عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
أولا،
هرولة الإسلاميين إلى معسكر الأمريكان
(1)
لا ترِد عبارة "الإسلام" أو لغة الإسلام في مقال خالد موسى عن "تفكيك الدولة البيروقراطية" في سودانايل، ولا أنت تجد في مقاله كلمة واحدة عن أخلاق النزاهة الضرورية للبيروقراطية، وهي أخلاق النزاهة التي تتحلى بها أعداد مقدرة من السودانيين المسلمين، ومنهم من يقول إن نزاهته متحدرة من هويته الدينية كمسلم، وليس ذلك موضوع خلاف. وفي الإسلام كنصوصٍ تراثٌ غني عن أهمية أخلاق النزاهة والعدالة والصدق في الحياة الدنيا.
فيكمن تفسير غياب لغة الإسلام من خطاب خالد المخصص لتفكيك "البيروقراطية" بأن خالدا كان أصلا، مثل كثير من إخوانه، مزَّق راية "الحل في الإسلام"، فبعد أن أتيحت لخالد فرصة التمسح بالعلمانية الغربية في مكانها، أدرك حقيقة غوغائية ذلك الشعار السخيف وبؤس رايته. الآن وجد خالد في المعرفة العلمانية الغربية إلَهاً آخر، على سبيل الإضافة أو الاستعاضة الغرضية المؤقتة، وجد إلهه الجديد هذه المرة في أمريكا.
(2)
تسلل خالد موسى خلسة، وهو عار تماما من سترة الإسلام، تسلل إلى معسكر "أعداء الإسلام"، جاء يفتش عن لغة جديدة، وأفكار جديدة، وعن دواء جديد، أو الترياق لسموم الإنقاذ كان هو مناط تفتيشه، يريد خالد مددا لمعالجة مَرضة نظام الإنقاذ، أي نوع من مدد، حتى لو كان مِحايةً أمريكية.  
هنا عند الأمريكان وجد خالد ضالته في كتاب الأستاذ بجامعة ستانفورد، فرانسيس فوكوياما، الموظف السابق بوزارة الخارجية الأمريكية الذي عُرف حينئذ بمقاله عن "نهاية التاريخ؟" الذي صدر في صيف العام 1989، وهو ذات تاريخ انقلاب الإنقاذ. وفوكوياما من المحافظين الجدد، لكنه كذلك مثل خالد ممزق راية الحل في الإسلام كان فوكوياما مزق راية المحافظين الجدد وتخلص من ذلك العبء الثقيل، وهو تلميذ سامويل هنتينغتون صاحب فكرة "صدام الحضارات"، في المقال وفي الكتاب، وهي الفكرة التي خصصت أفظعَ العبارات للقدح في الإسلام والتشنيع بالثقافة الإسلامية، وقد تصدى له حينئذ بقوةِ المعرفةِ الانتقادية الأستاذ الراحل الإنسانيُّ إدوارد سعيد، من أبوين مسيحين.  
 (3)
غفر خالد موسى لفوكوياما وهنتينغتون ولبقية الكتاب الغربيين عداءهم ضد الإسلامية. فالموضوع عند هذا الإسلامي ليس شخصيا ولا سياسيا، وليس موضوعا عن الدين أو الأخلاق أو "الخطوط الحمراء"، أو المواقف المبدئية، ولا هو عند خالد عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بل الموضوع بيزْنيس، سوق وتجارة وجري وراء المصالح، على الطريقة الإسلامية، هنا في مجال المعرفة يشتري الإسلامي من الليبرالية الجديدة أيَّ نوع من المعرفة الدوائية التي قد تمدد في حياة جسد الإنقاذ، أو هي المعرفة التي قد تكون مفيدة في تخريج دفاع كتابي عن نظام الإنقاذ.
(4)
هكذا حليمة رجعت إلى قديمها. فكما كان خالد كإسلامي بتاع حركات علمانية استجار في السابق بالإيكونيميست قليلة الأدب سليطة اللسان، واحتضن تقريرها عن السودان وزَوَّره وبَهدله وخدع به القراء، وعمل به هلُّولة، فهو خالد الآن يتسلل خلسة إلى خيمة فوكوياما المنصوبة في  كاليفورنيا. وهو فَعلَ بكتاب فوكوياما بعض ما كان فعله بتقرير الإيكونيميست عن السودان. "بعض"، لأن خالدا لم يبالغ هذه المرة كما كان في السابق بالغ مع تقرير الإيكونيميست. فقد وعى الدرس، وكذا كان كل ما يريده خالد من فوكوياما لا يتجاوز فكرةً، أو كلمة، حركة، خدعة، جرعة، حبة، أي شيء يداوي، قبل أن تنهار دولة الإنقاذ وتندثر.  
ثانيا،
كتاب فوكوياما
(1)
وجد خالد ضالته في ذلك كتاب فوكوياما وعنوانه Political order and political decay (النظام السياسي والتآكل السياسي). والكتاب هو الجزء الثاني من مؤلف ضخم عن تاريخية الدولة الليبرالية في الاقتصاد والسياسة في أرجاء الأرض، منذ أن كان الإنسان قردا. ويخصص فوكوياما كتابه الثاني مناط اقتبس خالد لحاضر أمريكا، بمقدمات من دول أخرى للمقارنة.
