عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
فليذهب قادة نداء السودان إلى حوار مع نظام الإنقاذ البغيض بتسهيل من أمبيكي، ذلك الوسيط الثابت احتياله في بلده جنوب أفريقيا، وكذا ثابت احتياله في خدمته الجليلة لنظام الإنقاذ. قد تحدُث مفاجأة بتقديم نظام الإنقاذ بعض تنازل، خاصة وهو مدرك أنه فقد كل شرعية للحكم. وقد يعود المعارضون بخفي حنين.
في جميع الأحوال، أرى أنه يتعين علينا، في هذه المرحلة الراهنة، وبصرف النظر عن نتائج "الحوار"، الإجابة بصورة منتظمة وكافية عن ثلاثة أسئلة تتعلق بطبيعة نظام الإنقاذ، بما يريده الإسلاميون، وبالمقاومة من حيث موضوعها وكيفية تحقيقها:
السؤال الأول:
ما طبيعة نظام الإنقاذ؟ للإجابة، أرى أن عبارة "الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة" تلخص بصورة كافية نظام الإنقاذ. ومن ثم علينا أن نُعمِل التحليل التفصيلي الانتقادي في كل واحدة من هذه الخصائص الجوهرية التكوينية الثلاثة: (1) الإسلامية، (2) الإجرام، (3) الفساد.
فمشكلات مثل الجبايات وبيع الأراضي للأجانب، في بيان الحزب الشيوعي، تندرج تحت الفئة الأعلى وهي "الفساد". ومشكلات مثل الحرب ومنع المساعدات الإنسانية مما جاء في بيان باريس تندرج تحت فئة "الإجرام". فهاتان الفئتان، الفساد والإجرام، تكتسبان نجاعتهما لتكييف نظام الإنقاذ من منطلق شمول كل منهما لعدد متكثر من الأعراض والأشكال المَرَضية المتشابهة التي تستدعي مقاومة نظام الإنقاذ والعمل على وضع حد لوجوده في السودان.
أما خصيصة "الإسلامية" فهي الأيديولوجية الفاسدة للنظام وجوهره، من حيث تطبيقه الصحيح للشريعة الإسلامية، لكن القوى السياسية جميعها تتجاهل هذه الخصيصة ذات التبعات المادية التدميرية في القانون والقضاء وترتيب الحياة العامة والحياة الخاصة، بسبب أن البعض في المعارضة إسلاميون يقولون إن عندهم شريعة أخرى أفضل من شريعة أهل الإنقاذ، وهو وَهْمٌ شنيع، وهنالك من يظل حتى يومنا هذا يخشى فرقعات الإسلاميين الذي يرددون باللغة الفشنك أن الهجوم على "الإسلامية" هو هجوم على الإسلام والمسلمين في السودان، لكن الاحتيال الإسلامي بهذه الخدعة الخطابية السخيفة واضح ومكشوف، ولن يتمكن الإسلاميون بعد اليوم وقد انكشفت حقيقتهم الكاملة كمجرمين موتورين وكفاسدين لن يتمكنوا من "حل الحزب الشيوعي مجددا"، أي لم يعد هنالك من يخشى فزَّاعة الإسلاميين بالدين، ولم تعد للإسلاميين مصداقية عن علاقة بأخلاق.
وكما أسلفت، فإن مجرد تنزيل الإسلاميين للإسلام في نظام الحكم والحياة العامة والحياة الخاصة سيعني مباشرة أن الأمر أمر سياسة دنيوية، من قبل طبقة سياسية اقتصادية هي طبقة الإسلاميين المستغرقين في الهم بصناعة الفساد، وأنه تبعا لذلك سيتم إخضاع عمليات التنزيل وموضوعها، وهو الإسلام، للانتقاد. ولا توجد خطوط حمراء إلا في أدمغة الإسلاميين المشدودة إلى استمرارية الإفساد في الأرض وإلى حماية فسادهم بالإجرام.
