عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
كل من يقرأ مقال الأستاذ خالد موسى في سودانايل عن تقرير الإيكونيميست عن السودان، ثم يقرأ التقرير الأصل في المجلة الإنجليزية، سيتوصل بسهولة إلى أن المقال شكْلٌ من أشكال الكتابة الاحتيالية المُتَدَبَّرة. احتيالية، لأنها كتابة تنطوي على الانحراف عن معايير الاقتباس من المصدر الإنجليزي، ولأنها منسوجة بحركات الخداع والتدليس. ومُتدبَّرة، بمعنى أنها كتابة تطلبت من كاتبها الأستاذ خالد تفكيرا وترتيبات ومراجعات مشدودة إلى إزلاق تلك أفعال الاحتيال في قماشة النص. بغرض خلق صورة زائفة لنظام الإنقاذ، ولتسبيب الألم للقراء ضحايا إجرام الحركة الإسلامية السودانية، وللتشفي منهم.
(2)
يتمثل الاحتيال بالكتابة، هنا، في أن الأستاذ خالد موسى أعمل قلمه بصورة واعية لخدع القارئ، بأن كذَب في نص مقاله، وزوَّر وقائع مسجلة في النص الأصلي، واختلق وقائع نسبها بطريقة مرائية إلى الأصل الإنجليزي وهي غير موجودة فيه، وأغفل متعمدا وقائع جوهرية وردت في التقرير الأصل وهي كانت وقائع تقدح في النتيجة المرغوبة من جانبه لتحسين صورة النظام الظالم، النظام الذي بسياسة التمكين وظَّفه سفيرا.
فلا توجد مقاصد تشنيعية هنا، وإنما تفكيك النص المحدد مقروءا في سياقه الدموي في مسرح جرائم الإسلاميين في السودان، التفكيك وفق إطار نظري طورته لتكييف هذا الجنس من الكتابة في دراستي لفساد القضاة، وهو جنس الكتابة الاحتيالية المتدبرة موجود في جميع المجالات التي يتم فيها التعامل بالكتابة.
(3)
بهذه الكتابة الاحتيالية المتدبرة، يدمر الأستاذ خالد العلاقة المفترضة بين الكاتب والقارئ، وهي علاقة الأمانة، فالقارئ قد يقبل أن من حق الكاتب اعتماد فلسفة معينة أو موقف سياسي معين، مهما كان بؤسهما أو تهافتهما، لكن لا يجوز للكاتب أن يحتال على القارئ، بأن يقصد إلى خداعه، مستخدما الكذب والتزوير، على سبيل المثال، مما نجده في مقال الأستاذ خالد موسى. سأقدم أمثلة محددة لكل ذلك في المقال الثاني.
(3)
في هذا المقال، أبين أن الأستاذ خالد، قبْل تزويره تقرير الإيكونيميست، وللتهيئة لذلك التزوير، قدَّم في نص مقاله تقييما عاما للتقرير في المجلة البريطانية يرقى إلى الغش. حين كتب:  
"يُحظى تقرير (الإيكونيميست) السنوي عن السودان بمصداقية عالية نسبة لمقاربته للواقع السياسي والاقتصادي بصورة علمية مجردة دون أن تداخله أي تلوينات سياسية أو أيدلوجية تفقده الصفة العلمية والموضوعية .... الكثير من الدول والمؤسسات الدولية تعتمد عليه في قراءة الواقع الداخلي في السودان".
(4)
كان هذا التقييم من قبل خالد تقييما للإيكونيميست ذاتها فهي صاحبة التقرير، فمقيمةٌ عنده إذن كمجلة ذات "موضوعية وعلمية". وكان تقييمه لتقريرها بأنه خال من "أي تلوينات سياسية أو أيديولوجية"، ضروريا، لكي يتمكن خالد من تثبيت معنى دعائي كاذب أن نظام الإنقاذ بخير، وأنه لن ينهار، فقط هنالك مشكلات عادية تحدث حتى في أرقى الدول، وليتمكن خالد كذلك بذات التقييم للتقرير وللمجلة صاحبته من تسبيب الألم بالشماتة المجانية أن التقرير من المجلة العلمية الموضوعية "خيب آمال الناشطين والسياسيين المنادين بالتغيير عن طريق تحريك الشارع والجامعات بالمظاهرات ...".  
