عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقدم في هذا المقال بعض أفكار للتعقيب على التقرير الذي كتبه ياسر عرمان عن المفوضات، وفق العناوين التي أوردها في ذلك التقرير لكني أرتبها بطريقة مختلفة:
...
أولا،
"حكم ذاتي للمنطقتين"
نعم، نؤيد بشدة. لابد من صياغة ورقة عن طبيعة هذا الحكم الذاتي ونشرها للنقاش العلني العام.
أيا كانت طبيعة هذا الحكم الذاتي، فجوهره ليس الديمقراطية، لأن الديمقراطية ستكون تحصيل حاصل بالدسترة بعد الاتفاق السياسي، بدون ضمانها لن يحدث اتفاق أصلا.
أرى أن مقاومة الفساد هي جوهر الحكم الذاتي للمنطقتين. هذه المقاومة ستكون موجهة أصلا بالدرجة الأولى ضد المناضلين، تحديدا.  ولنتذكر الجيش الشعبي في جنوب السودان الذي أصبح أكبر تجمع للمناضلين الفاسدين في العالم. وكذا أصبح هذا الجيش هو الجلاد المستهدِف لشعب جنوب السودان.
وإلا فإنا لا نتعلم شيئا ولا نفهم شيئا. فمقاومة الفساد هي الديمقراطية الفعلية. وهي ضمانة عدم العدوان على المواطنين في سياق نزاع مسلح حول الاستحواذ على الموارد أو على جهاز الدولة معبر الوصول إلى الموارد. ومقاومة الفساد هي التي تفتح الأبواب مشرعة للأمل وللتغيير في المنطقتين.
باختصار، أهمية وضع مقاومة الفاسد على رأس الأجندة، وفي لغة تركيب فكرة الحكم الذاتي في المنطقتين. اللغة المدعومة بتدابير عملية مادية يمكن الإمساك بها وتقييمها، والتعامل معها.
...
ثانيا،
"الى ماذا توصلنا في المفاوضات غير الرسمية؟"
قال ياسر إن الحركة الشعبية ستطرح على قوى التغيير "أفكارا جديدة لتطوير موقف سياسي يتماهى مع مصالح شعبنا و يضع حدا لعملية شراء الوقت".
أيا كانت الأفكار، يجب أن تشتمل على موضوع الفساد الذي أشرت إليه أعلاه، تحديدا استعادة الأرصدة المنهوبة من قبل الإسلاميين. وهو موقف سيكون متسقا مع أن مقاومة الفساد هي البرنامج الإطاري للتغيير في المنطقتين، وفي السودان. فأنت لن تتمكن من تغيير أي شيء في المنطقتين، أو في السودان، لصالح المواطنين، ما لم تكن مقاومة الفاسد هي الإطار الحاكم. الإطار الحاكم، أيضا بهم قوي باستعادة الأرصدة المنهوبة وتجريد السَّرَقة من الممتلكات التي نهبوها. المهم أن يكون موضوع الفساد ثابتا في الأجندة في المفاوضات، ليس ضروريا الاتفاق عليه، يكفي أن يظهر الإسلاميون على حقيقتهم كحماة صناعة الفساد. وفي ذلك تثقيف للمواطنين وتمكين لهم لمقاومة الفساد.
إن أي كلام عن إنشاء مدرسة، أو مستشفى، أو مصنع، أو شراء احتياجات، أو استيراد مدخلات الزراعة، في المنطقتين، كله سيكون مجرد كلام فارغ ما لم يكن محكوما بمقاومة الفساد بتدابير مادية معروفة في جميع تفاصيلها، منذ اليوم وليس فيما بعد.
جمهورية جنوب السودان، مثالا. بل هي أفضل الأمثلة بسبب العلاقة التاريخية بين الحركة والحركة، ومع المنطقتين.
...
ثالثا،  
"ترتيبات أمنية جديدة و جيش مهني للوطن لا للحزب ..."
(1)
هنا أختلف مع ياسر على نحو راديكالي. فهو يتحدث عن أهمية لـ "الجيش" فيما بعد إحلال السلام.. أنظر ما قاله ياسر:
"أولا،  بناء جيش وطني واحد مهني يعكس تركيبة السودان و يخدم المصالح الوطنية".
"ثانيا، اجراء إصلاحات عميقة في الجيش الحالي و في عقيدته العسكرية ليدافع عن السودان لا لخوض الحروب الداخلية ضد أهله ووقف تسييس المؤسسة العسكرية ..."
