عاد ملف الرئيس السوداني امام المحكمة الجنائية الدولية الى الواجهة فى نشرات الأخبار - على استحياء هذه المرة. ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية بتاريخ يوم الاثنين ٢٠١٥/٣/٩م :(طالب قضاة المحكمة الجنائية الدولية مجلس الأمن الدولى "باتخاذ التدابير اللازمة" للتعامل مع رفض السودان الدائم اعتقال الرئيس عمر البشير وتسليمه إلى محكمة العدل الدولية لمحاكمته فى الاتهامات بارتكاب مذابح جماعية فى دارفور. 
وكان مجلس الأمن الدولى قد طالب المحكمة، ومقرها لاهاي، فى عام ٢٠٠٥م بالتحقيق فى المذابح واسعة النطاق التى ارتكبت فى دارفور - الخطوة التى أدت إلى اتهام الرئيس السودانى عمر البشير بارتكاب مذابح جماعية. وشدد القضاة على أنه "إذا لم يجر اتخاذ إجراء من قبل مجلس الأمن فى القضايا التى بعث بها إلى المحكمة، فلن يتمكن من تحقيق أهدافه وخاصة إنهاء الحصانة، ولا تملك المحكمة قوة شرطية خاصة بها لاعتقال المشتبه بهم).انتهى ولا  أتوقع ان يقدم مجلس الأمن بتشكيلته الحالية على اى خطوة دراماتيكية بل سيعمد الى تجاهل بحث القضية او تصعيدها الى فضاء المواجهة. وتضم عضوية المجلس خمسة أعضاء دائمين ولهم حق النقض  (حق الفيتو) وهم :الاتحاد الروسي ، الصين،فرنسا،المملكة المتحدة والولايات المتحدة. ويعود سبب حصولهم على المقاعد الدائمة لانتصاراتهم التي تحققت في الحرب العالمية الثانية .وستة أعضاء غير دائمين قبل أن يتم زيادة العدد إلى عشرة أعضاء عام ١٩٦٥ م عندما تم تعديل ميثاق الأمم المتحدة.ويحصل الأعضاء غير الدائمين في المجلس  على فترات عضوية مدة كل منها سنتان يتم تبديل خمسة أعضاء كل سنة ,اختيار الأعضاء الغير دائمين يتم من قبل الأعضاء الخمسة الدائمين في المجلس وتتم الموافقة عليهم  من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة والدول الأعضاء الغير دائمين حالياً هى :الاْردن (٢٠١٥م)، اسبانيا (٢٠١٦م)، أنغولا (٢٠١٦م)،تشاد( ٢٠١٥م) ، شيلى(٢٠١٥م)، فنزويلا( ٢٠١٦م)، لتوانيا(٢٠١٥م)، ماليزيا( ٢٠١٦م)، نيجيريا(٢٠١٥م)، ونيوزيلاندا(٢٠١٦م) - السنة بين القوسين تحدد اجل العضوية .
وتواجه المحكمة الجنائية الدولية مخاطر حقيقية تستهدف بقاءها وسلطاتها من خلف  الكواليس  تبذلها إسرائيل وبدرجة ما الولايات المتحدة الامريكية لاضعاف دور المحكمة فى الساحة الدولية خوفا من ان  تمتد إليهما يوما ما .ونشر الموقع الالكتروني لصحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية فى الأسبوع الاول من الشهر الماضي ، تقريرا، تضمن وثيقة سرية أعدتها الخارجية الإسرائيلية لتوزيعها على ممثلياتها في دول العالم لمواجهة الإدعاء الذي تنوي محكمة الجنايات الدولية فتحه بشأن الانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية وفقا للقانون الدولي.وحسب الموقع، فإن الوثيقة تحتوي على حجج سياسية وقانونية رئيسية سيتم عرضها في الأسابيع المقبلة على مختلف الدول لمواجهة خطر امكانية جر اسرائيل إلى المحكمة الدولية في لاهاي، مبينةً أن هذا الإجراء هو جزء من قرار سياسي للعمل بكل الوسائل المتاحة لها على مختلف المستويات من أجل إحباط هذه الخطوة الفلسطينية.
