عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(0)
ما بعد أمبيكي
بالطبع، لا ينتهي الأمر أمر المعارضة الرباعية (الصادق المهدي، ياسر عرمان، ميني أركو مناوي، جبريل ابراهيم) برفضها خريطة الطريق. لابد أن التفكير جار لدى القيادات الأربعة ولدى معارضين آخرين في كيفية التعامل مع الوضعية المعقدة التي خلقها الوسيط الجنوب أفريقي ثامبو أمبيكي نيابة عن نظام الإنقاذ ولمصلحته.
فالذي أراه، أن ثامبو أمبيكي بل أتاح بتلك فعلته الغريبة "غير المحترمة"، في لغة الدبلوماسية عند ياسر عرمان، بينما الفعلة كانت خدع أمبيكي للمعارضة وللسودانيين، أتاح أمبيكي المجال واسعا للسودانيين، بعد أن يكونوا طردوه من الذاكرة ومن الاعتبار، ليطرحوا أفكارا جديدة لكيفية التعامل المستقل مع نظام الإنقاذ، دون الاقتصار برد الفعل على التعامل الظرفي  مع الوضعية الخداعية الطارئة التي ركَّبها أمبيكي، هذا التعامل الظرفي هو ما قد تنشغل به المعارضة الرباعية، وأراه انشغالا غير مجد، فينبغي أن لا يتجاوز الانشغالُ ما كنت اقترحته في المقال السابق عن ضرورة الرد كتابة على ما كان جاء في وثيقة خريطة الطريق، وطرح بديل جاد تنشغل به الإنقاذ، وأتوقع أنها سترفضه، لأنها سكرى بالوهم، ومن بعد الالتفات إلى تحديد ملامح التغيير ما بعد أمبيكي الذي انفضحت عمالته لنظام الإنقاذ وبان للجميع سوء أدبه.
...
ثلاث أفكار متداخلة
فهذا المقال في ثلاثة أجزاء تَدخُّلٌ أولي للإسهام بأفكار يمكن للمعارضة، تحديدا الحركات المسلحة، أن تنظر فيها، وهي أفكار مشدودة إلى تغيير الوضعية السياسية والعسكرية الراهنة، لتنفتح آفاق جديدة للتفكير في كيفية مقاومة نظام الإنقاذ مقاومة سلمية بقصد صريح ومعلن هو تفكيك دولة الإنقاذ وكتابة نهايتها:
(1)
أن تقرر الحركات المسلحة وقف الحرب، بصورة نهائية، من جانب واحد أو باتفاق لا يهم، بدون شروط غير ما هو شرط إجرائي لضمان السلامة الشخصية، أي أن تتخلى جميع الحركات المسلحة عن الحرب وسيلةً لتغيير نظام الإنقاذ أو لمقاومته. وأن يكون قرار التخلي عن الخيار المسلح مستقلا عن نظام الإنقاذ، وخارج إطار حوار قاعة الصداقة.
(2)
أن تندرج الحركات المسلحة، وقد دمرت أسلحتها بيدها وأصبحت مكونا في المعارضة المدنية العريضة، أن تندرج في المقاومة الشعبية المستمرة ضد نظام الإنقاذ، دائما بغرض تفكيك دولة الإنقاذ وفق برنامج منشور في العلن من البداية.
(3)
أن تبادر المعارضة، هي، بدعوة حكومة الإنقاذ للحوار، وفق محددات لها سند في المبدئية وفي الأخلاق، وفي الهم بالتغيير في السودان لتفكيك دولة الإنقاذ. وإن قبلت المعارضة المشاركة في حوار قاعة الصداقة فهي تقبله فقط بتقديمها إطارا جديدا له يتم التداول حوله مع جميع الأطراف، قصد إعادة هيكلة حوار الوثبة ليكون حوارا مبدئيا وأخلاقيا قائما على الحجة العقلانية لا القوة، ولتثبيت موضوعات جديدة فيه جوهرها المعلن عنه قصدُ تفكيك دولة الإنقاذ ذاتها بطريقة سلمية وإحلال دولة ديمقراطية علمانية في السودان.