أرى أن ياسر يصدر من  فهم رومانسي مستغرق في الأحلام الوردية عن "إصلاحات عميقة" في مؤسسة إجرامية. أعرف إجرام المؤسسة العسكرية من التجربة الشخصية مع الضابط العميد ركن إبراهيم محمد إبراهيم الذي كان تم ابتعاثه قاتلا مأجورا للاعتداء علي في بيتي سبتمبر 2007، طاردته فهرب واختفى ثم تمت جرجرته ليخرج من جحره في كرري، وتم تشكيل مجلس تحقيق عسكري له حضرته، وتمت إحالته إلى القضاء العسكري، والبقية قصة معروفة انتهت بتقديم الحماية له ومنعي من مجرد السؤال عن مآل قضيتي ضده. وكذا أعرف إجرام المؤسسة، ويعرفه أهل السودان، من العلم العام، بالقراءة البسيطة لتاريخ ما يسمى بالجيش السوداني.
(2)
لا نريد أي جيش، من أي نوع، في المنطقتين، بعد إحلال السلام. وبالطبع لا نريده في السودان كله، في جميع المناطق، أصلا. فكرة الجيش عفا عليها الزمن وهي آيلة إلى الانقراض لا يبقيها شيء غير المصالح الذاتية للجنرالات في الدول الديمقراطية، والحكام الطغاة الفاسدون في دول أفريقيا على سبيل المثال، حيث أسوأ الحكام على وجه الأرض يستقوون بالجيش على شعوبهم. لا نذهب بعيدا، السودان، وجمهورية جنوب السودان.
بعد كل الخراب في السودان على مدى ستين عاما، من أسبابه الأساسية الجيش، يتعين علينا التفكير في مستقبل السودان بطريقة جديدة. أُدرك أهمية القوات الشعبية المسلحة في حاضر المنطقتين، وهي قوات تقاتل حربا نضالية ضد المليشيات الإجرامية للحكومة الإسلامية. وهي حرب لابد أن تكون الأخيرة في حياة المنطقتين. فممن تكون الحماية بالجيش؟ من أثيوبيا مثلا؟ إيريتريا؟ مصر؟
ولا أرى أية إمكانية لإصلاح الجيش الإسلامي أو عقيدته. فهذي فكرة ياسر عن إصلاح مليشيا الجيش، وهو مليشيا، بالمعنى الإجرامي، يجب التخلي عنها في سياق المفاوضات وفي سياق الفترة الانتقالية ذاتها. فالمؤسسة العسكرية كرست مصالحها بقوة يصعب معها إجراء أي إصلاح أو تعديل في الوقت الراهن. ربما بعد عشرين أو ثلاثين عاما، عند بروز قوى شبابية جديدة تلغي الجيش من داخله.
(3)
فحتى حين تصر حكومة الإنقاذ على إبقاء الجيش على حاله وإغراق بعض جنود الحركة فيه بالدمج، فليكن. فقط بعضهم لا جميعهم. لأغراض المعلومات ولبث فكرة إلغاء الجيش. تكون الموافقة الاستراتيجية هنا لأجل تحقيق الاتفاق بالمفاوضات وإنهاء الحرب وفتح المجال للتغيير في المنطقتين.
أي إنه حتى في هذه الحالة، حالة دمج بعض قوات الحركة في الجيش المليشيا، لا يعني ذلك أن يكون في المنطقتين أي وجود لجيش من أي نوع.
أقصد أن تكون المنطقتان خاليتين كلية من أية قوات عسكرية من أي نوع، لا جيش، ولا جهاز أمن مسلح، ولا قوات احتياطي مركزي. وأن يكون ذلك في الدستور.
فقط شرطة حرفية يتم إنشاؤها من الأول، بدون تاريخ لأفرادها في فساد الشرطة، من أشخاص لا يكون من بينهم إطلاقا أي شخص كان جنديا في الجيش الشعبي. يمكن أن تكون الشرطة في أغلبيتها من النساء. يكفي التدريب على مدى عام أو عامين، مع استجلاب ضباط شرطة نزيهين، وهو يعدون على أصابع اليد، حتى لو كانوا إسلاميين عنصريين، استجلابهم من الشرطة السودانية لذلك غرض التدريب.
