عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أسعدني ما كتبه الأستاذ حسن موسى عن قراءتي في 200 صفحة لكتاب د. محمد محمود (نبوة محمد التاريخ والصناعة)، القراءة المنشورة في مجلة (العقلاني). كان مصدر سعادتي الانتقاد الشنيع وسعي حسن إلى مسح الأرض بقراءتي كتاب محمد محمود. هذا النوع من الانتقاد هو أفضل أنواع الكتابة والأكثر إمتاعا للمستهدَف به، لأنك الكاتب تعرف أن قارئا قرأ ما كتبتَ، وأن كتابتَك استفزت فكر هذا القارئ وأخرجته من طوره، وهذا ما كنت تريده أصلا. الآن استجمع القارئُ المستفَز قواه وجاءك متحزِّما يريد المصادمة الفكرية، وأنت سعيد أيضا لأن مثل هذه المصادمات تنتج معرفة جديدة. لكن المتعة الكبرى في معرفتك أنك بالرد ستمسح بكتابة هذا منتقدِك أرضَين، مما أسعى إليه في هذا المقال، أنشره في سودانايل لأني لست عضوا في موقع الجمعية محل نشر مقالي حسن موسى، وسأكون كريما مع حسن في عرض حجته بتفصيل هنا في سودانايل.  
يجد القارئ مقالَي حسن موسى في الموقع الشبكي للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية (السودان للجميع) سودانفورول
 http://sudan-forall.org/forum/viewtopic.php?t=8896&sid=816d72a28abb4118b7cf7b5dc922d5fe.
وهو من أقوى المواقع الشبكية، أرشحه لمن لا يعرفه، وفيه وثائق ومقالات غزيرة لمن يريد أن يعمق معرفته عن الحركة الشعبية –شمال، على سبيل المثال لا الحصر.
للأستاذ حسن موسى، الفنان السوداني-الفرنسي المفكر، التقدير العظيم، كانت آخر مرة التقينا فيها في منزلي في الخرطوم مع الأستاذ أسامة عثمان ربما في العام 1998 أو قبله، ثم عبر لقاءات معه غير مباشرة مع الأستاذ إبراهيم الصلحي في العام 2009 في جامعة كورنيل.
أما بعد،  
(1)
يتلخص حِجاج الأستاذ حسن موسى ضد قراءتي لكتاب د. محمد محمود في نقطة محددة، أن قراءتي "سياسية". وبتلك سياسيتها يرى حسن أنها قراءة "تُفسِد على قراء شباب كثيرين ... المنفعة المُكتَنزة في مبحث محمد محمود". من هذه المنفعة المكتنزة المهدَّدة بخطر قراءتي ما أسماه حسن "اللقيّات المفهومية البالغة التركيب"، أيا كانت هذي اللقيَّات، إن لم تكن اللُّقى. وقال إن قراءتي  تحجب عن القراء "فرص فتح المناقشة في المضامين النقدية المتراكبة [في الكتاب] حول إشكالية مجتمع لا ديني كالسودان". وأشار حسن إلى أهمية الحرص على "مراعاة الطبيعة الحساسة لمبحث محمد محمود".
(2)
بعبارات لا حصر لها، حدد حسن أن قراءتي تختزل الكتاب لـ "مجرد حجة سياسية" ضد الإسلاميين في السودان؛ وقال إَّني أغفلتُ "رؤية الإشكالية السياسية العميقة في طرح محمد محمود". ووصف قراءتي بأنها "قراءة سياسية مُغرِضة غرَضاً قد ينافي مقاصد محمد محمود المضمَّنة في مقاربته لظاهرة النبوة". وطفق حسن يكرر ويكرر مجددا أن قراءتي "سياسية غرضية"، كأنه بالتكرار، لا بالحجة، يبحث عن دعم لفكرته.
اُنظر بعض عباراته الإضافية المكررة: "قراءة مُغْرِضة جامحة لا تبالي بغير غرضها السياسي"؛ "عشاري يجتهد في تسويغ غرضه السياسي بشتى السبل"؛ "المفارقة المنهجية في هذا الإسقاط السياسي المشاتِر العابر للأزمنة و الأمكنة"؛ "مشكلة الاستخدام السياسَوِي لمبحث محمد محمود"؛  "وطَّن عشاري نفسه على استخدام كتاب نبوة محمد كمنصة يطلق منها قذائفه السياسية على نظام الإسلاميين في السودان"؛ "يلحّ عشاري على قراءة مجحِفة في حق مكتوب محمد محمود". وفي مقالَيْ حسن موسى أكثر منه على ذات الشكل من الرَّدَحي.
(3)
تلك كانت الخلاصة التي توصل إليها حسن في مقاله الأول: قراءة عشاري "غرَضية سياسية". فأسألُ: ما حجة حسن الموضوعية التي تجعل القراءة "السياسية الغرضية" غير مشروعة؟
هنا، أتى حسن موسى بحجته أن نظام دولة المدينة لا علاقة له بحكم الإسلاميين في السودان. بذلك كان حسن يريد الرد عليَّ حين قلت في مقالي في العقلاني إن النموذج القديم وهو دولة المدينة تستدعيه يوميا النسخةُ الحديثة وهي الدولة الإسلامية السودانية وتستلهمُه وتعتمد ممارساته في العنف والقهر والإرهاب. لكن حسن موسى يرى غير ذلك، بقوله إن الإسلاميين الذي وصفهم حسن بالأوصاف "لا يرقون لمقام المقارنة مع الرجال والنساء الذين تضامنوا على صناعة النبوة حول النبي في القرن السابع".
أي، إن أولئك السابقين في دولة المدينة كانوا، على حد قول حسن، أفضل من هؤلاء الحاضرين المتحلقين حول عمر البشير وحسن الترابي، لنقل. وذهب حسن بالتشنيع بدولة الإسلاميين الحديثة يريد أن يُحسِّن صورة دولة المدينة. وانطلق يشيد بالإسلاميين الإصلاحيين (الأفندي، عبد الله النعيم، الطيب زين العابدين) الذين كنت انتقدتُ فكرتهم عن بديل إسلامي، بقولي إن فكرتهم التجديدية براغماتية مؤيدة تِحِت تِحِت لبرنامج الأسلمة تريد مخرجا للدولة الإسلامية الفاشلة بتخليصها من الشريعة المُستفظَعة ثم بإعادة هذه الشريعة من باب خلفي، بعد تأهيلها بالدسترة في زي تدليسي جديد.
