عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
مع بداية جولة المفاوضات الأخيرة في أديس أبابا أغسطس 2016، دشنت الحركة الشعبية شمال موقعا شبكيا في الأنترنيت splmsudantalks.com. وجاء في اللغة التقديمية أن الموقع "معني بقضايا السلام والتحول الديمقراطي"، وتم توصيف الموقع بأنه "تفاعلي"، أي يمكنك أن تسجل ملاحظاتك، وأنه "توثيقي لمفاوضات السلام بالسودان"، عنوانه "السلام الذي نريد"، وقيل لنا إن هدفه "توفير معلومات حول العملية التفاوضية لحظة بلحظة"، وإنه ستكون فيه "أخبار ووثائق ونصوص اتفاقيات وصور وفيديوهات ومستجدات عملية التفاوض ... وكافة المعلومات المتعلقة بوفد الحركة التفاوضي والمواقف التفاوضية والبيانات والوثائق المتعلقة بعملية السلام في السودان منذ العام 1972".
...
إن الموقع الشبكي لحركة تقول لنا إنها تتحدث باسم السودانيين، الحركة الشعبية، ليس لعبة. لأن زيارة هذا الموقع الشبكي لا تأتي إلا في سياق بحث الزائر عن الخبر الأكيد، خاصة إن كنت الزائر مؤيدا لنضال شعب النوبة، على سبيل المثال لا الحصر، وكنت تريد أن تعرف أخبار النوبة الموثوق بها، لنقل، فأنت تذهب إلى موقع الحركة الشعبية، الحركة التي تمثل شعب النوبة، والتي التي تدافع عن النوبة، وليس عندي شك أن الحركة الشعبية دافعت عن شعب النوبة، وتظل تدافع عنهم، ضد العدوان العربي الإسلامي المتمثل في نظام الإنقاذ بمليشياته وطائراته وزبانيته عملاء جهاز الأمن وكتاب السلطان. فشعب النوبة هو المستهدف بهذا العدوان العربي الإسلامي.
وندرك بالطبع أنه لا يكون الدفاع عن شعب النوبة إلا ومعه الدفاع عن الآخر كذلك هو قد يكون ضحية نظام الإنقاذ، مسيرية، أو فلاتة، أو غيرهم في جغرافيا المنطقة ذات التعددية بأشكالها، كما هو كذلك خطاب الحركة الشعبية الصحيح أن الدفاع دفاع عن الجميع في المنطقة.
فالثقة مفترضة حين تزور هذا موقع الحركة الشعبية في الأنترنيت. وتتوقع أن تجد نص الخبر كما عاصرتْه الحركةُ الشعبية وكما هي فهمته. وأنت قد تقرأ النص متشككا، في البداية، كما تقرأ كل نص، ربما مصدقا النص في شكله السطحي في الدلالات الأساس لكلماته وعباراته، تاركا عمليات التفسير والتأويل لتأتي لاحقا بمزيد الغوص في لغة النص.
أما هنا فإن الحركة الشعبية بادرتك في موقعها بعدم الصدق، مباشرة، في النص، عن الخبر ذاته ووقائعه الأولية الأساس. أتحدث هنا عن الخبر عن "انهيار المفوضات"، كمثال. والمشكلة هنا هي أنك لا تتوقع مثل هذا انعدام الصدقية بشأن المكونات المادية للحدث ذاته. فالموضوع هنا لا يتعلق باختلاف في التفسير أو في التأويل، بل هو أن القارئ يجد نفسه من البداية ضحية "الكتابة"، وهي كتابة احتيالية، من قبل مؤلفي الخبر القائمين على أمر هذا الموقع الشبكي الجديد.
...
ومن ثم، فالثابت عندي هو أن الموقع الشبكي الجديد لا يعدو كونه بوقا تستخدمه الحركة للدعاية السياسية الخالصة. والمشكلة هنا في خلوص الدعائية وفي بوقيتها، إذ ليست الدعاية في حد ذاتها مذمومة، رغم قول الكاتب البريطاني جورج أورويل إن كل دعاية سياسية كذبٌ حتى وإن كنتَ تقول فيها الحقيقة، ورغم أنه لا ترد سيرة الدعاية بمعنى البروباغاندا إلا ويأتي ذكر وزير الدعاية النازي غوبلز. فلابد من الحذر من مزالق الدعاية.
من محاسن الدعاية أنها توفر النشر العلني في الأنترنيت للوصول إلى آلاف أو ملايين القراء، ومحاسنها كذلك في المحتوى الذي تقدمه من أخبار وصور ومقالات ووثائق، وفي أغراضها المتمثلة في التأثير على الجماهير وهو تأثير قد يكون إيجابيا. لذا، فالأمر ليس لعبة.
لكن، ورغم كل ذلك، ومع وجود بعض الحقائق والوقائع الصحيحة هنا وهناك في الموقع الشبكي الجديد للحركة، أجد محتوى الموقع في مجمله مشابها لما اعتدناه من دعائية نظام الإنقاذ، من حيث إخفاء الوقائع، وتشويه الوقائع، وبث الهراء، وافتراض غباء المطلعين والقراء.   
...
فيما يبدو، هكذا تفهم الحركة الشعبية الخطاب السياسي، في موقعها الشبكي، على أنه محض دعاية، فقائم بالضرورة على نسج الحقائق وأنصاف الحقائق وبضعة خدع لتحقيق أغراض سياسية.