فذلك هو الإطار ثلاثي الأبعاد للتفكر في طبيعة نظام الإنقاذ، وفي التداخل والتعاضد بين الإسلامية والفساد والإجرام. وإلا فلا معنى لمقاومة نظام الإنقاذ أو العمل على إسقاطه.
...
السؤال الثاني:
ماذا يريد الإسلاميون وحلفاؤهم العسكر، في الوقت الراهن ونظامهم فقد كل شرعية وأصبح مهددا بزوال؟
يغيب هذا السؤال من خطاب فصائل نداء السودان ومن بيان الحزب الشيوعي، فيما عدا الإشارة إلى رغبة النظام في الحوار، لكن الحوار ليس إلا التقنية التي يستخدمها النظام لتحقيق ما يريده الإسلاميون.
هنا أرى أن الإسلاميين وحلفائهم مستحوذون في هذه المرحلة، والخطر محدق بهم، بلزوم تحقق أربعة مطالب، هي برنامجهم الوجودي في الحياة السياسية وفي الحياة ذاتها. فلا تكون مقاومتهم إلا وفق فهم صحيح لهذي همومهم ومخاوفهم. فهم يريدون الآتي، تحديدا:
(1) عدم التجريد من الأرصدة والممتلكات المنهوبة أو المتحصل عليها بالإفساد خلال الفترة منذ الانقلاب العسكري الإسلامي؛
(2) عدم المحاسبة على الجرائم التي اقترفوها، بما في ذلك الجرائم العالمية في دارفور؛
(3) الإبقاء على ثلاثة مؤسسات إسلامية بتركيبتها البشرية الحالية: جهاز الأمن، مؤسسة القوات المسلحة/الجيش، ومؤسسة السلطة القضائية؛
(4) ضمان استمرارية هيمنة الأيديولوجية الإسلامية، في أي شكل من الأشكال، كالإطار القانوني والسياسي الحاكم.
تلك هي هموم الإسلاميين أهل الإنقاذ ومخاوفهم الحقيقية، بهذا الترتيب في الأهمية. وما الحوار كما أسلفت إلا تقنيتهم لضمان تحقق هذه المطالب الأربعة تحديدا.
فيتعين على جميع قوى نداء السودان وقوى الإجماع أن تبين مواقفها إزاء كل واحد من هذه المطالب الأربعة لأهل الإنقاذ. كيف تفهم هذه القوى كل واحد من هذه المخاوف لدى الإسلاميين؟ وما موقفها منها؟
ليس مهما أن أهل النظام أنفسهم لا يفصحون بهذه الطريقة عن مطالبهم الحقيقية، أو أنهم سيعملون على تغييبها من أجندة الاجتماعات مع معارضيهم. بل يجب على ممثلي المعارضة وضع هذه المخاوف الأربعة لدى الإسلاميين بين الأجندة، وضعها كمخاوف أو "مصالح" تتمثل هموم ناس الإنقاذ كالطرف الآخر في المفاوضات أو هي الحوار لا يهم.
ولأن هذه المطالب الأربعة متداخلة مع خصائص النظام (الإسلامية والإجرام والفساد)، لا يمكن للقوى التي تدعي أنها تتحدث باسم السودانيين ضد نظام الإنقاذ أن تتجاهلها. كذلك ليس مهما أن النظام سيرفض مناقشتها، المهم أن يدرك الإسلاميون أنا نعرف همومهم الجوهرية، وأنه لا قيمة لأية اتفاقيات جانبية سرية يعقدونها بشأنها، كما أن الطناش عن هذه الهموم الأربعة لا يلغيها. علما أنه بمجرد "إطلاق الحريات"، مما لن يحدث والإنقاذ موجودة، سيعني فتح المجال واسعا للخوض في هذه الهموم الأربعة!
