الأستاذ خالد موسى والكتابة الاحتيالية المتدبرة: انحراف وخداع وتدليس (2-6)
عشاري أحمد محمود خليل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
أولا،
تقرير الإيكونيميست
...
(1)
يأتي تقرير الإيكونيميست الإنجليزي عن السودان في ثلاثين صفحة، نصفها جداول، وفيه فقرات طويلة عن دولة جنوب السودان. القصد منه رصد التغييرات المحتملة وتصور ما قد تحمله الأيام للسودان خلال الفترة 2016-2020. وهو تقرير مختلف عن تقرير آخر عن السودان تصدره الإيكونيميست، مخصص لدراسة المخاطر.
لن يجد القارئ في الأنترنيت التقريرَ الذي استعرضه خالد. فإن كنت تريد اكتشاف تزوير خالد للتقرير الإنجليزي، سيتعين عليك أن تدفع مبلغا من المال للاشتراك ومتابعة تجديد التقرير في موقع الإيكونيميست، حوالى ثلاثمائة دولارا، ولا يمكنك شراء التقرير المحدد موضوع مقال الأستاذ خالد، لأنه تم تحديثه، وإن كان التقرير المجدد الأخير لا يختلف كثيرا عن ذلك الذي اعتمده خالد، وثمنه ثلاثون دولارا تقريبا.
...
(2)
ليس التقرير الإنجليزي عن السودان "سنويا" كما زعم الأستاذ خالد في العبارة الأولى في مقاله. فلنقل أنه سها. التقرير شهري دائم في ملف الكتروني، ويتم تحديث معلوماته كل يومين تقريبا.  
المسؤولة عن تحرير التقرير عن السودان هي الأستاذة البريطانية جين مورلي، تحمل بكالوريوس في اللغة الإنجليزية، بتخصص في الرواية. هي مديرة تحرير تقارير الإيكونيميست عن الدول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. عندها خبرة، فيما يبدو. لا تعرف اللغة العربية.
...
(3)
يجد القارئ في نهاية المقال ثلاثة نصوص: (1) النص الإنجليزي موضوع هذا المقال، وهو فقرة قصيرة؛ (2) ترجمتي العربية للنص الإنجليزي موضوع هذا المقال؛ (3) النص المقابل الذي ورد في  مقال الأستاذ خالد في سودانايل، وهو النص محل التفكيك في هذا المقال.
...
ثانيا،
كيفية دوران الاحتيال بالكتابة لدى خالد موسى
...
(1)
من أهم أدوات الاحتيال بالكتابة التي استخدمها الأستاذ خالد موسى إخفاؤه وقائع جوهرية، تقدح في الإنقاذ، وردت في تقرير الإيكونيميست بالإنجليزية. وحين قرر خالد إعدام هذه الوقائع الجوهرية من مقاله الاستعراضي، كان مطمئنا أن الأغلبية الساحقة من القراء لن يجدوا التقرير الإنجليزي الأصل غالي الثمن، ومن ثم فلن يعرفوا أي شيء عن فعلته التدليسية المتعلقة بالوقائع في التقرير.    
...
عبَّرت الجملة الأولى في الفصل الأول من التقرير الإنجليزي تحت عنوان "الاستقرار السياسي"، عن تصاعد "الاستياء" discontent  في السودان إزاء عمر البشير وحزبه:  
...
"سيستمر في الازدياد الاستياءُ من الفترة الرئاسية الطويلة للرئيس عمر البشير ومن حزب المؤتمر الوطني الحاكم اللذيْن ظلا في السلطة لأكثر من 25 سنة".
...
(2)
لكنك لن تجد في نص مقال الأستاذ خالد أية إشارة لهذه العبارة المفتاحية الواضحة، الحاملة لفكرة جوهرية تقدح في نظام الإنقاذ، وتثبت معنى أن رئيسه دكتاتور، 25 سنة رئيسا، وتثبت أيضا أن الحزب الحاكم، حزب الأستاذ خالد، يثير الاستياء المتزايد.
...