(4)
اضطر حسن موسى أخيرا، بعد اللَّوْلَوة الشديدة، إلى الإقرار بخصيصة العنف في دولة المدينة التي كنت أثرتها في قراءتي حين كتبت أن العنف في دولة المدينة، مما أصلا قدم حيثياته د. محمد محمود في كتابه، يجعل دولة المدينة غير جديرة بالاحتذاء نموذجا للدولة الحديثة فيها مسلمون أغلبية أو أقلية. هنا أدرك حسن موسى مأزقه الحجاجي، في أن كتاب محمد محمود الذي يثني عليه حسن يُثَبِّت في الفصلين الخامس والسادس ما قلته عن العنف في المقال في (العقلاني). والإسلاميون أنفسهم قد يتفقون مع محمد محمود في وقائع العنف في دولة المدينة، لكن ربما يختلفون معه بشأن تفسير القصد والدوافع والبواعث لذلك العنف.
(5)
استمات حسن موسى في الاجتهاد لمصادرة وقائع العنف في دولة المدينة وتغييبها من النص ومن المحادثة، لأنها وقائع تدمر فكرته القائمة على أن دولة المدينة عليها نور. ويتشبث حسن موسى بفكرةِ وضاءة دولة المدينة لأنه ينطلق من موقف سياسي أن المسلمين بإسلامهم وقود النضال ضد الامبريالية الأمريكية الأوربية. رغم رفضه للإسلاميين في حكومة الإنقاذ والحكومات والتنظيمات المشابهة لها.
لهذا السبب السياسي الغرضي، يتشبث حسن موسى بالإسلاميين الإصلاحيين، وكأنه يردد معهم إنه توجد شريعة أخرى، سمحاء، هناك، مختلفة، قد لا تعرفونها، لكنها الحل والبديل لشريعة الإسلاميين أهل الإنقاذ هذي غير الصحيحة، واللهِ العظيم. بينما الحقيقية الساطعة هي أن الذي ظلت تطبقه الإنقاذ هو الشريعة الصحيحة، كما هي مرسومة في القرآن وفي الحديث، وكما هي في كتب المذاهب المختلفة ومطورة بالاجتهاد المؤسس على أصول الفقه.
ربما كان أفضل مرجع للشروع في قياس مدى صحة تطبيق الشريعة إزاء نصوص القرآن والحديث هو كتاب د. المكاشفي طه الكباشي (تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان: بين الحقيقة والإثارة) الذي صدر قبل ثلاثة أعواما من مجيء الإنقاذ، لكن ما جاء فيه هو ما استمرت تكرسه الإنقاذ وتطوره وتذهب به إلى مساحات إضافية في نظام الحكم والمؤسسات وترتيب الحياة الخاصة. وهنالك بعض محاضرات الترابي في اليوتيوب تقدم ذات الجرد لتطبيق الشريعة في مجال القوانين، في مجالات الجنايات والأحوال الشخصية والمعاملات والإثبات وأصول الأحكام القضائية والزكاة والضرائب والقوات المسلحة والحسبة والمرور وغيرها من المجالات الحياتية.
لم يأت الإسلاميون في السودان بشريعة من خيال لهم  أو ابتداع، بل اجتهدوا يريدون تطبيق الشريعة، وتمثلوا نموذج دولة المدينة في كل شيء، بما في ذلك استخدام العنف والقهر والإرهاب ضد معارضيهم. وكله مدعوم بالنصوص الواضحة في القرآن وفي الحديث القابلة للقراءة التفسيرية دون كثير اختلاف.
لم تكن بواعث المثقفين الإسلاميين المتحالفين مع العسكر خالصة لإله في ذلك تطبيقهم الصحيح للشريعة، بل كانت البواعث مشدودة بالدرجة الأولى إلى هدف صناعة الفساد لتمكين هؤلاء الإسلاميين كمجموعة ذات خصائص. ولم يكن تطبيق الإسلاميين الشريعة بصورة صحيحة إلا للسيطرة الناجعة على جهاز الدولة في بلاد أهلها أغلبيتهم مسلمون، وجهاز الدولة هو الوسيلة المفضلة لإنشاء تلك صناعة الفساد، بالتعاون مع قطاع خاص فاسد أيضا يتم إنشاؤه بالخصخصة النهبية، ولحماية هذه الصناعة، ولخلق الخنوع بين المسلمين حتى لا تقوم للمقاومة قائمة.
(6)
لا أحتاج لتقديم أدلة إضافية عن صحة تطبيق الشريعة، فقارن نصوص القوانين الإسلامية والممارسات المادية ذات العلاقة بتنزيل نبوة محمد والإسلام في نظام الحكم والمؤسسات وفي ترتيب الدولة للحياة الخاصة، قارنها بالنصوص في القرآن والسنة. تجد التطبيقات صحيحة، فيما عدا في تفاصيل لا تغير الجوهر.
وكذا لا أحتاج إلى تقديم أدلة إضافية لإثبات فساد الدولة الإسلامية. فانظر فساد الإسلاميين في كل مجال من مجالات الدولة نزَّلوا فيه نبوة محمد في نظام الحكم وفي المؤسسات العامة، وحتي في ترتيبهم الحياة الخاصة بنظام الحسبة والنظام العام، وبقضاء الأحوال الشخصية. واقرأ مقالاتي عن فساد السلطة القضائية الإسلامية.
يتعين أن نفهم إسلامية النظام في مادية ممارساته، لا في "الإسلام"، هكذا مجردا في النصوص القرآنية والحديثية معزولة عن تنزيلها والتحامها بالممارسات في المجالات الثلاثة، نظام الحكم والمؤسسات وترتيب الحياة الخاصة. فالإسلام هو ما يطبقه الإسلاميون بالبرمجة لتنزيله ونبوة محمد في المجالات الثلاثة. وهو ما يهمني. أما الإسلام الذي يعتمده المسلم في حياته، بطريقته، وبتجاوزاته، فغير مهم سياسيا إلا بعلة أن المسلم العادي ضحية طغيان الإسلاميين.
