عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

هنالك عدة دروس للسودان مستقاة من أحداث تركيا، أهمها أنه يمكن للمقاوِمين المدنيين العُزَّل من السلاح إلحاق الهزيمة بالجنود والضباط ببنادقهم وعرباتهم المصفحة ودباباتهم وطائراتهم، في لحظة تاريخية محددة، حين يأتي الوقت الذي تواجه فيه المقاومةُ مليشياتِ الإسلاميين المسلحةَ في السودان.
...
قد يكون الرئيس التركي أردوغان دكتاتورا لا يحترم الحريات وعنصريا يمقت الأكراد وإسلاميا براغماتيا فمحتالا على النص، لكنه الرئيس المنتخب في انتخابات علمانية حرة صحيحة ونزيهة، على عكس عمر البشير الذي جاء إلى الحكم أصلا بانقلاب عسكري إسلامي، ثم اشترى جلابية وبدلة فزوَّرت له الحركة الإسلامية السودانية كل انتخابات لتثبيته رئيسا إفريقياً كالعادة مدى الحياة، على الأقل حتى تموت فطومة بنسودة.
...
فالتحية للشعب التركي أن لقَّن العسكرَ الإسلاميين في السودان درسا لن ينسوه. خاصة وأن العسكر الإسلاميين في السودان لابد كانوا يتابعون الأحداث التركية بقلق عظيم. ولابد أن الرعب استحوذ أعصابهم وهم يشهدون الأتراك المدنيين المقاومين يتحدُّون الدبابات ويصعدون فوقها ويبصقون في وجوه العسكر الانقلابيين ويصفعونهم ويكيلون إليهم اللكمات. ما أنقذ العسكر المسلحين المرعوبين إلا مقاومون آخرون عقلاء وأفراد من الشرطة التركية التي ألقت القبض على بعض هؤلاء العسكر واقتادتهم مخفورين. وقد كان العسكر الانقلابيون المسلحون يريدون التقتيل، وهم قتلوا بأسلحتهم الفتاكة عددا مقدرا من بين المقاومين المدنيين (ومن قوات الشرطة).
...
فالدرسُ هو أنه في أية منازلة بين المدنيين المقاوِمين والعسكر الإسلاميين في السودان، لن تنفع هؤلاء العسكرَ قناصةٌ، أو دباباتٌ، أو طائرات هليكوبتر، أو مليشيات قبلية، أو حميدتي.
فلنتذكر هذا الدرس من تركيا. ولندرك في ذات الوقت أن ذلك نوع المقاومة التركية لا يأتي هكذا عفو الخاطر. بل لابد من فهمه جيدا، والتخطيط له، والتدرب التمثيلي عليه، مع ابتداع أشكال جديدة له من العبقرية المحلية.
لابد من التفكير السبقي في حركيات لحظات المواجهة ضد المليشيات الإسلامية التي أعدتها الحركة الإسلامية السودانية، نظام الإنقاذ، لإجهاض كل انتفاضة. فالتجربة التركية قدمت الدليل الساطع على أن مواجهة الطغيان ممكنة، وأن إلحاق الهزيمة بالعسكر ممكن أيضا.
...
هنالك درس ثان، أقرأه من الأحداث التركية بصورة غير مباشرة، هو لزوم التفكير بجدية في إلغاء فكرة الجيش في السودان، والتفكير في الإعداد السبقي لكيفية حل مؤسسة القوات المسلحة السودانية، حين يأتي الوقت.
...
قد يبدو هذا الاقتراح للوهلة الأولى راديكاليا بصورة مفزعة، أو غير عملي، أو غير قابل للتنفيذ. لكنه اقتراح يأتي بحجته في داخله، بسبب عقلانيته وتاريخيته، حين ننظر إلى الإجرام الذي لازم ممارسات مؤسسة القوات المسلحة في السودان، وهي المؤسسة الحاكمة صاحبة نظام الإنقاذ البغيض، وتجمع مليشيات الحركة الإسلامية السودانية.
وما تفعل بمليشيا إجرامية غير أن تُنهي وجودَها؟ وهل احتاج السودان يوما منذ استقلاله إلى جيش يحميه؟ حلايب، والتهديد الفشنك؟ المرتزقة السودانيون في حرب الشيوخ في اليمن؟ وهل حَمَلَ الجيش السوداني في تاريخه غيرَ العذاب لأهل السودان؟
...