كان خالد ذكيا في اختياره كتاب فوكوياما، ومن ثم أعطى مقاله شنةً ورَنة بهذا الكتاب الضخم المشهور، خاصة بعد أن كان فوكوياما غير أفكاره القديمة المهبِّبة، وأصبح مثل خالد راديكاليا، وكما قلت كان فوكوياما في السابق محافظا رجعيا متنطعا وسكرانا بقوة أمريكا مثل سكرة خالد الحالية بقوة الإنقاذ، وخالد يوما ستطير منه السًّكرة تأتيه الفَكْرة، لكن بعد فوات الأوان.
كان فوكوياما مثل خالد يعتقد أن الديمقراطية اللبرالية واقتصاد السوق هما نهاية المطاف والتاريخ في عالم الأيديولوجيات. وكذا كان خالد وإخوانه يوما يعيشون الهذيان يتوهمون أن الدولة الإسلامية جاء وقتها، وأن الإسلامية ستنتشر في أمريكا ذاتها، وألمانيا كمان.
(2)
ترجم خالد عبارة  decay بأنها "التآكل"، أي تآكل الدولة سياسيا، مما يتمثل في عجز مؤسسات الدولة عن أداء مهامها. لكن الكلمة الإنجليزية مقروءة بالتناص مع محتوى الكتاب الضخم تنطوي على دلالات أكثر عمقا من مجرد التآكل، فهي تشير إلى "الفساد"، بالدرجة الأولى. وأرى أن فوكوياما ذاته كان سيستخدم كلمة "الفساد" في العنوان لولا أن مفهوم الفساد في أمريكا، وكما جاءت إشارته، مُعرَّف تقنيا بصورة قانونية ضيقة على أنه "الشيء بالشيء"، كْوِد بْرُو كْوُو، مما يترك المجال واسعا لنفاذ أشكال فساد أخرى تصبح مُقَنَّنة في مؤسسات الدولة الأمريكية، ومن ثم نسمع في الخطاب الأمريكي أغرب العبارات اللاأخلاقية: "نعم هذا الفعل فاسد، لكنه في إطار القانون!" فالكتاب موضوعه الحقيقي هو الفساد.
...
تثير نصوص الكتاب الضخم في أكثر من ستمائة وخمسين صفحة تستحيل قراءتها كاملة، ولن أضيع وقتي لقراءتها كلها، وليس ضروريا أن تقرأ الكتاب كله، ففيه حشو سقيم، تثير نصوص الكتاب في بعدها الجيد دلالات معيارية تتعلق بالتعفن والانحطاط والتفسخ والاضمحلال والأفول والتهالك وبكافة الدلالات القريبة من هذه العبارات. وتكيف هذه الدلالات بصورة أفضل مؤسسات الدولة الديمقراطية الليبرالية في الاقتصاد والسياسة، ويقدم فوكوياما أمثلة حية من عدة دول، منها نيجيريا التي يدهشه فسادها كثيرا، وهو يقول إن أمريكا ذاتها تتعرض لهذه الظاهرة المَرَضية.
نعرف أنا نجد في نظام الإنقاذ جميع أشكال التعفن الفسادي التي لاحظها فوكوياما في الدول التي ساح فيها، والدولة الإسلامية لها بعد أدخل في مماراسات النيوليبرالية. لكن خالد موسى لن يتعرض في مقاله للموضوع عن التعفن الفسادي إلا بتلك لغته التجريدية عن "البيروقراطية" وعن شبكات المتنفذين الذين يلاعبونها.  
(3)
فما الذي قاله فوكوياما في كتابه وأثار انتباه هذا الإسلامي خالد الذي تمرغ في تراب بضعة أفكار وردت في الكتاب واعتمدها إطاراً فكريا لخطابه للدفاع عن نظام الإنقاذ ومدداً لأفكارٍ تُمدِّد في حياة النظام المتهالك؟
...
ركز فوكوياما على ما أسماه "أزمة التمثيل" التي يعاني منها الكيان الأمريكي، حتى أصبحت أمريكا كما كانت وُصفت يوما بأنها "دولة محاكم وأحزاب". أي، دولة تسيطر فيها السلطة القضائية والسلطة التشريعية على حساب السلطة التنفيذية، مما يعني وجود خلل في توازن منظومة السلطات الثلاثة في مجالات: المحاسبية (الديمقراطية، الانتخابات)، وحكم القانون، وجهاز الدولة التنفيذي وهو الإدارة البيروقراطية.
يطمح فوكوياما إلى أن تكون هنالك صلاحيات أكثر للسلطة التنفيذية الأمريكية، على غرار ما يحدث في السويد واليابان. ويبين أن قوة السلطة القضائية في أمريكا الحاضرة (فهو يتحدث أيضا عن أمريكا الماضية) سمحت للمجموعات من أصحاب المصالح استغلال القانون والجهاز التشريعي لمنع السلطة التنفيذية من تنفيذ سياسات لصالح المواطنين.