وكذا يظهر أن الحركة الشعبية ترى أن الخطاب السياسي مشروعٌ فيه تأليه قيادات الحركة، ومشروعٌ فيه حصرُ الخطاب ليكون الخطاب كله عن أخبار الحركة وقياداتها واجتماعاتها وبعض كلاماتها، رغم أن الحركة الشعبية تقول لنا إنها تتحدث عن قضايا السودان الكبرى، وإنها تتحدث نيابة عن قطاع واسع من أهل السودان أغلبيتهم ليسوا أعضاء فيها. مما هي أقوال نأخذها مأخذ الجد، ومن ثم نتشدد بالتطرف في انتقاد الحركة الشعبية.  
أخلاق النضال
فالموضوع عميق، لأنه عن الأخلاق، تحديدا هنا عن أخلاق المقاومة، وأخلاق النضال، وليست أخلاق النضال هي "أخلاق الحرب"، حيث لا أخلاق في حرب، بل الأخلاق هكذا بصورة مطلقة، لا كأخلاق إسلامية مثلا، بل الأخلاق المتحدرة من الطبيعة البشرية تدركها حتى الطيور وبقية الحيوانات تعرف أن الخداع ليس في مصلحتها، سيتم انفضاح أمره في نهاية المطاف، ولذا حتى هذه الطيور أو الحيوانات تتجنب الخداع ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.
فالدعاية الاحتيالية في الموقع الشبكي للحركة الشعبية محيِّرة. وأمامها أنموذج الحركة الإسلامية السودانية وانبعاج الأنموذج في دعائية مسخ نظام الإنقاذ، وأمام الحركة الشعبية بيان الكيفية التي بها اهترأت الحركة الإسلامية أخلاقيا وماتت دماغيا، تحديدا بسبب مرضة الاحتيال في جميع سلوكياتها بما فيها مرضتها بالجماليات الخطابية الدعائية، حتى تردت هذه الحركة الإسلامية في نظام الإنقاذ إلى درك في الانحطاط سحيق، في ممارسات مادية حول قميص ميسي، وفي بردلوبة عمر البشير الأثيوبية الحمراء، وفي كلام العاطفة المتدفقة لكنها الماكرة في خطاب التيجاني سيسي محتفيا ببردلوبة عمر البشير، كله من أشكال الدعائية الاحتيالية التي أصبحت تلف فضاء السودان بكافة مكوناته السياسية.  وكل دعاية بدون أخلاق سيكون ذلك هو مصيرها، طال الزمن أم قصر. ونتذكر من ظل بالدعاية يصيح هجم النمر هجم النمر!
...
وكذا الموضوع عميق لأنه يتعلق بالأخلاق المشدودة إلى مقتضيات التعاقد مع آخرين، فهنالك عقد مفترض بين الحركة الشعبية شمال من جهة والمؤيدين والمتعاطفين والمشفقين وحتى المعارضين لها، من جهة أخرى، جوهر هذا العقد اتفاقية غير مكتوبة أن الحركة لن تكون مثل الحركة الإسلامية السودانية، أو أنموذج الإنقاذ، أو مثل الحركة الشعبية في جنوب السودان، وأنها ستصدق القول، وأنها ستتصرف بطريقة مفيدة لها ولمؤيديها والمتعاطفين معها وحتى لمعارضيها. وأنها ستفهم أن المتعاقدين معها لا يمكن أن يكونوا أغبياء.
لكن الحركة الشعبية بهذا موقعها الشبكي بين أيدينا خرقت هذا العقد، واختارت أن تخادع القراء تحسبهم أغبياء، وأن تصدر عن احتقار تام لعقول المواطنين المتلقين الأخبار من قراء، وأنت تراها في الموقع الشبكي مهمومة بتمجيد الرفيق القائد، وبالصور الاستعراضية لا يضاهيها في الاستعراض بالصور إلا الموقع الشبكي للسلطة القضائية وفيه الولع بصورة حيدر برتوش الفوتوشوب، حيدر قام حيدر جا حيدر قال، وتظهر الحركة الشعبية في الموقع مشغولة بأغراضها وأجندتها التي لم يعد أحد يعرف عنها شيئا، وحتى الموقع الشبكي لا يعرفك بالكيفية التي تفكر بها الحركة الشعبية.
...
فأنت أيها القارئ ربما ترى في الخلفية أني أنطلق أصلا من رفضي العمل المسلح وسيلة للمقاومة، وقد كتبت عن ذلك من قبل، وهو يظل موقفي أنه يتعين على الحركة الشعبية وعلى جميع الحركات المسلحة الأخرى ان توقف الحرب من جانبها، أي من جانب واحد، وأن تدمر أسلحتها بيدها، وأن تندرج في المقاومة غير العنيفة لكنها الشرسة ضد نظام الإنقاذ هو ذاته الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة.
لكني، وأنا أرى الحركة الشعبية حقيقة ماثلة، ولا أرى أنها تتفق معي، أعتمد في هذا الوقت وجودها كحقيقة اجتماعية سياسية، فأتعامل معها بمثل هذا المقال عن موضوع محدد هو المتعلق بالموقع الشبكي وبدلالات هذا الموقع. قد نختلف بقوة مع تقديرات الحركة الشعبية، لكنا لا نتركها لحالها.