(4)
يجب طرد "فكرة الجيش" من السودان. إن الحجج ضد هذه الفكرة السخيفة لا حصر لها، وليس ضروريا  إيرادها للقارئ العارف، يكفي أن ننظر وأن نتأمل وأن نفكر.
بالإضافة إلى العلم العام عن إجرام الجيش مليشيا الإسلاميين، فإن تجربة الجيش الشعبي الإجرامي الفاسد في جنوب السودان كافية على استقلال لتجعلنا نرفض مجرد فكرة الجيش في المنطقتين اللتين ستكونان ذات حكم ذاتي. وبالرغم من أن الوضع مختلف، إلا أن أكبر مهدد للتغيير الحقيقي في المنطقتين سيأتي من المناضلين جنود وضباط الجيش الشعبي. وإلا فقولوا لنا إنهم من طينة أخرى مغايرة للجيش الشعبي الأساس في جنوب السودان.
فلنتخيل حياة في المنطقتين خالية تماما من العسكرة. جميع الأسلحة تم تدميرها. المبالغ التي كان سيتم تخصيصها لجيش المناضلين تمت إضافتها لتعزيز موازنة التعليم والصحة والأمن الغذائي. صورة في غاية البساطة، هي ما يريده المواطن موضوع النضال.
(5)
هؤلاء أغلبية جنود الجيش الشعبي وضباطه التابعين للحركة، بعد الاتفاق، أرى أن لا يتم إدماجهم في مليشيا جيش الإسلاميين. بل أن تتم إعادة تدريبهم في برنامج على مدى خمسة أعواما كمعلمين وممرضين وتجار، وأصحاب أعمال صغيرة، ومهندسين، وقضاة، وفنيين في الكمبيوتر، وأصحاب مزارع، وموظفين في القطاع المدني، وفيما فيه فائدة مباشرة للمواطنين في المنطقتين. سيأتي دعم مقدر من المجتمع الدولي إلى المنطقتين. وسيكون المطلوب، بل شرط الدعم من الدول الصديقة، هو النقيض للجيش الشعبي/الحركة الشعبية  في جنوب السودان.
ستكون المنطقتان النموذج لبقية مناطق السودان، بحياة خالية من العسكرة في جميع أشكالها.  
هذه هي الفكرة في خطوطها العريضة، ويمكن تطويرها، جوهرها لا جيش من أي نوع في المنطقتين. ولا حتى قوات خاصة أو أية حركات متذاكية للالتفاف حول الفكرة.
...
رابعا،
"علاقة الدين بالدولة"
(1)
قال ياسر إنهم طرحوا "ضرورة أن تقف الدولة على مسافة متساوية من جميع الأديان ...".
الذي أراه أن لا يكون للدين أيا كان، الإسلام أو المسيحية أو الديانات الأفريقية، أي وضع في نظام الحكم أو في المؤسسات أو في ترتيب الحياة الخاصة.
ولست متفائلا أن الإسلاميين سيقبلون هذا إطلاقا. سيستميتون. لأن الإسلامية الفاسدة هي مناط مشروعيتهم. ولا يمكن حل هذه المشكلة في سياق المفاوضات. لكن الديمقراطية والحريات كافية لتسريع نشر وعي عام أن إسلامية الدولة لا تعدو كونها تكنولوجيا شريرة يعتمدها الإسلاميون للسيطرة على جهاز الدولة كالوسيلة الناجعة لصناعة الفساد. فتاريخ السودان لا ينتهي ولا يبدأ بالاتفاق مع العصابات الإسلامية. وستكون هنالك إمكانات للتغيير لا تتخلق إلا في سياق ما بعد الاتفاق في فترة السلام.
(2)
عليه، قد يكون الأفضل الاتفاق على أن يتم استبعاد الدين من مجال نظام الحكم ومن تدخلات الحكومة في المنطقتين، على أقل تقدير. بالطبع إن تمكن المفاوضون من تحقيق ما هو أكثر لا بأس. لكن يجب الاستبعاد الكامل لأي دين من مجال الحكم في المنطقتين تحديدا، ليبقى الدين لمن يريد في بيته وحياته الخاصة بعيدا عن المؤسسات العامة، مثل القضائية وغيرها، بدون معقب عليه من الحكومة.
لا يوجد ما يمنع الاتفاق المرحلي على مثل هذه الحلول الجزئية المعقدة التي ستثير مشكلات قانونية ودستورية في المستقبل. لكن على أقل تقدير ستكون مسألة استبعاد الدين من المنطقتين محمية بالدستور فلا يمكن تعديله إلا بموافقة الأغلبية في المنطقتين.