(7)
أدرك حسن موسى مأزقه الفكري، يريد الإسلام كتكنولوجيا سياسية لمصادمة الامبريالية، لكنه يريده إسلاما مختلفا عن ذلك الإسلام السياسي الوحيد المتاح في الدولة الإسلامية الحديثة أيا كان مكانها في عالم اليوم. مثله مثل الإسلاميين الأصوليين، رجع حسن إلى دولة المدينة يريد مددا. لكنه وجد دولة المدينة في كتاب محمد محمود، وهو يعتمد الكتاب ومصداقيته، وجدها عنيفة بدرجة مريعة لم يكن يتصورها. فقرر مثل الإسلاميين المعاصرين المجددين أن يبرِّر عنفها، بأنه عنف طبيعي، كما العنف في كل دولة عبر التاريخ، موجود في كل مكان، وذهب حسن موسى إلى ما لا نهاية في مسعاه إلى الخروج من هذا المأزق الذي أدخل نفسه فيه، مأزق الاضطرار إلى تزيين العنف وتحليته.
انتهى الأمر بحسن أن طور أطرا فلسفية وتاريخية وسوسيولوجية جديدة عن العنف والدولة، أضفى بها على عنف دولة المدينة تاريخية بيولوجية، بادعائه أن العنف شيء طبيعي، وأنه خصيصة قارة في كل دولة، وأن الدولة الخالية من العنف وهم!
 (8)
لم يكن حسن بمحاجته التي سآتي إليها يقرر حقيقية اجتماعية عن طبيعة العنف، بل كان يُرَكِّب حجة سياسية غرضية شنيعة. فالاستنباط الذي أراده حسن بحجته واضح، أن دولة المدينة ليس فيها ما يعيبها، لأنه وفق تقديره يستحيل غياب العنف في الدولة، في أية دولة. وكذا واضحة المغالطة الفظيعة. في محتوى الاستنباط ذاته وفي عدم أخلاقية الحجة، فحسن موسى يقول ما معناه ما دام العنف طبيعيا في كل دولة، علينا أن نقبله وأن نتدبر أمرنا.
قال حسن موسى: "ولو راجع عشاري سِجِل العنف في تاريخ الدولة كظاهرة اجتماعية، فسيلمس بسهولة أن الدولة لا تستغني عن العنف مهما كانت ديانة القائمين عليها". ولأن حسن  وجد نفسه في مياه فكرية راكدة، واصل في الخوض دون هداية بحجة ماركسية: "ولو شئتَ فقل إن الدولة هي العنف مُعقلَنا حسب ملابسات التاريخ الذي يكابده الفرقاء في المجتمع الطبقي".
ولأن حجة حسن استمرت تكتسب شناعة تراكمية، حاول حسن ترقيعها، فجرَّ واطي بالقول: "لكن ملازمة الدولة للعنف لا تعني أن كل الدول صابون في صابون". ثم عاد حسن إلى التنظير للدولة والعنف. وسرعان ما اكتشف أن حجته بالغة التعقيد لا تزيح تلك وصمة العنف عن دولة المدينة. فقرر حسن الاعتراف الصريح فقال: "لا أحد يغالط في أن تأسيس دولة المدينة انطبع بالعنف في كل مراحله ...".
ولأن الاعتراف المستعصر ذاتيا يؤرِّق، قرر حسن سحب اعترافه بأن قال مباشرة "لكن الدولة التي استغنت عن العنف في تدبير أمور المجتمع الذي تتولى أمره هي حلم طوباوي لم يوجد يوما".
ولإدراك حسن مجددا أن حجته تزداد ضعفا وإيغالا في عدم أخلاقية مستدعياتها ومقتضياتها، تبرير العنف كأمر حتمي سرمدي، انتهى إلى المناجزة بالتكتيكات الخطابية المعروفة، وكأنه يريد أن يقول لكنه لا يفصِح: "وماذا عن أمريكا؟ ألا ترى طائرات الدرون والتقتيل الأمريكي للمدنيين الأبرياء؟  ذلك أن حسن أضاف مباشرة بعد عبارة "حلم طوباوي لم يوجد يوما" عبارته الخاتمة في نظريته عن العنف والدولة: "ناهيك عن تلك الدول المتطورة المتحضرة التي تنشر العنف حتى وسط المجتمعات الأجنبية المسالمة والبعيدة عن حدودها بدون أي سبب بخلاف مراكمة الامتيازات والمكاسب المادية المجرمة". أنه يقصد أمريكا. وكاد حسن موسى أن يغمز لنفسه: ألا ترى إسرائيل؟ لماذا هذا التركيز على عنف المسلمين؟
(9)
فالمغالطة الفظيعة التي يقع فيها حسن موسى هي أنه يفترض عنف الدولة أمرا طبيعيا وبيولوجيا في الجينات، ومن ثم يسهل عليه تبرير عنف دولة المدينة على أنه طبيعي علينا أن نقبله ما قبلنا فكرة "الدولة". وقال حسن إن كل دولة لا تعتمد العنف تكون متعالية على التاريخ والمجتمع ومستحيلة. بذلك مُثبِّتا تفسيره البيولوجي التطوري لظاهرة العنف، فلا يترك للعقل مكانا لابتدار تغيير، ولا يترك مجالا للقدرة على الرحمة، ولا يميز بين عنفٍ مشروعٍ قد تستخدمه الدولة نيابة عن المواطنين لردع من يسببون الضرر للآخرين ويؤذونهم، وبين عنف مجاني غرضه نهب موارد الآخرين وإخضاعهم والإفساد وحماية الفاسدين.
كل السياحة الفكرية التي خاض فيها  حسن موسى مشدودة إلى رفضه قراءتي السياسية، لأني اعتمدت الربط الاستنسابي بين نموذج دولة المدينة الذي يعشقه حسن موسى والنسخة الصحيحة في الإنقاذ التي يمقتها.  