يقول فوكوياما إن أمريكا كانت في القرن التاسع عشر دولة فاشلة وفاسدة، مما كان خلق وضعية مكنتها من أن تنهض لتصبح دولة قوية وغنية ودولة مؤسسات خلال الفترة من نهاية القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين، ومن بعد ذلك بدأت أمريكا تعود إلى ماضيها الفاسد، وبدأت ديمقراطيتها تتآكل. حتى يومنا هذا.
(4)
اقتبس خالد لمقاله بعض مفردات لغة كتاب فوكوياما وأفكاره عن ماضي أمريكا وحاضرها، وخلَّق من الكتاب، وفيه كذلك أمثلة من بقية أرجاء العالم نهل منها خالد، خَلَّق خالد قراءة غرضية كانت الملائمة والمطلوبة لمقاصده ككاتب السلطان يريد مددا يعينه على التلهية عن أزمة النظام، وعلى الإسهام في جهود تمديد عمر النظام.
قال خالد موسى إن الوضع في السودان هو عكس ما يحدث في أمريكا الحاضرة، وإن السلطة التنفيذية في السودان هي التي تسيطر على السلطة القضائية والسلطة التشريعية.
لكن قراءة خالد الشكلية هنا ضعيفة وتدليسية. لأنه لا يوجد أصلا في نظام الإنقاذ فصل للسلطات، فالسلطات الثلاثة جسد واحد ركَّبته الحركة الإسلامية لخدمة مصالحها الموحدة في صناعة الفساد، والقضائية السودانية تم تركيبها بشريا من قضاة أعضاء الحركة الإسلامية لخدمة الحزب وطبقة الإسلاميين، قبل الإنقاذ وبعد انقلابها العسكري.
وهو ذاته كان حال التركيبة البشرية السياسية في القوات المسلحة، وجهاز الأمن، والمؤسسات، والوزارات، والبرلمان ذاته. فكل كيان كان ويظل مسكونا بالكامل بعضوية الحركة الإسلامية بامتداداتها في الانتهازيين والطفيليين من كل نوع، مما يجعل المسميات مثل "قضائية" و"تنفيذية" و"تشريعية" لا معنى لها وهي لا تعبر عن أي فصل بين السلطات. فكل إسلامي في هذه المكونات الثلاثة كان مقدِّما الولاء للحركة الإسلامية ولطبقة المثقفين والعسكر الإسلاميين ولأقاربه على الولاء للدولة أو المواطنين أو حتى لوظيفته.
 (5)
هنالك الكثير في كتاب فوكوياما مما يمكن أن تجد له مقابلات تذكرك بالحالة السودانية. ومن ثم وجد خالد موسى، وهو قارئ ذكي، وجد في كتاب فوكوياما لغة ومفاهيم وأحداثا تَمكَّن من  تلفيقها لنسج روايته عن نظام الإنقاذ والدولة البيروقراطية، لكي تبدو مشكلة نظام الإنقاذ وكأنها شبيهة بمشكلة أمريكا، فخالد يريد القول إن نظام الإنقاذ فيه مشكلة تآكل المؤسسات، مثل أمريكا العظيمة ذاتها، وإن نظام الإنقاذ يعاني مشكلة التناقض بين السلطات الثلاثة، تماما مثل أمريكا لكن بالعكس حيث في السودان يسيطر الجهاز التنفيذي على القضائية والبرلمان!
 (6)
أطلق فوكوياما جرس إنذار للأمريكيين أن الجمهوريات تتآكل وتنحط وتفسد، وأن الدولة الأمريكية قد تفشل مثل دول أخرى حط فيها الفشل، بسبب ضعف "الدولة"، كالجهاز الإداري التنفيذي، وهو ضعف تمثل في أمريكا في "أزمة التمثيل الديمقراطي"، والتفاوت الطبقي، وانهيار الطبقة الوسطى، وقال فوكوياما إن الوضع الأمريكي المتآكل تردى إلى ما يسميه فوكوياما "الفيتوكراسي"، من الفيتو، توصيفا لجماعات الضغط المتنفذة التي تُفسد العملية القضائية والعملية التشريعية حين تتحصل هذي جماعات الضغط على قرارات وتشريعات تمنع بها الجهاز التنفيذي من أداء مهام لصالح المجتمع.
ومصطلح الفيتوكراسي اخترعه فوكوياما. وللمصطلح مقابلات معروفة في علوم الفساد مثل "كليبتوكراسي" وأترجمها "حكومة الحرامية"، مثل حكومة الإنقاذ، وهناك "الجوريستوكراسي" المستخدمة عند القانونيين لتكييف موجة التنقيل الدستوري لسلطات الهيئات النيابية ووضعها بيد القضاة، مما لا تجده في السودان لأنه لا يوجد في السودان أصلا دستور، ولا يوجد قضاة، ولا يوجد نواب يمثلون الشعب، فالنواب دمى، والقضاة بلطجية أعضاء عصابات، والدستور مجرد أوراق يستخدمها المثقفون الإسلاميون لتمشيع الأستاه. كله ثابت في ذاته وفي الأوراق.