(3)
هذا الاستبعاد الجزئي للدين من الدولة، وأقصد الإسلام فالمسيحية رفعت الراية ولم تعد واردة، ستكتنفه الصعوبات الدستورية، التي أشرت إليها أعلاه. وسيتصنع الإسلاميون أن ذلك خط أحمر، خدعتهم المنفضحة المعروفة.   
هذا الاستبعاد الجزئي المناطقي للدين ضروري. لأنه يجعل الأمر واضحا، مقارنة باللغة التي أوردها ياسر. أي، ستضمن لغة "الاستبعاد" عدم الحاجة لأي حديث عن المواطنة أو التمييز، فلا تتسرب خدعة الدين من باب خلفي متخفية في اللغة ذات الميوعة.
باختصار، الدولة، كدولة وكحكومة وكمؤسسات عامة، في المنطقتين، تكون عمياء طرشاء بكماء بشأن الدين، الإسلام أو غيره. داك الجامع وديك الكنيسة. الداير يمشي. مما سيقدم المثال للمناطق الأخرى في السودان، مثال المنطقتين اللتين لا يتم فيهما استخدام الدين على نهج الإسلاميين المحتالين بالإسلام، النهج الذي يخشاه الأستاذ ياسر. فمسألة الدين، والمقصود هو الإسلام، يجب أن يتم طرحها بوضوح تام، أي بدون أي استحياء أو أي قبول لإرهاب فكري من الإسلاميين، الذين انكشفت الآن خدعتهم بالإسلام، وهم ذاتهم تركوا سيرة الإسلام ويفكرون في كيفية التخلص منها في شكلها القديم، يريدون مخرجا يضمن لهم البقاء في السلطة كإسلاميين لا علاقة لهم بالشريعة الإسلامية يكرهون اليوم مجرد سيرتها، وماذا بعد الهرولة إلى اليهود في إسرائيل، وهي هرولة سيكون من شروط الترحيب الإسرائيلي بها تنقية المناهج الدراسية الإسلامية من كل ما يسئ إلى اليهود أو يدعو إلى كراهيتهم.
(4)
لست متفائلا أن هؤلاء الإسلاميين سيقبلون في البداية استبعاد أسلمة نظام الحكم والمؤسسات أو استبعاد ترتيب الحياة الخاصة بنظام الحسبة وشرطة النظام العام. ذلك لأن الإسلامية كاستراتيجية هي درارة السحت الضرورية لهم لصناعة الفساد، وهي التي تعطيهم مشروعية ما، بدون الإسلامية سيجدون أنفسهم عراة حفاة وبدون لسان.
فإذا خرج المتفاوضون بالحق الدستوري في استبعاد الإسلام من مجالات دوران عمليات الدولة في المنطقتين سيكون ذلك انتصارا، على نهج استثناء جنوب السودان، لكن بحجة مختلفة واضحة يتم تبيينها، لا علاقة لها بخصائص المنطقتين ففيهما مسلمون بالطبع، وإنما بطبيعة الاتفاق السياسي الذي يجوز أن تكون فيه مواد جزئية ذات اختصاص مناطقي، هنا في المنطقتين. وقد تحذو بعض حركات دارفور ذات هذي المنهجية. لأن مشروعية إسلامية الدولة، كفكرة، انتهى أمرها بعد نشر كتاب محمد محمود عن نبوة محمد التاريخ والصناعة.
...
خامسا،  
"المسارات الإنسانية"
أؤيد موقف الحركة الشعبية عن "ضرورة الفصل بين القضية الانسانية والقضية السياسية ....  وكفالة حق المدنيين في المساعدات الإنسانية ...".
فهذه نقطة غير قابلة لتنازل. وهي نقطة قانونية ثابتة في القانون الدولي. وهو موقف الأمم المتحدة، فيما عدا على ما أذكر المحاولة الاحتيالية من أحد موظفي الأمم المتحدة المرتبطين بآلية الحوار الأفريقية في أديس أبابا كان صرح بالاحتيال للإعلام أثناء المفاوضات في العام 2012 إن الربط بين السياسي والإنساني هو موقف الأمم المتحدة. ولا يأتي أي موظف أمم متحدة بهذا القول الباطل إلا إذا كان استلم رشوته من المفاوضين من الحكومة. لأن الموقف عن لزوم فصل الإنساني من السياسي يتعلمه كل من يعمل في الأمم المتحدة. فالسياسي مساره مختلف ويُنظَر إليه على أنه مناط التفكير الاستراتيجي الذي لا يكتفي بالإغاثة، على سبيل المثال، بل يَنظُر في الحلول السياسية بينما تسير الإغاثة الإنسانية مستقلة بالتزامن.  