الخبر عن انهيار المفاوضات
فيما يلي أعرض للحدث الخطابي المحدد الذي تم تركيبه في الموقع الشبكي، وكنت أشرت إليه، هو الحدث المتعلق بخبر "انهيار المفاوضات" الذي أتت به الحركة الشعبية وثبتته في الموقع الشبكي. أعرض لهذا الخبر المحدد  فقط لأن فيه بيان ما أريد أن أقوله عن الموقع الشبكي وعن خطاب الحركة الشعبية.
أثناء انعقاد المفاوضات الأخيرة، نشر الموقع الشبكي كخبر "عاجل" بيانا بتوقيع مبارك أردول المتحدث باسم الحركة الشعبية على النحو التالي:
...
"عاجل. انسحاب الوفد الحكومي من التفاوض مع الحركة الشعبية بعد رفضه الاتفاق الإطاري".
...
فالمعنى واضح من العنوان أعلاه أن المفاوضات كانت انهارت! وتم تعزيز الوضوح حين حشر أردول في متن بيانه الصحفي المنشور في الموقع عبارة "مما تسبب في انهيار المفاوضات ...".
ولكن لأن أردول كان مدركا منذ البداية أنه لم يكن يتوخ الصدق في عنوان الخبر، فقد تحوط لكل شيء لزوم المخارجة من الكذبة المدوية في عنوان الخبر. تحوط بأن حشر في متن نص الخبر حركات لغوية صغيرة تعينه في المخارجة وفي تثبيت الكذبة، وهي حركات لا يمكن للقارئ العادي المصدِّق الغافل أن يلاحظها أو أن يلتقطها بصورة واعية.
فلكي يدلس أردول على الدلالات الاحتيالية التي قد يقرأها المُطلع في نص الخبر الكاذب، حشر أردول كلمة "الآن" في نهاية الكذبة في نص الخبر: " ... مما تسبب في انهيار المفاوضات الآن"، أي إن المفاوضات كان انهارت، حينئذ، "الآن" فقط، في هذه اللحظة، وليس بعدين. و"الآن" المحشورة كانت حركة لغوية أريد منها أن تمسح قدرا من الكذبة المدوية في عنوان الخبر، "انسحاب الوفد الحكومي من التفاوض ..."، وهي الكذبة المعززة بالعبارة في متن النص "مما تسبب في انهيار المفاوضات ...".
بالإضافة إلى أنه لا يوجد ما يسمى انهارت المفوضات "الآن"، فالقول في السياق المحدد هو إما إن المفاوضات كانت "انهارت"، أو إنها كانت ظلت قائمة مستمرة ربما بمشكلات أو عقبات. فعبارة "الآن" التي أزلقها أردول بعناية كان مقصودا بها المخارجة من خدعته عن "انهيار المفاوضات"، فقد أراد أردول أن يقول إن سألناه: لم أقل إن المفاوضات انهارت كلها، دائما، بل قلت "الآن"، أقصد في تلك اللحظة! هكذا كان سيتذاكى علينا أردول الناطق باسم الحركة الشعبية، أو هو باللَّغْوَنة كان سيجرب حظه في التذاكي، إن كنا تحديناه.
...
فالنقطة هنا هي الكيفية التي يدور بها تركيب الكذب في النصوص بصورة عامة، وفي النصوص الدعائية بصورة خاصة، هنا في الموقع الشبكي للحركة الشعبية.
...
إن الغرض من هذا العرض ليس تجريح أردول في شخصه، رغم أن ذلك سيكون من النواتج الحتمية غير المقصودة، فلي مع أردول محادثات ودية وأفكار عن مبادرات لم تتم ومراسلات عن معلومات أبحث عنها وهو من الشباب الذين كتبت أنهم يجربون فيخطئون والأمل في صلاحهم، فيبقى غرضي من استخدام مثال أردول تنبيه القارئ لكي لا يثق في الموقع الشبكي للحركة الشعبية، وأن يعزز القارئ قدراته في التقاط الحركات اللغوية التي يتم استخدامها في الموقع للاستهبال على القراء، وأن ينقل القارئ هذه الخبرة في الاكتشاف إلى تفكيك صناعة الكذب في النصوص بصورة عامة، فالفضاء الخطابي السوداني مسكون بثقافة الضحك على الحقيقة، وواضح أن الحركة الشعبية ليست استثناء.
...
واصل أردول التدليس على خدعته عن انهيار المفاوضات بأن بذل مجهودا مقدرا قصد إخفاء آثار الكذبة في النص. فهو يريد أمرين متناقضين: يريد تثبيت الكذبة، لأنها مهمة لأغراضه السياسية الوقتية، أيا كانت أغراضه فهي غير واضحة وهو لا يفصح عنها، ويريد أردول المخارجة من الكذبة، بسبب معرفته أن الكذب ممارسة مذمومة، وبسبب خوفه من المواجهة فيريد تشوين عدة حركات لغوية تعينه في المغالطة إذا جرت مواجهته.
لكن المخارجة من الخداع باللغة ليست مجانية. بل لها ثمن باهظ. فهي تستدعي الإتيان بحركات لغوية متناقضة، لأن المخارجة تلقي بظلالها على الكذبة وتخفف من حدتها، بينما الكذبة تظل مهمة سياسيا، وكذا تُحرج المخارجة المتخارِج من الكذبة. وفي أسوأ الأحوال قد تتسبب المخارجة من الكذبة في إلغاء الكذبة ذاتها، وهو ما لا يريده صاحب الكذبة، فكذبته كما قلت مهمة سياسيا له.
...