...
مدخل الأطفال والأخلاق
(1)
ليس ضروريا الآن تحديد كيفية تنفيذ هذه الفكرة تحت التطوير، لكن أقدم خلفياتها ومكوناتها وحيثياتها كفكرة، دون غوص في مقتضياتها الأخلاقية المتمثلة في لزوم إنهاء عذاب السودانيين الذين يدفعون ثمن حروب السودان، يدفعون الثمن بصورة مباشرة في أجسادهم، أغلبيتهم الساحقة، في دائرة التسع وتسعين بالمائة، من المدنيين الفقراء، ويتحمل الأطفال، دائما في أجسادهم، أثر هذه الحروب التي لا علاقة لهم بها من قريب أو من بعيد، لا حق للكبار حتى إن كانوا في مقامية الأب أو الأم في ولاية على الأطفال أو القرار نيابة عنهم بإشعال حرب والاستمرار فيها حتى بعد أن تبين عيانا فشلها وضررها، دائما الحديث في سياق السودان حتى لا ندخل في رؤى كونية تنسرب إليها المغالطات.    
(2)
فمن منطلق الأطفال، بعقيدة مصلحة الطفل الفضلى، هذه حروب غير أخلاقية. ولا يمكن للحركات المسلحة أن تدعي مصداقية لقول إن حروبها مشدودة إلى حماية الأطفال بالدرجة الأولى، ولا يكتسب أي تصرف صفة أنه لحماية الأطفال إلا إذا وضع هذه الحماية كالأولوية الأولى تجب كل ما عداها من هموم أو اعتبارات.   
فالأطفال هم المدخل الصحيح لضمان سلامة التفكير. خاصة وأن سودان الإسلاميين اليوم هو  أسوأ مكان في الدنيا يولد فيه طفل، مع عدم ضرورة المقارنة مع دول خائبة مثيلة، فيكفي أن نحصر الموضوع في السودان لنصل إلى ذات الترتيب. نعرف من التجربة العملية أن الإسلاميين، وهم أقلية في السودان، لا يكترثون لأطفال الآخر، خاصة إذا كان هذا الآخر اعترض صلاتهم. بل يُقتِّلون أطفال هذا الآخر تقتيلا، دون رحمة أو شفقة.
(3)
فأرى مدخل الأطفال كافيا لحفز التفكير لدى الحركات المسلحة في التخلي الفوري والنهائي عن الحرب، وتدمير أسلحتهم، فمثلما كان كل قائد حركة مسلحة اتخذ ذات يوم مع أقران له قرار بدء حرب ضد نظام الإنقاذ، لأسباب كانت وتظل سائغة، لنقل، يمكنه اليوم كذلك اتخاذ قرار لإنهاء ما كان يوما بدأه ولم يكن عندئذ مدركا بصورة كافية أو دقيقة مآلات مشروعه النضالي.
باختصار، فشل العمل المسلح بصورة ماحقة في هزيمة نظام الإنقاذ أو إثنائه، وكذا كان الفشل مصيره في تحقيق أية مكاسب يؤبه لها، ولن يحقق العمل المسلح إلا مكاسب على المستوى الشخصي للقيادات ولبعض المحاربين. لأسباب لا علاقة لها في تقديري بأهداف المحاربين السبقية ولا بما فعلوه أو تركوه لاحقا.  
...
تكييف نظام الإنقاذ وتشخيصه والبديل
(1) التكييف (هذا المقال)
فيما يلي أقدم، أولا، تكييفي لنظام الإنقاذ، لأبين أسباب لزوم تفكيكه كنظام ووضع نهاية له، أقصد إزالته كمؤسسات وكبرنامج وكتفكير سياسي، ومن ثم تركيب بديل عقلاني في مكانه، ولا يعني ذلك طرد الموظفين الإسلاميين، ولا يعني تعليق الإسلاميين في المشانق، ولا يعني طرد الإسلام من السودان، كما يظل يصرخ بالكذب الإسلاميون بل هم يعبرون عن جزعهم من المحاسبية على جرائمهم ومن تجريدهم من الأرصدة التي نهبوها.
