عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
أولا
(0)
قرأتُ مقال الأستاذ خالد موسى بعنوان "عشاري وأزمة الفصام الفكري ... "، فلم أجد فيه دحضا أو تفنيدا للوقائع أو للحجج أو الآراء التي قدمتها في سودانايل. عليه، ليس هنالك ما يدعوني إلى تغيير  شيء في مسودات المقالات القادمة أو لغتها، وفي المقالات القادمة سيجد القارئ التبيين التفصيلي للكيفية التي استخدم بها الأستاذ خالد موسى الكتابة الاحتيالية المتدبرة في ذلك مقاله الذي استعرض فيه التقرير الإنجليزي عن السودان. والقارئ يمكنه أن يحكم بنفسه.
(1)
أما بقية ما ورد في مقال خالد عن عشاري والفصام الفكري، فأغلبه ترهات ممتعة، فيكون التعقيب عليها في سياق كتابتي الانتقادية المستمرة لفكرة الإسلامية وممارسات المثقفين الإسلاميين المتحالفين مع العسكر، وقتما يكون ذلك ملائما، وفق السياق، لتحقيق مزيد الإمتاع للقراء.
لا شيء يبعث المتعة أكثر من مشهد الإسلامي العامل رزين يخرج من طورو بعد إزالة القناع عن وجهه وكشف حقيقته إنو بتاع تزوير، والمتعة الأكبر في أنه لن يتمكن من دحض الإسناد أو تفنيده، فيلجأ إلى سرد الروايات الممتعة.
(2)
أواصل تقديم الإثبات الذي كنت بدأته في المقال الثاني، وأركز في هذا المقال الثالث على وقائع محددة وردت في التقرير الإنجليزي، فزوَّروها خالد موسى في مقاله في سودانايل، لتخدم هدفه في تزيين صورة نظام الإنقاذ. النظام الذي يوظفه سفيرا أو وزيرا، سيان، فالعلة في خدمة المثقف لدى السلطان كاتبا للدعاية والمناجزة في المجال العام. وحين يكون السلطان إسلاميا مجرما وفاسدا، تكون كتابة المثقف خادم السلطان احتيالية، بالضرورة، وإن كان ذلك لا يعفينا من لزوم تقديم الإثبات لوقائع الاحتيال المدعي به في النصوص المحددة.  
(3)
حدد خالد في مقاله عن التقرير الإنجليزي سببا رابعا لحجته بأن الاحتجاجات الأخيرة بالمظاهرات "لن تؤدي إلى إسقاط الحكومة". هذا السبب الرابع الوارد في نص مقاله وبكلماته هو: "فشل ثورات الربيع العربي وما انتهت اليه الأحداث من فوضي ودماء وحروب أهلية في سوريا، وليبيا واليمن وغيرها (بالإضافة إلى وسائل المكافحة الأمنية، وعدم وجود معارضة فاعلة، والوعي بنموذج التغيير الشعبي). بمعنى أن الطريق الوحيد هو طريق الحوار، بطريقة أهل الإنقاذ.   
بالرغم من أن خالدا كان هو الذي اختلق هذه الحجة بأسبابها الأربعة، إلا أنه قرر بالغش أن ينسبها إلى التقرير الانجليزي، بعبارته المرائية "وحسب مؤشرات التقرير". بينما لا ترد هذه الحجة ذات الأسباب الأربعة في التقرير الانجليزي، أصلا. ركَّبَها خالد تركيبا باجتزاء نتفٍ من التقرير الإنجليزي، وبإعمال حركات تزويرية محددة، ثم نسب هذه الأفكار وهو صاحبها إلى التقرير الانجليزي.
(4)
كما أسلفت القول، فلأن خالدا كان مدركا أنه يحتال بالكتابة، هنا بأفعال التزوير، استخدم عبارة "حسب مؤشرات التقرير"، لتمرير تلك أفعال التزوير. يخادعنا خالد بالإيحاء أن العبارة "مؤشرات" لا تلقي عليه أية التزامات للأمانة في الاقتباس، وأنها تعني أن التقرير يمكن أن "يشير" إلى أي شيء يريده المترجم مستعرض التقرير.
أي، إن الذي فعله خالد هو إزلاقه في نص مقاله وقائع اختلقها هو، ثم ثبَّتَها في مقاله على أنها في التقرير الإنجليزي، بينما هو كان يعرف حقيقتها أنها مختلقة من جانبه.
(5)
لم يرِد في التقرير الإنجليزي عبارة "فشل ثورات الربيع العربي"، بل ميز التقريرُ بدقة بين "انتفاضات الربيع العربي"، من جهة، والدول الأربعة مصر وليبيا وسوريا واليمن، من جهة أخرى.