أكرر: يريد الإسلاميون الاحتفاظ بالأرصدة المنهوبة وبريع الفساد؛ ويريدون إفلات عمر البشير وعبد الرحيم محمد حسين وبقية المتهمين بجرائم الحرب من العقوبة؛ ويريدون أن تبقى المؤسسات القمعية الثلاثة (الأمن والجيش والقضاء) كما هي، دون أي حديث جاد عن تفكيك أو حتى مجرد "إصلاح"؛ ويريدون أن تبقى الأيديولوجية الإسلامية حاكمة في السودان، فهي مدخلهم الوحيد إلى السلطة ليس لديهم غيره.
...
خدعة شعار "إلغاء القوانين المقيدة للحريات"
نلاحظ أن خطاب الحزب الشيوعي وخطاب قوى نداء السودان يعتمدان فهما قاصرا للحريات كإلغاء "القوانين المقيدة للحريات"! بينما لا توجد قيمة تذكر للقوانين في سياق السودان الراهن بوقائعه القائمة.
تكمن مادية الحريات في تلك المؤسسات الثلاث مناط هم الإسلاميين، الأمن والجيش والقضاء، فمهما ألغيت من قوانين سيئة أو سننت من قوانين رائعة لن يتحقق لك شيء في مجال "الحريات"، ما لم تتعامل مباشرة لتقويض قدرة هذه المؤسسات الثلاثة ذات الاختصاص في صناعة القمع والعنف والإجرام والفساد.
بل يلزم شطب عبارة "إلغاء القوانين المقيدة للحريات" من خطاب المعارضين، لأنها عبارة فارغة من المحتوى، وأن يتم وضع بديل لها يتناول مباشرة المؤسسات موضوع قمع الحريات المشكو منه، وهي مؤسسات إجرامية تعمل خارج القانون أصلا، وستظل تعمل خارج القانون ما ظلت باقية، لأنها صممت خصيصا لتعمل خارج القانون، ولن تكترث لقانون من أي نوع. باختصار، خطاب "إلغاء القوانين المقيدة للحريات" لا يعدو كونه من الكليشيهات. فحتى حسن الترابي دعا إلى "الحريات الكاملة"، ولا حديث للإسلاميين وقد فقدوا اليوم الذاكرة عن إنشائهم مؤسسات التعذيب وعن المفظعات الجماعية التي اقترفوها والعدوان على جميع الحريات لا حديث لهم اليوم غير حديث "الحريات" يحسبون أن كثرة التكرار للكذب تجعله حقيقة.
...
السؤال الثالث:
المقاومة. كيف تكون مقاومة نظام الإنقاذ؟ ما الإطار النظري للمقاومة؟ ما القضايا موضوعات المقاومة؟ ما أفق هذه المقاومة؟ ما الوسائل؟ بأية موارد بشرية، وتنظيمية، ومالية، وإعلامية/معلوماتية؟
أي، ما هو موضوع المقاومة، غرضها المحدد وغايتها الموضوعية بعد نهاية الإنقاذ؟ ما هي البنية التنفيذية التي ستقود وتنسق أعمال المقاومة الموزعة في فضاء السودان (هنا لا أهمية للفصل بين معارضة الداخل ومعارضة الخارج في بيان الحزب الشيوعي، وهو فصل قديم تجاوزته المعلوماتية، وأصبح النظام قادرا على مد يده لإيذاء معارضي الخارج أيضا، وهو نظام إجرامي له عملاء في كل مكان)؟
يتعلق أمر المقاومة أيضا بالكِتاب المزعوم الذي تحدث عنه بيان قوى نداء السودان، وفيه "السياسيات البديلة". حيث لا قيمة لكتاب سري يتم طرحه بهذه الطريقة، فلابد أصلا من بيان أساس فكرته وأطاره وموضوعاته ونشر ذلك تباعا في الأنترنيت وبالوسائل الأخرى لإخضاع كل ذلك للانتقاد، أولا، ولطرح رؤى مغايرة، وسياسات بديلة ممكنة، من قبل القراء. باختصار، لا يمكن لقيادات نداء السودان أن تطرح في "كتاب" رؤاها هي على أنها الرؤى التي سيعتمدها المعارضون لنظام الإنقاذ.