هذا التكييف لنظام الإنقاذ سيفضي إلى إدراك مؤداه أنه نظام لا يجدي معه العمل المسلح الذي تعتمده الحركات المسلحة.
(2) التشخيص (وهو المقال التالي غدا)
ثانيا، أقدم قراءةً تُشخِّص نظام الإنقاذ أنه وصل مرحلة متقدمة من الاهتراء في جميع مؤسساته، وهي أعضاؤه إن كان جسدا مريضا، بالاستعارة من مجال الطب، ومؤسساته المهترئة هي مكوناته إن نحن نظرنا إليه كنظام تكاملي يتلاءم مع ما يطرأ في محيطه، بالاستعارة من علم النظم المعقدة.
فجسد الإنقاذ، كنظام معقد، آيل إلى السقوط تحت وطأة أمراضه المتعددة، وقد وصل مرحلة لا يجديه فيها أي علاج من أي نوع، ولم يعد قادرا أصلا على تلقي علاج، وليس في مقدوره إعادة إنتاج ذاته، لأنه اليوم في منزلق نهايته القريبة أو البعيدة وأراها بعيدة، مما لا ضير فيه.  
(3) البديل (سيكون المقال الأخير)
ثالثا، أعرض لبعض ملامح البديل في المقاومة الشعبية المدنية، في اتساق مع دعوة المعارضة إلى التفكر في البدائل ونحن نريد تفكيك نظام الإنقاذ، وفي البديل تتضح المكونات الأساسية لمعنى تفكيك نظام الإنقاذ، فتفكيك نظام الإنقاذ وتركيب معمار البديل متداخلان، وليس تركيب البديل مسارا عكسيا نقيض تفكيك النظام القديم. بل سيعني التفكيك إعادة الهيكلة، وإحلال الشفافية والمسؤولية والمحاسبية في المؤسسات وإخضاع قراراتها لحكم القانون بالدسترة وبالمراجعة القضائية بواسطة قضائية نزيهة جديدة، وللمراقبة الشعبية.
...
أولا،
تكييف نظام الإنقاذ كدولة إسلامية إجرامية فاسدة
(1)
فلنتفق أولا على تكييف معقول لما يسمى "نظام الإنقاذ"، لأنه موضوع المعارضة بالحركات المسلحة وسببها.
ثابت أن نظام الإنقاذ دولة إسلامية تعترف بإسلاميتها وأحيانا تعتز بهذا التكييف أو تتنكر له وفق المصلحة اللحظية؛ وثابت أن هذه الدولة، كدولة إسلامية، ولأنها إسلامية، ولغرض تثبيت هذي إسلاميتها، اقترفت جرائم مريعة، منها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية ومفظِعات مريعة متكثرة، في رد فعلها على معارضيها الذين تحدوها بالسلاح في حدود قدراتهم الضئيلة الضعيفة، ردت عليهم بالطريقة الوحيدة التي تعرفها لا تعرف غيرها، لا تعرف بسبب إسلاميتها، طريقتها الوحيدة طريقة العنف والقهر وإرهاب الدولة، ليس فقط ضد الرجال المحاربين أنفسهم بل ضد أطفالهم وزوجاتهم وأخواتهم وأمهاتهم، وضد جميع أهلهم في قبائلهم المحددة بالخصائص المركبة تركيبا، وهي تكنولوجيا استخدمتها ضد معارضيها كل دولة إسلامية في التاريخ، بما في ذلك دولة المدينة، فلا يُمعِّطنَّ إسلاميٌ شعرَه، عليه أولا أن يقرأ كتاب د. محمد محمود الفصلين الخامس والسادس (نبوة محمد التاريخ والصناعة)، أو أن يكتفي بقراءة سيرة ابن هشام والمغازي للواقدي، وتاريخ الطبري.