وصف التقرير الإنجليزي انتفاضات الربيع العربي بأنها كانت "مشؤومة"، أو "تعيسة الحظ"، واستخدم التقرير عبارة "ill-fated". مما يضفي عملية القَدَر ومفارقة الحظ، ومفارقة الحظ فكرة فلسفية رائجة.
ثم حدد التقرير الإنجليزي أن الدول العربية الأربعة "فشلت" في تحقيق "الانتقالية السلمية" منذ تلك انتفاضات الربيع العربي في العام 2011.
(6)
هذا التمييز بين الربيع العربي من جهة والدول الأربع المحددة من جهة أخرى، يريده خالد رقيقا، ليتمكن خالد من النفاذ من خلاله إلى التشنيع بالربيع العربي. لكن التقرير الإنجليزي لم يقل إن ثورات الربيع العربي "فشلت".
نعلم أن انتفاضات الربيع العربي بل نجحت في تونس، ونعلم أيضا أنها ألهمت الشباب في جميع أنحاء العالم لمقاومة الأنظمة الدكتاتورية، ومقاومة تشوهات الرأسمالية العالمية، وأضافت تراثا جديدا في رصيد المعرفة بالثورات، في زمان ما بعد الحداثة، وعكف الأكاديميون والفلاسفة على دراستها، مثلما مثل لها الفنانون والسينمائيون.
(7)
وأضيفُ: إن الثورات لا تفشل، بمعنى الفشل الذي أراده خالد. لكن قد يتم وأدها، بواسطة قوى النظام القديم الظلامية، باستخدام النظام القديم تكنولوجيا العنف والقهر والإرهاب، بملاحقته الناشطين، وتقتيله الشباب. بما في ذلك ما رأيناه من التقتيل الذي تعرض له الشباب الإسلاميون في مصر الذين ذبحتهم في ميدان رابعة العدوية وفي الجامع قوات الجيش، بالتحالف مع الديمقراطيين والليبراليين الانتهازيين، ظللت أكرر هذه الحقيقة منذ أعوام حتى لا ينساها أحد.
(8)
استلف نظام الإنقاذ استراتيجية القمع المصرية واستخدمها في تقتيل شباب انتفاضة سبتمبر 2013 في السودان. لهذا السبب، حذف خالد دولة "مصر" من الذكر، واستعاض عنها بعبارة "وغيرها"، وكأنه نسي مصر، رغم أن التقرير الإنجليزي ذكر "مصر" في البداية، كالدولة الأولى من الأربعة دول التي "فشلت" في تحقيق الانتقال السلمي.
يرقى حذف خالد لكلمة "مصر" إلى الكذب، تفضحه عبارته التدليسية "وغيرها" التي أزلقها في نهاية العبارة "ليبيا وسوريا واليمن، وغيرها". كيف تكون مصر داخل "وغيرها"، بينما هي كانت مذكورة في التقرير في بداية الجملة، بسبب خطورة ما حدث فيها وبسبب موقعها مقارنة مع الدول الثلاث الأخرى؟
أراد خالد أن يعمم أن حتى تونس فشلت في الانتقال السلمي، فعل ذلك لكي يسهل عليه تعضيد فكرته القطعية ضد الربيع العربي. لا شيء يكرهه كاتب السلطان أكثر من كراهيته للثورات.
...
هكذا يتم إنتاج الكتابة الاحتيالية، بمثل هذه الحركات الصغيرة التي لا ينتبه إليها إلا من جلس ليحقق في النص، كمسرح جريمة الكاتب، وفي النص مسرح الجريمة نجد الآثار المتروكة الدالة على العنف بالكتابة.   
(9)
كذلك زور خالد النص على مستوى آخر، حين أضاف من عنده خصيصة ألصقها بثورات الربيع العربي، بقوله إنها أحداث ثورات انتهت إلى ما أسماه "فوضي ودماء وحروب أهلية في سوريا، وليبيا واليمن وغيرها".
التزوير هنا مركب، من حيث إن لغة الفوضى والدماء والحروب لم ترد أصلا في التقرير الإنجليزي، ومن حيث إن الفوضى والدماء والحروب لا يمكن ردها إلى مطالبة المواطنين بالحقوق في هذه الدول التي كان يحكمها الطغاة.
واضح أن خالدا يقرأ ثورات الربيع العربي بطريقته، ككاتب السلطان، على أن الثورات ضد الظلم هي المسؤولة عما يسميه هو "فشلها" وعن إفضائها إلى ما أسماه "فوضى ودماء وحروب أهلية"، وهي ذاتها قراءة كل المثقفين كتاب السلطان في كل حكومة استبدادية ترتعد من المقاومة واحتمالات تغيير النظام.
