عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
أولا،
طبيعة النزاع حول تابت
(1)
يتلخص النزاع حول قضية تابت فيما إذا كان جنود القوات المسلحة في الحامية العسكرية المجاورة لبلدة تابت القريبة من الفاشر بدارفور اعتدوا جنسيا بالاغتصاب على مائتين من النساء والفتيات القاصرات في هذه البلدة، في سياق هجوم منتظم واسع النطاق، خلال فترة يومين من مساء الخميس 30 أكتوبر إلى صباح السبت 1 نوفمبر 2014.
فإن كان هذا الاغتصاب الجماعي حدث فعلا، يمكن تكييفه بسهولة على أنه جريمة ضد الإنسانية، وكذا من أفعال الإبادة الجماعية الثابت لأهل السودان أن الحكومة الإسلامية في السودان تظل تقترفها ضد مجموعات عرقية محددة في دارفور.فالاغتصاب كاستراتيجية حرب، وهو يدور في سياق نزاع مسلح، يمكن أيضا أن يندرج تحت جرائم الإبادة الجماعية، لاستهدافه المرأة، كامرأة، لها الدور الأساس في إعادة المكون البشري للمجموعة العرقية المستهدفة بالقضاء عليها، كمجموعة، كليا أو جزئيا.
(2)
لهذا السبب أصبحت لقضية تابت الأبعاد التي تجاوزت محليتَها في السودان بشأن النزاع بين الحكومة والحركات المسلحة في تداخله مع دولة قطر التي تصب ملايين الدولارات لإعمار هذه البلدة المقدمة نموذجا بديلا للحرب، وامتد الجدل حتى مجلس الأمن. وتؤرق قضية تابت الرئيس عمر البشير تحميه النوم، فهو المتهم أصلا بالجرائم العالمية في دارفور، بـ "مسؤولية القيادة"، العسكرية والسياسية.
ثانيا،
ما حقيقة ما حدث في تابت؟
حتى هذا اليوم، بعد مضي أكثر من خمسة عشر شهرا، لا نعرف الإجابة الفصل عنهذا النزاع، أوقعت هذه الجريمة المدعى بوقوعها أم لم تقع؟
لكني، بتغيير لغة الضمير، أعرف أن الجهات التي اعتمدت صحة الرواية عن هذا الاغتصاب الجماعي، وعليها عبء الإثبات، لم تقدم أي إثبات حتى أولي يعتد به.وهي:  راديو دبنقا مصدر الادعاء، والحركاتُ الدارفورية المسلحة، ومنظمةُ هيومان رايتس ووتش، والحركيون المنفعلون مع ما يعتقدون اعتقادا بدون دليل أنه وقع في تابت. وهنالك هيئةُ محامي دارفور بالخرطوم، تمسك العصاة من منتصفها، تعرف أن الاغتصاب الجماعي لم يحدث.  
فأعود بعد أكثر من عام منذ نشر مقالاتي الأولية في سودانايل إلى مسألة تابت،بسبب الانتقاد قبل أيام قليلة في مقال الأستاذ حامد بشرى في سودانايل، وبسبب ما أراه أهمية قضية تابت التي تظل تنتظر الفصل فيها.
فأبدأ براديو دبنقا مرورا بالأطراف في السودان، وأنتهي في المقال الثاني، غدا، بتبيين مواطن الضعف والسخف في تقرير هيومان رايتس ووتش الذي يحتفي به الأستاذ حامد بشرى في مقاله.
ثالثا،
كيف حصَّن راديو دبنقا روايته ضد الانتقاد
كنت كتبت في سودانايل ما فيه الكفاية عن أن راديو دبنقا قدم عن تابت روايات مفبركة. بعد ذلك الانتقاد الثابت حتى اليوم، حصَّن الراديو روايته على عدة مستويات:
(1)
أورد راديو دبنقا أخبارا مفادها أنه سيستحيل إثبات الاغتصاب الذي كان الراديو قال إنه حدث فعلا.