(2)
كذلك اعتمدت دولة الإنقاذ، كدولة إسلامية، سلوكيات غير أخلاقية كيفتها بالفقه ضرورية لتعزيز تلك اسلاميتها، مثل الكذب والخداع والمكر والتدليس وبث الهراء وشتى ضروب الاحتيال في ممارساتها الخطابية والأفعالية عند التعامل مع معارضيها ومع عموم السودانيين.
ومن ثم، التكييف المفتوح، "الدولة الإسلامية الإجرامية"، مفتوح لأن الإسلامية والإجرامية غير مقيدتين بأية حدود عملياتية أو أخلاقية، وهما مشدودتان إلى تمكين الإسلاميين كطبقة سياسية دينية، وإلى تحقيق رفاههم على حساب سائر السودانيين، مما يترك المجال واسعا للتجريب والمغامرة وللتبرير.
(3)
ثابت أن هذه الدولة الإسلامية في إجرام كذلك هي دولةٌ فاسدة، بإقرار حسن الترابي، لا يغير منه كيده أو غرض إقراره، وكذا بإقرار المراجع العام موظفها الذي وجد الفساد مستشريا في كل ما اختاره عينة عشوائية موضوعا لتحقيقاته السنوية. ولا حاجة لمزيد أمثلة عن فساد دولة الإنقاذ. فالحال معروف للجميع أن الفساد تم تكريسه وتطبيعه واكتملت أسلمتُه، مشكِّلا بذلك مادية الدولة الإسلامية وتكوينها وكيانها ذاته. ومن ثم، يكتمل التكييف بعبارة "الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة".
(4)
لكن، لابد من اعتماد التمييز بين الإسلام والمسلم، من جهة، والإسلامية، من جهة أخرى. فليس هناك من أمر يستدعي حربا أو حتى جدلا أو نزاعا سياسيا في المجال العام حول هوية المسلم أو حول دينه الإسلام. بينما "الإسلامية" هي، بالاستتباع، أيديولوجية الإسلاميين التوحيدية، وهي برنامجهم والتكنولوجيا المتكاملة التي ركبوها لأغراض تمكين أنفسهم كطبقة سياسية-دينية.
بدون الإسلامية، وهي أيديولوجية شريرة، مفعلةً كطاقة بشرية وكنشاط وكممارسات مادية، لا تكون للإسلاميين مشروعية من أي نوع ليحكموا السودان، فالدين الإسلام، كعقيدة أو كهوية، لا يؤهل، على استقلال، أي شخص لولاية عامة في الدولة القطرية لا تأتي إلا وهي ذات تعددية دينية وعرقية وثقافية ولغوية، ولا توجد دولة صافية لدين حتى إن أعلن جميع سكانها أنهم كذلك معتنقو الدين الواحد.
بالإضافة إلى أن الإسلاميين أقلية ضئيلة استولت على السلطة بانقلاب عسكري، وبخدع الشعب السوداني، واستخدموا جهاز الدولة لصناعة الفساد، الصناعة الضرورية للتمكين، واعتمدوا الجريمة والإجرام مكوِّنين ضروريين في المنهج وفي التنفيذ، ولا تقوم للإسلامية في السودان، كفكرة وكبرنامج سياسي اقتصادي، قائمة بدون الإجرام والفساد. مما كنت بينت حيثياته في مقالي في العقلاني فيه عرضي لكتاب د. محمد محمود (نبوة محمد: التاريخ والصناعة).  
(5)
هذا التكييف لنظام الإنقاذ، وهو تكييف بسيط يستند على وقائع بسيطة متاحة، ضروري ومُلهِم، ما أن نستنطقه حتى يتبين لنا أن الحرب التي اعتمدتها الحركات المسلحة ليست الوسيلة المُجدية، ولا الملائمة، ولا الأخلاقية، للتعامل مع نظام مشروعه الوحيد صناعة الفساد، فلن يتورع هذا النظام عن الإتيان بأي نوع من الإجرام الجماعي ضد المدنيين لتسبيب الألم لأهلهم المقاتلين، لغرض حماية صناعته فيها مصلحة الطبقة السياسية الدينية للإسلاميين، ولأن الإجرام تكنولوجيا ضرورية عند هذا النظام، كذلك لحماية النوع، لا تجدي مع هذا النظام، كإجرام في الدماغ حيث المقاصد، المقاومةُ المسلحة، فتقنيات إجرامه مُركَّبة بالدقائق والجزيئات والحركات الصغيرة المتكثرة عبر الزمن إلى مرحلة كثافة الثبات، وكذا هي مركبة بالقانون الساري وقد أصبح طبيعيا، هذه التقنيات لن تكون مرئية لبنادق المناضلين، وهي لا تكترث لبندقية، وتظل تعيش بالرغم عن بندقية الثوار.