خذ فكرة ياسر عرمان، وهي قرار الحركة الشعبية: "نطالب ببناء جيش سوداني وطني وجديد لا يخضع لسيطرة المليشيات، ويعكس التركيبة السودانية، ومهني، ولا يخوض الحروب ضد مواطنيه".
بينما لا يريد أهل السودان أي جيش من أي نوع. ويريد النوبة وأهل جنوب النيل الأزرق حكما ذاتيا لا وجود فيه لأي جيش، ويريدون أن يتم تسريح قوات الحركة الشعبية بمجرد إقامة الحكم الذاتي أو في سياق إقامته. نعرف ذلك، لأن في ذلك مصلحتهم الحقيقية، ولأن الجيش من كل نوع لا يكون إلا شرا مستطيرا. إلا إذا زعمنا أن جيش الحركة الشعبية في جنوب السودان استثناء خارج التاريخ.
وفكرة الجيش السوداني المهني الوطني إلخ مغالطة فظيعة، لأنه تأسست في السودان عبر تاريخه أعرافٌ وتقاليد راسخة حول مؤسسة القوات المسلحة السودانية/الجيش. وارتبطت هذه الأعراف والتقاليد بالاستحقاقية وبالإجرام والفساد والصدور من استعلاء مهني أساسه البندقية لحسم النزاعات ولضمان المصالح الذاتية لكبار الضباط.
...
باختصار، يتلخص ما نريده، نحن الرافضين نظام الإنقاذ بأكمله، إسلاميتَه وإجرامَه وفسادَه، في الآتي:
(1) وضع نهاية في السودان لـمؤسسية "الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة"؛
(2) الإعداد للسياسات البديلة ليكون محورها البدء من جديد، من الأول، لا طريق "الإصلاح" أو الترقيع، بل من الصفر، بما في ذلك بـ :
(أ) إلغاء القوات المسلحة وفكرة الجيش ذاتها، بصورة نهائية، بدون إحلال جيش بديل من أي نوع في السودان؛
(ب) حل جهاز الأمن وإنشاء جهاز جديد لا علاقة له بالتركيبة البشرية السياسية للجهاز الحالي، تركيبة الإسلاميين، وعلى أساس فلسفة أمنية مختلفة جذريا عن فلسلفة الإسلاميين القائمة على حماية الجريمة والفساد؛
(ج) حل السلطة القضائية وتسريح جميع القضاة فيها، وإنشاء قضائية جديدة محل القضائية الفاسدة التي لا أمل في إصلاحها، ترابط فيها عصابات إجرامية برئاسة قضاة في جميع درجات المحاكم، في معية محامين أمثال علي أحمد السيد (من المضحك أن علي أحمد السيد يظل يكتب في الراكوبة عن "مكافحة الفساد" وكأنه ليس من أعمدة الفساد في السلطة القضائية. مكتبه للمحاماة وكر للجريمة، مما كتبت عنه في سودانايل).
...
فهكذا، بتفكيك هذه المؤسسات الثلاثة تحديدا، يمكن أن نتحدث عن إمكان تحقق الحريات. بدون هذا الإجراء، لن يعني "إلغاء القوانين المقيدة للحريات" شيئا.
...
آمل في أن يتم تطوير هذه الورقة كمسودة دائمة لإطار فكري عام للمقاومة ضد الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة، نظام الإنقاذ. فيمكن استخدام الورقة بعد تطويرها بالتعديل والإضافة من قبل آخرين لانتقاد البيانات التي تصدر من قوى نداء باريس ومن قوى الإجماع ومن قبل جميع القوى السياسية. فالانتقاد أرقى أشكال المقاومة، وفيه دعم قوي لقوى نداء السودان وقوى الإجماع.