 (7)
يقول فوكوياما إن أغلب الدول الأفريقية، بالطبع منها السودان، تتميز بما يسميه النيوباتريمونياليزية، وهى المحسوبية الجديدة لنقل، كالعودة إلى نظام الفساد القديم القائم على العلاقات الأسرية والصداقاتية والقرابية، النظام الذي يستخدم فيه "الأب"، أو الزعيم سلطاته لتوزيع موارد الدولة على محاسيبه، تثبيتا لملكية الأرض وللمقامية الطبقية.
يقول فوكوياما إن هذه الدول المتسمة بالباتريمونياليزية الجديدة تُظهر الأشكالَ الخارجية للدولة الحديثة، ولنقل إنها تظهر على سبيل المثال شكلا حداثاتيا مثل شكل خالد موسى في سويسرا محل حقوق الإنسان ممثلا للنظام، وتُظهِر هذه الدولة المُتصنِّعة أشكالا خارجية لحكومة الحداثة، مثل دستورٍ، ونظامٍ قانوني، ومثل ادعاءات بالحيادية في جهاز الدولة، لكن العمليات الفعلية لهذه الحكومة تبقى في جوهرها عمليات فسادية تنطوي على تقسيم موارد الدولة بين المحاسيب والأسر والأصدقاء. ويقول فوكوياما إن ذلك تقسيم موارد الدولة بالفساد يتم في سياق سطو النخبة على المؤسسات، تلك المفترضةُ حياديتُها، وكذا يتم السطو في سياق الاستحواذِ على هذه المؤسسات، الاستحواذ بمعنى الكلمة الانجليزية كابْشَر، أي القبض والسيطرة على الكيان وتملكه.
 وقال فوكوياما إنه بالرغم من أن اقتصاد أمريكا يصنع المعجزات، إلا أن معاناة أمريكا من مرض الباتريمونياليزية الجديدة خلق وضعية لم تعد فيها الحكومة الأمريكية كحكومة نموذجية تُعَدُّ مصدرا للإلهام في العالم.
وقال فوكوياما إن التآكل السياسي الأمريكي في جهاز الدولة يؤجج "قبلية" جديدة، ترايباليزم، تسوِّغ بيع القرارات السياسية في أعلى مستويات السياسة الحديثة. لأن أمريكا اليوم أصبحت محكومة بمجموعات مصالح قادرة على شراء السياسيين، حيث تقدم هذه المجموعات المتنفذة التبرعات لإعادة انتخاب النواب في الكونغريس، وتستخدم آلية الضغط، اللوبي. ويقول فوكوياما إن هذا بل شراء "قانوني" للأصوات ونوع من المحسوبية يتم في سياقهما دفع مبالغ من المال أكبر من أي وقت مضى.
وخلص فوكوياما إلى أن الكونغريس الأمريكي عبارة عن مجلس يتحكم فيه سياسيون قادرون على استدرار الأموال من الأغنياء وعلى ضمان إعادة انتخابهم عن طريق تقديم فوائد سياسية للذين يدعمونهم بالمال.
وقال فوكوياما إن الأسوأ من ارتباط السياسات الفيدرالية بأصحاب المصلحة الأثرياء، ومجاله السلطة التشريعية، هو البيروقراطية  التي تنفذ السياسات المشتراة، أي في سياق السلطة التنفيذية.
وهكذا قدم فوكوياما صورة قاتمة للبيروقراطية الأمريكية، وقال إن نوعية الإدارة فيها ظلت تتدهور و"تتحلل"، بمعنى تهترئ وتتعفن، ديكومبوز، منذ العام 1970. وهكذا، في تقديره، ووفق تحليلاته، انحطت أمريكا إلى فيتوكراسيا، أي دولة يتحكم فيها أصحاب النفوذ بالفيتو ضد كل سياسة كانت ستكون في صالح المواطنين. ويستخدم هؤلاء أصحاب النفوذ السلطة القضائية والسلطة التشريعية، مما يعني غياب حكم القانون وغياب الديمقراطية والمحاسبية.
ثالثا،
تشخيص خالد لوضعية نظام الإنقاذ
(1)
فأما وذلك هو حال أمريكا، تنازل الأستاذ خالد شكليا عن غرور الإسلامي، وتشجع فقال إن "أولى تحديات عملية إصلاح الدولة يبدأ بأهمية الاعتراف بعجز المؤسسات القائمة عن القيام بوظائفها الحيوية علي الوجه الأكمل والاتم".
يا سلام، حاجة حلوة، زي ما فوكوياما اعترف بعجز المؤسسات في أمريكا ذاتها، أنا خالد موسى ذاتي كمان بَعْترِف، فالسودان زي أمريكا واحد.
لكن خالدا غيَّر الموجة وبالغ، ليقول إن الإنقاذ سبقت أمريكا ذاتها في الإصلاح: فـ"الحكومة جعلت من برنامج إصلاح الدولة شعارا للمرحلة"، وكذا "توجد إرادة سياسية للإصلاح". ها ها ها! بعد سبع وعشرين عاما في صناعة الفساد المحمي بالإجرام، يريد الإسلاميون "إصلاحا"!