 (10)
لقد نصَّب حسن موسى نفسه ألْفة في فصل القِراية. يريد أن يمنع مثل قراءتي الاستنسابية التي تكشف الصلات الظاهرة والخفية بين النسخة الحديثة في دولة الإنقاذ الإسلامية ونموذجها القديم الحاضر وهو دولة المدينة. فإن أنت قرأت كتاب محمد محمود قراءة سياسية، سيكتب الألفة حسن موسى اسمك على السبورة وسيضيف "عاصي".
يصر حسن على أن القراءة الصحيحة الوحيدة هي تلك التثقيفية التي تركز على محتوى كتاب محمد محمود ولا تخرج من نطاق القراءة المشدودة إلى غرضها الذي يتصوره الاستزادة علما. وقد دافع حسن ضمنيا عن هذي قراءته الضيقة، بالتشنيع بقراءتي "السياسية الغرضية". بقوله إن محمد محمود "يعالج موضوعه وهو في هيئة المؤرخ العاكف على الوثائق، فيقرأ ظاهرة النبوة ضمن التحولات التاريخية في دولة المدينة التي تكونت تحت ظروف مجتمع أبوي بدوي قبل رأسمالي، في جغرافيا شبه الجزيرة العربية في القرن السابع". أراها كلامات.
فيريد لنا حسن موسى أن ننحبس في هذا الإطار التاريخي الذي حدده بقراءته الاختزالية المفضلة، ويفرض علينا أن نتوقف هنا وأن لا نخرج من نص الكتاب بترجمة الأفكار فيه على مستوى السياسة.
قال حسن موسى على سبيل التكرار بالإضافة إن عشاري "يُغفل عن رؤية الإشكالية السياسية العميقة لينشغل عنها بترفيع دولة الرأسمالية الطفيلية في السودان لمقام دولة المدينة التي هيأت للمسلمين وفي وقت وجيز نسبيا أن يبنوا إمبراطورية بحالها".
هنا يحشر حسن مكونات حجاجه تحشيرا. فلنفكك أقواله. قال إني أغفلت "الإشكالية السياسية العميقة" في طرح محمد محمود. لكنه لم يبين ماهية هذه الإشكالية. وأحسبني أوفيت الكتاب حقه بالتعقيب في مائتي صفحة ويزيد على كل فصل من فصوله. ومضى حسن ليقول إني انشغلت بـ  "ترفيع دولة الرأسمالية الطفيلية في السودان لمقام دولة المدينة ...". كلام في كلام، حيث لا أرى موضوع انتقاد هنا. ثم وضع حسن فرقا جوهريا فاصِلا بين الدولتين، دولة الإنقاذ الطفيلية كما يسميها، من جهة، ودولة المدينة، من جهة أخرى، وحدد مكانة عليا لهذي الدولة في المدينة وفَضَّلها وأشاد بها، بعلة أنها "هيأت للمسلمين في وقت وجيز نسبيا أن يبنوا إمبراطورية بحالها". يُحبُّ حسن موسى الامبراطوريات إذا كانت إسلامية، لكنه يشنع بها لا يتوقف حين تكون فرنسية أو أمريكية أو بريطانية.
(11)
الذي لم يدركه حسن موسى في قراءته المفضلة لكتاب محمد محمود هو أن الامبراطورية الإسلامية بفسادها وبتقتيلها المسلمين وغير المسلمين وبرِقِّها ونهبها لا تضفي عظمة على دولة المدينة أصل الامبراطورية. والعكس صحيح. فالأصل لا يخلق بالضرورة شيئا عظيما، خاصة حين يكون الأصل مدعوما بنظرية النبوة المركبة بالصناعة الأولية والمنقوضة ذات القابلية للترنح تحت تفكيك محمد محمود لها في كتابه. وهو ككتابٍ ذي أفكار يظلُّ مفتوحا للتفنيد والدحض، مما جربه الإسلاميون ففشلوا، فشلوا لأنهم ظلوا يلتقطون نقطة صغيرة هنا وهناك عفو الخاطر ويشككون فيها فيهنؤون أنفسهم بالخداع الذاتي يحسبون أنهم نالوا من الكتاب، بينما الكتاب يظل قويا متماسكا. فالتفنيد يتطلب أكثر من هذي المناوشات الإسلامية الطرفية الصغيرة. وقد كتبت فصلا كاملا في قراءتي للكتاب في (العقلاني) أرسم فيه خريطة للإسلاميين عن كيفية انتقاد الكتاب. ولم يكن ذلك على سبيل الفكاهة أو المماحكة. فلي مصلحة في أن أعرف ما إذا كان الإسلاميون سيتمكنون من دحض الأفكار الخطيرة في الكتاب التي تبين أن مشروعهم الإسلامي مستحيل استمراره محكوم عليه بالفشل الفكري والتجريبي.
وما أوردته عن الإمبراطورية الإسلامية ينطبق على بقية الإمبراطوريات، بما فيها الإمبراطورية الأمريكية بالإضافة إلى الفرنسية والبريطانية العظمى. كل منها أنتجت أفكارا ثورية في البداية ذات تناقضات ومنقصة، منها الدستور الأمريكي الذي يضاهي في وضعيته السياسية، فليس له وضعية عقائدية، يضاهي سياسية القرآن كدستور، مثلما في الشعار الإسلامي "الإسلام دستور الأمة"، والقرآن هو دستور المملكة العربية السعودية. والمضاهاة مهمة من حيث إن ذات الجدل الأمريكي الراهن بشأن قراءة معاني الدستور الأمريكي ودلالاته لتشكيل الحياة المعاصرة المتغيرة نجده يشابه مسارات الجدل بشأن قراءة القرآن وتفسيره سياسيا لأغراض الفقه كأحكام في الحياة العامة والحياة الخاصة في عالم اليوم.
وقد خلقت هذه الامبراطوريات جميعها بما فيها الإمبراطورية الإسلامية في مسار عملياتها النهبية فرصا للثراء والسعادة لأعداد كبيرة أو صغيرة من رعاياها، وكذا اقترفت جرائم الإبادة والبشاعات المفظِعة ضد السكان الوطنيين وتحصلت بالاحتيال وبالعنف على موارد الآخرين واضطهدت الأقليات.