فتُثَبِّت هذه الفكرة المعبر عنها في التقرير الإنجليزي معنى عدم استقرار السودان مستقبلا. أما سبب إعدام الفكرة وتغييبها من مقال خالد الاستعراضي فبسيطة: خالد إسلامي، سفير عمر البشير، اختاره الحزب بسياسة التمكين لشغل هذه الوظيفة المزدوجة سفيرا وكاتبا للدعاية لتزيين سمعة نظام الإنقاذ.
عملية الإخفاء أعلاه  يمكن إدراجها تحت التزوير والكذب والتدليس. لأن حذف الكاتب خالد واقعة جوهرية في السياق المحدد، المعروف، يعتبر فعلا قاصدا لتغيير المعنى الموجود في التقرير الإنجليزي الأصل.
...
تستمر الفقرة الأولى في الفصل بعنوان "الاستقرار السياسي" لتسجل وقائع أعمل خالد فيها أدواته التدليسية أيضا، بأن أخفاها من مقاله كلية أو بطريقة جزئية خبيثة (حتى لا يتم القبض عليه متلبسا بجريمة كاملة). ولنتذكر أن خالد كان قال لنا إن مقاله مخصص لاستعراض التقرير الإنجليزي الموضوعي العلمي غير السياسي غير الأيديولوجي.
...
(3)
هذه هي العبارات الإضافية في الفقرة في التقرير الإنجليزي موضوع التزوير الإضافي من قبل خالد، وهي ترجمتي من الأصل الانجليزي:
...
"وبالمثل، فإنه يُرجَّح أن التدابير التقشفية الراهنة [المستمرة] –وكذا [أشكال] الغُبن المحلية مثل نقص المياه في الخرطوم –  ستحُثُّ على احتجاجات متواترة ضد الحكومة وكذا ستحث على بعض الدعوات لتغيير النظام".
...
هذه أيضا واقعة جوهرية في التقرير الانجليزي، من حيث الموضوع، ومن حيث موقعها في الفقرة الأولى في متن التقرير تحت فصل "الاستقرار السياسي". كذلك عتم عليها الأستاذ خالد أو لنقل دغمسها في مقاله. المهم أنك لن تجد في مقال خالد عبارات التقرير الإنجليزي مثل "الغبن"، "دعوات لتغيير النظام"، "التدابير التقشفية الراهنة [المستمرة]".
فتتناص هذه العبارات في الأصل الإنجليزي مع مقال خالد، ومع نصوص أخرى، لتكذِّب النصوصُ مجتمعةً ومتضافرةً ما قاله خالد في صدر مقاله إن التقرير رسم صورة متباينة ومضطربة "تجمع بين الاستقرار السياسي رغم المظاهرات والاحتجاجات وارتفاع مستويات غلاء المعيشة ...".
هذه هي فكرته التي نسبها إلى التقرير، واستمر في مقاله يخادع القارئ، فيصرح بالواضح أحيانا أنه هو الذي يتحدث، لا التقرير، ثم يضلل القارئ في لحظات استراتيجية لكي ينخدع القارئ فيظن أن المتكلم هو التقرير وليس خالد، بينما خالد هو الذي حشر نفسه داخل نص التقرير في تلك اللحظة المعينة ليزوِّره من الداخل.
...
(4)
مضى التقرير الإنجليزي مباشرة بعد أعلاه ليسجل:
...
"لكن، وكما كان هو الحال بالنسبة للاحتجاجات السابقة، فإنه يُرجَّح أن تُواجَه هذه الاحتجاجاتُ، والمطالبةُ بتغيير النظام، بنشاطات بوليسية صارمة [قاسية، خرقاء] لحفظ النظام  بواسطة القوات الأمنية، ولا يُرجَّح أن تُحظى هذه الاحتجاجات والمطالبات لتغيير النظام بدعم مقدر من أحزاب المعارضة".
...
(5)
التقط الأستاذ خالد نتف هذه الفكرة المكتوبة في جملة واحدة من أربعين كلمة لينسج منها ثمانين كلمة قدمها وكأنها كانت هي المعاني التي وردت في التقرير. لم يبين خالد للقارئ بصورة واضحة أنه كان في مقاله ينسج روايته الخاصة من نتف متعددة انتقاها من التقرير الانجليزي، وأنه أعاد صياغتها لتلائم مقاصده الخاصة. وترك  خالد القارئ ينخدع بأن الجزء الثاني من النص التالي الذي يبدأ بعبارة "وحسب مؤشرات التقرير" في المقال في سودانايل جزء من التقرير الإنجليزي في الإيكونيميست، وأنه ارتبط بالمقدمات في النصف الأول من الفقرة التالية:
...