بعد تثبيت خالد الدلالات الخفية والواضحة في خطابه أعلاه، وهي أن الإسلاميين  لهم استحقاق للتجريب مجددا في حيوات السودانيين حتى بعد فشلهم الذريع على مدى ربع قرن من الزمان ويزيد، وبعد تثبيته باطل القول إن لدى عمر البشير "إرادة سياسية" للإصلاح، انتقل خالد فشخَّص معوقات هذا "الإصلاح"، وقدم حلولا في غاية الحلاوة، وبعدها نعيش نحن الإسلاميين ننوم في العسل، إلى الأبد.
(2)
قال خالد إن معوقات الإصلاح للمؤسسات في السودان تتلخص في أمرين:
(1) وجودُ عقليةٍ جامدة لدى شبكات المصالح مقاوِمةٍ للإصلاح،
(2) وجود "بعض المؤسسات المستفيدة من الوضع الراهن"، لأنه يتيح لها تمدد نفوذها ازاء عجز المؤسسات الأخرى.
لا يفصح خالد عن طبيعة "العقلية الجامدة"، خاصة وهو قرأ في الكتاب أن فوكوياما مثَّل لها بالجمود العقلي الإدراكي إزاء الأخلاق "الجنسية" (463)، وموضوع "الجنس" في السودان أصبح محوريا لدى الشباب، وللشباب مفهوم أخلاقي يميل إلى الصَّحة والصِّحة وإلى العفة أيضا، وهو مفهوم لا علاقة له بخبل القوانين الإسلامية وهوسها بما تكيفه زنا وأفعالا فاضحة. هنا زاغ خالد موسى براحة، دون أن يعرف أحد، خاصة ومصدره بالإنجليزية وغير متاح في الأنترنيت.
وكذا لا يفصح خالد عن هوية هذي "بعض المؤسسات المستفيدة" في (2)، لكن واضح أن خالدا يقصد "جهاز الأمن" الذي مدد نفوذه على حساب مؤسسة القوات المسلحة، والشرطة، والقضاء، والنيابة، والمؤسسات الاقتصادية، ووزارة الخارجية ذاتها حيث يعمل خالد.
فأنت تجد قضاة ضباط أمن، تماما كما تجد مغنيا مثل فرفور ضابطا للأمن. وهي فكرة حسن الترابي أن يكون جميع أعضاء الحركة الإسلامية، وفيهم خالد موسى، أن يكونوا ضباطا وجنودا في "الأمن الشعبي"، بالطبع لأغراض العدوان التجسسي على المجتمع السوداني بأسره (شاهد على العصر، الجزيرة).
 (3)
عاد خالد في مقاله لينهل من أفكار فوكوياما بحثا عن مدد يعينه على تقديم مقترحات لتمديد حياة نظام الإنقاذ. فتوصل إلى تلك خدعة "تفكيك الدولة البيروقراطية في السودان"، موضوع مقالي الأول.
وانتهى المطاف بخالد إلى القول في نهاية مقاله: "إن بقاء واستمرار الوضع علي ما هو عليه دون إصلاح عاجل وفعال بعد أن برزت التشوهات والعجز النسبي في الأداء الحكومي العام سينتقل بالوضع من خانة الصدأ والتآكل إلى الفشل والانهيار"!
...
رابعا،
أفكار فوكوياما عن الدستور والصدمة والقوى البديلة
 (1)
لا يقول فوكوياما إن المخرج يمكن أن يكون على طريقة خالد بـ "إصلاح المؤسسات"، أو بطرد "البيروقراطية"، بل على العكس يذهب تحليل  فوكوياما إلى إن المخرج لا يمكن أن يكون في "الإصلاح"، وإنما في خلق التوازن بين السلطات الثلاثة، خلقه ربما بتغيير النظام الدستوري الأمريكي الرئاسي ذاته، ليكون النظام الأمريكي برلمانيا مثلما في بريطانيا، حيث ديمقراطية ويستمينستر التي تُعلي دور رئيس الوزراء ومجلسه في معية البرلمان.
وفوكوياما مهموم بقوة جهاز الدولة الإداري التنفيذي، أي بالسلطة التنفيذية، ويعتقد أن الأنظمة في أفريقيا على سبيل المثال ظلت تفشل بسبب عدم وجود "دولة إدارية قوية" لتنفذ الخدمات في مجالات الصحة والتعليم والمنشآت ولكي توفر الأمان الشخصي.
...
فالنقطة المهمة هنا هي أن فكرة تغيير النظام الدستوري الأمريكي تتحدر تلقائيا كالنتيجة المنطقية من تحليل الوقائع في النظام السياسي الأمريكي من منظور المقارنة مع نظم سياسية أخرى. فثبَّتَ فوكوياما الفكرة الراديكالية التي توصل إليها منطقيا، رغم الاستحالة الظاهرية لإمكانية تنفيذها، الاستحالة بسبب العقيدة الأمريكية إزاء قدسية الدستور الأمريكي عند الأمريكيين.
فالباحث يسجل ما يتوصل إليه بالبحث والتفكير غير مهموم بغرابة ما توصل إليه من نتائج، ولا برد الفعل الخارجي. وهي فكرة أراها قوية، فأنت لا تقترح فقط ما يمكن تنفيذه في سياق ترتيبات الوضع الراهن، بل أنت أصلا تعتبر الواقع الراهن جزءا من المشكلة ويتعين تغييره طال الزمن أم قصر.