لكن حسن موسى يميز بينها لا يرى إلا الجمال في الإمبراطورية الإسلامية في مقابلة الشناعة في الامبراطوريات الأخرى. وكان ملائما لحسن أن يتناسى انتهاء الإمبراطورية الإسلامية إلى مسخ  الدولة العثمانية الاستعمارية التي اقترفت الإبادة ضد الأرمن، وقبلها أفسدت في كل الدول التي استعمرتها، بما في ذلك السودان الذي عذبته بالاسترقاق وبالنهب ثم تركته نهبا لما يسمى الثورة المهدية، وهي حين تصيرت دولة إسلامية كانت كذلك فاجعة على أهل السودان، وكله ثابت في الأوراق.
المغالطة
(12)
إن المغالطة الفظيعة في مقال حسن موسى هي اختزالُه كتاب محمد محمود في تلك قراءته المهبِّبة، يريد فرضها بالوصاية على القارئِ ليحصر القارئُ نفسَه في حدود قراءة المحتوى التاريخي في الكتاب، ويتكرم حسن بسماح للقارئ بأن يجري قليل حركات على طريقة حسن من نوع استشكالات انتقادية، وسياحات في الفنون والأنثروبولوجيا والجيوبوليتيك، ويذكِّر حسن القارئَ بلزوم مراعاة "حساسية" الموقف، وحاول لو قدرتَ كمان تَقدِّر رِقة الحابِّيك.
فقد كتب حسن موسى إن "الموقف الكفاحي المبدئي ضد نظام الإسلاميين في السودان لا يعني أننا نقبل رميهم بأي شيء من طرف". وذلك لأسباب أوردها حسن، منها "حرصنا على مراعاة الطبيعة الحساسة لمبحث محمد محمود". وكنت أحسب أن هذي عبارة "الحساسية" قد انطردت من القاموس السوداني، بعد أن عرف السودانيون قوتها التدميرية، فكلما كان السودانيون أثاروا موضوعا جوهريا يتمثل مشكلة حقيقية تتطلب الحل يبادهم مثقفون بالقول التحذيري إن هذا موضوع حساس، لابد من المراعاة، بعيد بعيد، أو خفَّافي.
وبرر حسن حساسية الموقف بشرح مطول لا علاقة له بالموضوع، عن أن الكتاب نتيجة "مثابرة على البحث والفحص و المكابدة المستوحشة في شعاب التاريخ و السياسة في مجتمع المسلمين". وكأن هذي خصائص الكتاب متعلقة بالموضوع وكأنها كافية في ذاتها لتحصين الكتاب من القراءة السياسية الغرضية عديمة الحساسية.   
...
إن القراءة السياسية مشروعة، مثلها مثل كل قراءة تأتي مدعومة بحجتها. قد تكون الحجة قوية أو ضعيفة، لكنها حجة الكاتب يتحمل مسؤوليته عنها حين يتم إخضاعها للانتقاد. فلا يجوز لكاتب مثل حسن أو لأي كاتب آخر أن يأمر: لا تقرأوا هكذا، بل بهذه الطريقة، طريقتي أنا! وابتعدوا من السياسة!
قوة كتاب محمد محمود
(13)
إن حسن موسى بل يقلل من قيمة كتاب محمد محمود ومن أهميته حين يحصره في حدود نقاش استعراضي غير مربوط بالسياسة أو بعملية التغيير أو بالمقاومة ضد الدولة الإسلامية المعاصرة. ذلك لأن قوة الكتاب كامنة في أن القارئ الانتقادي يمكنه الانطلاق من الكتاب لتركيب مشروع خاص به، كقارئ مهموم بالتغيير، التغيير على المستوى الفردي الشخصي، أو الأسري، أو الجماعي.
وهو موضوع "الترجمة" في معناها المتمثل في أنَّا نقرأ الكتاب لاستخلاص الأفكار التي طورها الكاتب ولها علاقة بمشروعنا نحن، غير مهمومين بمقاصد الكاتب أو بدوافعه. ونأخذ اللغة الجديدة التي وفرها لنا الكاتب، هنا محمد محمود. ثم نذهب بكل ذلك لإعماله بطريقة انتقادية أخلاقية في حل المشكلات العملية التي تعترضنا. وهي دائما مشكلات سياسية.
وهذا ما فعلتُه، أخذت بالقراءة السياسية المهمومة بمشروعها، لا المهمومة بالاستمتاع بروايات محمد محمود، أخذت الأفكار التي في الكتاب، واقتبست اللغة الجديدة التي وفرها لنا الكاتب، لانتقاد وضعية تنزيل نبوة محمد بواسطة الإسلاميين في السودان، تنزيلها في نظام الحكم وفي المؤسسات العامة وفي الحياة الخاصة. في عالم اليوم، وهو العالم الوحيد الجدير بالاهتمام، والوحيد مناط الهم بالعالم الذي سبقه. وليس في ذلك إقحام. بل ذلك أرقى مراحل القراءة الانتقادية، تلك المشدودة إلى التغيير الاجتماعي والمقاومة، على كافة المستويات. وهي التي تعطي الكتاب حقه، وتقدره. هكذا يصبح الكتاب وثيقة حية بصورة دائمة. يستخلص منه كل قارئ ما يريد، بطريقة سائغة وأخلاقية.
(14)
لا يكون استخدام الكتاب على هذا النحو الذي أراه وأعتمده إلا في وضعية محددة ذات مكونات مكانية وزمانية وفيها الكيانية المتعلقة بالأشخاص والعلائق بينهم. في السودان، مثلا. ويمكن لأي قارئ آخر في بلد غير السودان أن يستخدم ذات نوعية قراءتي، لتفكيك وضعيات تنزيل نبوة محمد في بلده. وبهذه القراءة السياسية الغرضية، يمكن لكل قارئ مهموم بالتغيير تفكيك وضعية محددة مناط همه، مثل وضعية المرأة في مكانية معينة. على هذا المنهاج يتم استخدام الكتاب بطرق مختلفة، في كل مكان محدد في العالم يتم فيه تنزيل نبوة محمد في نظام الحكم أو في المؤسسات أو في ترتيب الحياة الخاصة.