"قد خيب التقرير آمال الناشطين والسياسيين المنادين بالتغيير عن طريق تحريك الشارع والجامعات بالمظاهرات والاحتجاج علي الوضع الاقتصادي المتدهور وغلاء المعيشة وارتفاع أسعار الصرف للعملات الأجنبية في السوق الموازي،
وحسب مؤشرات التقرير فإن هذه الاحتجاجات والتي تصاعدت أخيراً عقب مقتل طالب جامعة كردفان والأهلية ستخلق بعض الاضطرابات مع ارتفاع شعارات تغيير النظام، لكن لن تؤدي الي إسقاط الحكومة لعدة أسباب منها وسائل المكافحة الأمنية، وعدم وجود معارضة فاعلة تستغل هذه الأحداث والاحتجاجات و الوصول بها الي غاياتها ..."
...
(6)
حشر الأستاذ خالد في الفقرة أعلاه عدة موضوعات لم ترد في التقرير الإنجليزي  لكنه نسبها إلى ذلك التقرير، أو على أقل تقدير ترك القارئ غير العارف ينسبها إلى التقرير الإنجليزي، خاصة وأن خالد استخدم خدعة لغوية خبيثة هي عبارته المرائية "حسب مؤشرات التغيير"، بينما لا يوجد ما يسمى "مؤشرات التقرير"، يوجد نص التقرير، ويوجد رأي الكاتب خالد في التقرير، وفي هذا الأخير يمكنه أن يفسر وأن يُخَرِّج كما يريد، وكان يلزمه إن كان أمينا أن يميز بوضوح بين محتوى التقرير الانجليزي، من جهة، ورأيه الخاص في ذلك المحتوى، من جهة أخرى. لكنه لخبط الموضوع قاصدا، وترك أمر حلحلة اللخبطة للقارئ غير العارف بأمور الدهاء الخفية عن تقرير لن يتمكن من وضع يده عليه.
...
(7)
إذا كان خالد فعلها هذه المرة الواحدة فقط لكنا عذرناه، لكنه استخدم ذات هذه الخدعة الخبيثة عدة مرات في مقاله. وهي خدعة معروفة في الكتابة الاحتيالية المتدبرة، حين يستخدم الكاتب قاصدا عبارة تترك الباب مواربا ليتمكن الكاتب المحتال من المخارجة من كذبته وتزويره إن تمت مواجهته، وسيقول خالد لنا إنه لم يقل: "قال التقرير" بل إنه كان قال "حسب مؤشرات التقرير".
لكن التذاكي الذي لابد سيلجأ إليه خالد لأمور التغطية بعد انفضاح فعلته غير الأخلاقية لن يجديه في شيء، لأنه أكثر من استخدام ذات الخدعة وصويحبات لها حتى شكَّل خداعُه المتكثر نسقا سيستبين بنهاية هذه المقالات عن كتابته الاحتيالية المتدبرة في مقاله عن التقرير الانجليزي، وهنالك بعض أشكال كتابته الاحتيالية لا يمكنه حتى تجريب التذاكي لإنكارها، حين يتبين للقارئ مجددا أنه كضَّب عديل كدة، مثل كذبه المذكور في البداية بشأن إغفاله واقعة ازدياد الاستياء في السودان من عمر البشير وحزبه. ومعروف أن إغفال الوقائع الجوهرية لتحقيق غرض ما يتم تكييفه نوعا من أنواع تثبيت الزيف، مما هو الكذب.
...
(8)
كانت أهم عبارة أزلقها خالد بالاحتيال في مقاله، ثم نسبها إلى التقرير الإنجليزي هي عبارته أن "الاحتجاجات  ... ستخلق بعض الإضرابات مع ارتفاع شعارات تغيير النظام، لكن لن تؤدي إلى إسقاط الحكومة لعدة أسباب منها وسائل المكافحة الأمنية وعدم وجود معارضة فاعلة تستغل الأحداث وتصل بها إلى غاياتها ...".