(2)
كتب فوكوياما بصورة صريحة في مقالات لاحقة بعد نشر الكتاب عن الفكرة أعلاه وقال إنه لم ييأس وإنه يترك الباب مواربا لتنفذ منه يوما ذات فكرته الراديكالية، حين يأتي وقتها، فقد خلص في إحدى مقالاته إلى القول إن الخلاص من تآكل المؤسسات والنظام السياسي في أمريكا يكمن في حدثين:
(1) أن تحدث "صدمة" للنظام الأمريكي القائم، ومن ثم (2) أن ينشأ تحالف للقوى والفئات التي ليست لها مصلحة في هذا النظام القائم، لإنقاذ البلاد تحت تأثير تلك الصدمة.
وكان فوكوياما عرض في صفحة 201-202 لهذي فكرة بروز "تحالف القوى" غير المرتبط بالنظام القديم ليكون حاجزا منيعا ضد أصحاب المصالح الفاسدين الذين يمنعون التقدم، وما لم يبرز هذا التحالف ستعود الدولة إلى استمرارية حالة المحسوبية.
(3)
بالطبع لن يتحمل خالد أي كلام عن "صدمة" لنظام الإنقاذ الفاسد، خاصة وأن فوكوياما يتحدث عن أن الصدمة يمكن أن تكون نتيجة حدث رهيب يقض مضجع الأمريكيين، ليهبوا لإنقاذ بلادهم.
قدم فوكوياما أمثلة للأحداث الصادمة في تاريخ أمريكا وكانت أخرجت الأمريكيين من سباتهم ومن طورهم، فأحدثوا تغييرات جوهرية في النظام الأمريكي. أحداث صادمة مثل الكساد الاقتصادي الكبير، ومثل اغتيال الرئيس قرانفيل في القرن التاسع عشر (وكان اغتياله لأسباب شخصية كان القاتل يريد وظيفة مستشار أو وزير مفوض في سفارة أمريكا في باريس)، فنظام المحسوبية في أمريكا في ذلك الوقت هو ذاته نظام المحسوبية في نظام الإنقاذ اليوم، حيث يتم توزيع الوظائف بناء على التقوى الحزبية.
(4)
فيمكن أن نقرأ تحت كلام فوكوياما الواقع الاقتصادي المزري في السودان واحتمالات إفضائه إلى "صدمة" تجعل الإسلاميين يتسابقون صوب المطار.
ويمكن أن نتخيل أيضا وقوع حدث شبيه يغتال فيه النظام أحد قادة المعارضة فيكون ذلك هو "الحدث الصدمة" الذي يسبب هجوم المواطنين على النظام والإطاحة به. وقد تحدث فوكوياما تحدث عن دور اغتيال الرئيس قرانفيل كالصدمة التي جعلت الأمريكيين يقفون أمام الفساد ويحدثون تغييرات جوهرية في نظامهم السياسي، في القرن التاسع عشر. وأرى خالدا يتنفس الصعداء الحمد لله أن ذلك النوباوي قبضوه قدام القصر قبل أن يغتال عمر البشير. وإلا لكان نظام الإنقاذ انهار، وفق تحليل فوكوياما.
خامسا،
مقترحات
أخلص من تفكيك مقال خالد موسى إلى الآتي:
(1)
ليست للإسلاميين في نظام الإنقاذ أية مشروعية ولا شرعية لحكم السودان. جاءوا بانقلاب عسكري، وأنشأوا دولة في زمن الحداثة متخلفة تعتمد القرابة الأيديولوجية رباطا بيولوجيا لأغراض المحسوبية، وطوروا صناعة الفساد، وحكموا بالجريمة والبشاعات الشريرة واللاأخلاقية، وورَّثوا شباب السودان التركة الراهنة في خراب السودان.
فهنالك المخرج الوحيد لا يوجد غيره: هو طرد الإسلاميين من الحكم، كالشرط الضروري لتفكيك الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة، التفكيك بمعنى تدمير مؤسسات هذه الدولة وفي ذات الأوان البدء من الأول لإنشاء دولة سودانية عصرية قوية أخلاقية ذات مشروع قومي وتخدم جميع السودانيين بالنزاهة والمساواة.
ومن ثم، يمكن للإسلاميين أصحاب النظام، كأشخاص أفراد وكفئات، أن يتوقعوا أمرين لا يخضعان للتفاوض بشأنهما:
(1) تجريد الإسلاميين وأعوانهم من جميع الأرصدة التي نهبوها والممتلكات التي تحصلوا عليها بالفساد وبجميع أشكال المحسوبية، مهما كانوا بالغوا في إخفاء مسارات أفعالهم النهبية بتسجيلها لأبنائهم وزوجاتهم وأقاربهم ولأشرار متفقين معهم؛
(2) انتظار الإسلاميين، كأفراد، المحاسبة الجنائية والمدنية على الجرائم الخطيرة التي ارتكبوها، ومنها جرائم عالمية، وكذا انتظارهم الملاحقة بشأن جرائمهم السياسية.
...