(10)
المهم هنا هو أن الاحتيال ثابت في أن خالدا خدع القراء. خدعهم حين قال لهم في مقاله إن التقرير الإنجليزي، الذي وصفه خالد بأنه يتسم بـ "الموضوعية والتجرد والعلمية"، وبأنه يأتي خاليا من "أية أيديولوجية أو تلوينات سياسية"، قال لهم خالد إن التقرير هو الذي قرأ ثورات الربيع العربي بالطريقة التي قدمها خالد، أن الثورات "فشلت" وأنها قادت إلى أحداث "الفوضى والدماء والحروب الأهلية".
أقول إن خالدا خدع القراء لأنه ليس صحيحا أن تلك كانت قراءة التقرير الإنجليزي، بل هي كانت قراءة خالد الخاصة المركبة بالوعي والقصد، وهو نسبها إلى التقرير. فالمخالفة المريعة واضحة.
يتسم الاحتيال هنا بالفظاعة، لأن خالدا كان يعلم أن القراء لن يكون في مقدورهم النظر في التقرير الأصل ليكتشفوا الخداع الذي تعرضوا له من جانبه. والاحتيال بالكتابة عملية عدوان سافر، بالكتابة. ولا توجد لغة أخرى تلطيفية، لتوصيف الوقائع في المقال الذي استعرض فيه خالد التقرير الإنجليزي في سودانايل. وقد قرأتُ المقال هن التقرير بصورة صحيحة على أنه تمثل عدوانا شرسا ضدي شخصيا، وضد أخرين. مما سيأتي بيانه.
...
ثانيا،
في التغيير السياسي العنيف الذي يخشاه خالد
(1)
توقع التقرير الإنجليزي أن "إمكانية التغيير السياسي العنيف على المدى البعيد باقية"، في السودان. ذلك، بالرغم مما أسماه التقرير "انحسار الدافع العريض في السودان لتغيير النظام"، أي من المعارضة.
ثم علل التقرير ذلك التوقع لـ "التغيير السياسي العنيف" بأنه حين يأتي وقت تغيير القيادة، والسيد البشير عمره 71 عاما وليس له عضو في أسرته ليخلفه، سيتطلب تغيير القيادة تدخل الجيش، ومن ثم "سيكون التغيير عاصفا".
(2)
كلها أعلاه تخمينات وكلامات فارغة من الإيكونوميست. لكن الذي يهمنا هنا هو أنها لم تعجب خالد، فأعمل خالد قلمه لتزويرها، لأنه لا يريد أن يسمع أي كلام عن وجود "إمكانية للتغيير السياسي العنيف"، في البعيد أو في القريب.
قرر خالد مباشرة تزوير هذه الوقائع التي كانت وردت في التقرير بلغة واضحة، زورها بأن كتب في استعراضه للتقرير:
"توقع التقريرُ من ناحية أخري أن يصحب عملية نقل السلطة في نهاية الفترة الرئاسية الراهنة عام ٢٠٢٠ بعض الاضطرابات ..."
...
هنا تمثل تزويرُ خالد للوقائع الثابتة في التقرير في أنه أعدم مفهوم "التغيير السياسي العنيف" في العبارة الواضحة الواردة في التقرير، ووضع في محل العبارة الأصل عبارة أخرى اخترعها، "نقل السلطة"، وهي عبارة تأتي مجردة من المعنى التقييمي الذي ورد في التقرير الانجليزي.
(3)
استخدم خالد ذات هذه الخدعة التزويرية عدة مرات في مقاله، بحيث يمكن أن نسميها "خدعة خالد"، لأني لم أتعرف على شبيه لها من قبل في أشكال الكتابة الاحتيالية المتدبرة عند القضاة الفاسدين، أو في قطاعات أخرى يتم فيها الاحتيال بالكتابة، وهو احتيال يختلف عن الاحتيال بوسائط أخرى.
فالذي يحدث بهذي خدعة خالد أن خالدا يأخذ من التقرير الإنجليزي محل الاستعراض مفهوما مكثفا، مثل "التغيير السياسي العنيف"، مكثف، لأن العبارة تشمل التوصيف والتقييم المعياري في آن واحد، وفي ذلك تتمثل كثافتها وكثافة المفهوم الذي تعبر عنه، ثم يجرد خالد المفهوم من كثافته الدلالية، ويستعيض عن العبارة الأصلية بعبارة يختلقها، هنا اختلق خالد عبارة "نقل السلطة"، ثم ثبتها في مقاله بديلا لعبارة "التغيير السياسي العنيف" الواردة في التقرير. والفرق بين العبارتين  شاسع ينضح بالتزوير، ولا يكون التزوير إلا بالقصد.