فأنت ترى أردول يحاول المخارجة السبقية من الخدعة التي كان يخشى أن تنفضح بطريقة محرجة له، فهو أضاف حركة لغوية صغيرة ستعينه في المغالطة مستقبلا، حين قال: "وتحاول الآلية الرفيعة إرجاعها [المفاوضات] مرة أخرى إلى مسارها الصحيح". وهذه عبارة للانسحاب من الدلالات في العنوان المدوي "انسحاب وفد الحكومة من المفاوضات"، ومن الدلالات في متن الخبر "انهيار المفاوضات". لأن مجرد إفصاح أردول عن وجود محاولات لإرجاع المفاوضات إلى مسارها الصحيح يعني إلغاء الخبر الكاذب الأساس بالانسحاب التكتيكي منه، وكذب الخبر موجود في عنوانه.
فالكذب في الدعاية لا يأتي صراحا أو صافيا، بل يأتينا بالكتابة مخلَّطا بمثل هذه الحركات الانسحابية الصغيرة التي لا يتمكن القارئ من مراقبتها أو ملاحظتها. وإزلاق أردول لهذي عبارات الانسحاب من الكذبة المقصودة سيعينه في الادعاء مستقبلا عند المواجهة أنه كان قدم كل الحيثيات، وأنه لم يكن يكذب. فحتى إن أنت لاحظت عدم الصدقية ستشعر بالضيق أن الكاتب انسحب من عدم صدقه بحركة غير مقنعة لكنها حركته على كل حال، فتصاب بالغضب.
فالكذب في الخطاب السياسي الدعائي يغلب عليه أن يكون خليطا متواترا ومتوترا بين تثبيت الكذبة، وسحبها، ثم إعادة تثبيتها، والاستعانة على هذه البهلوانيات بدش قدر هائل من الثرثرة لإخفاء عملية الكذب المركبة.
واصل أردول التدليس على الخدعة الأساس حتى بعد إزلاقه الحركات الانسحابية منها. والخدعة هي الكذبة، ولها أشكال أخرى غير الكذب. فقد كان أردول يريد إخفاء الكذبة ودغمستها وكذا كان يريد التنصل من الحركات الانسحابية ذاتها لتظل الكذبة الأساس قائمة، ومن ثم فقد توسل إلى هذه العمليات الذهنية المعقدة بنشر الهراء، حين أورد في محاجته الرواية المكررة عن "اتفاقية عقار نافع"، بينما لم تكن لهذه الاتفاقية أية علاقة بالموضوع، فهو كان يريد بالثرثرة أن يصرف أنظارنا عن حركات انسحابه من كذبته المدوية، وكذا كان يريد بالغش أن يخلق قياسا زائفا بين "انسحاب وفد الحكومة" من هذه المفوضات الآن، من جهة، وهو يعرف أن ذلك خبر غير صحيح أتى به هو، وانسحاب الحكومة من اتفاق عقار ونافع، في الماضي السحيق، من جهة أخرى، وهو كان واقعة صحيحة.
أي، استخدم أردول واقعة صحيحة من تاريخ المفاوضات السابقة، عقار-نافع، وبالغش طابق بين الواقعة الصحيحة السابقة والواقعة الكاذبة الراهنة التي اختلقها للتو عن انسحاب الحكومة من المفاوضات.
...
أراد أردول بذلك القياس الاحتيالي أن يطمس مساعيه للمخارجة من الكذبة، لأن مساعي المخارجة تمسح الكذبة، وأردول لا يريد أن تنمسح كذبته كلها، لذا يستعين على ذلك بخلق كذبة إضافية أن الموقف الراهن شبيه بواقعة الاتفاق نافع عقار، فتثبُت مجددا الكذبة المسحوبة.
بالطبع ما كنت سأفوت حركات أردول، كذلك لأن حركاته الخطابية مهمة عندي لأغراضي في تنظير الكيفية التي تدور بها الكتابة الاحتيالية المتدبرة.
...
وهكذا يدور الاحتيال بالكتابة: يكذب السياسي، ويجتهد في ذات الوقت للتنصل من كذبته، فيزلق العبارات الانسحابية الضرورية للتنصل، لكن التنصل من الكذبة بالانسحاب منها تكتنفه مخاطر أنه يلغي الكذبة التي استثمر فيها صاحبها وهو يظل يريدها أن تبقى لأنها كذبة مفيدة لأغراضه السياسية، لذا يجب أن يكون التنصل من الكذبة جزئيا فغير كامل، بحيث لا تنمسح الكذبة بالكامل.
هنا يستعين صاحب الكذبة المتأرجحة بين البقاء والفناء بمزيد كذب، لكي تستمر عملية مسح الكذبة جزئية فقط. وهو منطق دوران الاحتيال بالكتابة، أن مشروع الكذبة الأولى لا ينتهي إطلاقا ويحكم على صاحب المشروع أن يظل يُخلِّق الكذبة تلو الكذبة، ثم يمسحُ الكذبة للمخارجة، ثم يُخلِّقها من جديد، بإضافة كذبة إضافية تعيد إلى الكذبة الأولى حيويتها، وهكذا دواليك، كذبة تليها كذبة. فما أن تبدأ في الخداع في مجال الكتابة، سيتعين عليك أن تستمر فيه، إلى أن يأتي تدخل خارجي ينهي مشروعك، أو أن تقرر بنفسك في لحظات صفاء التخلي عن المشروع.