(2)
إن الغرض الأساس من هذه التدابير الشرطية ضد الإسلاميين مشدود إلى لزوم اتفاق شباب السودان، وفيهم شباب الإسلاميين الذين لن تبق من قيمة لإسلاميتهم بنهاية الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة في سياق تفكيكها، اتفاق الشباب جميعهم في مشروع سوداني قومي موضوعه الوحيد "التعليم والصحة والسكن والغذاء"، لا غير، على مدى العشرين عاما القادمة، على أقل تقدير.
هذا المشروع القومي الذي يتطلب الأمن والاستقرار لا يمكن تحقيقه إلا بطرد الإسلاميين وحلفائهم العسكر من السلطة، وحل مؤسسة القوات المسلحة وهي مليشيات ما يسمى "الجيش السوداني"، ومسح فكرة الجيش من الذاكرة السودانية، أي لا يكون هنالك جيش في السودان.  
(3)
كذلك لابد لتنفيذ هذا المشروع القومي من حل السلطة القضائية الفاسدة، وحل جهاز الأمن، وتفكيك كافة المؤسسات الإجرامية التي ركَّبتها الحركة الإسلامية وزرعت أعضائها وممارساتها وخطابها وسلوكياتها فيها، ويعرف السودانيون أن هذه الأجهزة لم تكن يوما إلا لخدمة طبقة الإسلاميين.  
(4)
هذه التغييرات الجذرية لا يمكن أن تحدث إلا في وضعية الحريات الكاملة، والحريات الكاملة ذاتها لن تحدث ولن يكتب لها وجود فاعل إلا في حال تم أولا حل الجيش السوداني، نهائيا، وحل القضائية الفاسدة، وجهاز الأمن، والبدء من الأول، من جديد، بجهاز أمن بفلسفة مختلفة، وبقضائية نزيهة حديثة تعددية شابة تخضع للمراقبة الشعبية. والبدء من أول وجديد في كل شيء. لأنه لا يوجد في السودان إلا هذا ركام الإسلاميين وإرثهم، وكله وسخ وعفن. وانظر في أي مجال تريد، لا تجد غير وسخ الإسلاميين وعفنهم وصفنهم. حيث لم يبق لأهل السودان غير البدء من جديد.
(5)
فهذه أعلاه كما أسلفت وكما هو واضح حلولٌ راديكالية، يظل القصد منها التهيئة للمشروع الأساس للتعليم والصحة والغذاء والسكن، وهي حلول تكتسب أهميتها من مركزية هذا المشروع بمكوناته الأربعة. وتكتسب الحلول المقترحة مشروعيتها أيضا من لزوم توفير شروط تنفيذ البرنامج القومي، وكذا من مجرد النظر في واقع الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة، نظام الإنقاذ، وحين ننظر في بؤس مستقبل شباب السودان تحت حكم الإسلاميين.
(6)
فبسبب أن نظام الإنقاذ يظل موجودا اليوم رغم المرض العضال الذي يعاني منه، وبسبب المَدد لتمديد حياة هذا النظام يأتيه من وجود الحركات المسلحة، ومما يتحصل عليه النظام من مبادرات متنافرة ويائسة مثل خطاب خالد، ومن تغييرات في الخريطة الدولية بسبب الهجرة والحرب ضد الإرهاب، لهذه الأسباب لن تكون الحلول المقترحة مقيدة بإطار زمني، ولا بنتائج مفاوضات في أديس أبابا، أيا كانت النتائج.
إن الحلول الحقيقية للتغيير الحقيقي مقيدة حصرا بتوفير موارد المقاومة المستمرة ضد الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة، وبتطورات الأحداث السياسية المتعلقة بنهاية نظام الإنقاذ.
(7)
ليس مهما متى أو كيف تكون نهاية نظام الإنقاذ، بالانهيار أو بالسقوط أو بالانتحار، أو بتحلل الكيان المنتفخ وقد بدأ يتعفن متروكا في فضاء السودان المكلوم.
ليس ذلك التوقيت أو الكيف مهما، لأنا لا نتحكم في ساعة تلك النهاية، وذلك لأنا أصلا لا نتحكم في طبيعة "الحدث" غير المتوقع لكنه الضروري الذي سيجعل النظام المتآكل ينهار. فالنظام وإن كان سينهار من تلقاء نفسه تحت ثقل أمراض إسلاميته وفساده وإجرامه إلا أنه لن ينهار بدون "صدمةٍ" حَدَثٍ.
...
فحدثٌ مثل القبض على عمر البشير في إحدى سفرياته الليلية مع غندور وتسلميه إلى المحكمة الجنائية الدولية سيكون كافيا لانهيار النظام، وهي احتمالية يدركها النظام، لذا أصبح عمر البشير لا يتحرك من القصر، أو حدثٌ في شرارة بوعزيزية تتحول إلى نار، أو انتفاضة فجائية، أو رد فعل على جريمة أو فضيحة في النظام مجلجلة.
أيٌّ من هذه الأحداث أو ما يشبهها سيكون ضروريا لخلق تداعيات تؤدي بصورة معقدة إلى انهيار النظام.  وهذا النظام لن ينهار كما ينهار المبنى في الاستعارة، بل سيكون لمسار انهياره عقابيل وأذناب وأطراف ستظل حيةً تفرفر حتى بعد قطع رأس الملك.