...
سادسا،
"الحوار المتكافئ الجديد"
(1)
جاء في تقرير الأخ ياسر أنهم اقترحوا على وفد الحكومة اختتام حوار قاعة الصداقة برئاسة البشير، وعقد اجتماع تحضيري بمشاركة قوى نداء السودان و حركة الإصلاح الآن والتشاور مع بقية أطراف المعارضة للبدء في مرحلة ثانية و جديدة من الحوار. مع إبعاد البشير من رئاسة الحوار لأنه طرف وخصم أيضا.
حتى هنا، نوافق على البدء من جديد، والتوسيع، وإبعاد البشير ليكون رئيس جماعته مثلا.
(2)
لكني لا أتفق مع ياسر بشأن مطالبته بـ "إشراف الاتحاد الأفريقي على عملية تسهيل الحوار". ولا أتفق معه في تبريره بـ "أهمية المسهِّلين من الاتحاد الأفريقي الذين سيقدمون تقريرهم للاتحاد الأفريقي و مجلس الامن و المنظمات الدولية المعنية بنهاية الحوار".
يمكن للاتحاد الأفريقي أن يكون مراقبا صامتا فقط، وأن يقدم تقريرا. لا قائدا للحوار ولا مسهِّلا له. لهذا أسباب تتعلق بأن الاتحاد الأفريقي غير جدير بثقة، ثابت أنه اتحاد حكام أفريقيا الطغاة الفاسدين.
(3)
كذلك لا أرى أية جدوى حتى الآن من دور لتابو امبيكي. وهنالك ماضيه وحوله شبهة الفساد. فبالرغم من أن المحكمة العليا في جنوب أفريقيا كانت ألغت القرار القضائي الذي فرض على أمبيكي الاستقالة من منصبه كرئيس للجمهورية، بتهمة فساد، إلا أن سحابة من الشك في نزاهته تظل قائمة، بأنه كان تدخل في الملاحقة القضائية لصالح زميله جاكوب زوما المتهم بالفساد.
وحيث إن التبرئة لامبيكي تظل تبرئة تقنية وليست موضوعية، لماذا يتم ربط مصير المفاوضات في أمر مصيري لأهل السودان بشخص مشكوك في نزاهته؟ لابد من المبدئية، وإلا فلماذا لا يتم الاتفاق مع الإسلاميين بأي ثمن إذا لم تكن للمبدئية قيمة؟
...
سابعا،
"الوقف المتزامن للحرب في المنطقتين ودارفور"
أؤيد بشدة.
يجب عدم خذلان أهل دارفور ضحايا الإبادة الجماعية على يد مليشيات البشير وعبد الرحيم محمد حسين، المتهمين الهاربين من العدالة. ذلك حتى إذا استقلت بعضُ الحركات الدارفورية المسلحة بقرارها لا تريد توحيد مواقف. فدارفور حالة خاصة، على كافة المستويات. يجب أن نتذكر أنها ظلت تتعذب منذ الثمانينات، منذ أن أطلق الصادق المهدي عقال المليشيات العربية، الحزام العربي، للعدوان على الفور. ومنذ أن أدرج الرزيقات في حربه ضد الدينكا.
...
ثامنا،
"التفاوض"
قال ياسر إن البعض يطالبونهم برفض التفاوض، وهو يخالفهم لأنه يرى أن رفض التفاوض يعني "رفض قرارات المنظمات الإقليمية و الدولية و رفض مناقشة القضية الانسانية ..."
أتفق معه في أهمية الإندراج في التفاوض دائما. فالقضية العادلة لا يضيرها أن تفاوض الشيطان. والطرف الأخر لا شرعية أخلاقية له أصلا، مجموعة عصابات إسلامية استولت على جهاز الدولة ليس لها برنامج غير الفساد. كل ما تفعله مشدود إلى الفساد، بما في ذلك المفاوضات ذاتها. وهي الممسكة بجهاز الدولة وهي الحكومة، لا يغير منه عدم شرعيتها.