فصاحب المشروع الدعائي الكاذب أصلا مستحوذ بتثبيت كذبته وبِهَمِّ المخارجة لتظهر الكذبة وكأنها ليست كذبة، أو كأنها غير مقصودة. لكنه لا ينجح في مساعيه، لأن عنف الكتابة يترك آثاره في النص، في شكل تناقضات، فنتعرف من هذه التناقضات على مسار بناء الكذبة، وعلى المشروع الاحتيالي برمته، مهما بذل مؤلف الكذبة وهو صاحب المشروع من مساع للتدليس على كذبته أو مشروعه، والتدليس عملية خطيرة تتداعى في نقض منكوش بمجرد مقاربتها بالتفكيك، فتنهار عملية التدليس رغم أنف مؤلف الكذبة، وتنكشف الكذبة الأولانية، وينكشف مسار المحاولات اليائسة للتدليس عليها.
...
وحتى هذا نظام الإنقاذ، المعروف عنه الكذب والخداع والاحتيال في القول، ألقى القبض على ممثل الحركة الشعبية أردول وهو يكذب بشأن ذلك الأمر الذي لا يحتمل المغالطة. وقد أسند السفير حسن حامد ممثل الحكومة إلى مبارك أردول أنه مبارك "تحدث زورا"، أي إن مبارك تحدث بالكذب والغش والتزوير، ولكل منها معنى مختلف لكن يجمع بينها مفهوم "الخداع" وفوقه مفهوم الاحتيال الذي يشمل الانحراف والخداع والتدليس ثلاثتها فئات مفاهيمية مختلفة، وأسند السفير بصورة صحيحة عدم المسؤولية إلى أردول، وربما السعي لنسف المفاوضات.
...
باختصار، كان الاحتيال في ذلك الخبر وفيه البيان الصحفي لمبارك أردول واضحا في "اللغة" التي استخدمها أصلا أردول الناطق باسم الحركة، واللغة هي الكذب ذاته، وإن أردت أن تكتشف الكذب، فركز على قراءة اللغة في سياقها تجد مادية الكذب بين يديك.
فألخص ما توصلت إليه من تحليل الخبر عن "انهيار المفاوضات" في الجولة الأخيرة:
أولا،
ضمِن أردول أن العنوان الكاذب في الخبر عن "انسحاب وفد الحكومة من المفاوضات" هو ما سيلتفت إليه القارئ، وهو ما سيعلق بالذاكرة. وهكذا تدور "القراءة". ويستبين من الحركة الأردولية مقروءة في سياقها أن الموقع الشبكي الجديد مقصود به أن يكون أداة للعب على المطلعين عليه وللتلاعب بالقضية المفترض أنها قضية جدية وجادة، وأنت لا ترى الحركة الشعبية هنا مكترثة أو مهمومة بأن القضية السودانية لا تحتمل مثل هذه الخدع الصغيرة المسلية.  
ثانيا،
أزلق أردول في متن نص الخبر عبارات استهبالية للمخارجة من الكذبة الأساس في العنوان وفي المتن. وهو فعل ما فعل لكي يحتفظ بالكذبة نُص نُص، وكذا لتظل الكذبة الجزئية مقروءة أيضا ككذبة كاملة، لأن القارئ لا يشغل باله بتحليل الكذب المنسوج باللغة، فيعتمد هذا القارئ دلالة العنوان الكبير والعبارة الجوهرية "انهارت المفاوضات". وفعلا بادرني وقتها كثيرون بالقول إن "المفاوضات انهارت"!
فالخدعة الإعلامية التي ركَّبها أردول باللغة حركة مسهوكة، وهي شبيهة بخدع نلتقي بها في سياق مغالبة تكنولوجيا إعلام نظام الإنقاذ وكتاب السلطان مثل خالد موسى.  
...
لا يعني إثبات سلوك أردول أن السفير حسن حامد المتحدث باسم وفد الحكومة كان صادقا حين قال إنهم كانوا خرجوا من القاعة فقط للمشاورة فيما بينهم. فالكذب خصيصة في الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة، نظام الإنقاذ. وقد أسست الحركة الإسلامية للكذب فقها متكاملا في جميع المؤسسات، منها وزارة الخارجية، وفي الممارسات وفي الحياة العامة والخاصة ذاتها، فالإسلامي يكذب دون أن تطرف له عين. لذا، لم تعد لأقوال إسلامي مثل السفير حسن حامد أية قيمة، لمجرد كونه سفيرا في نظام الإنقاذ. رغم أن الكذاب في نظام الإنقاذ قد يصدق أحيانا. ورغم أنه يوجد إسلاميون لا يكذبون إلا في الوضعيات المسموح بها "شرعا".
...
ربما كان السفير حسن حامد "نِصف صادِق" هنا، مما يظل يعني أنه بل كان كاذبا مائة بالمائة، فالنصف الصادق في معية النصف الكاذب لا يسوى شيئا، والنصف الصادق هو ذاته النصف المشكِّل لكمال عملية الكذب، فأنت تصدُق نُص نُص لبث انطباع زائف أنك صادق في الأمر كله، وربما في جميع الأحوال، أي إن السفير كان كذلك يكذب مائة بالمائة حتى وهو كان يصدق جزئيا في ذات الوقت، قاصدا وواعيا. فهو نفى صحة ما قاله أردول، ونعرف أن أردول كان يكذب بالكامل.
لكن السفير كذلك قال إن وفد الحكومة كان "خرج من الجلسة الثانية في اجتماعات الخميس لإجراء مشاورات بعد تعثر بداية الاجتماع" (الشروق). وهنا مقاربة السفير الكذب باللفة، على طريقة تقديم وقائع مختزلة وغير كاملة التفاصيل الضرورية. ولربما كان للسفير ووفده الحكومي مشروع احتيالي مماثل لمشروع أردول.  