...
باختصار، لن يختفي نظام الإنقاذ في لحظات انهياره المتطاولة، ولن يموت هكذا يفارق الحياة فجأة أو بصورة نهائية، فللكلب كثيرُ أرواح، وهنالك بقايا الدولة العميقة موجودة، مثل القضائية التي ستكون قاعدة لابدة تتمسكن بعد ذلك قطع رأس الملك ونهاية السلطة التنفيذية ومعها السلطة التشريعية.
...
لذا يتعين أن نتذكر بصورة ملحة أهمية الإعداد للبديل، ولا بد من أن تكون مسودات الخطط قد تم إعدادها ومناقشتها وإقرارها في العلن، وتوزيعها في العلن، قبل مدة كافية قبل بدء الانهيار غير المعروفة لحظته. ابتداء من الآن.
وعلى شباب السودان أن لا يتوقعوا أن المدد في هذا مجال التفكير والتخطيط لإعداد البديل سيأتيهم من الأحزاب أو من الحركات المسلحة. كنت يوما حرضت الشباب على الانضمام إلى الجبهة الثورية، بطريقة لا يكونون فيها خاضعين لأوامر قيادات الجبهة الثورية، وحيث لم ترحب الجبهة الثورية بالفكرة لعلها كانت تريد خنوع الشباب وانصياعهم للنظام الهرمي، يتعين على الشباب اليوم الإمساك بناصية الأمر وأن يبدأوا في تطوير البديل الذي يريدونه، فلم تعد لقوى المعارضة التقليدية من أفكار جديدة، وهي قوى تعيش في الماضي ولا تنظر إلى المستقبل، بالمعنى الحقيقي لعبارة "المستقبل"، والحركات المسلحة لا يتوقع منها أن تكون قادرة على تركيب البديل في تفاصيله الدقيقة، فليست لها الأفكار ولا الموارد، وتظل حدود تفكيرها مرسومة في إطار الترتيبات الأمنية واندراج قواتها في مليشيات نظام الإنقاذ.
 ...
ولأن لحظة الحدث المفصلي المتمثل في "الصدمة" لنظام الإنقاذ غير معروف توقيتها، وكذا لا يمكن التخطيط لها، فكل ما يمكننا فعله الآن هو الاستمرار في المقاومة الأخلاقية ضد هذا النظام البغيض.
محور هذه المقاومة الأخلاقية برنامجُ أفعالِ وأنواع نشاط منسقة، ولابد من صياغة هذا البرنامج للمقاومة بوسائلها التعددية واعتماده في العلن ليعلم كل مقاوم موقعه في منظومة المقاومة، وكله لنزع كامل الشرعية من نظام الإنقاذ وترك النظام عاريا إلا من تلك خرقة بردلوبة عمر البشير الأثيوبية الحمراء.
...
وفي جميع الأحوال، فمن أهم مكونات برنامج المقاومة لنزع الشرعية البصقُ في وجوه المثقفين الإسلاميين سدنة الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة، نظام الإنقاذ، بسبب مسؤوليتهم، بالاشتراك الجنائي، عن أفعال الإبادة الجماعية والجرائم الإنسانية والمفظعات الشنيعة في دارفور والمنطقتين وفي مسارح أخرى للجريمة منها مسرح جريمة تقتيل الشباب في مذبحة سبتمبر 2013. البصق في وجوههم برفض الإندراج معهم في أي حوار، وتذكيرهم في جميع الأحوال بجرائم النظام التي يريدون التدليس عليها وتذكيرهم بدورهم في اقتراف هذه الجرائم.
فمِن هؤلاء المثقفين الإسلاميين من شارك شخصيا بيديه في تنفيذ جرائم النظام، ومنهم من خطط لاقتراف هذه الجرائم، أو حرض عليها بالكتابة، أو قدم الإعانة، ومن تستر على الجناة، ومن وقف موقف المتفرج مصفقا بالصمت، ومن أنكر وقوع الجرائم ابتداء أو هون من أمرها، وكذا من يظل يدافع بشراسة الكتابة وعنفها وبعتوها عن هذا نظام الإنقاذ الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة، النظام الثابتة مسؤوليته عن هذه الجرائم.
...
ينتهي كتاب فوكوياما في صفحته الأخيرة إلى أن شعوب العالم والقوى الاجتماعية الناشئة تتطلع إلى حكومات ديمقراطية ذات نوعية راقية، حكومات تخضع للمحاسبية، وتحترم كرامة المواطن كإنسان، وأن تلك هي وجهة التطور السياسي في العالم.
أما خالد موسى كإسلامي كاتب السلطان، ومكاتبوه من العسكر، وأشرار جهاز الأمن، والقضاة الفسدة في مخرأتهم العامة، وجميعها كيانات نظام الإنقاذ الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة، فكلها أشكال عفا عليها زمن السودان، لأنها أشكال وجودية ذات خطاب وممارسات ضد التاريخ، وفوق ذلك كله هي كيانات ليست لها ذاكرة، وهي غير قادرة على التفكير، فعدوة المستقبل وبدون مستقبل.
...
عشاري أحمد محمود خليل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.