عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
أولا،

(1)
شَكْلَة حرامية. عبر حدود الدولتين. هكذا يتعين علينا أن نفهم الخلاف الأخير بين حكومة جنوب السودان والحكومة الإسلامية في الخرطوم حول قيمة ترحيل البترول عبر خط الأنابيب السودانية. طلبت الحكومة السودانية، قبل أن تبدي أخيرا رغبة في التنازل والمساومة، ما يقال إنه 25 دولارا لترحيل البرميل، وفق اتفاقية سبقية سرية مبرمة لم يتم يوما نشرها بتوقيعاتها، بينما سعر البرميل في السوق العالمي انحدر ليصل 28 دولارا.
أي، إن حكومة السودان أرادت أن يكون صافي عائد البرميل لجنوب السودان تلاتة دولارات، وهي ليست كلها خالصة للبائع، ففيها استحقاقات أخرى. هذا إذا صدقنا الأرقام المتداولة في سياق سياسة التعتيم الخبيثة المضروبة على كل ما يتعلق بالبترول (السر سيد أحمد، المجموعة السودانية للديمقراطية أولا). فالفاسدون يسربون أحيانا أرقاما غير صحيحة.
(2)
صحيح ما جاء في مقال الأستاذ شوقي بدري في سودانايل عن النهب في وضح النهار بواسطة حكومة الإسلاميين. فالحكومة الإسلامية أمرها معروف حكومة حرامية، إسلاميتها وسيلتها الأيديولوجية للنهب ولتسهيله ولتبريره، للتمكين ولتطبيق الشريعة. وهي "حكومة الحرامية" بالتعريف العلمي في دراسات الفساد، الكليبتوكراسي، الفئة الهمباتية التي تستولي بالكامل على أجهزة الدولة وتوظفها للنهب للمصلحة الشخصية، بما في ذلك النهب عبر الحدود الدولية في الحالة مع جمهورية جنوب السودان. بالإضافة إلى غسيل تلك أموال البترول المنهوبة.
ولنتذكر هنا الرسائل في ويكيليكس بين أوكامبو في المحكمة الجنائية الدولية والحكومة الأمريكية عن التسعة بليون دولارا المُدَّعَى أنها كانت في حساب عمر البشير في مجموعة بنك لويد في لندن. رغم نفي البنك بحركة لغوية احتيالية معروفة في لغة المحامين، أنه "ليس لدى البنك أي دليل يشير إلى وجود علاقة بينه وعمر البشير".
ثانيا،
حرامية حكومة جنوب السودان
(1)
إن الأمر لا ينتهي بالتقرير عن همبتة الإسلاميين في السودان. فثابت بقول رئيس جمهورية جنوب السودان سلفا كير إن حكومته هي الأخرى حكومة حرامية. كتب سلفا كير رسائل داخلية وجَّهها إلى 75 شخصا من وزراء وموظفين كبار في حكومته يترجاهم أن يعيدوا الأموال التي نهبوها، وهي بالطبع من عائدات البترول لا توجد عائدات غيرها، مع وعد من سلفا للسَّرَقة أنه لن يحاسبهم إن استجابوا لندائه. وقال في مناسبة أخرى إنه سيترك لهم شيئا لأولادهم مما كانوا نهبوه بقوة العين.
قبلها اشتكى سلفا كير بالكتابة رسميا إلى المجتمع الدولي من أن وزراءه نهبوا أموال البترول. وكتب إلى رؤساء ثمان دول معروف للجميع أن أموال البترول المنهوبة مودعة في بنوكها يطلب منها المساعدة لاسترجاع تلك الأموال. دون جدوى بالطبع. فالدول محل البنوك مستفيدة من فساد قادة جنوب السودان. للاستثمار ولخلق وظائف ولزيادة إنتاجها لخير شعوبها، وللنهب أيضا.
(2)
كانت تقديرات المبالغ المنهوبة من جنوب السودان بالبلايين غير المعروف عددها بالضبط، ذلك خلال فترة وجيزة. حيرت هذه الوضعية مراقبي الفساد في العالم، فوضعوا حكومة جنوب السودان من بين أفسد الدول على وجه الأرض، مع الحكومة الإسلامية في السودان، والإسلامية في أفغانستان، والشيوعية في كوريا الشمالية، والصومال التي ليست دولة من أي نوع.
(3)
لقد كتب عن وقاح فساد جمهورية جنوب السودان الدكتور منصور خالد في كتابه 2015 بالإنجليزية (مفارقة السُّودانَيْن: اتفاقية السلام الشامل والطريق إلى التقسيم). وهو زولهم. وأشار إلى هذا الفساد بتعبير "الفيناليتي venality" في الحياة العامة (ص 426)، الكلمة التي تعني التَّعهُّر في الارتشاء وتشير إلى انعدام النزاهة. وقدم د. منصور خالد قصصا مذهلة عن فساد قادة الحركة الشعبية وعن عدم اكتراثهم للنصائح من هيلاري كلينتون ومن أصدقاء آخرين.