في يوم 20/نوفمبر 2014، نشر راديو دبنقا أقوالا مرسلة عن اجتماع قال إنه كان للقائد العسكري الجديد للقوة العسكرية مع رجال تابت من 20 سنة فما فوق. وقال الراديو إن هؤلاء الرجال أدوا  القسم في الجامع بالصمت وبعدم البوح بوقائع الاغتصاب الجماعي في تابت. علما أنه اغتصاب زوجاتهم وبناتهم وأخواتهم، مما يكفي في ذاته، على استقلال، لتكذيب رواية دبنقا.
ثم أورد راديو دبنقا، في مسار التيئيس من البحث عن الحقيقة، رواية عن أخذ الجيش لقيادات من تابت وتعذيبهم. دائما دون أدلة يمكن تصديقها.
وقبلها قال راديو دبنقا إن بعض ضحايا الاغتصاب غادروا إلى معسكر النازحين في زمزم. ثم قال إن بعض الضحايا رحلوا إلى الفاشر! ثم قال إن آخرين يعدون العدة للرحيل من تابت فورا غدا أو في الأيام القادمة.
ثم مضى راديو دبنقا في حمى التيئيس من إمكان الحصول على المصادر الأولية عندها الحقيقة بإيراده روايات إضافية عن أن جميع الطرق إلى تابت تم سدها بواسطة القوة العسكرية.
...
باختصار، كان راديو دبنقا يقول لنا بهذه القصص التعجيزية المتكثرة المتتابعة أعلاه: إنكم حتى إذا دخلتم تابت لن تجدوا الضحايا! ولن تجدوا آثار الاغتصاب. ولن تتمكنوا من فك إسار الصمت المطبق على رجال تابت ونسائها وشبابها وأطفالها. خاصة صمت الحالفين في المصحف إنهم ما يتكلموا! هذا غير الخائفين من العساكر.
فقط صدقوني أنا راديو دبنقا الاغتصاب الجماعي حدث. هكذا. بطق الحنك.  
(2)
تراجَع راديو دبنقا لاحقا عن هذا مشروعه لتثبيت قصة مختلقة يعرف حقيقتها، تراجع بطريقة غير معلنة، بعد مقالاتي، وتنازل عن لغته القطعية وغيَّرها، فأزلق في النصوص الجديدة عن تابت عبارة أن الإسناد "مُدَّعى به"، أو "مزعوم"، "أليجيد، alleged""، وهي عبارة تعني أن وقائع الاغتصاب لم يتم إثباتها وإنما تظل هكذا على سبيل الزعم بها.
حركة مايكروسكوبية دقيقة أزلقها الراديو في خطابه، لا يريد لنا ملاحظتها، فهي خاصته إن جاء يوم لحساب سيشير إليها، وما كان من السهل على القارئ التقاطهذه الحركة الدقيقة في زخم الضخ اليومي بواسطة الراديو لتطورات جديدة.
(3)
كذلك لم يتابع راديو دبنقا نقطة جوهرية كنت أثرتها عن المصدر "السري" لمعلوماته.  "اللجنة الخماسية"  التي أسماها الراديو "منسقية النازحين واللاجئين". كان الراديو قال إن هذه اللجنة، وهي لجنة "سرية" معروفة فقط لراديو دبنقا، قال إنها كانت زارت قرية تابت وحققت في الاغتصاب الجماعي، وكتبت تقريرا رفعته.
فتحدَّيتُ الراديو وقلت، بناء على تفكيك الخبر الذي كان مشحونا بآثار الصناعة، إن الخبر مفبرك، بعلة عدم وجود "التقرير" الذي تحدث عنه راديو دبنقا، تقرير اللجنة الخماسية المبتعثة من "المنسقية"، وكلها تسميات مقتبسة من لغة تضخيم الذات عند المنظمات الدولية.
وكتبتُ أنه لو كان "التقرير" المزعوم بتاع الخماسية موجودا لكان الراديو عمل لينا بيهو جِن ولكان أذاعه عدة مرات ونشره في موقعه الشبكي. وإلا فأين هو هذا التقرير، حتى يومنا هذا في العام 2016؟
عندئذ، سكت راديو دبنقا عن التقرير، فَرِد سكْتة، بينما كان من السهل عليه أن يدحض انتقاداتي بالبينة التي أصلا كان يردد أنها معه، الدحض بأن ينشر تقرير "اللجنة الخماسية"، على افتراض وجود أية قيمة لتقرير من لجنة قال أحد أعضائها، عبر الراديو من هولندا، "نحن طبعا لجنة سرية". وكل لجنة "سرية" لا قيمة لها ولا قيمة لما تقوله. وكذا لا قيمة لتقرير "سري". كلاهما معتمدان على أنهما في حكم المعدوم.