...
(أ)
لكن، لم يرد في نص التقرير الإنجليزي محل الاستعراض أن الاحتجاجات "لن تؤدي إلى إسقاط الحكومة". خالد هو الذي اختلق هذه العبارة. لأن الذي قاله التقرير الإنجليزي هو أن  "الاحتجاجات والمطالبة بتغيير النظام ستواجَه بنشاطات بوليسية صارمة [قاسية، خرقاء] لحفظ النظام  بواسطة القوات الأمنية ..." heavy-handed policing by security forces. وهي لغة لا يحبها خالد.
كذلك كان خالد لقَّاطا للمشكلات المعذِّبة له في التقرير الإنجليزي الأصل ليدمرها. فنجده برَّاحة زور عبارة "المطالَبة بتغيير النظام" الواردة في التقرير الإنجليزي لتصبح في مقاله "شعارات تغيير النظام". والفرق بين المطالبة والشعارات واضح. وهو يريد أن يقول إن التقرير الإنجليزي هو الذي قال إن ما يتم التعبير عنه بشأن  "تغيير النظام" في سياق "الاضطرابات" ليس إلا "شعارات" (وليس "مطالبة" كما هو الأصل الصحيح في التقرير الإنجليزي).
ثم زور خالد العبارة في الأصل الإنجليزي التي تصف قوات الأمن بأنها ظلت تستخدم يدا بوليسية صارمة، بمعنى قاسية وخرقاء، في القاموس، مما يدل على الإفراط في العنف، وهو جريمة بالطبع. زور خالد هذه العبارة التي تقدح في قوات الأمن بأن وضع في محلها العبارة الخَفَّافية المحايدة موية ساكت: "وسائل المكافحة الأمنية"، وهكذا مسح من النص في مقاله العبارة التكييفية الدالة على بطش القوات الأمنية، "نشاطات بوليسية صارمة ...".
...
هكذا، تدور المعالجات بالكتابة الاحتيالية المتدبرة بمثل هذه الحركات المايكروسكوبية الدقيقة لتغيير المعاني، وهي حركات لا يقدر على إنتاجها إلا الكُتاب الدهاة أمراء الخداع والتدليس، مثل القضاة الفاسدين على سبيل المثال، ومثل خالد بالطبع.
ليس سهلا أصلا التعرفُ على هذه الخدع في مثل هذه الحالة التي يدعي فيها الكاتب خالد أنه يستعرض تقريرا موضوعيا علميا، والتقرير مكتوب بلغة أجنبية. لأن القارئ في العادة لا يُخضع الكاتبَ للتحقيق القضائي بحثا عن احتيال الكاتب، وهي الثغرة في معمار القراءة، من عمدها الثقة والمصداقية، التي نفذ منها خالد باحتياله وتزويره للتقرير الإنجليزي، لخدع القراء.
وكذا يعرف خالد مسبقا أن القارئ لا يتوقع منه أن يذهب إلى درجة المقارنة بين ما قاله خالد بالعربية، من جهة، والنص الإنجليزي الأصل، من جهة أخرى. وفي هذه الحالة، لم يكن النص الإنجليزي متاحا أصلا في الأنترنيت إلا بالقروش، وهي ثغرة أخرى عرفها خالد فاغتنمها ليقترف التزوير وهو مرتاح أن لا أحد من قراء سودانايل سيجد التقرير الإنجليزي ليكتشف احتياله.
(ب)
كذلك لم يقل التقرير الإنجليزي  ما ادعاه خالد بـعبارته المزلقة بالاحتيال: "عدم وجود معارضة فاعلة تستغل الأحداث"، بل قال التقرير الإنجليزي "لا يُرجَّح أن تحظى هذه الاحتجاجات والمطالبات لتغيير النظام بدعم مقدر من أحزاب المعارضة".