(5)
لكن هذه الادعاءات عن مصداقية التقرير، كتقرير قُطري، غير صحيحة. فالثابت على سطح الأرشيف هو أن الإيكونيميست صاحبة التقرير ليست علمية ولا موضوعية فيما تكتبه، بل هي مجلة متحيزة ولها اتجاه سياسي محدد اختارته من بين اتجاهات سياسية مختلفة، وتسمي نفسها "وسطية راديكالية". وهي مجلة موغِلة في إعمال التركيبات اللغوية الأيديولوجية والسياسية لمواقفها إزاء شتى القضايا بما في ذلك إزاء القضايا في تقريرها عن السودان، وهو موضوع مقال خالد.
إنها مجلة تقف مع فلسفة السوق الحر، وتحرير الاقتصاد، ولا يهمها إجرام الدولة الأجنبية، خاصة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، هنا نظام الإنقاذ، وكذا لا يهمها فساد هذه الدولة، إلا عندما يعرقل الفساد والإجرام في هذه الدول الأجنبية مصالح الشركات الغربية والعالمية التي تخدمها الإيكونيميست بمثل تقريرها عن السودان. وهذي ليست مواقف حيادية أو غير سياسية من جانب المجلة، بل هي مواقف متحزبة قاسية عديمة الرحمة ولها جذور عميقة في فلسلفة المجلة المصبوغة بموقعها في الإمبراطورية الاقتصادية الغربية.
بالإضافة إلى ذلك، تعتمد الإيكونيميست النظام الأوربي على أنه النظام الأفضل في العالم، وهو إطار مواقفها الاقتصادية والسياسية والثقافية، ولذا نجد أن هذه المواقف تُلوِّن، بالضرورة، كلَّ كتابة تنشرها المجلة حول الموضوعات المختلفة، أو عن الدول المختلفة، وعن السودان.
(6)
الذي لا يدركه الأستاذ خالد هو أن موقفه المتهافت بالجري وراء سراب الإيكونيميست، بحثا عن مادة ثانوية ملفقة أصلا فيُجري فيها معالجات تزويرية دعائية لتزيين باطلِ نظام الإنقاذ، هذا الموقف يستحضر موضوعات أخرى لم يكن خالد يشغل باله بها عند انشغاله بنسج الروايات الاحتيالية عن تقرير المجلة عن السودان، رغم أن الموضوعات معروفة لديه من متابعته للمجلة.
فألفت انتباه الأستاذ خالد إلى هذه الموضوعات الأخرى التي قد يريد اعتبارها غريبة غير ذات علاقة بالموضوع مناط همه، لكنها بل متعلقة بصورة لصيقة بمشروعه في مقاله للدفاع عن نظام الإنقاذ، كنظام إسلامي يدعي أنه جاء للفضيلة.
(7)
فليقرأ خالد مجددا، ليتذكر إن كان غشيه نسيان، ما يعرفه جيدا عن موقف مجلة الإيكونيميست التي يحتفي بها ويتابعها، موقفها في تقاريرها المؤيِّدة بقوة لزواج اللوطيين وزواج السحاقيات، وهذه بالطبع هي اللغة الإسلامية المجبور على استخدامها الأستاذ خالد، فأسهِّل عليه الأمر باستخدام اللغة التي تتسق مع خطاب الشريعة.
كذلك أوجهه إلى قراءة موقف الإيكونيميست في تقاريرها الرافضة لتجريم الدعارة، يعني الزنا، ليعرف خالد أن المجلة تطالب بتقنين الزنا التجاري باعتباره نوعا من العمل الاقتصادي في سوق الجنس، وتستعين بأفكار آمنيستي، وكذا هي تقف مع حرية استخدام المخدرات.
(8)
هذه مواقف ثابتة لدى الإيكونيميست، وهي تفتخر بهذه المواقف. وقد قدمتْ المجلة وقائع "موضوعية" و"علمية" تدعم بها هذي مواقفها السياسية والأيديولوجية والثقافية إزاء زواج المثليين وإزاء الدعارة. وهي مواقف، إن كانت الآن هي موضوع المحادثة، لكانت فرضت على الأستاذ خالد بلع مقاله في سودانايل وتكييف ذات الإيكونيميست بعدسة قواعد الشريعة الإسلامية، على أنها مجلة حقيرة وتافهة تروج للأفعال الفاضحة واللواط والزنا، ولو عتَّبتْ في السودان تِنجلد وكمان فيها إعدام.  