هكذا، تنطلق القراءة السياسية للكتاب في كل مكان مختلف، بالبدء بفهم المحتوى، ثم تبدأ الترجمة العملية لدلالات ما جاء في الكتاب، وهي دلالات خارجية دائما، خارجية عن النص، بأن يستخدم القارئ بهذي قراءته اللغة التي وفرها الكاتب، اللغة أيضا بمعنى الأطر الفكرية والنماذج والكلمات ذاتها، لتفكيك الوضعية الإسلامية السياسية قيد النظر أينما كانت هذه الوضعية في العالم.
بهذه الطريقة يمكن ترجمة الكتاب عمليا، ترجمته للتغيير ولإرشاد المقاومة ضد أشكال التخلف المنسوجة بأسلمة الحياة والمجتمع، في أي مكان "إسلامي" في العالم. وأعتمد دائما التمييز بين "المسلم" العادي، ضحية الدولة الإسلامية وسياستها لتكريس الخنوع، و"الإسلامي"، دائما هو المثقف المحتال بالإسلام للتمكين وصناعة الفساد.
(15)
هذه الفكرة البدهية البسيطة لم يدركها حسن موسى. وهو لا يقرأ الإشارات الخافتة في كتاب محمد محمود، ولا الإشارات الواضحة في مقالات محمد محمود الصحفية، الإشارات إلى أهمية القراءة "السياسية"، حين كتب محمد محمود أنه يريد لكتابه أن يكون لبنة من لبنات المساهمة في المشروع الكبير لنقد الدين بصورة عامة ولنقد الإسلام بصورة خاصة" (ص كـ). ولا يكون نقد الإسلام إلا كذلك سياسيا، في معية أشكال نقد من كل نوع، على المستوى العميق.
وقد ربط محمد محمود في مقال صحفي منشور بين وضعية الشاعرة عصماء بنت مروان في دولة المدينة، ويرِد ذكرُها في الكتاب، من جهة، ووضعية مريم يحيى في دولة الإنقاذ، من جهة أخرى. ولا أرى أنه يكون سائغا أن نكيف ذلك الربط بين الوضعيتين إغفالا من محمد محمود للتاريخ أو الجيوبوليتيك أو الأنثروبولوجيا، في محاجة حسن موسى!  
(16)
تتمثل القراءة السياسية الغرضية تحقيقا استنسابيا، فينظر القارئ من خلال عدستها في الظاهرة المعاصرة، ويتقفى مسارها خلفا ليردها إلى أصولها في القديم. في دولة المدينة، حيث كان بدأ تنزيل نبوة محمد في نظام الدولة وفي المؤسسات العامة وفي ترتيب الحياة الخاصة، واستمرت حلقات ذلك التنزيل متصلة إلى يومنا هذا.
قال حسن موسى إن عشاري "يمضي في محاكمة دولة الإخوان المسلمين في السودان بأوزار منسوبة لدولة المدينة". ثم كرر القول إن عشاري "يُسقِط واقع دولة المدينة على دولة الإسلاميين السودانيين المعاصرة". ثم كرر وهو يحب تكرار ذات عباراته بالقول إن عشاري "يورِّث نظام إسلامجية السودان كامل تركة دولة المدينة بجرة قلم لا تبالي لا بالتاريخ، ولا بالأنثروبولوجيا ولا بالجيوبوليتيك."
لكني أرى أن العلاقة بين دولة الإسلاميين ودولة المدينة ليست مفبركة، بل هي علاقة عضوية على مستوى الممارسة اليومية وعلى مستوى الخطاب اليومي الساري. وبينت هذه الفكرة بصورة كافية في المقال من 200 صفحة في (العقلاني).
...
ظلت فكرة حسن موسى تدور في ذات حلقتها، فَحْواها أني عملت على "إدانة دولة المدينة بِسُبَّة العنف و القهر والإرهاب". عليه، قرر حسن موسى أن هذه الإدانة تضمر عندي "احتمالاً آخر لدولة ما تستغني عن وسيلة العنف في تدبير أحوال المجتمع الذي ولدت في حِجره". وكيَّف حسن ذلك بأنه "مغالطة غليظة" عندي. بينما المغالطة الغليظة هي كما أسلفت القول اعتماد حسن موسى العنف في الدولة وفي كل دولة شيئا بيولوجيا يجري في الشرايين، إن صح الاقتباس. وهذا ادعاء باطل أتى به حسن لتبرير عنف دولة المدينة وتفسيره والتدليس عليه.  
تحييد الدين
(17)
بعدها التفت حسن موسى إلى موضوع تحييد الدين، وركز على انتقادي للإسلاميين الإصلاحيين (الأفندي، وعبد الله النعيم، والطيب زين العابدين). وقال حسن إن انتقادي ليس في محله، خاصة إنه من حق هؤلاء الإسلاميين أن يطرحوا رؤيتهم، وكأني كنت جردتهم من ذلك الحق، بينما أنا لم أقل غير أن رؤيتهم تصبح فاسدة، بعد كتاب محمد محمود. لأن محمد محمود نقض الأساس الفكري والأيديولوجي لنظرية نبوة محمد، بالتفكيك لبنية الصناعة، وبتبيينه ممارسة العنف كاستراتيجية سياسية اقتصادية قارة في دولة المدينة.
أما افتراض محمد محمود عن سبقية النبوة على الأله، فقد ناقشتُها في المقال في (العقلاني)، ويكفي أن أبين هنا أنها ليست الفكرة الأكثر أهمية في الكتاب، بل إن الفكرتين المهمتين ذاتي الشأن في الكتاب هما صناعة نبوة محمد والعنف في دولة المدينة. فإن صحت هاتان الفكرتان، والحكم في ذلك متعلق بالإثبات التجريبي،  تصبح المسألة العقدية عن سبقية نبوة محمد أو بَعْدِيتها على الإله موضوعا غير ذي قيمة سياسية. أما إذا ثبت خطل القول بالصناعة وبمنظومة العنف يندك مشروع محمد محمود. ولا أرى أن الإسلاميين قادرين على "إثبات" إلا بركوب الرأس أو بالاعتقاد الإيماني المدعى بدون دليل.