فأنت ترى الآن المشكلات والمغالطات وأمور التغييب التي انطوى عليها بيان باريس، وبيانات قيادات اجتماع باريس (الصادق المهدي وياسر عرمان وجبريل إبراهيم)، وترى المشكلات في بيان الحزب الشيوعي رغم أنه مع بيان جبريل من أفضل البيانات نسبيا في تقديري لأنهما يكشفان وقائع جوهرية يخفيها بيان باريس، ولا ترد تلك الوقائع في بياني الحركة الشعبية وحزب الأمة.
...
أقترح أن نغيِّر سياسة الخطاب العام حول مشكلة السودان، بكافة الوسائط الكتابية وغيرها، وأن نخصص الخطاب العام على مدى الأعوام الثلاثة القادمة ليكون منصَبا في اتجاه الإجابة العملية عن هذه الأسئلة الجوهرية الثلاثة (بتعديلاتها): (1) ما طبيعة النظام؟ (2) ماذا يريد الإسلاميون في الإنقاذ؟ (3) ما المقاومة، من حيث ما يراد تحقيقه (البديل) وكيفية التنفيذ العملي للمقاومة ذاتها وللبديل؟
ثلاثة أعواما، لأن نظام الإنقاذ المريض يظل يتمسك بالحياة حتى وهو ينتحر يوميا، وحتى وهو يكتشف يوميا أن لا دواء يصلح لعلاج حالته المأزومة، وكذا لم يعد ممكنا لأي جهاز من أجهزة الإنقاذ تقبل دواء علاجي.
يتمسك النظام بالحياة، بسبب خوف الإسلاميين من التجريد من الأرصدة المنهوبة، وبسبب خوفهم من فطومة بنسودة المتربصة بعمر البشير. فانظر الحالة النفسية التي يعيشها الإسلاميون، تجدهم اليوم يستعصرون من كل سفرية لعمر البشير بالطائرة بهجة مصطنعة وكأن السفر بالطائرة حاجة.
وكذا لم يعد ضروريا أن نصاب بالقلق الإضافي من بقاء نظام الإنقاذ، لأنه نظام زائل لا محالة. فعلينا تصميم برنامج على مدى ثلاثة أعواما. ومجرد كتابة الكتب عن "السياسات البديلة" سيتطلب ثلاثة أعواما ويزيد، إذا كان لهذه الكتابة أن تكون جادة وعلمية تشخص الوضعية وتقدم مقترحات تفصيلية للبديل ولكيفية تنزيل هذا البديل في سياق وجود المؤسسات الإسلامية العميقة. ولا قيمة لتغيير سياسي سطحي بالترقيع يُبقي على مؤسسات الدولة الإسلامية كما هي.
أرى أن الأسئلة الثلاثة الكبرى (طبيعة النظام، ما يريده الإسلاميون، والبديل) تنطوي على جميع هموم الخطاب الراهن في أشكاله المتعددة. وهي تؤطر هذه الهموم وتُحجِّمها من مغبة السريان في كل اتجاه بدون هدف موحد، كما هو الحال اليوم، ننتج أفكارا في التقييم والمقاومة تضيع في فضاءات الأسافير وكأنا لم نقل شيئا، بسبب تفرق الكتابة والأقوال، وبسبب ضعف الآليات الصحفية الإسفيرية ذاتها، حيث لا قدرة لها كافية على الأرشفة، أو الذاكرة، ولا على إعادة الترتيب، أو التصنيف وفق الموضوعات، أو التركيز على القضايا المحددة، ولأنها تفتح الباب لكتاب النظام من الدرجة الثالثة أولئك الذين ليس لهم موضوع يستحق مجرد النظر فيه، بل مهمتهم الخبيثة الموجهة بجهاز الأمن هي إغراق الصحف الالكترونية المعارضة لنظام الإنقاذ بسيل من الترهات عن أمبيكي والشعوذة الدينية وبأمور سقيمة عن فلسفة إسلامية لا تفيد في شيء.
يختلف المعارضون لنظام الإنقاذ حول البدائل. ومع ذلك يتعين عليهم أن يتعاونوا خلال فترة الثلاثة أعواما القادمة في تطوير هذه السياسات البديلة حول كل واحد من الموضوعات التي يرونها مهمة.