(9)
تبين هذه المفارقات المضحكة مأساة الأستاذ خالد موسى، ومأساة كل مثقف إسلامي يعيش الأوهام فيقرر أن ينسى نفسه وتاريخه ويحاول أن يسوح هكذا كما يحلو له حرا طليقا، ينهل من مظان العلم والمعرفة الأوربية الغربية، ويبدي إعجابه بمؤسسة الإيكونيميست العلمانية، وبعدين كمان داير يعمل إسلامي.
مأساة المثقف الإسلامي كامنة في أن الشريعة الإسلامية، وهي إطاره الفلسفي الحاكم، ستحكم على كل خطاب له من نوع مقال  خالد عن تقرير الإيكونيميست عن السودان على أنه خطاب زائف ونفاقي.
ذلك، بعلة التناقضات التي يُعرِّيها التناص بين النصوص المنثورة في شبكات الفضاء العام. فالنصوص تتكلم فيما بينها، رغم بعد الشقة، ورغم أنف كاتب النص المركزي. هنا، أتحدث عن التناص بين التقرير الاقتصادي عن السودان كدولة إسلامية، من جهة، وتقارير ممارسات "قلة الأدب" بتاعة الخواجات، من جهة أخرى، في ذات المجلة محل عجب الأستاذ خالد موسى واحتفائه.
(10)
مسكين هذا الإسلامي، فما أن يبدأ يعمل نفسو علماني بتاع إيكونيميست، في سياق دفاعه عن الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة، دفاعه بالتقارير الصحفية العالمية الملفقة، إلا وكان "التفسير التوحيدي" بتاع الشريعة يقف له بالمرصاد، يذكِّره بأن جميع التقارير عن الموضوعات المختلِفة المنشورة في المجلة مترابطة ومتداخلة وموحدة، من حيث منهجية إعدادها، منهجية "الموضوعية" العلمانية المفترضة في الإيكونيميست التي يحتفى بها خالد أيما احتفاء.
هنا، لا يمكن لهذا الإسلامي أن ينتقي من المجلة تقرير السودان وفيه "الموضوعية والعلمية والتجرد"، ويعمل حفلة، وينتهي الأمر. بل سيتعين على هذا الإسلامي أن يذوق طعم جميع الأطباق الشهية في المينيو، بما فيها طبق زواج اللوطيين، وطبق زواج السحاقيات، وطبق إباحة الدعارة المكيفة كعمل اقتصادي، وأطباق خنزيرية أخرى.
فهذه هي الإيكونيميست الموحَّدة، موضوعيتُها العلمانية في التقرير عن نظام الإنقاذ هي ذاتُها موضوعيتُها العلمانية في التقارير عن الموضوعات الأخرى التي لا يريد الإسلاميون تذكيرهم بها.
هكذا تنفضح المغالطة في مناجزة الأستاذ خالد بموضوعية للإيكونوميست اختلقها هو ابتداء، وهو يعرف حقيقة المجلة كصرح لتعبئة الكتابة الأيديولوجية، اختلقها حين وجد أن المجلة قدمت له تقريرا ملفقا من نتفِ ترهات من هنا ومن هناك، وفي التقرير تنجيم وتخمينات وتوقعات ساذجة عن مستقبل السودان في الأيام القادمة.
لَملمَ خالد كل ذلك الفتات ونسجه بأدوات الكتابة الاحتيالية المتدبرة لتثبيت معان زائفة وحاقدة، أن نظام الإنقاذ، نظام المثقفين الإسلاميين المتحالفين مع العسكر، وبالرغم من أنه نظام إجرامي فاسد، مما يعرفه خالد جيدا، باق إلى الأبد، فموتوا بغيظكم أنتم ضحايا هذا النظام الذي أخدمه سفيرا وكاتبا في المجال العام!   
...
عشاري أحمد محمود خليل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.