فقد كان يتعين على السفير، لنتعرف على مدى صدقه، أن يُفصِح عن دقائق الملابسات لذلك خروج وفد الحكومة من الجلسة، لنتمكن من التفسير الصحيح للواقعة التي استغلها أردول ونسج حولها بيانه الصحفي المخادع.
...
والمهم عندي هنا أيضا هو سكوت أردول بعد أن اتهمه السفير حسن حامد  بقول الزور وبعدم المسؤولية. وكان السفير بالطبع دبلوماسيا قدر المستطاع، وهو قصد باللغة المخففة القول إن أردول كذاب، وإنه أردول في رأي السفير كان يمارس ما يمكن أن نصفه بأنه "الأفعال القذرة"، وهي من نوع الأفعال التي يتم تحذير المفاوضين من اعتمادها تقنية للتعامل مع فض النزاعات.
ولعل السفير كان دبلوماسيا ومتحفظا لأنه يعرف أنه كان يقف عاريا وراء لوح زجاج، لإدراكه أن حكومته معروف عنها أنها لا تأتي إلى مفاوضات أو حوار إلا ومعها براميل قاذورات تغترف منها الأكاذيب والخدع من كل نوع وشكل لتفعيل الاحتيال ولتحقيق أغراضها، وما كان نظام الإنقاذ يوما جادا أو صادقا في شيء إلا في تطبيقه الصحيح للشريعة الإسلامية، لأغراض صناعة الفساد.
ومع ذلك، كان يتعين على مبارك أردول أن يدافع بشراسة ضد اتهامه بالكذب من قبل السفير، فليس بعد الكذب شيء، به ينتهي الأمر، وتلصق صفة الكذاب بأردول ما لم يرُدها بقوة مقنِعة، لأن الاتهام كان علنيا، وكان له سند في الوقائع المنشورة أمامنا، في الموقع الشبكي للحركة الشعبية ذاتها.
...
فالذي أراه كاتجاهات لحل المشكلة الفظيعة في دعاية الحركة الشعبية هو الآتي:
أولا،
أن تتخذ قيادة الحركة الشعبية القرار السديد بإيقاف هذا الموقع الشبكي الدعائي، وأن لا تحاول إصلاحه، لأن المحاولة الإصلاحية مكتوب عليها الفشل. والإجراء الراديكالي ضروري، ولا يمكن قبول ما هو دونه. بسبب علو سقف المعيار الأخلاقي الذي يجب استخدامه للحكم على الحركة الشعبية، تحديدا.
وإلا قلنا إن الحركة الشعبية ليست استثناء من ثقافة الغش والاستهبال السائدة في كيانات المعارضة السودانية، وفي الثقافة السياسية السودانية بصورة عامة. أو قبلنا على مضض أن الحركة الشعبية لا تضع أهمية للحقيقة، وأنها حركة سياسية، بالمعنى البذيء لمفهوم السياسة، أن السياسة في مفهومها مجرد حركات وكذب وخداع، باللغة العربية.
فتغليق الموقع الشبكي الدعائي يرسل رسالة قوية للشباب، وهم الهم الأساس وربما الوحيد، عن أخلاقيات الحركة الشعبية. وأحيانا تتخلق الأخلاق بمثل هذه القرارات الراديكالية، لأن صاحب القرار الأخلاقي يصبح فخورا أنه اتخذ ذلك القرار، وهكذا تتشكل المعايير الأخلاقية التي تحتكم إليها الحركة، ليس من وحي أفكار مجردة، أو من دين، أو من تاريخ، بل من فرادة الفعل المادي المحدد الذي يصبح هو المعيار.
ثانيا،
أن تنشئ الحركة موقعا شبكيا بديلا، وفق فلسفة مختلفة. بحيث لا يستبين في كل كلمة وعلامة أن الموقع موقع الحركة الشعبية شمال أو هو موقع أردول وياسر عرمان، بل ليكون الموقع موقع كل سوداني يفكر، فيه "الدعاية" ضد نظام الإنقاذ، وفيه "الدعاية" للبديل العقلاني لمؤسسات الإنقاذ جميعها، لنقل، وأن لا يكون في الموقع هذا التركيز الأحادي السقيم على رأي "الرفيق القائد"، فما هذا الكلام الفارغ عن "الرفيق القائد"، ألا تكفي الإشارة بياسر عرمان؟ ودونك في الموقع الهوس بالقاموس العسكري، الرفيق اللواء، والرفيق شنو ما عارف.
ويتحدر رفضي اللقبَ من أنَّ رأيَ هذا "الرفيق القائد"، رأيه المُثبت بالتكثر في الموقع الشبكي، يتلخص في استحواذ الرفيق القائد بفكرة "الجيش". بينما يتعين أن لا  يُتركُ للرفيق القائد المجالُ واسعا في الموقع للفضفضة لوحده وكأنه يتحدث مع نفسه عن رأيه الخاص عن إمكانية "جيش مهني حرفي"، يجب أن لا يترك له مثل هذا المجال الواسع إلا ويُفتح المجال واسعا في ذات الموقع الشبكي كذلك للآراء المضادة التي تعترض على فكرة الرفيق القائد وترى أن الجيش لا قيمة له، وأن أهل السودان، خاصة في المنطقتين، لا يريدون أي جيش من أي نوع. وإلا فكيف يعرف الرفيق القائد أن رأيه صحيح؟
...