أي، لابد من تصميم برنامج بحثي مفتوح سيستمر مستقبلا، لكل واحدة من القضايا. خذ التعليم، الصحة، الصرف الصحي، إعادة توطين النازحين واللاجئين (تخدع نفسك إن حسبت أن المنظمات الأجنبية ستنجز هذا العمل الجبار نيابة عنك وهو قضيتك أنت، القضية الأولى في السودان)، الشركات، شركات الأدوية، الزراعة، المبيدات، تسريح المليشيات القبيلية، الإتجار بالبشر، الأطفال في المؤسسات، فيمكن أن نسجل قائمة بمئات الموضوعات، جميعها أفسد الإسلاميون مجالاتها، حتى مجال حماية الأطفال أعرف أمور فسادهم فيه لأنه مجال عملت فيه في منظمة اليونسيف. لا يوجد مجال لم يفسده الإسلاميون. مما يعني أنا نحتاج مئات الباحثين لتقسيم العمل فيما بينهم. وكله ممكن، تحديدا بسبب ثورة المعلومات والاتصالات. حيث لا حاجة لسفر أو لقاءات مباشرة، أو تكليفات من زعيم حزب.
...
تتمثل الفكرة في تأطير الأسئلة والأجوبة في مشروع رؤية مشدودة إلى التغيير في السودان، ولعل في إطارِ مثل هذه المبادرة، مقروءة في سياق مبادرات ومشروعات عديدة أخرى مهمومة بالتغيير في السودان، منها خطاب نداء السودان وقوى الإجماع، تظهر أفكار جديدة تعيد هيكلة هذا الإطار المقدم ذاته وتعيد هيكلة الأطر الأخرى، بصورة مستمرة، حتى نقع على أفضل الأطر الموحدة للمقاومة والتغيير.
لابد من تخصيص الكتابة على مدى ثلاثة أعواما تحت المحاور الثلاثة، وفي ذلك مجال لجميع الآراء فيما عدا أراء الإسلاميين. يجب أن نتخلص من الوهم أنه يمكن أن تدير حوارا عقلانيا مع المثقفين الإسلاميين أعضاء الجهاز، يمكنك فقط أن تخضع خطابهم للتفكيك. فهم أصلا كُتاب السلطان أو هم أعوانه، ولا يمكن لهم أن يعبروا عن رأي حر أو صادق، وهم يأتونك أصلا محميين بجهاز الأمن، وصادرين من موقع القوة والهيمنة، وكذا يأتونك بعقيدة الإسلامية أنهم مكلفون رسميا من قبل الإله بتنزيل حكمه السياسي في أرض السودان تحديدا. فحتى إن أنت "حاورتهم"، أو فاوضتهم، فأنت تدرك أنه لا وجود لحوار حقيقي معهم، الحوار الحقيقي القائم على الحجة والعقل والمنطق، وعلى الأخلاق.
...
فما يظل باقيا بصورة مستمرة ودائمة هو لزوم وضع نهاية للدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة، نظام الإنقاذ، بانتفاضة، باتفاق، أو بترك هذا النظام المريض ينهار يموت حتف أنفه تحت وطأة تشديد المقاومة المستمرة ضده وتجريده كلية من الشرعية.
على مستوى أساس، يبقى قائما كذلك هدفُ تركيب سودان جديد مختلفٍ جذريا عن المسخ الراهن الذي خلَّقته الحركة الإسلامية السودانية، ولا تصدقن أن هذه الحركة الشريرة تم حلها، فهي موجودة في أشكال لها أشد شطنا.
أي، إن الغايةَ سودانٌ لا محل فيه للأيديولوجية الإسلامية في نظام الحكم أو في الترتيب الحكومي للحياة العامة أو الخاصة، مما ينطوي في ذاته على إنهاء الظروف الموضوعية التي ظلت تُخلِّق إجرام الإسلاميةَ وفسادها في السودان.
...
عشاري أحمد محمود خليل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.