رابعا،
لم يغير راديو دبنقا طريقته
(1)
كل من يقرأ هذه الأيام روايات راديو دبنقا سيصاب بالإحباط، ليس بسبب الأخبار المحزِنة، فنحن في الدولة الإسلامية اعتدنا على أخبار التقتيل الإجرامي المتواتر للمدنيين بواسطة مليشيا القوات الجوية أو مليشيا القوات البرية، لكن الإحباط مصدره تعذيب راديو دبنقا لنا. في ممارسة الموقع الشبكي تبع الراديو الغش بالصور الفوتوغرافية وبغيرها من خِدع إعلامية.
اعتاد راديو دبنقا أن يأتي في لحظات استراتيجية بعنوان تحته صورة فوتوغرافية لا علاقة لها من قريب أو من بعيد  بالعنوان أو بالقصة (انظر الصورة)، في سعي منالمحررين في دبنقا لإسباغ مصداقية للرواية تحت الصورة، يستغلون الإدراك لدى القارئ العام أن الصور تدعم الإثبات، خير من ألف كلمة مما هو قول فاسد أصلا.
لا يدرك محررو دبنقا أن القارئ يُعمل معالجاته التفكيكية في أخبارهم وصورهم. وحين يصيح دبنقا يوما بالصورة الصحيحة المتعلقة بخبرها الصحيح، "هجم النمر هجم النمر"، لن يكون لدينا أي سبب لتصديق روايته. وسيأكله النمر لوحده.
(2)
انظر خدعة راديو دبنقا في الصورة بمعالجات الفوتوشوب لست نساء بالعدد، تحت عنوان مثير "اغتصاب ست نساء في شنقل طوباي (الصفحة الإنجليزية 12 فبراير 2016 )"، بينما لا توجد أية علاقة بين الصورة، من جهة، والعنوان أو نص الخبر، من جهة أخرى. والست نساء في الصورة لا علاقة لأي واحدة منهن بالخبر عن اغتصاب الست نساء موضوع الغش بواسطة راديو دبنقا.
https://www.dabangasudan.org/en/all-news/article/six-women-raped-in-darfur-s-shangil-tobaya
سيرُد راديو دبنقا بأن تفاصيل الكابشن تحت الصورة مباشرة توضح هوية الصورة في مكان غير شنقل طوباي. لكن الخدعة لاصقة لا يجدي معها تَمَلُّص، بل هي تدين الراديو أكثر. لأن تفاصيل الكابشن حركة من حركات التملص، والتملص بينة لإثبات قصد التدليس بواسطة المحررين وسعيهم إلى إخفاء الخداع الأولاني، الخداع بحركة اعترافية صغيرة من نوع: شايف، نحن كنا كتبنا أن الصورة ما عندها علاقة!
برضو حركة جواها غش.
(3)
ودونك، في موضوع تابت، عمليات المعالجة التحريرية غير الأمينة لمكونات المقابلة مع من يقال لنا إنهم شهود الاغتصاب.
فلأن قضية تابت خطيرة،  وجوهرها الإثبات، يتعين على الراديو أن يثَبِّت، بالإضافة، في الأرشيف المنشور، المادة الخام الكاملة ذاتها كما هي، دون تدخل من قبل المحررين بالحذف أو بالتقطيع أو بإعادة ترتيب أقوال الشاهد. وهذه الأفعال التحريرية ليست حرة مطلقة حتى في الأخبار التي تعاد صياغتها. فهنالك حدود تمليها طبيعة الموضوع.
ومن الأفعال التحريرية المعيبة يفعلها الراديو إعادة تدوير ذات المقابلات بطريقة أخرى، بعمليات التقطيع وإعادة ترتيب الرواية بالطريقة التي يريدها المحررون وتخدم الدعاية بحركات التدليس.
يخطئ راديو دبنقا إن كان يعتقد أن من حق المحررين أن يفعلوا مع يشاؤون بالمواد المتعلقة بشأن قضية تابت، فالمواد ليست ملكيتهم على طريقة الصحافة التجارية تفعل ما تريد.