وكذا، يجب أن لا تكون الأخبار دائما هي أخبار الزعيم المحبوب من قبل جميع النوبة وأهل السودان. بل أن تكون الأخبار في الموقع هي التي تهم كل سوداني في القضية الأساس، والقضية الأساس هي كارثة الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة وأثرها في المنطقتين، وفي السودان، وفي جنوب السودان.
وكذا أن تكون في الموقع  شتى أشكال الخطاب السوداني عن إمكانات التغيير وقضاياه، وأن لا نرى في الموقع صورة أردول أو صورة الزعيم الرفيق القائد ياسر عرمان كل لحظة رقمية بدون سبب، والمعنى واضح، فقد سئمنا من صورة الرفيق الأعلى في شكل القائد الملهم كالمتحدث الأوحد، يكفينا الصادق المهدي، ومناوي، وجبريل، وعبد الواحد، وعمر البشير.
...
فلنتصور موقعا شبكيا في الأنترنيت للحركة الشعبية شمال يضج بالانتقاد ضد هذه الحركة الشعبية، وفيه ترد الحركة الشعبية على منتقديها توافقهم الرأي أحيانا وتختلف معهم أحيانا على أساس الحجة لا على أساس ملكيتها للموقع الشبكي. فهذا هو السودان الذي يحلم به أهل السودان.
ثالثا،
الاعتذار والاستقالة، وتكليف فريق مختلف تماما من الشباب للقيام بأمر الموقع الشبكي البديل وللقيام بأمر كافة الوسائط الدعائية والمعلوماتية الأخرى، راديو، تلفزيون، هاتف، وسائط شعبية مجتمعية للتواصل البشري المباشر، دار نشر الكتروني، إلخ.  
فإن الأمر في المنطقتين وفي السودان جد خطير، وسيترتب عليه الكثير إن كانت الحركة الشعبية، وهي حركة النضال الأولى إن صحت المقارنة، إن كانت الحركة تعتمد الدعائية والحركات والخدع الإعلامية سياسةً مثبتةً في نصوص هذا الموقع الشبكي الغريب.
فنحن هنا في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق وفي السودان مسرح الجريمة العريض، منذ زمن بعيد. أمامنا تحدي إثبات المفظعات الجماعية التي نعرف أن المثقفين الإسلاميين أعضاء الحركة الإسلامية المتحالفين مع العسكر اقترفوها في جنوب كردفان. فمن سيصدق الحركة الشعبية إن جاءت يوما وادعت؟ وبأي رصيد مصداقية ستتمكن الحركة الشعبية في المستقبل من تثبيت معاني خطابها على أنها معان صادقة تعبر عن حقيقة؟
وفي الاعتذار والاستقالة تَعلُّمٌ وتثقيف للشباب، وفيهما رصيد مصداقية حين يأتي اليوم لإثبات الادعاءات عن جرائم الإنقاذ، ولا يغير منه بالطبع أن خطاب الحركة الجديد لم تعد ترد فيه عبارة "المحاسبية" بشأن الجرائم العالمية وعلى جرائم الفساد بواسطة نظام الإنقاذ.
رابعا،
محاسبة المسؤولين عن الموقع وعن الأحداث ذات العلاقة، وأن يتم الإعلان عن الحيثيات في الموقع الشبكي البديل، حتى لا تكون المحاسبية مجرد شعار سابق أو حركات سرية.  
ذلك لأن الموقع الشبكي ظهر  نسخة شبيهة بإعلام نظام الإنقاذ. والموضوع على درجة من الخطورة عظيمة، لأن الممارسات الدعائية في الموقع الشبكي تقول لنا ولأهل جنوب كردفان إن الإعلام في منطقة جنوب كردفان تحت سيطرة الحركة الشعبية سيكون مستقبلا على هذه الشاكلة، دعاية وحركات وصور الزعيم، وكلامات باللغة العربية.
ولنا مثال في إعلام الحركة الشعبية الأم في جمهورية جنوب السودان، فقد بزت إعلامَ الإنقاذ في فقدانها كل حياء، حتى أن المتحدث الرسمي باسم رئيس جمهورية جنوب السودان لديه جريدة خاصة وهو ظل يستخدم منصبه في مكتب الرئاسة لتغليق الصحف الأخرى لكي تعتاش جريدته الميتة.
...
لماذا التشدد مع الحركة الشعبية؟
أتشدد مع الحركة الشعبية لأن العمل المسلح يُدعى له بأنه أرقى مراحل النضال على مستوى القرار الشخصي، لأن المناضل بمجرد انضمامه لحركة مسلحة يكون قرر دفع حياته ثمنا لقضية يقول لنا إنه يدافع عنها، ونحن نتفق معه بشأن القضية، حتى إن اختلفنا معه بشأن الوسائل. ولأنا لا نقدم حياتنا بصورة مباشرة للتضحية مثلما هو يفعل لأجل ذات تلك القضية المشتركة، وبسبب سحر قراره الشخصي المصيري، يصبح هذا المناضل بطلا في المخيال العام، فنترك له المجال واسعا ليقرر بشأن الاستراتيجيات والتكتيكات لخدمة القضية، لأنه في الميدان، ولأنه يرى أشياء نعرف أنا في مواقعنا الآمنة لا نراها، فهو الأقرب إلى الحقيقة على الأرض.