بالإضافة إلى أن الإسلامية، في شكلها كأيديولوجية إقصائية تستعمر الفضاء العام وتحتله تدريجيا بالغوغائية وبالتجهيل وكذا بالمكر، لا يمكن محاربتها بالسلاح، وإنما بالمقاومة المدنية اليومية الدؤوبة في وقتها ليس لها وقت انتهى، ولا يفل الإسلاميةَ ذات الامتدادات السلاحُ بلحظيته، ولا يقضي عليها في أشكالها كممارسات شطنية هجومٌ مسلح وقتي له بداية ونهاية.
(6)
وبلغة أخرى للتعضيد، لا يجدي عمل حربي مسلح في مقاومة الإسلامية كأيديولوجية سياسية مركبة في مادية مؤسسات دولة الإنقاذ. فالإسلامية ظل يستلهمها يوميا طيلة حياته جهاز الأمن والمخابرات الوطني وظل ينتجها ويطورها، في ممارسته التعذيب، وهو تعذيب المعارضين الذي تصير عند الإنقاذ بالضرورة تعذيبا إسلاميا بعلة أنه تقرر أصلا لحماية الدولة الإسلامية، كان ويظل يتم على يد المثقفين الإسلاميين، لحماية المصالح الطبقية للجماعات والفئات الإسلامية في مؤسسات الدولة، والإسلامية مُنزَّلة في عدوان جهاز الأمن على المثقفين المعارضين الموصوفين بأنهم علمانيون. فأنَّى لسلاح حركات مسلحة أن يعين الضحايا في قبضة جهاز الأمن، وقد أصبح التعذيب روتينيا له سند وفقه متكامل.
والإسلامية تتم تعبئتها يوميا في أدمغة جنود القوات المسلحة، شعارهم الله أكبر، وقد ترجموا الشعار بصورة صحيحة على أن المقصود به التقتيل المباشر للأطفال والنساء في قرى دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق. قصد الإبادة للمصدر ذاته في طفولته، ولتسبيب الألم لفل عزيمة الرجال المقاتلين.
(7)
هذه الإسلامية، كأيديولوجية، وكبرنامج ذي أنواع نشاط مادية، في تداخلها العضوي مع الإجرام والفساد، مركبة بذات الطريقة في ممارسات أجهزة الشرطة والنيابة والقضائية، وفي المليشيات القبيلية العميلة للحكومة أو المتحالفة معها، وفي مؤسسات القطاع العام الخدمية في التعليم والإعلام والرعاية الاجتماعية والصحة، وكذا في مؤسسات القطاع الخاص في شركات جهاز الأمن وشركات الأجهزة القطاعية للجباية والاستثمار، كل واحد من هذه الأجهزة له تدابيره الاختلافية الخاصة لتدوير الإسلامية وفق اختصاصه ووظيفته وحركياته في "الصناعة"، هنا لا مرجعية إلا في المصلحة الأنانية وفي وحشية الإسلامي المحمي بجهاز الأمن يفعل ما يريد له في الآخرة أجر.
ومن ثم، فقد انتظمت جميع هذه الكيانات الإسلامية في صناعة الفساد، وتوسع عدد مقدر منها في جرائم الفساد، وفي مجالات إنتاج النهب المنظم وانتهاك الخصوصية ووأد الحريات وفي إذلال المواطنين وابتزازهم واختلاس أموالهم واحتيال ممتلكاتهم وتعريضهم لمخاطر النفايات وللأمراض، وخصخصة تجهيلهم بتقويض التعليم العام، والقائمة طويلة ممتدة.