انظر الفيديو بتاريخ 26 نوفمبر 2014 " لجنة تحقيق اهلية تؤكد وقوع الاغتصابالجماعي في تابت":
https://www.youtube.com/watch?v=MeIxDfQpVk0
وقارنه بالفيديو الأولاني بتاريخ 10 أو هو 11 نوفمبر، عن ذات الموضوع وذات الشهود وذات المقابلات، بعنوان "اللجنة المكلفة من اللاجئين و النازحين التقت بستين منضحايا الاغتصاب الجماعي في تابت":
https://www.youtube.com/watch?v=lbWqB-vmFrk
ستجد أن راديو دبنقا يستخدم هذي عمليات إعادة  ترتيب مكونات ذات المادة بطرق مختلفة، دون الإفصاح عن الفعلة، ويقدمها وكأنها خبر جديد في موعده. ولأنه يدلس على هذه الحركات التحريرية السرية، ينجح أحيانا في تمرير الخداع.
(4)
هذه الحركات المايكروسكوبية الدقيقة، ولها أشكال عديدة أخرى، منها صور الطائرات المستلَفة من الانترنيت، مع إيحاءات للقارئ المفترض غباؤه بأنها طائرات نظام الإنقاذ،هذه الحركات هي التي تُثْبت اعتماد برنامج دبنقا للخداع الإعلامي في راديو.
لا عذر للمحررين في راديو دبنقا، قضية دارفور العادلة لا تحتاج لأية دعاية إعلامية بالخِدَع.
ومن حقوق المستمعين والمشاهدين والقراء الحصول على المواد الخام، في مثل قضية تابت، مع إعمال المعايير المعروفة لضمان سلامة الأشخاص المصادر، وأن لا يستخدم الراديو خدعة "المعايير لحماية المصادر" تكؤة لتبرير الممارسات التي أشير إليها. لا علاقة.  
...
فأخلص إلى أن راديو دبنقا ليس مصدرا موثوقا به فيما يتعلق بقضية تابت موضوع الجدل. ولا يعني ذلك، بالطبع، أن الوقائع ذاتها وقائع الاغتصاب الجماعي لم تحدث، وإنما الموضوع هنا هو أن راديو دبنقا، فوق عدم مصداقيته، لم يقدم ما يصلح كأدلة حتى أولية لإثبات ادعاءاته عن اغتصاب جماعي.
خامسا،
موقف اليوناميد
(1)
بالمقابل، كتبت اليوناميد تقريرا أصدرته في بيان باللغتين ذهبت فيه إلى أن تحقيقها بتاريخ 9 أكتوبر 2014 بيَّن عدم وجود أية حالة اغتصاب.
لكن اليوناميد منظمة إجرامية فاسدة، وثابت سجلها في الكذب والاحتيال. وإن نحن لم نكيِّف اليوناميد منظمةً "إجرامية"، بناء على الوقائع عن تسترها على الجرائم العالمية في دارفور، نكون في حالة إنكار هروبي من الحقيقة تبدو غريبة.
فثابت هذا تستر اليوناميد على جرائم الحكومة الإسلامية في دارفور، وثابت كذباليوناميد في التقارير السرية إلى رئاستها في نيويورك، بإغفال تلك الجرائم الخطيرة.
اقرأ تقارير عائشة البصري، أفضل المصادر. ولا يعين اليوناميد البتة أنها تقدم أحيانا حماية لمدنيين حين يكون ذلك في مصلحتها ويبرر وجودا لها. فكل منظمة فاسدة تقدم، بالضرورة، بعض خدمات مرغوبة ومفيدة، بجانب صناعتها الأساس في مجال الجريمة. ولنتفكر في أسباب اجتهاد اليوناميد في تلفيق التقارير السرية لرئاستها في نيويورك. الرشوة.
عليه، لا يعتد كثيرا بتقرير يبرئ الحكومة أصدرته اليوناميد بتلك "شخصيتها". لكن، لأن الإثبات لا ينتهي عند حد السياق أو "شخصية" المتهم، اليوناميد، أو عند ماضيه وطريقته في الإجرام بتثبيت المعاني الكاذبة في الأوراق، لابد من تبيين الكيفية التي احتالت بها اليوناميد في الموضوع قيد النظر في تابت. فصَّلتُه من قبل فأختصر ذكر الوقائع الأساسية.