...
هكذا، بهذه الحركة اللغوية الصغيرة غيَّر خالد المعنى في التقرير بصورة جذرية وجوهرية. بأن جرد المفهوم الأساس في التقرير من محموله التقييمي الذي لا يرغب فيه خالد، وهو "التغيير السياسي العنيف" إلى العبارة موية ساكت "عملية نقل السلطة"
ومن بعد، نجد أن خالدا ينسب هذه التغييرات الجذرية في المعنى التي اختلقها هو بالتزوير الى التقرير الإنجليزي ذاته.
(4)
كذلك يمكن أن نسمي هذي خدعة خالد "خدعة خالد المزدوجة". لأنا نجد أمثلة يستخدم فيها خالد ذات خدعته في شكلها الأولي بصورة تزويرية عكسية. حين يأخذ مفهوما محايدا من التقرير الإنجليزي، ثم يشحن هذا المفهوم المحايد، ولنقل الخفيف، يشحنه بمحمولات تقييمية يختلقها، فيكثِّف المفهوم الأساس، وهو العبارة، ليكون ذلك في مصلحته ومحققا لأغراضه الأيديولوجية.
ذلك مثل احتياله بإضافة عبارة "فوضي ودماء وحروب أهلية في سوريا، وليبيا واليمن" ليكيف بها "ثورات الربيع العربي" بإضافة، من رأسه، أن أحداث الربيع العربي قادت إلى تلك "الفوضى ...". وهو لم يقل لنا إنه كان يعبر عن رأيه الخاص، بل كان مصرا على نسبة آرائه الخاصة للتقرير الإنجليزي. أخذ خالد فكرة بسيطة وردت في التقرير عن الربيع العربي الذي حالفه الشؤم وشحنها بالكلمات التشنيعية أعلاه، ثم نسب أقواله المزورة إلى التقرير الإنجليزي مستخدما العبارة المرائية "وحسب مؤشرات التقرير".
(5)
أضاف خالد تزويرا آخر في عبارات التقرير التي تحدثت عن أن "تغيير القيادة سيتطلب تدخل الجيش"، ومن ثم "سيكون التغيير عاصفا". زوَّرها خالد، بأن بدَّل عبارات التقرير مثل "التغيير السياسي العنيف"، و"التغيير الذي سيكون عاصفا"، و"تدخل الجيش"، ليقول: "توقع التقرير أن يصحب عملية نقل السلطة ... بعض الاضطرابات ..."، وهو مثال لـ "خدعة خالد المزدوجة"، تلك التي تعمل في اتجاهين حسب الرغبة.
(6)
ثم واصل خالد القول: "وأشار التقرير أن مَنفذ التغيير الوحيد المتوقع رغم ضعف احتمالاته هي القوات المسلحة". سجل خالد هذا القول رغم أن اللغة الواضحة في التقرير الأصل تشير إلى أن الجيش قد يتدخل حين يأتي الوقت لتغيير القيادة، ومن ثم سيكون ذلك حدثا عاصفا turbulent.
فانظر مجددا كيف أزلق خالد خلسة في مقاله عبارتين مسهوكتين، "عملية نقل السلطة" و"الاضطرابات"، بديلا للعبارات التقييمية المشحونة بالقوة الدلالية والمعيارية القوية الواردة في التقرير الإنجليزي: "التغيير السياسي العنيف"، و"التغيير الذي سيكون عاصفا"، و"تدخل الجيش".
...
 (6)
إن عمليات التزوير واسعة النطاق في التقرير الإنجليزي ، حتى في بضعة جمل قصيرة، ثابتة. ويمكن أن نذهب إلى أبعد من ذلك في عملية التقاط هذه الحركات المايكروسكوبية الدقيقة التي تمت بها صناعة الاحتيال من قبل خالد في مقاله. لكن ذلك يكفي بشأن الموضوع قيد التحليل.
سأعرض في كل مقال قصير من المقالات القادمة لعينة من الكتابة الاحتيالية المتدبرة في مقال الأستاذ خالد موسى، إلى أن يستبين بصورة واضحة وكافية نسق هذه الكتابة الاحتيالية، بحيث لا يكون متاحا للنص المقبوض عليه في سودانايل الإفلات أو التهرب.
..
يجب أن نتذكر دائما السياق المقارب لعمليات الاحتيال بالكتابة، وهو الاحتفاء المبالغ فيه من قبل خالد موسى حين كتب في مقاله أن تقرير الإيكونيميست موضوعي وعلمي وغير سياسي ولا أيديولوجي.