والفرق شاسع بين العبارة الأصل في التقرير الإنجليزي، من جهة، والعبارة المخترعة من قبل الأستاذ خالد، من جهة أخرى. عقدة خالد التي تثير فزعه كما أسلفت هي عبارة "المطالبة بتغيير النظام" في النص الانجليزي، التي زورها خالد لتكون "شعارات تغيير النظام"، ومن ثم تصبح العبارة المزورة متسقة مع العبارات المزورة الأخرى عن المعارضة موضوع همه.
...
فلماذا زور خالد العبارة في النص الإنجليزي عن "نشاطات بوليسية صارمة [قاسية، خرقاء] لحفظ النظام  بواسطة القوات الأمنية"، لتكون في مقاله "وسائل المكافحة الأمنية"؟  
ولماذا زور عبارة التقرير الإنجليزي عن "المطالبات لتغيير النظام" لتكون "شعارات تغيير النظام"؟
...
(9)
يستبين من قراءة النص في مقال خالد والتقرير الإنجليزي أن خالد فعل ما فعل ليستخدم العبارتين المزورتين لتركيب أسباب تعضد فكرته عن أن الاحتجاجات "لن تؤدي إلى سقوط الحكومة"، والعبارة "سقوط الحكومة" إحالة ماكرة من جانبه من عبارة كانت ستكون هي الأصح، "تغيير النظام".
الذي يهمنا هو أن خالد اختلق الفكرة المحمولة في العبارة "الاحتجاجات لن تؤدي إلى إسقاط الحكومة"، حيث لا وجود لها في النص الإنجليزي، ثم حشرها في مقاله ونسبها إلى تقرير الإيكونيميست الإنجليزي، بعد أن قمع العبارة التي كانت ستكون صحيحة، وهي إسقاط النظام"، وغيَّرها لتكون "إسقاط الحكومة"، والفرق واضح بين "النظام" و"الحكومة"، أيضا.
الاحتيال مزدوج هنا، لأن الأستاذ خالد حتى وهو يختلق فكرة محددة مثل "استحاله إسقاط النظام"، تجده يزوِّرها، وهي فكرته، إلى فكرة مختلفة تلائم أغراضه وفق تخليق الاحتيال أثناء عملية الكتابة، فكرة "استحالة إسقاط الحكومة"، بينما لا يُعتبر "إسقاط الحكومة" أمرا مهما للمعارضة، المهم هو "إسقاط النظام"، مما يبث الرغب في أوصال خالد الذي زور فكرة "المطالبة" بـ "تغيير النظام" لتكون مجرد "شعارات لتغيير النظام".
...
قال خالد:
"وحسب مؤشرات التقرير ... فإن هذه الاحتجاجات ... ستخلق بعض الاضطرابات مع ارتفاع شعارات تغيير النظام"، لكنها "لن تؤدي لإسقاط الحكومة".
ثم سبَّب خالد خلاصته "لن تؤدي لإسقاط الحكومة" بأن قال: "لعدة أسباب منها": [1] "وسائل المكافحة الأمنية"، [2] "عدم وجود معارضة فاعلة تستغل الأحداث"، و[3] "الوعي بنموذج التغيير الشعبي". وأضاف خالد سببا رابعا سيكون موضوع المقال التالي، هو [4] "فشل ثورات الربيع العربي ... فوضى ودماء وحروب".
...
(10)
الذي نجده هنا هو أن الأستاذ خالد موسى حاطب ليل، فهو يقتبس من التقرير الانجليزي بعض عبارات كانت وردت في التقرير في سياقاتها المحددة لتركيب فكرة معينة تعلقت بتخمينات التقرير الانجليزي عما سيحدث في السودان خلال الأعوام الخمسة القادمة. وكانت الفكرة المحورية في صدر الفصل عن "الاستقرار السياسي" هي "ازدياد الاستياء من طول الفترة الرئاسية لعمر البشير"، ومن حزبه، وكذا وجود غبينة محلية.