هنا، نجد أن اليوناميد حصرت الاختصاص الموضوعي والزماني للتحقيق، وأجرت تحقيقا لضمان نتيجة تتسق مع تسترها على جرائم الحكومة المعروفة. ولأغراض التدليس على فعلتها، أزلقت اليوناميد في بيانها بتاريخ 9 أكتوبر 2014 تاريخينخلَّطت بينهما قاصدة، تاريخ الخبر الصحفي وهو يوم الأحد 2/نوفمبر، وتاريخ الوقائعالمدعاة موضوع التحقيق، وهو يوم الجمعة 31/أكتوبر. وهكذا تركت اليوناميد أمر الإطار الزماني مبهما فسهُل لها الادعاء الصحيح، تقنيا، أنه لا توجد حالات اغتصاب.وهي أجرت تحقيقها بتلك الطريقة البائسة لا يعرف موظفوها غيرها. وقد شاهدنا الفيديو في اليوتيوب يفضح جهل أولئك الموظفين وقلة معرفتهم، والمترجمة السودانية تلعب بيهم كورة تترجم على هواها، أثناء التحقيق.
(2)
أغضب سلوك اليوناميد وتقريرُها البائس رؤسائَها في نيويورك وفي مجلس الأمن، فضربوها بالجزمة، وأمروها أن تبطل أمور قلة الأدب، ووجهوها بالعودة إلى تابت لإجراء تحقيق حِرفي صحيح. لكن، بعد فوات الأوان.
حيث أدرك الإسلاميون، وفي جعبتهم قرار البراءة في التحقيق الأول من اليوناميد، أن تحقيقا ثانيا بواسطة اليوناميد، تحت الضغط من السيد الآخر في نيويورك، سيكشف حالات الاغتصاب التي كان اقترفها جنود الحامية ضد فتيات في بلدة تابت في فترة سابقة، وكانت هذه الفترة الزمنية السابقة خارج الاختصاص الزماني المعتمد في التحقيق الأول. واشير هنا إلى مقال علاء الدين الدفينة في الراكوبة وفيه أخبار سائغة عن وجود 17 حالة حمل بين فتيات القرية مردها إلى جرائم اغتصاب أو جرائم زناسابقة، واتصلت إحداها بحادثة الجندي المفقود سبب تفتيش القرية، وهو السياق الذي أثير فيه إسناد اغتصاب المائتي امرأة.
لهذا السبب، المعرفة عن حالات الاغتصاب السابقة، رفضت الحكومة السماح مرة ثانية لليوناميد بدخول تابت لتحقيق جديد كان لابد سيد شيئا.  
سادسا،
موقف الحكومة
من جانبها بشأن الموضوع في قضية تابت، لم تأت الحكومة الإسلامية بغير ترهات عبر تصريحات وزارة الخارجية، وبغير تقرير ملفق بواسطة المدعي العام للمحكمة الخاصة بجرائم دارفور ياسر أحمد محمد أحمد ومستشاريه الأربعة (مكرم رزق الله خليل، وأيمن عبد المنعم السيد أحمد، ومحمد هارون السيمت، والنور قرشي المكي)، قدمته الحكومة لمجلس الأمن، على سبيل تضييع وقت المجتمع الدولي ومضايقته بالمماحكات.
قال المدعي العام لجرائم دارفور في تقريره الذي أرسلته الحكومة إلى مجلس الأمن إن الفرق الأربعة للتحقيق، وفي كل فريق مستشار واحد، حققت مع 88 شاهدا خلال أربعة ساعات في قرية تابت.
مما يعني بالحساب البسيط أن كل فريق حقق مع 22 شاهدا خلال الأربع ساعات، يعني 11 دقيقة تقريبا مع كل شاهد، بدون فترات للأكل والشاي أو الوضوء والصلاة. وللتدليس على المفارقة، أضافت الحكومة أن تلك "لم تكن الزيارة الوحيدة" دون تحديد لزيارات أخرى تمت!