وطريقة عمل المجلس تحدد الخطوات التى يمكن ان تنتظر السودان .  وهى  حسب  ويكيبيديا( عندما  ترفع إلى المجلس شكوى تتعلق بخطر يتهدد السلام، يبادر عادة بتقديم توصيات إلى الأطراف بمحاولة التوصل إلى اتفاق بالوسائل السلمية. وفي بعض الحالات، يضطلع المجلس نفسه بالتحقيق والوساطة. ويجوز له أن يعيّن ممثلين خاصين أو يطلب إلى الأمين العام أن يفعل ذلك. كما يجوز له أن يضع مبادئ من أجل تسوية سلمية.وعندما يفضي نزاع ما إلى القتال، يكون شغل المجلس الشاغل إنهاء ذلك في أقرب وقت ممكن. وفي مناسبات عديدة، أصدر المجلس تعليمات لوقف إطلاق النار كانت لها أهمية حاسمة في الحيلولة دون اتساع رقعة الاقتتال. وهو يوفد أيضا قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام للمساعدة على تخفيف التوتر في مناطق الاضطرابات، والفصل بين القوات المتحاربة وتهيئة ظروف الهدوء التي يمكن أن يجري في ظلها البحث عن تسويات سلمية. ويجوز للمجلس أن يقرر اتخاذ تدابير إنفاذ، أو جزاءات اقتصادية (مثل عمليات الحظر التجاري) أو اتخاذ إجراء عسكري جماعي.وعندما يتخذ مجلس الأمن إجراء منع أو إنفاذ ضد دولة عضو ما، يجوز للجمعية العامة، أن تعلق تمتع تلك الدولة بحقوق العضوية وامتيازاتها، بناء على توصية المجلس. وإذا تكررت انتهاكات دولة عضو ما لمبادئ الميثاق، يجوز للجمعية العامة أن تقصيها من الأمم المتحدة، بناء على توصية المجلس). انتهى
وفى تقديرى ومع كامل الاحترام للمحكمة الجنائية الدولية الا ان ظروف قيامها لم تكن الا تجسيدا لتوجه  Trend من تيارات ومنظمات طوعية وقوى ضغط ونفوذ شعرت بعقدة الذنب جراء احداث تطهير ومذابح إثنية او على الهوية شهدها عالمنا خلال العقدين السابقين وكان الاجدى توسعة اختصاصات وتقوية محكمة العدل الدولية و هي الذراع القضائي الأساسي لمنظمة  الامم المتحدة . ويقع مقرها في لاهاى  بهولندا  اى نفس مقر المحكمة الجنائية الدولية.
وفى  أواخر العام الماضي قالت مدعية المحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودا إنه (بسبب الموارد المحدودة "وفي ظل عدم تحرك مجلس الأمن بشأن ما يحدث في دارفور لم يعد أمامي من خيار سوى وقف مجريات التحقيق في دارفور وقد حولت الموارد إلى قضايا أخرى ملحة خصوصا تلك القضايا التي اقترب موعد المحاكمة فيها). والجديد هذه المرة إشارتها الواضحة  الى تقاعس الحكومة السودانية عن التعاون مع المحكمة وهى نفس الإشارة التى أوردتها المحكمة عن الحكومة الليبية بشأن تسليم سيف الاسلام القذافى ووثائق تتعلق بقضيته الى المحكمة.غير انه فى حالة الأخير اضافت الدائرة التمهيدية الاولى التى تنظر قضيته:(ان  ليبيا برهنت طوال الإجراءات ومن نواح عدة على التزامها بالتعامل مع المحكمة وبذلت جهوداً صادقة في سبيل إقامة حوار بنَّاء. وأشارت إلى الوضع السياسي والأمني المضطرب في ليبيا قائلةً إنها تدرك الصعوبات الجمّة التي تواجهها ليبيا حالياً).انتهى
قانونيا انتهت قضية البشير لكن سياسيا تبقى المسالة فيها نظر .وتحضرنى فى هذا المقام حادثة جرت ايام الرئيس السابق جعفر النميرى اذ اتهم القيادة النوباوى الراحل الأب فيليب عباس غبوش  بتدبير محاولة انقلابية فاشلة وأيقن ان النميرى فى سبيله الى إعدامه الا ان غبوش أعلن على التلفاز اثناء بث  وقائع محاكمته انه تاب وطلب من النميرى وهو يمسح دموع الندم العفو والسماح وهو ما جرى بعد ذلك .  وكان المشهد مذلا ولكن غبوش  نجا بحياته .وعندما  سال البعض الراحل عن تلك الحادثة بعد ذهاب النميرى وسقوط نظامه اجاب مفسرا:( قلت يا ود يا فيليب أحسن تلعب بوليتيكا)- بوليتيكا تعريب لكلمة بوليتيكس اى سياسة فى الانجليزية.
ومن المحزن ان يصرف جل وقت سياستنا الخارجية وعلاقاتنا الدولية فى شان قضية المحكمة الجنائية الدولية وتدارك تبعات قرارتها   بديلا عن بذل الجهد والوقت فى التنمية والعمران فالعدو الحقيقى هو الجهل والمرض والحرب ولننظر كم نصيب بلادنا بله ونصيب كل فرد منا منها؟!
حسين التهامي
كويكرتاون، الولايات المتحدة الامريكية
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.