فمبادرة الإسلاميين الإصلاحيين لا تعدو كونها حركة موضوعها الادعاء بدون دليل أنه توجد شريعة أخرى أفضل من شريعة الإنقاذ، هناك، يدَّعون لها أن فيها دسترة وحقوق إنسان واحترام للمرأة، وأنها اختيارية لا تفرضها الدولة.  
 (18)
قال حسن موسى إني سعيت لقطع الطريق أمام "محاولات الإصلاحيين الإسلاميين، أو الإسلاميين المعتدلين، محاولاتهم لرد الاعتبار لمشروع دولة إسلامية قمينة بالاحترام، بعد أن مرّغها إسلاميو نظام الخرطوم في وحل السياسة الانتهازية". كلام. ومضى حسن في القول "إن ذلك حقهم وليس لعشاري أن يحجر عليهم تبني مشروع دولة إسلامية مغايرة يرونها أكثر تقدما من دولة نظام إسلاميي الخرطوم".
فذلك مثال لمَهارب حسن في عبارته التسامحية أو هي السماحية المكررة منذ أن قال إنه "يحق لعشاري أن يقرأ كما يشاء". يريد حسن موسى أن يعبر عن ديمقراطيته بهذه الحجوة عن الحقوق. وهي حجوة غير ضرورية وغير صحيحة موضوعا. لأنه ليس للشخص حق في أن يقرأ كما يشاء، ولا أن يأتي بأفكار دون أن يقدم حججا عقلانية لدعم قراءته تكون قابلة للدحض. فالحق في القول، هكذا مجردا، لا معنى له وهو حق تقني خاو لا يثير هَمَّ أحدٍ، ولا يعترض عليه أحدٌ. ولا يُجرد الانتقادُ القائلَ من حقه في القول بل ينتقد حجتَه.
لأنك إن اعتمدت حركة حسن موسى الهروبية، ستقول إن من حق الإسلاميين أن يقرأوا الإسلام بطريقتهم، وكل يقرأ بطريقته، وإن هذا حق لكل شخص، وهذه مغالطة إيمانية فظيعة. لأن حتى المؤمن بالدين بشياطينه وجنه وجنته ليس له أن يعتقد كما يشاء، بل هنالك حدود، وإلا تعين على هذا المؤمن أن ينغلق في كهف افتراضي مع من يعتقدون ذات أفكاره، أو يذهب ليعيش في جزيرة لوحده، فلا يدخل في نقاش مع الذين يخالفون رأيه. فما دمنا في سياق الجدل العام، بطبيعته التداخلية، لا يحق لنا بالطبع أن نقرأ بطريقتنا كما نشاء، بل أن نعقِل القراءة بتقديم حجتها بحيث يرى الآخرون أنها معقولة فيقبلونها أو هم ينتقدونها بما في ذلك بنوع المغالطات في تدخل حسن موسى.
(19)
أفهم أن المشكلة التي يقع فيها حسن موسى هي أنه مثل الإسلاميين التجديديين يريد مخرجا حالما فيه هناك في الماضي شيء جميل في دولة المدينة أفسده الإسلاميون المعاصرون في الإنقاذ. لكني أرى الإسلاميين في الإنقاذ أمينين في رؤيتهم أنهم يريدون بعث الإسلام الذي قطع الاستعمارُ عليه الطريق. وهم يستخدمون نصوص دولة المدينة ذاتها بحذافيرها لترتيب الحياة العامة والخاصة في السودان. وكله لصناعة الفساد. فكل من يريد أن يفسد في الدنيا يتوسل بمخزون شره الخاص، بالأدوات المتاحة له في بيئته وتحت تصرفه أيا كانت طبيعتها. وقد وجد الإسلاميون أن تنزيل نبوة محمد في نظام الحكم والمؤسسات والحياة الخاصة هو ما عندهم في مخزون شرهم، ووجدوا هذا التنزيل الوسيلة الناجعة لتسهيل صناعة الفساد، ففعلوا.
(20)
أجد تلخيص حسن موسى لقراءتي مخلا بإفظاع، حين يدعي أني مشغول عن "البداهة المفهومية" في حق الإسلاميين المعتدلين مشغول بما يسميه حسن "غرضي السياسي"  في أني أريد "تنحية الإسلاميين الإصلاحيين بالجملة عن فضاء السياسة"، وهو يهتف "هيهات"!
لكن فكرتي بل تتلخص في أني أرى مشروع الإسلاميين الإصلاحيين الذي يصفه حسن موسى بأنه "أليق وأرحم"، أراه تلهية عن حقيقة المشروع الإسلامي من كل نوع، بعد كتاب محمد محمود. لأن محمد محمود قوض بكتابه الأساس الفكري لنظرية نبوة محمد، وتركها نقضا بعد أن بين أنها نتاج الصناعة وأنها منسوجة بالعنف والقهر.
ففكرة الإسلاميين الإصلاحيين أصحاب حسن تصبح سائغة فقط في حال كان الأساس الفكري ذاته صحيحا، وعقلانيا، ورحيما، وفي حال كانت تجربة إسلاميي الإنقاذ مفارِقة للقرآن والسنة، بينما الثابت أن هذه التجربة المستمرة لدى إسلاميي الإنقاذ تطبيق صحيح لنصوص القرآن والسنة، وأنها نسخة من دولة المدينة، ليس ضروريا أن تكون النسخة طبق الأصل لكنها النسخة الفعلية للشريعة المركبة بالاجتهاد في ظروفه والمطبقة في الواقع.
...
فكرتي هي أن الإسلامية، وهي ليست خصيصة "المسلمين" العاديين بل صفة "الإسلاميين" أصحاب الدولة الإسلامية، هي ما نجده على أرض الواقع معبِّرةً عن النصوص الحاكمة. وهي مثل النازية، فلا نقول إن النازية تطبيق سيء لفكرة القومية بينما هي شكل صحيح من أشكال القومية فيه إفراط لكنه يبقى تعبيرا صادقا، أو بالنسبة للرأسمالية الغربية، فلا نقول إن مشكلتها أنها ليست أليق ولا أرحم، بينما هي صدوقة في تمثلها لنصوصها الأساس الحاكمة، مع تنازلات بسيطة هي جزء من تركيبتها.