لا أراني أحتاج تقديم أية بينات، فالحال واضح من تاريخ إجرام القوات المسلحة السودانية، وهو تاريخ معروف لأهل السودان. يكفي أن كبار القادة أعوان عمر البشير متهمون بجرائم عالمية في المحكمة الجنائية الدولية، وفق مسؤولية القيادة التي تنطوي على فكرة أن الجنود والضباط في الميدان اقترفوا بأيديهم هذه الجرائم التي أصلا كان خطط لها أولئك القادةُ الكبار ورتبوا لها وحرضوا عليها ورعوها وسعوا إلى التغطية عليها والتستر على فَعَلتها ضد الضحايا المدنيين من الفور والزغاوة والمساليت (جرائم دارفور الثابتة في الأرشيف).
...
وكذا يكفي أن نشهد هرولة البروفيسور غندور والمحامين الإسلاميين ناس الطيب هارون وراء قصة مفبركة، ساهم الإسلاميون أصلا في تخليقها، قصتهم أن رئيسة المحكمة الجنائية استلمت رشوة ودفعت منها للشهود الدارفوريين ليلفقوا لدى محكمتها التهم ضد عمر البشير! وقالوا في مؤتمرهم الصحفي المضحك أنهم سيرفعوا قضية!
فالقصة السخيفة كلها، والجلابيب والعمم، والاجتماعات، والتصريحات الهرائية، تعبر بوضوح عن حالة فقدان الإسلاميين أية قدرة على التفكير، وتعبر عن حالهم أنهم أصبحوا بدون عقل. لم يفقد الإسلاميون عقلهم بالكامل إلا بسبب خوفهم المزدوج من رعب الاحتمالية الثابتة أن يوما سيأتي تتم فيه ملاحقتهم جنائيا ومدنيا على الجرائم التي اقترفوها والضرر الذي سببوه للضحايا والأسر، ويتم فيه، ذلك اليوم، رعب تجريدهم من الأرصدة والممتلكات التي نهبوها. في زيغ أفئدتهم لا يدرك هؤلاء المرعوبون أن ضياع عقولهم يوفر لهم دفعا يعفيهم من المسؤولية الجنائية.
...
على مستوى آخر، لن تفيد العسكرَ في السودان النظريةُ المهببة لعبد الله علي إبراهيم عن أن العسكر فئة اجتماعية، وعندهم أجندة، ولهم دور مجتمعي أساس، وبقية الكلامات والتِّفِلسِف مما يمكن تلخيصه في عبارة يا سلام على "الإنقاذ الحارسانا الجات كايسانا!"
وهنا أيضا، لا أحتاج تقديم أية حجة أو تضييع وقت لتبيين تهالك تلك نظرية د. عبد الله عن العسكر. يكفي أيضا ذات ما نعرفه عن الجيش السوداني منذ الاستقلال، وخاصة ما عرفناه عن هذا الجيش على مدى ربع قرن من الزمان، منذ الانقلاب الإسلامي.
فلكأنا حسب كلام عبد الله نحتاج تطوير نظرية لفهم ظواهر تافهة مثل: انقلاب عمر البشير، المليشيات ونشرها في الخرطوم لحماية طبقة الإسلاميين، وبروز حميدتي بتلفوناته المتعددة. ففي هذه الوقائع التافهة ماهية الجيش السوداني.
يبدأ التنظير المضاد المشدود إلى التغيير بتصنيف جرائم الجيش، لتعميق فهمها، ولتفسيرها، وفي ذلك مظان إرشاد التعامل معها. ونحن أصلا نفهم بالتجربة الوجودية جرائم الجيش السوداني، ونعرف ما نريد، ولا يكون التنظير سبقيا، هكذا، بل يدور في سياق المقاومة.
...
أما الدرس الثالث من تركيا، فيتعلق بجمهورية جنوب السودان. وهم أيضا في الجيش يراقبون. ينطبق عليها ما ينطبق على السودان، بشأن لزوم التفكير الجاد في التخلص من الجيش فيها، وليس جيش جنوب السودان إلا كذلك تجمع مليشيات إجرامية تحت قيادات فاسدة، وممارساته معروفة وثابتة في تعذيبه مواطني جنوب السودان واغتصاب نساءهم وبناتهم وتدمير مساكنهم ونهب ممتلكاتهم بالإضافة إلى تقتيلهم والتمثيل بجثثهم وحرمان الأحياء منهم من كل أمن أو استقرار.