فيظهر التلفيق في التقرير حين كتب المدعي العام ياسر أنهم لم يتركوا صغيرة ولا كبيرة إلا وسألوا عنها كل شاهد، وقالوا لمجلس الأمن إنهم جمعوا من كل شاهد معلومات من كل نوع، ديمغرافية وموضوعية، بعد أن شرحوا لكل شاهد حقوقه وطمأنوه وراعوا حالته النفسية. مما لا يمكن إنجازه في 11 دقيقة مع الشاهد.
والتقرير مشحون بكثير هراء، والهراء دليل الاحتيال. وفي جميع الأحوال، لا يحقق المتهم في الاتهامات المسندة إليه. والأجهزة العدلية الإسلامية مسكونة بصورة كاملة بالفساد والرشوة، فلا تعتمد تحقيقاتها.
سابعا،
موقف الحركات المسلحة
(1)
أصدرت الحركات المسلحة بيانات عما أسمته جريمة تابت، واتضح من بياناتها أنها لم يكن لها علم بشيء أصلا، لأنها لم تقدم شيئا غير أقوال مرسلة ليس فيها حتى أقل التفاصيل الأولية عن الوقائع التي ادعت حدوثها. قال عبد الواحد رئيس الجيش الشعبي لتحرير السودان في تسجيل في اليوتيوب إن لديه أدلة وتسجيلات، سيعطيها للأمم المتحدة!
كنت اقترحتُ أن تحقق الحركات المسلحة بنفسها في أحداث تابت، لا أن تستنجد بالأمم المتحدة أو بالمنظمات الدولية لتحقق نيابة عنها، وطالبتها بأن تصدر تقريرهاالخاص عن تابت. لكنها لم تفعل.
أربعون حركة دارفورية مسلحة أو سلمت سلاحها، أو هي أكثر من أربعين، فربما انشقت أخريات بالأمس أو في هذه اللحظة، لا توجد بينها حركة واحدة قادرة على إصدار تقرير يهم المواطنين الذين تقول هذه الحركات إن النضال المسلح والاختلافات والانشقاقات والهرولة إلى معسكر الإسلاميين كلها لأجلهم.
(2)
لا يزال هنالك بعض وقت لحركات دارفور الأربعين ويزيد لتلحق بما فاتها، وأن تحققفي قضية تابت، على الأقل، إنْ ثبت ما تدعيه، لكي تدحض الادعاءات في تقرير المدعي العام لجرائم دارفور، التقرير الذي قدمته حكومة الإنقاذ إلى مجلس الأمن في3 ديسمبر 2014. تقرير  كما قلت مشحون بترهات. ليس مهما أن مجلس الأمنأهمله، لكنه يظل  بالكذب المكتوب فيه يدعي أنه الحقيقة، فهكذا تتم صناعة المعاني وتثبيتها عن تابت. بالتقارير المكتوبة.
ثامنا،
موقف هيئة محامي دارفور
(1)
كانت هيئة محامي دارفور وعَدَتْنا في العام 2014 بالتحقيق في قضية تابت وبتقرير. لكنا لا نرى لها تقريرا عن تابت. وإلا فأين هو؟ ولماذا تتهرب الهيئة من الموضوع لا تقول شيئا؟ خاصة وأن السكوت في معرض الحاجة للبيان بيان. ويعتبر سكوت الهيئة، في لغة أهل القانون، نوعا من التدليس.
(2)
فأستنتج بصورة معقوله، من السلوك أعلاه فيما يتعلق بانعدام التقرير وبالصمت وبالتهرب من الموضوع، أن هيئة محاميي دارفور أجرت تحقيقا ضافيا حول قضية تابت، كما كانت وعدت أنها ستفعل، وأنها خلصت من التحقيق إلى أن رواية راديو دبنقا لا أساس لها من الصحة. فقررت الهيئة أن لا تكتب تقريرا، وأن لا تنشر حتى بيانا عن النتيجة المسعِدة لكنها المحرجة لراديو دبنقا الذي كان جاء بالخبر بدون دليل، وحتى لا تحرج الحركات المسلحة التي سلت لسانها أن الاغتصاب الجماعي حقيقة، بينما الحركات لم تكن تعرف عن الموضوع إلا ما سمعته من دبنقا. ومن ثم تجاهلت الهيئة موضوع تابت، بَرَّاحة وبدون كلام، وعملت ما فاهمة.