لم يكتف الأستاذ خالد بإعدام هذه الفكرة المحورية الواردة في صدر الفصل في التقرير الانجليزي، بل طفق يزوِّر في لغة العبارات، واجتزأ العبارات من سياقاتها، لكي يركِّب حجته عن استحالة "سقوط الحكومة"، والصحيح كما قلت هو "إسقاط الإنقاذ"، لكن خالد يخاف من مجرد فكرة "النظام" هدفا للإسقاط، ولا بأس عنده من احتمالية أن تكون  "الحكومة" هدفا للإسقاط، لكن حتى ذلك الاحتمال الذي جعله خالد هينا لن يحدث، فالاحتجاجات عنده "لن تؤدي إلى إسقاط الحكومة".
...
نسب خالد الحجة التي كان هو الذي ركَّبَ، نسبها إلى التقرير الإنجليزي. ولأن خالدا كان مدركا أنه يحتال بهذه الفعلة غير الأخلاقية، دلس على احتياله بعبارته المفتاحية التي ابتدر بها الخداع في النص المحلي في مقاله، وهي عبارة "حسب مؤشرات التقرير".
وكما أسلفت القول، فإن التذاكي بهذه العبارة الاستغفالية لا يسعف خالدا، لأنه استخدم ذات هذه العبارة المفتاحية عن "المؤشرات" في تقديمه بصورة صحيحة لفكرة أخرى في مكان آخر في مقاله، حين قال:
"حسب المؤشرات التي أبرزها التقرير سينخفض حجم التضخم الي حوالي ١٠٪‏ خلال الثلاث أعوام القادمة".
...
كان القصد من استخدام خالد العبارة عن "المؤشرات" بهذا المعنى الأخير، الصحيح، أن يقول لنا إنه يستخدم هذه العبارة "المؤشرات" أداة لغوية للاقتباس الدقيق من التقرير، في جميع الأحوال.
لكن ذلك محض كذب. خاصة حين ننظر الكيفية التي استخدم بها خالد عبارة "المؤشرات" في تقديمه للرواية السابقة عن أن الاحتجاجات لن تؤدي إلى إسقاط الحكومة.
وكذا نعرف أن خالد كان يحتال حين نستكشف مجمل أدوات الكتابة الاحتيالية المتدبرة في مقاله، وهي متكثرة تتضافر لتشكل نسقا كاملا لاحتياله بالكتابة. وسيظهر النسق كاملا حين تنتهي هذه المقالات الستة أو أكثر موضوعها الوحيد مقاله في سودانايل "ترجيحات السياسة واختلالات الاقتصاد في تقرير الإيكونوميست عن السودان".
...
 (11)
تظل هذه الكتابة الاحتيالية المتدبرة أخطر أنواع الكتابة على أصحابها مثل الأستاذ خالد، لأن النص الاحتيالي يحمل دائما آثار عنف الكتابة المتمثل في الكذب والتزوير والطمس وبقية حركات الخداع والتدليس، فيصبح النص مسرح جريمة عدوان الكاتب على ضحاياه القراء.
عندئذ، يسهل بالتفكيك عبر آلية التناص إثباتُ الاحتيال بصورة مباشرة وحاسمة. ومن ثم يسهل أيضا المضي لتفسير الاحتيال بالكتابة على أنه أداة استراتيجية طورها المثقفون الإسلاميون للعدوان على القراء.
...
فيبين أعلاه لزوم الحذر ومراقبة خطاب الإسلاميين. والدرس واضح للشباب، بمن فيهم شباب الإسلاميين، أن لا يثقوا في كاتب إسلامي، خاصة حين يكون موظفا في الجهاز مثل خالد موسى دفع الله.
...
ثالثا،
المقالات التالية
...
(1)
في المقالات التالية، أتناول كيفية استخدام خالد الاحتيال بشأن ثورات الربيع العربي التي يرد ذكرها في التقرير الانجليزي، حيث نجده يمعن في التزوير وفي فبركة نصوص ينسبها بالكذب إلى ذلك التقرير.
(2)
وفي مقال تال ـعرض للاحتيال في مقال خالد حين  كتب عن موضوع الدعم السعودي. فقد حنق خالد للمرة الأولى والوحيدة على التقرير الإنجليزي حين ورد فيه أن ادعاءات حكومة السودان عن الخمسة بليون دولارا من السعودية كانت "مبالغة". ، بالطبع أعمل خالد قلمه لتفطيس هذه الواقعة الجوهرية بأن أعدمها من مقاله، واستعاض عنها بأوهام خلقها عن أن الإيكونيميست هي الما فاهمة الموضوع بتاع السعودية، لأنها "أغفلت" حاجات مهمة قالها الملك سلمان.