لكن الذي تبين لنا هو أن خالدا كان في واقع الأمر يهيئ القارئ ليقبل القارئ تقرير خالد الخاص، بلغة خالد الخاصة، ليقول لنا خالد إن الاحتجاجات لن تؤدي إلى إسقاط الحكومة، وإن كل ما هناك هو مشكلات عادية مقدور عليها لأن القوة بيد الحكومة.
ثالثا،
(1)
هذه المقالات موجهة إلى القراء، خاصة الشباب، بما في ذلك الشباب الإسلاميين. ولم يحدث أن استثنيتهم من "الشباب". ولا أندرج أصلا في حوار أو نقاش أو مفاكرة أو مدارسة مع خالد أو مع أي إسلامي من أعضاء جهاز المثقفين الإسلاميين، أو مع كتاب جهاز الأمن. تفصل بيني والمثقفين الإسلاميين المتحالفين مع العسكر في نظام الإنقاذ بحور دماء، فلا ألتقي معهم في شيء. وحين أقارب ما يكتبونه، فلأغراض التفكيك في سياق مقاومة الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة.
(2)
تماما كما لا أناقش القضاة الفاسدين الذين كتبت عنهم ما وصف خالد حجمه بصورة تقل عن الحجم الحقيقي، ولا ضير. لكن خالدا تعمد بالاحتيال إطلاق الادعاء أن مشكلتي مع السلطة القضائية كانت "أسرية"، فقط، وهو يعلم أن توصيفه محض احتيال آخر بالكتابة، لا يجرؤ خالد على النظر في مرآته كإسلامي ليعرف الاهتراء الأخلاقي في القضاء وفي جميع أجهزة الدولة الإسلامية ومؤسساتها، في الداخل والخارج، الدولة التي يخدمها بقلمه.
...
صحيح، مشكلتي مع القضاة بدأت في أساسها "أسرية"، لكن لولاها كمشكلة أسرية، ولولا أني بسبب أسريتها تمكنت من الدخول إلى المحاكم والوصول إلى ملفاتها محل صناعة الفساد الإسلامي في مجال القضاء، ولولا أني حولت المشكلة الخاصة إلى أمر متعلق بالشأن العام، لولا ذلك كله مجتمعا، لما عرف أهل السودان أن السلطة القضائية الإسلامية مخرأة عامة لصناعة الفساد.
كتبت عن فساد القضاة وقلة أدبهم وأنا في السودان، وقدمت الأوراق بيدي للقضاة أنفسهم ولوزراء الداخلية والأمن والعدل. وكذا سلمته بيدي رسميا إلى سفير السودان في أثيوبيا الذي سلمه لعمر البشير في يده، 1200 صفحة فيها بيان فساد ستة عشرة قاضيا.
لا أدعي أية قدرات خارقة ولا بطولة، ولا أعتقد في وجود أبطال، أصلا. كانت المرة الوحيدة التي استخدمت فيها كلمة "أبطال" لتكييف الإسلاميين المصريين في صمودهم المشهود في ميدان رابعة العدوية وفي الجامع. ولا يناقض ذلك أني أرى أن الإسلامية أيديولوجية فاسدة لا تعيش إلا بالعنف والقهر والإرهاب.  
...
أما العبارة التي يحتفي بها خالد ويستعرض بها، الدَّفِع قبل الرَّفِع، فهي، في سوقيتها المفترضة، صحيحة ودقيقة ومعبرة بصورة كافية وملائمة عن طبيعة الأفعال الإجرامية غير الأخلاقية التي اقترفها قضاة الإسلام المحددون موضوع كتابتي حين استخدمت هذه العبارة. وقد طورت قاموسا ملائما للكتابة عن القضاء الإسلامي في السودان، وحيث هو قضاء فاسد لابد من اللغة الملائمة لتوصيفه.    
(3)
حتى لا تختلط الأمور، أسجل دون عناء محاجة أن العدوان بالكتابة، كعدوان، لا يكون إلا من جانب كتاب الأنظمة الإجرامية الفاسدة، المحميين بجهاز الأمن.
أما الكتابة كسلاح لمقاومة الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة، فلا يمكن تكييفها كتابة عدوانية، بل هي كتابة الدفاع عن النفس في سياق المقاومة الأخلاقية ضد الطغيان، المقاومة التي تُركِّب أدواتها، وتختار لغتَها الخاصة، بل هي تنتج لغتها الخاصة، دون معقب عليها من كُتاب السلطان.
...
عشاري أحمد محمود خليل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.