام كما حصل في المسيحية الأوروبية بعد عصر التنوير، أما الآن فلا يوجد شيء من هذا القبيل، وهذا الفهم الانغلاقي يتعارض كلياً مع الحداثة العلمية والفلسفية المعاصرة).انتهى

وقداتيح لى بعض من وقت لقراءة كتاب لويس عن سيرته الذاتية والذى ذكرته فى اول هذا المقال والذى جاءت مناسبته لا لمعالجة أفكاره ومجالات بحثه - على مقدرتها فى الإغواء كما فى حالتى او الاستفزاز كما فى حالة  المفكر الفلسطيني الراحل ادوارد سعيد صاحب الأطروحة الشهيرة «الاستشراق»، وقد أحدثت أفكاره تأثيراً في مجمل الخطاب الاستشراقي المعاصر كما لاحظت ريتا - بل ما ورد عن السودان فى تلك السيرة الذاتية وقد خصص له الصفحات من ١٠٨ الى ١١٢   فلننظر ماذا قال.

ويبدأ لويس بالاشارة الى ان العرب بعد فتح مصر فى القرن السابع  من الميلاد أطلقوا اسما عاما على الإقليم الواقع بين مصر وإثيوبيا وهو بلاد السودان وهو اسم قد لا يستسيغه البعض  فى الغرب او أمريكا  فى العصر الراهن الا انه دقيق من ناحية ان سكان الإقليم من الشمال الى الجنوب هم سود البشرة من وجهة نظر الانسان ابيض البشرة . الا ان لويس عندما ذهب الى جامعة الخرطوم أستاذا مصححا خلال حقبة الستينيات اكتشف ان المسالة اكثر تعقيدا اذ ان توصيف ألوان بشرة الانسان  مختلف عند أهل البلاد أنفسهم  فالشماليين الذين قد يصفهم الاوروبي  بأن لون بشرتهم بنى يطلق عليهم أهل البلاد وصف  الحمر ( انظر  القول الشاءع : دى الحمرة الاباها المهدى ) حسب  النطق باللهجة السودانية وإلا فهى حمراء - وهم حمر  بينما يوصف سكان الجنوب بأنهم زرق مع ان لون بشرتهم سوداء داكنة .[ ملاحظة من عندى وهى غياب استخدام اللغة فى سياق عنصرى  فى بلادنا اذ لا يقول السودانيون عن إنسان ما انه اسود بل ازرق او اخضر - أخدر كما تنطق  فى الشمال. اما فى الجنوب فان كلمة مندكورو تشير الى الشخص التاجر من الشمال وهى جمع ل- اصحاب الاذان الحمرا].ويمضى لويس الى القول ان وجهة النظر العربية فى مسالة لون البشرة يلخصها قول ابن  الفقيه الذى عاش فى القرن العاشر وقد قدم لون بشرة أهل العراق باعتباره الأفضل وسطا بين الأبيض والاسود. وقد عالج لويس مسالة العرق واللون  فى الاسلام فى كتابين له صدرا فى اول السبعينات والتسعينات. ويضيف ان الاختلافات بين الشمال والجنوب ليست قاصرة على اللون فحسب بل تمتد الى اللغة والدين ويورد نقاشا دار بين شماليين وطالب جنوبى قال فيه الأخير ان المشكلة ليست فى لغة او دين الشماليين بل فى اختلاف الانتماء الحضارى لهم . 

وينتقل لويس لوصف الحياة الأكاديمية لطلاب قسم التاريخ بكلية الآداب حيث استقبله عدد من الأساتذة ممن كانوا قد درسوا ونالوا شهاداتهم العليا من جامعة لندن  وسرد نقاشا مع طلاب البكالريوس حول طريقة إجابتهم على الأسئلة فى الامتحانات اذ ينقلون النص الذى تلقوه فى محاضرة أستاذهم كما هو على نسق النسخ واللصق. وسألهم عن اين يقع رأيهم فى مايعرض لهم من مسائل  وقضايا وكانت مبرراتهم  انهم يفضلون تقديم الإجابة المضمون صحتها لدى المدقق بدلا من المجازفة بتقديم اجابة قد تستدعى درجة من الاختلاف حولها . وحتى عندما قيل لهم  انه لا باس من ذلك لم يزد الطلاب فى إجاباتهم علىالأسئلة سوى اضافة عبارة : وفى راييء ... فى بداية  الإجابة  ومن ثم تجيء نفس نصوص المحاضرة لا تغادر حرفا.

كانت عملية فحص أوراق لامتحان تبعث على الملل والضجر  بسبب تكرار نفس الإجابة . وحتى عندما شرح لويس للطلاب انهم يدرسون التاريخ لا الرياضيات حيث لا حاجة لمقياس الصح والخطأ باعتبار ان التاريخ هو عملية تفسير لمسائل واراء الا ان الطلاب لم يقتنعوا وأثروا السلامة فى تقديم الإجابة التى ترضى الاستاذ وقال له احدهم: هذه مخاطرة!  ولم يتغير من الامر شيء  ولعلنا لا زلنا  فى النسخ واللصق.

وقد زار لويس جامعة أمدرمان الاسلامية والتقى الأساتذة والطلاب وكان ذلك فى سنة صادفت شهر رمضان وسأله احد الأساتذة ان كان يود ان يتناول مشروبا واعتذر لويس لكن الرجل اصر وطلبوا له مشروب بيبسي ونزل عند رغبتهم وتناوله وجمع غفير من الصائمين ينظر اليه بمشاعر متباينة كما قال. ولسنوات ظل على علاقة مع جامعة الخرطوم ضعفت مع مرور الزمن وانتقاله الى الولايات المتحدة الامريكية سنة١٩٧٤م وانقطعت تماماً  بعد١٩٨٩م والسبب معروف .

حسين التهامى

كويكرتاون ، الولايات المتحدة الامريكية عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.