فالأستاذ خالد يفهم جيدا كيف يكون الاحتيال بالكتابة، فهو ذاته هنا ضبط الإيكونيميست بتعمل حركات، لكنه وجد لها عذرا "للتوقيت"، لأنه يحتاج مصداقيتها التي أسبغها بالاحتيال على مقاله في سودانايل.
(3)
ثم أعرِض في مقال منفصل لخلاصة الأستاذ خالد في مقاله "أن الاقتصاد هو أكبر مهددات الأمن القومي في الوقت الراهن  وليس التمرد العسكري"، وهي خدعة استراتيجية أخرى، بالرغم من غبائها كفكرة وكخدعة، فأهميتها ليست في غبائها بل في أنها تتحدر من علاقتها بعقيدة الإسلاميين أنه لا توجد أصلا أخلاق في الاقتصاد. نعرفه من ممارستهم الاقتصادية ومن فسادهم وعدم امتثالهم للحد الأدنى من الأخلاق بأي تعريف.
وأفرد مقالا لخدعة أخرى أقحمها خالد عن أن الفوارق الطبقية في السودان جزء من ظاهرة عالمية.
...
عشاري أحمد محمود خليل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
..
...
(1) النص الإنجليزي الأصل
Outlook for 2016-20
Political stability
Discontent at the long tenure of the president, Omar al-Bashir, and the ruling National Congress Party (NCP)—who have now been in power for more than 25 years—will continue to grow. Equally, ongoing austerity measures—and local grievances, such as water shortages in the capital, Khartoum—are likely to prompt periodic anti-government protests, as well as some calls for regime change. However, as with previous such protests, these are likely to be met with heavy-handed policing by the security forces, and are unlikely to secure substantive support from opposition parties.
...
(2) ترجمتي للنص الانجليزي
سيستمر في الازدياد عدم الرضا عن الفترة الطويلة للرئيس عمر البشير ولحزب المؤتمر الوطني الحاكم الذين ظلوا في السلطة لأكثر من 25 سنة. وبالمثل، فإنه يُرجح أن التدابير التقشفية الراهنة [المستمرة] –وكذا [أشكال] الغبن المحلية مثل نقص المياه في الخرطوم –  ستحُث على احتجاجات متواترة ضد الحكومة، وكذا ستحث على بعض الدعوات لتغيير النظام.
لكن، وكما كان هو الحال بالنسبة للاحتجاجات السابقة، فإنه يرجح أن تواجه هذه الاحتجاجات والمطالبة بتغيير النظام بنشاطات بوليسية صارمة [قاسية، خرقاء] لحفظ النظام  بواسطة القوات الأمنية، ولا يرجح أن تحظى هذه الاحتجاجات والمطالبات لتغيير النظام بدعم مقدر من أحزاب المعارضة.
...
(3) استعراض الأستاذ خالد للنص الانجليزي
و قد خيب التقرير آمال الناشطين والسياسيين المنادين بالتغيير عن طريق تحريك الشارع والجامعات بالمظاهرات والاحتجاج علي الوضع الاقتصادي المتدهور وغلاء المعيشة وارتفاع أسعار الصرف للعملات الأجنبية في السوق الموازي ، وحسب مؤشرات التقرير فإن هذه الاحتجاجات والتي تصاعدت اخيراً عقب مقتل طالب جامعة كردفان والأهلية ستخلق بعض الاضطرابات مع ارتفاع شعارات تغيير النظام ، لكن لن تؤدي الي إسقاط الحكومة لعدة أسباب منها وسائل المكافحة الأمنية، وعدم وجود معارضة فاعلة تستغل هذه الأحداث والاحتجاجات و الوصول بها الي غاياتها ، وكذلك الوعي بنموذج التغيير الشعبي وفشل ثورات الربيع العربي  وما انتهت اليه الأحداث من فوضي ودماء وحروب أهلية في سوريا، وليبيا واليمن وغيرها.