وعلى مستوى آخر، قد تكون للعصابات الإسلامية مصلحة في المفاوضات تفضي إلى إنهاء النزاع بطريقة تنقذ أهل المنطقتين من الحرب الإبادية العنصرية المستمرة في منطقة جبال النوبة.
...
تاسعا،
"مرحلة جديدة و فرصة جديدة لتوحيد المعارضة"
وحدة المعارضة، نعم، لكن على أساس الاتفاق على مبادئ أساسية. بطرد الصادق المهدي من تحالف المعارضة. فليكوِّن جبهته الخاصة به وبأفكاره وبأولاده. كيف ننسى تاريخه الدموي الذي لم يعتذر عنه، ولم يقدم كشف الحساب، وكيف ننسى إسهامه في تدمير السودان؟ ما دمر السودان إلا آفة نسيان أفعال الحكام الطغاة. مثالا، تجويع الصادق المهدي أهل جنوب السودان 1986-1987 مما أدى إلى موت ربع مليون شخصا نتيجة إطلاقه يد المليشيات الرزيقية والمسيرية  التي نهبت الأبقار وسرقت الذرة وقطعت حتى الأشجار واختطفت الأطفال والنساء؟ ودونك دفاعه عن الذين حرقوا ألفين من الدينكا في يوم واحد في الضعين، ثم توجيهه لأعضاء حزبه أن يصوتوا في البرلمان لإسقاط مقترح لمجرد إجراء تحقيق.
كيف ينسى المناضلون هذه الحقائق البسيطة؟ ما التاريخ الذي سيتم تعليمه عن الصادق المهدي لأطفال المنطقتين؟ كيف تتحالف الحركة مع الصادق المهدي، وذلك هو تاريخه؟
مناقشات وتبادل أفكار مع جميع فئات المعارضة نعم، "توحيد"، لا.  
...
أخيرا،
(1)
أحداث جنوب السودان لم تكن لعبة. بل درس قاس وجدير بالانتباه إليه والتعلم منه. أن يعِد قادة الحركة، عقار، الحلو، وياسر بأنهم لن يكونوا مثل المناضلين زملائهم في الحركة الشعبية في جنوب السودان. ذلك حين تنشأ حكومتا المنطقتين، وحين تظهر الاختلافات، وهي لا محالة ستظهر، فالإسلاميون موجودن لإشعال الفتن العرقية ولم يكونوا بعيدين من تحريض رياك مشار مجددا. بل كانوا يتبجحون في الوثيقة السرية بدعمهم له.
هذا الموضوع عن الضمانات في الفترة ما بعد النزاع مشروعة إثارته الآن، وهو في محله.
كذلك يجب أن لا يكون هؤلاء القادة الثلاثة أو قادة الصف الثاني حكاما في المنطقتين. نريد منهم وعدا صريحا بذلك. ربما تكون لهم مواقع قيادية في الحكومة المركزية، أو في مجالات أخرى، أو يعودوا إلى الدراسة وأن يقدموا الاستشارات. لا نريد لهم أن يذهبوا إلى المعاش، فالمناضل لا يركن إلى المعاش، ويظل يعمل حتى نهاية آخر يوم له في الدينا.
(2)
الذي أقصده، أن يبدأ عقار والحلو وياسر منذ الآن في الإعداد، ربما على مدى أعوام ستأتي، لأن الإسلاميين غير جادين في حوار وقد تطول الحرب، أن يبدأوا في إعداد الكوادر المسيَّسة لكنها القادرة على تسيير الجهاز التنفيذي، والمؤسسة القضائية، والشرطة، (لا الجيش الذي لن يكون له وجود في المنطقتين)، وتسيير المؤسسات الإدارية، والشركات، ومشروعات التنمية بأنواعها، وعلى تقديم الخدمات التعليمية والصحية. ما دمر جنوب السودان إلا إصرار المناضلين على تبوؤ وظائف لا علاقة لهم بها لا يعرفون عنها شيئا يريدون التعلم بالخطأ والصواب والتجريب في حياة المواطنين عليهم الانتظار!
وكما قلت، لا يكون من بين الكوادر المسيسة القادرة أي من المناضلين الذين ليست لهم القدرات التقنية الضرورية. جنوب السودان أفضل الأمثلة للفشل.