فهذه الأطر الدينية والقومية والاقتصادية تعبر عن ذاتها بطريقة صادقة، وفيها تباينات طفيفة لا تلغي الحقيقة الجوهرية في كل واحدة منها.
فالحل أراه في التفكر في بدائل مستحدثة، لا في جبة مهدية مرقعة بألوان إضافية جديدة، بدائل عقلانية تستبعد الدين من الدولة ويتم تثبيتها على المستوى الصغير في المساحات الممكنة في كل مكان، عبر الزمان الساري.
(21)
لا أرى موضوعا في الضجة التي يخلقها حسن موسى عن حضور الدين في كل مكان. فلا يعتد بالكم ولا بالزخم أو الزحام إلا موضوعا للدراسة الانتقادية، لا كحضور تغييري في الحياة له مستقبل. يتحدث حسن عن "حضور الدين القوي في الحياة الاجتماعية"، ويقول "فالدين يتسرب للمشروع المادي". وينطلق حسن في مقولة له عن "التفاف الدين على اليوتوبيا العلمانية"، مما يخلق ما يسميه حسن "الوهم البصري" المتمثل في انمساخ المؤسسات العلمانية "بظاهر مادي وباطن ديني"، ولعل حسن يقارب هنا مفهوم سرابيات جان بودريارد عن الصورة التمثيلية لأصل دون ماديته، ويصف حسن هذا الوهم البصري بأنه "أكبر كذبة آيديولوجية في القرن الواحد والعشرين"، ويقدم أن من حيثياته أنه "يتضامن على صيانته العلمانيون المتدينون مع حلفائهم من النصارى و اليهود المتعلمنون".
وقال حسن إن هؤلاء العلمانيين وحلفائهم "صاروا يتوجسون اليوم من حضور المسلمين كقوة اجتماعية وسياسية معارِضة للسياسات الأوروأمريكية في بلدان المسلمين المعاصرين، ذلك أن مجتمعات المسلمين المعاصرة صارت تمثل القوة المعارضة الرئيسية للسياسات الأوروأمريكية".
وتحدث حسن عن جدوى "استخدام ماعون الدين باعتباره الماعون الأكثر بداهة لاستقطاب حساسية الجماهير المسلمة التي كانت ترى الباطل و لا تقوى على تغييره بيدها و لا بلسانها".
والذي أراه هو أن الكم والزخم الذي يسم الحراك الإسلامي محكوم عليه بالفشل، لأنه ليس لديه نظرية يعتد بها لتغيير أوضاع البؤس والعنصرية والكراهية في الدول ذات الأغلبية المسلمة أو في الدول حيث الأقليات المسلمة. خاصة بعد كتاب محمد محمود. ولن تقوم لحراك باسم الإسلام قائمة فكرية بعد هذا الكتاب الذي يقول ضمنا إنه لا يمكن إقامة مشروع نهضوي على أساس ما تم نقض فكرته بالكتاب ذاته، رغم وجود قدرة لدى الإسلاميين على تحريك عواطف الخوف لدى ملايين المسلمين من هجمة امبريالية أوروأمريكية وشيكة ومستمرة أصلا. وهي ملايين لا تعرف أغلبيتها القراءة باللغة العربية فغير قادرة أصلا على فهم نصوص الإسلام، تعتمد على قياداتها التي تريد لها أن تظل حبيسة الخرافات والجهل بالإسلام ذاته.
...
(22)
كانت تلك أعلاه باختصار هي محاجة حسن موسى: (1) قراءتي كتاب محمد محمود سياسية غرضية إغفاليه وخطأ، (2) العنف ليس مشكلة الدولة الإسلامية، فالدول بطبيعتها عنيفة، (3) توجد فرصة لشريعة سمحاء، عند الإسلاميين الإصلاحيين، (4) الإسلام ضروري لمحاربة الامبريالية.
لم أجد أي شيء في مقالي حسن موسى لأتفق معه في شيء. لأنه لم يقدم أية حجة يعتد بها، وأعتبر منطلقه الأساس عن "القراءة" فاسدا لا يقول به أحد غيره. إن القراءة التي يريدها حسن موسى مشروعة بالطبع، لكنها ليست القراءة الوحيدة ذات المشروعية. وقدمتُ ما يكفي من حجة لتبيين أن القراءة السياسية الغرضية للكتاب مشروعة أيضا، خاصة حين تأتي بحجتها، بل هي أرقى مراحل القراءة الانتقادية، والفيصل هو الحجة التي تدعم القراءة المعيَّنة، لا الحق التقني المجرد الخاوي في أي قراءة من كل نوع. وأن القراءة السياسية هي المفضية إلى فهم أعمق لكتاب محمد محمود، لأنها تفهم المحتوى وتنطلق من منصته إلى آفاق التغيير والمقاومة.
فحين يتفضل حسن موسى ويقول "ومن حق عشاري أن يقرأ، وذلك حقه" فهو ليس جادا بالطبع. يريد أن يصدُر من موقع مانح صَدَقة "السماح" بوجود ما هو عنده مكروه ، ويعتبر أنه خلَّص نفسه وضميره الديمقراطي. بينما صدقته غير ضرورية وغير مرغوب فيها، لأنه ليس صحيحا أن القارئ يحق له أن يقرأ كما يريد، فكل قراءة محكوم عليها أن تأتي بحجتها، وفي ذلك مشروعيتها.
أراد حسن موسى أن يحدد نوع القراءة المشروعة، بإطلاق، مقيسة على قراءته الضعيفة، تلك المقتصِرة على محتوى كتاب محمد محمود، والمستحوَذة بالخوف من الدخول في أمور السياسة الحساسة. بينما خطابه في مقاليه، من أوله إلى آخره، سياسة غرضية، بالمفهوم التاني للسياسة.
...
عشاري أحمد محمود خليل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
يناير 2016