عليه، كنا نقرر في لحظات صدق مع الذات أنه لا يجوز لنا أن نتشكك في دوافع هذا المناضل.
...
لكن، ولأن لنا أدمغة بها نرى ونفكر وننتقد ونفهم ونفسر ونُعمل التأويل، يبدأ يتبين لنا بصورة واضحة ما يقدح في صدقية ادعاءات هذا المناضل ودوافعه وبواعثه. من نوع البينة التي نجدها في حيثيات الموقع الشبكي للحركة الشعبية. بالطبع نكتسب من هذه الاكتشافات معرفة جديدة وحكمةً، ويصبح من الصعب أن ننخدع بسهولة بعد تلك التجربة المعرفية القاسية.
والأمثلة متعددة عن وقائع خيبة الأمل في المناضلين بالسلاح الذين وهبوا حياتهم وضحوا بكل شيء لأجل "القضية".
فانظر طابور المناضلين في حركات دارفور المسلحة الأربعين ويزيد. أين هم اليوم؟ ما إسهامهم في إنقاذ دارفور؟ بل ما إسهامهم في تسهيل جرائم نظام الإنقاذ ضد أهل دارفور وفي تثبيت نظام الإنقاذ؟
وانظر مناضلي الحركة الشعبية الكبرى، نعم أقصد أولئك أبطال الاستقلال من الاستعمار العربي الإسلامي. ذاتهم الذين اتضح في النهاية أنهم مجموعة من السَّرَقة النهابين للمال العام؟
...
واقرأ ما تظل تردده تقارير الأمم المتحدة في كتالوجات الرعب عن أفعال هؤلاء المناضلين بالبندقية في جمهورية جنوب السودان، حيث لم تخترع الأمم المتحدة عنهم شيئا ولم تأت بجديد لم نعد نعرفه عنهم، بل هي تغلف فظاعة أفعالهم في لغة قانونية مجردة من العواطف وكأن الضحايا خَشَب. ومع ذلك، فاقرأ لغة الأمم المتحدة عن أفعال هؤلاء المناضلين في جنوب السودان:
...
"قتلُ المدنيين، العنف الموجه ضد جماعات عرقية بعينها، أعمال القتل خارج نطاق القضاء، الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي والجنساني، تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاع المسلح، الاختطاف، الاسترقاق، الاختفاء القسري، الاعتقال والاحتجاز التعسفيين، العنف الهادف إلى بث الرعب في قلوب السكان المدنيين، الهجمات على المدارس والمستشفيات ودور العبادة وعلى أفراد قوات حفظ السلام، التحريض على ارتكاب هذه التجاوزات، التشريد الواسع النطاق للأشخاص، عرقلة إيصال المساعدات الإنسانية، إلخ".
...
جميعها أعلاه بعض أفعال مناضلين ضباط وجنود في الحركة الشعبية بجمهورية جنوب السودان. وجنوب السودان لم ينفصل إلا شكليا، فله حضور في جميع المحادثات عن السودان.
انظر جيدا، فلن تجد أي ذكر لمثل هذه التقارير الأممية في الملف عن الوثائق في الموقع الشبكي الراهن للحركة الشعبية، بينما كان لازما أن تكون هذه التقارير تحديدا متاحة في هذا الموقع الشبكي للحركة الشعبية، لأنها تقارير متعلقة بالموضوع، ومفيدة ومنتجة للمقارنة وللانتقاد، وكذا لأنه ليس سهلا لأهل السودان الوصول إليها في غابة وثائق الأمم المتحدة.
...
إن المفارقات التي يثيرها هذا الموقع الشبكي الخاص بالحركة الشعبية شمال جديرة بوقفة، للتأمل والتفكر في حالة السودان وفي مستقبله.
فيتعين على الحركة الشعبية، ومع لزوم التفكير في دلالات المقترحات الأربعة أعلاه، أن تضبط خطابها، وأن تقرأ الخطاب المكتوب عنها، وأن تحتفي بهذا الخطاب الانتقادي وأن تشتبك معه في حوار.
ويمكن للحركة الشعبية أن تبدأ بقراءة الشخبطة على الجدران في مقال الأستاذ سيف الدولة حمدنا الله قبل شهر تقريبا، متجاوزة عبارته الأخيرة عن "الذين يسرقون اليوم لسان الشعب ويعقدون الصفقات بإسمه"، وأن تركز على جوهر الموضوع الذي يثيره حمدنا الله عن لزوم إنشاء حزب جديد بديل.  
...
أما بشأن المفاوضات القادمة، فنرجو أن تُفصح الحركة الشعبية عن كل شيء، كل شيء، بشفافية كاملة، وبالتفصيل.
وكذا نريد أن تتوقف الحركة الشعبية عن تعريف أمبيكي بعبارة "الرئيس أمبيكي"، فهو ليس رئيسا، بل كان رئيسا، وكرئيس سابق كان مطرودا من الرئاسة لأسباب مشروعة، فالتكييف الصحيح لنا في السودان، وهو التكييف المهم والمركوز في التجربة المادية مع هذا الشخص في السودان، هو "تومي أمبيكي الوسيط الدولي المحتال عميل نظام الإنقاذ وعدو المحكمة الجنائية الدولية المصرح بعدائه لهذه المحكمة لأنه ... " ويمكن أن أمضي إلى ما لا نهاية في تبيين أسباب احتيال أمبيكي ومحفزات احتياله.
...
عشاري أحمد محمود خليل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.