هؤلاء المناضلون سيستمرون في النضال بالخدمة في المجالات التي يتم تدريبهم في اختصاصها. والتسييس مهم هنا. لأن الواضح هو أن ما افتقده المناضلون في جنوب السودان لم يكن النزاهة فقط، ولا الرحمة، بل هم افتقدوا كل حس سياسي، بالمعنى العميق للسياسة، ذلك المشدود إلى الفضيلة وإلى المعرفة وإلى القدرة على التفكير.
(3)
أروع ما شاهدت من أفلام الفيلم الوثائقي عن كوبا في أفريقيا. شاهدت الضباط الكوبيين الذين كانوا جاءوا قبل أربعين عاما لمساندة ثوار الكونغو في الستينات. كانوا يعيشون في منازل صغيرة جدا في هافانا، حياتهم بسيطة، لكن تدمع العيون حين تسمعهم يتحدثون بقوة وبثقة وبفخر عن تجربتهم، وكيف أنهم لم يكونوا يريدون من أفريقيا أي شيء غير مساعدة الثوار في تحقيق أهدافهم.
(4)
وانظر بالمقارنة أي واحد من العدد المقدر من كبار المناضلين في الحركة الشعبية/الجيش الشعبي في جنوب السودان، بعضهم تلقى التدريب في كوبا. الذين بنضالهم طردوا الاستعمار العربي الإسلامي وحققوا الاستقلال. فماذا ترى غير سَرَقةٍ ينهبون المال العام بنى كل منهم قصرا في جوبا واشترى قصرا آخر في كمبالا أو نيروبي، وتزوج عدة نساء موزعات في أرجاء العالم وفي جنوب السودان، كل منهم قد تكون لديه ستة سيارات، وملايين الدولارات كلها منهوبة من عائدات النفط. بينما المواطن موضوع النضال المفترض حافي القدمين يمشي عاريا يعصره الجوع والألم.
هذه الصورة ليست مخترعة، وليست كاريكاتيرية. وهي ليست من تركيبي، بل من تركيب العارفين القريبين من أهل الدار.
(5)
وإن أردتم الاستزادة، هنالك الصورة الثابتة في الأوراق عن المناضلين من الجيش الشعبي لتحرير السودان، ثابت أنهم قتَّلوا أطفال جنوب السودان ونساءه تقتيلا، واغتصبوا الفتيات كاستراتيجية من استراتيجيات حربهم ضد شعب جنوب السودان، ونهبوا الأبقار، وحرقوا القرى، وطردوا الأسر من بيوتها. وهم لم يتركوا بشاعة مفظِعة إلا واقترفوها.
باختصار، كيفوا أنفسهم بأنفسهم كمجرمين اقترفوا جرائم الحرب، والجريمة ضد الإنسانية، وما يقارب جريمة الإبادة الجماعية ضد شعب جنوب السودان، بل ضد البشرية، مما هو معنى عالمية جرائمهم. كتفا لكتف، يقفون اليوم  مع عمر البشير وعبد الرحيم محمد حسين، ومع جزاري البوسنة، والموتورين في رواندا، ومع قادة جيش الرب في يوغندا، فالجرائم العالمية هي ذاتها الجرائم العالمية، مرسومة في اتفاقية الإيقاد التي وقعوا عليها صاغرين.
ذلك كله، دون أن يتم إلقاء القبض على أي منهم، ودون أي تحقيق، على نهج الصادق المهدي، ودون أن يستقيل أي من القادة، الذين اكتفوا بمخادعة شعب جنوب السودان باعتذارات مرائية. وأنت تراهم يرفضون المحكمة الهجين، يريدون العفو عن جرائمهم، وأن لا تكون المحاسبية إلا من هنا ولي قدام. فرصة تانية.
(5)
لقد التقيت بكل واحد من قادة الحركة وتحدثت معه، في الماضي. عقار، الحلو، وياسر. ولا يمكن لي أن أتصور أن أيا منهم يمكن أن ينحدر يوما إلى ما انحدر إليه قادة الجيش الشعبي/الحركة الشعبية في جنوب السودان. لكني كنت كذلك التقيت في السابق ببعض من هؤلاء الأخيرين، ولم أكن أتصور حينئذ ذلك الذي سيحدث خلال "حرب الفساد" 2013-2015، وهي حرب مستمرة، موضوعها عائدات البترول.
نريد ضمانات أن أحداث جنوب السودان لن تكون في المنطقتين.
...
عشاري أحمد محمود خليل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.