(8)
هكذا تجاوزت حركياتُ الإسلامية الحربَ المُشعَلة من قبل الحركات المسلحة، حيث لم يعد لهذه الحركات المسلحة من أهداف استراتيجية ممكنة تصيب بها دولة الإنقاذ في مقتل. فلا تتجاوز إنجازات الحركات المسلحة هجوما على نقطة شرطة معزولة ونائية، أو سرقة بنك مفلس، أو مغامرة درامية مقدورا عليها بواسطة الدولة القطرية ذات الموارد.
وما عادت الحرب عند الإسلاميين أنفسهم إلا تقنية من بين تقنيات العنف والقهر وإرهاب الدولة، للتعامل مع الإزعاج الذي تسببه لهم الحركات المسلحة، من حين إلى آخر، وبدأت دولة الإنقاذ تستثمر في أنواع تكنولوجيا "قتالية" مختلفة لا تقدر أن تضاهيها فيها الحركات المسلحة، على سبيل المثال في مجال الحرب الإعلامية بشراء الصحفيين، وامتلاك الصحف والإذاعات والقنوات الفضائية، وفي مجال فبركة الوثائق، وفي مجال تقنيات المعلومات والاتصالات وهي دولة الإنقاذ  تسيطر عليها بل هي تملكها، وفي مجال رشوة الموظفين الدوليين، وإنشاء شركات جهاز الأمن في أرجاء العالم المختلفة.
(9)
أعلاه، كان تكييفي لدولة الإنقاذ، كدولة إسلامية إجرامية فاسدة ظلت قادرة على التعامل الوقتي مع التحديات الطارئة عبر ربع قرن من الزمان ويزيد، بما فيها تحديات الحركات المسلحة التي ربما كانت أسهمت في تعزيز حيوية مؤسسة القوات المسلحة، حين تسببت نشأة الحركات المسلحة في تحويل موارد مالية مقدرة إلى هذه المؤسسة العسكرية، لكن المؤسسة تحولت في ذات الوقت، بعلة مكافحة التمرد، إلى تجمع مليشيات إجرامية، مما أضعف النظام، من حيث سيادة القانون، لكنه إضعاف لا يحسب كإنجاز للحركات المسلحة، لأن تحول الدولة إلى دولة مليشيات إجرامية، في سياق رد النظام على الحركات المسلحة، بل يبين بالجدل أن الحركات المسلحة تسببت دون أن تقصد في خلق مشكلة سيعاني منها السودان على مدى عقود تأتي، مشكلة المليشيات القبيلية الإجرامية حليفة دولة الإنقاذ وأحد المهددات الرئيسة لأمن المواطنين في المستقبل.
وهو قانون الجدل أيضا أن قوة الإنقاذ الظاهرية بالمليشيات الإجرامية التي تحميها هي في ذات الوقت مكون ضعفها المفضي بالضرورة إلى عدم شرعيتها كدولة، وكذا المفضي لا محالة إلى انهيارها وموتها.
...
فإن لم يتم تكييف هذه الدولة بطريقة صحيحة، كـ "الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة"، ودعم حيثيات التسمية بالحجة ذات الأدلة، وملاحظة الوقائع الخافتة غير المتوقعة أو المتناقضة، لا يمكن تطوير الاستراتيجيات الملائمة أو الكافية لمقاومة نظام الإنقاذ. وفي التكييف الصحيح لهذه الدولة بيان أنه لا يجدي في مقاومتها عمل عسكري بحركات مسلحة.
عليه، رأيت لزوم تخلي الحركات المسلحة، على استقلال من أجندة حكومة الإنقاذ، لزوم تخليها من العمل الحركي المسلح واعتماد المقاومة المدنية الشعبية.

أعرض في المقال التالي لتشخيص مرض الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة، وإلى أن هذا التشخيص يبين أن العمل العسكري ضد الإنقاذ غير ضروري.
نواصل
عشاري أحمد محمود خليل