كذلك كتب الأستاذ بونا ملوال قصصا محزنة ومفزِعة عن فساد وزراء حكومة جنوب السودان، في الصفحات الأخيرة من كتابه 2015 أيضا بالإنجليزية (السودان وجنوب السودان: من واحد إلى اثنين).
ونجد فقرات مثيرة للانتباه عن فساد الدينكا، في مقال دينق زكريا ضوم في سودانايل قبل يومين عن مجلس كبار أعيان الدينكا.
(4)
ففساد حكومة جنوب السودان أصبح اليوم من العلم العام. يدور الحديث عنه كما يدور حديث عن مباريات كرة القدم، على سبيل المثال. وبالرغم من تعقيداته المتداخلة مع العرقية ومع تاريخ النضال والاستحقاقات والثقافة السارية، يظل هذا الفساد موضوعا في غاية البساطة لفهمه. فهو لا يعد كونه عمليات نهب مخططة بالقصد الجنائي من قبل عصابات إجرامية، بالتعريف البسيط للجريمة في قوانين جمهورية جنوب السودان، وهي عصابات تعمل في السر وفي وضح النهار، ويبرر أعضاؤها فسادهم  بخطاب احتيالي بائس ذي قاموس، مثل أنهم يساعدون بالفساد مجتمعاتهم العرقية المحلية، وباجترار روايات عن نضالهم وما تعرضوا له من حرمان فلهم استحقاق في أموال البترول.
والبترول هو موضوع الجدل الآن بين الحرامية في الدولتين حول سعر تنقيله لبيعه، ومن ثم للحصول على مزيد عائدات مخطط أصلا لنهبها.
ثالثا،
أهمية النظر الانتقادي في الخلاف بين الدولتين
(1)
عليه، ينبغي أن ننظر إلى الشَّكْلة بين الحرامية في الدولتين عن رسوم ترحيل البترول بطريقة مختلفة تتجاوز التباكي على ظلم الإسلاميين في السودان لحكومة جنوب السودان. ندرك أن الإسلاميين أهل الإنقاذ ميئوس من صلاحهم لا فائدة ترجى منهم. حرامية من بيوتهم، بإقرارهم وباعتراف عرابهم حسن الترابي، وباعتراف كبار مثقفيهم الكتاب الذين أقروا بفساد الحكومة الإسلامية.
لا تفيد الإسلاميين في الإنقاذ هرولتهم المتأخرة لتشكيل مفوضية وقانون لمكافحة الفساد، ولا يجديهم عقد محاضرات، أو استدعاء خبراء من قطر، أو أي كلام فارغ في جامعة النيلين وقاعة الشارقة، وأمم متحدة بورشة عمل عن الحوكمة وزيارات خارجية للقضاة، كله في فترة الوقت الضائع بعد ربع قرن في صناعة الفساد.
كلام فارغ، لأنه كذلك احتيالي يخاتل صُنَّاعُه بالقول الكاذب إن حكومةً فاسدة بصورة هيكلية ومنتظمة يمكن أن تحارب فسادها الذي رعته ونشَّأته وحمته، حتى تصير هذا الصرح الشامخ رمزا للدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة وفق مقتضيات العصر والسياق، فلها مشروع حضاري وإسلام سوداني خاص.
(2)
ما كان من منظر أكثر مدعاة للسخرية بل للضحك مثل منظر رئيس القضاء حيدر أحمد دفع الله في قاعة الشارقة، منجعصا بين محاضرين ليفتي في دور للقضائية السودانية في محاربة الفساد في السودان. ذاتها الشركة لصناعة الفساد تدعي أنها مؤهلة لتقديم إسهام في تنظير مشكلة الفساد.  
كان يتعين على رئيس القضاء أن يتمثل قليل حياء أو فليتصنع الحياء فيبدأ، ولو خداعيا لأغراض العلاقات العامة، بمكتبه وبالعصابات الإجرامية رؤساؤها قضاة رجال ونساء معروضون للبيع في المحاكم بدرجاتها، يعملون مع محامين سماسرة ومع موظفين أنشأوا أسماء أعمال صغيرة لتقديم الخدمات التافهة لصناعة الفساد القضائي.
(3)
لا يضاهي نفاقَ رئيس القضاء حيدر ومراءَه إلا الاحتيالُ في خطاب الإسلاميين القديم عن أن  الحل لمشكلة الفساد هو الإسلام. لكنك تجد الإسلاميين اليوم أقل نفاقا من حيدر، فقد تركوا هذي سيرتهم ذات السخف، بعد أن تبين لهم وللجميع أن دولتهم الإسلامية فاسدة تحديدا لأنها إسلامية، حيث لا تقوم لدولة إسلامية قائمة إلا بالإجرام والفساد. نعرفه من تاريخ الدولة الإسلامية في المكان وفي الزمان، من بدايات ذلك تاريخها إلى منتهاه في أشكال جديدة لمسخها في هذي حكومة المثقفين الإسلاميين المتحالفين مع العسكر.