عليه، يعني  صمتُ هيئة محامي دارفور قبولَهم تقرير المدعي الخاص بجرائم دارفور. وهو تقرير مشدود إلى منع مجرد التفكير في وقوع جرائم عالمية في تابت، بواسطة القوات المسلحة الرئيسها عمر البشير.
(3)
فأورد فيما يلي واقعتين ظرفيتين تدعمان استنتاجي أن هيئة محاميي دارفور حققت واكتشفت بالتحقيق أنه لا أساس لمزاعم راديو دبنقا عن الاغتصاب الجماعي:
(أ)
أولا، واقعة التقريرُ التحقيقي بواسطة ذات هيئة محامي دارفور حول أحداث قريةمولي ومدينة الجنينة بولاية دارفور في بداية العام 2016
نرى في هذه الحالة كيف تحمست الهيئة لهذه الوضعية الجديدة، بأن شكلت لجنة تحقيق، وأجرت المقابلات الميدانية مع الشهود، وكتبت تقريرا، ونشرته على الملأ (حريات 31 يناير 2016).
إن مجرد نشر هذا التقرير عن قرية مولي، مقروءا عبر عدسة عدم نشر الهيئة تقريرها عن بلدة تابت التي اتخذت أبعادا عالمية وصلت حتى مجلس الأمن، يعني أن الهيئة لم تجد من تحقيقها في تابت ما يشبه ما وجدته بتحقيقها في قرية مولي حيث الجريمة ثابتة.
ففي المفارقة بين سلوك الهيئة إزاء مولي، بتحقيق وتقرير، من جهة، وسلوك الهيئة إزاء تابت، بتحقيق بدون تقرير، من جهة أخرى، نقرأ أن التحقيق في تابت أثبت أن الاغتصاب الجماعي لم يحدث.  
(ب)
ثانيا، هنالك تصريح الأستاذ صالح محمود، عضو هيئة محامي دارفور، للقناة العربية الحرة، التصريح عن تقرير هيومان رايتس ووتش عن تابت، وهو التقرير الذي يعتمده الأستاذ حامد بشرى وجميع الذين صدقوا روايات راديو دبنقا بدون أساس.
فقد صرح الأستاذ صالح محمود بالآتي، ولاحظ العبارة الاحترازية "إلى أن يثبت العكس طبعا":
"موقف هيومان رايتس ووتش، إلى أن يثبت العكس طبعا، يظل هو الموقف الأقرب للمصداقية، بسبب تاريخ هذه المنظمة التي تعتبر واحدة من المنظمات التي أبدا ما جاملت حتى الحكومة الأمريكية".
تجده في اليوتيوب في الدقيقة 3:40
https://www.youtube.com/watch?v=_Got6mw6_5I
(4)
ملاحظتان،
للعبارة الاحترازية دلالة موضوعية وأخرى أخلاقية. من حيث الموضوع، لا يلتزم الأستاذ صالح محمود بأن أحداث تابت وقعت. وهو لا يعطي هيومان رايتس ووتش صك براءة لتقريرها بأنه صحيح، بل يقول إنه "الأقرب للمصداقية"، وإنه "موقف"، والموقف يتغير بتغير الظروف.
أما على المستوى الأخلاقي، فالتصريحات تنأى بهيئة محامي دارفور عن مواقف جميع الذين يعتمدون أن الاغتصاب الجماعي حقيقة ثابتة، منهم حامد البشرى قاعد في كندا، ودبنقا، والحركات، وبقية المنفعلين.
والحجة ذاتها عن عدم المجاملات لدى المنظمة كدليل على مقاربة المصداقية ضعيفة.
وأضيف أن هيئة محامي دارفور كانت منذ البداية اتخذت موقفا مشككا في أقوال راديو دبنقا. ولم تتابع بجدية الزفة بالصياح عن تابت.  
...
فإلى المقال الثاني غدا وموضوعه عجز هيومان رايتس ووتش عن إثبات ما ادعته، بتقريرها المنسوج بروايات سماعية وصلت إلى الدعوجي الأمريكي جوناثان لويب، وهو قاعد في مكتبه في نيويورك، وصلته الروايات من مترجم بيعرف عربي انجليزي وكمان فور..
...
عشاري أحمد محمود خليل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.