هذه الحقائق المرة تلغي مباشرة، وبصورة حاسمة، المعاني الرمزية في تاريخ بطولة الجيش الشعبي في تحرير مواطني جنوب السودان من الاستعمار العربي الإسلامي العنصري. هذه البطولات الثابتة تصيرت اليوم وهماً. لأن الأغلبيةَ الساحقة في جيوش جنوب السودان هم جنودٌ وضباط وقادة عسكريون وسياسيون مفلتون من العقوبة، بسبب الجرائم المريعة التي اقترفوها.
لن يجرؤ أحد اليومَ على الإتيان بحديث عن "بطولات" للجيش الشعبي، إلا بتعمد الوقاح والادعاء بالمغالطة أن معاني "البطولة" سرمدية. ولن ينصلح حال جنوب السودان في وجود الجيش الشعبي لتحرير السودان، أو في وجود أي جيش من أي نوع، ولن يكون نوع الجيش إلا ما نعرفه اليوم، وذلك على مدى الثلاثين أو أربعين عاما القادمة. فمن أين تأتي بثقافة جيش حرفي يحترم الحقوق، أبالاستزراع من الثقافة القانونية الغربية بواسطة المنظمات الطوعية العالمية؟
إن الحقيقة المأساوية هي أن الطبقة الحاكمة في جمهورية جنوب السودان هي ذاتها طبقة الإسلاميين في السودان، في الأخلاقيات والممارسات السياسية والإجرام والفساد. وينسرب التماثل الكامل بين المجموعتين في أدق تفاصيل الممارسة السياسية اليومية، وفي اللغة المستخدمة للكذب والخداع والتدليس ولصناعة العدوان على حقوق المواطنين في الحياة والتعبير والحركة. وأحيانا يستخدمون ذات العربية.
...
باختصار، السودان وجنوب السودان أسوأ دولتين في الدنيا، من منظور أهل البلدين، وهو المنظور الأهم، تحديدا من حيث المفظعات الجماعية التي تسببت فيها وتظل تخلقها مؤسسة القوات المسلحة، الجيش، في كل واحد من البلدين.
فلنتصور سوداناً بدون جيش،
وكذا فلنتصور جنوب السودان بدون جيش.
ولتسمع الكلامَ ذاته الحركاتُ المسلحةُ، جميعها، أن أهل السودان لا يريدون سيرة الجيش، من أي نوع أو شكل، وأن أهل السودان لا يريدون أن يسمعوا أي كلام فارغ عن "ترتيبات أمنية"، أو "إصلاح القوات المسلحة" أو "التمثيل في القوات المسلحة"، أو المعسكرات، أو الأسلحة، أو بقية مفردات القاموس العسكري البائس.
إن مجرد التفكير في احتمال خلو الفضاء البصري من الصور القبيحة للعسكر المدججين بالسلاح يؤدون حركات معتوهة سيكون في ذاته مجلبة للراحة النفسية في قلوب المواطنين. ودونك السعادة في أن الأموال المهدرة على العسكر في غير طائل سيتم تخصيصها في بناء مساكن للنساء الفقيرات وأطفالهن.
...
لقد بينتْ لنا أحداث تركيا أنه يمكن للمقاومين المدنيين العزل من السلاح إلحاق الهزيمة بالجيش السوداني، وأنه يمكن لأهل جنوب السودان إلحاق الهزيمة بالجيش الشعبي ذاته. حين تأتي اللحظات التاريخية، في سياقها. وكذا يمكن للمقاومين في الدولتين، حين يأتي مثل ذلك الوقت، إلحاق الهزيمة بالجيش الأجنبي ذاته إن صحا المواطنون يوما ووجدوا جيشا أجنبيا عبَرَ الحدود إلى بلادهم وجاءهم بطائراته ودباباته وبنادقه.
وعلى مستوى أعمق، بينت لنا أحداثُ تركيا، مفهومةً في السياق السوداني الكبير، تفاهةَ الجيش وتفاهةَ فكرة الجيش.
...
عشاري أحمد محمود خليل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.