لا يغير من ذلك أعلاه وجود مسلمين نزيهين في كل مكان، ومنهم من هو نزيه بسبب إسلامه. فالتمييز بين المسلم، من جهة، والإسلامي، من جهة أخرى، جوهري. بعلة الصلة العضوية للأخير بالدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة بطبيعتها. السودان أفضل الأمثلة. بسبب التطبيق الصحيح، لكنه الاحتيالي، للشريعة الإسلامية في نظام الحكم وفي المؤسسات العامة وفي ترتيب الدولة للحياة الخاصة. احتيالي، لأن علة التطبيق الصحيح للشريعة بالامتثال للنصوص الواضحة في القرآن والسنة مشدودة إلى غرض الإسلاميين في استخدام ذلك جهاز الدولة لصناعة الفساد. فنحن أمام فئة شريرة، فئة الإسلاميين، تستخدم اسلاميتها والإسلام وسيلتها الناجعة للإثراء.
(3)
أما قادة حكومة الحركة الشعبية التي تتحكم في جنوب السودان، وعمرهم المهني في الفساد كوزراء وكمسؤولين حكوميين في الدولة الجديدة أقصر من عمر الدهاقنة الإسلاميين في الشمال، فأمرهم مختلف. لأن فساد قادة جنوب السودان هو الأكثر تدميرا لشعب جنوب السودان العراة الحفاة يحصدهم الجوع والمرض والألم بينما يجلسون فوق بحيرة نفط متمددة يذهب ريعها في جيوب المناضلين.
رغم ادعائهم فصل الدين عن الدولة تجدهم هؤلاء المناضلين "إسلاميين" يقحمون أحيانا كلمات يسوع في خطابهم السياسي. ومنهم من يصف نفسه كمسيحي مؤمن. لكني لا أراهم سيحبون أقوال البابا فرانسيس الغاضبة عن أنه "يجب ربط الشخص الفاسد بصخرة وإلقائه في البحر" (كبحر الجبل، مثلا) http://www.independent.co.uk/news/world/europe/pope-francis-corruption-fury-tie-them-to-a-rock-and-throw-them-in-the-sea-8934298.html
وهم، بالرغم من مسيحيتهم لن يعجبهم كلام البابا في كتابه الأخير عن "الطريق إلى التواضع: الفساد والخطيئة". حيث يتفهم البابا الخطيئة، لكنه يدين الفساد بقوة وبعاطفة قوية وبغضب أخلاقي ساطع قلما تجده عند رجل دين، يقول البابا إن ذلك غضبه الساطع سببه خصيصة الخداع التي ينطوي عليها الفساد.
رابعا،
الفضيحة
(1)
قال سلفا كير، الذي يَصدُق القولَ حين يتغلب عليه طبعه البسيط النزيه لكنه خرَّبَه بإطلاق يد زبانيته لتعذيب النوير والانتقام منهم على جرائم ريك مشار في 1991، قال سلفا إن الحرب بين الدينكا والنوير كانت "فضيحة". وهي كذلك كانت في تقديري فضيحة مجلجلة، خاصة وأنها شمَّتت على أهل جنوب السودان أولادَ العرب الذين سعدوا أيما سعادة وهو يرون الجنوب المنفصل يحترق. كان أولاد العرب يصدرون بالشماتة تحت أثر الجرح النفسي الذي سببه لهم الاستفتاء 98% من أهل الجنوب يرفضون قلة أدبهم التاريخية.  
(2)
لكن الفضيحة الحقيقية هي فساد المناضلين قادة الحركة الشعبية. أولئك الذين استحوذوا على جهاز الدولة في الجمهورية البترولية الجديدة. واتخذ فسادهم أشكالا مفظِعة فاقت حد الخيال، بعد الاستقلال مباشرة، مما أشار إليه منصور خالد وبونا ملوال ودينق زكريا أعلاه.
مادية هذه الفضيحة متمثلة في أن تضحيات شعب جنوب السودان في مقاومته الاستعمار الإسلامي العربي العنصري ما عادت تعني شيئا لدى هؤلاء المناضلين قيادات الحركة الشعبية المتنفذين.
(3)
فجأة، مع تدفق أموال البترول، نسوا أفاعيل أولاد العرب الماكرين بأهل جنوب السودان، أزهري، عبود، النميري، الصادق المهدي، الترابي، وعمر البشير، وزبانيتهم. وتناسى هؤلاء القادة تاريخ مقاومة شعب جنوب السودان، بقبائله الخمسين أو هي الستين ويزيد، ضد الغزوات العربية لاستجلاب الرقيق ولنهب الموارد بواسطة تجار الخرطوم والزبير باشا رحمة. ومسحوا من الذاكرة صورة الأجانب اللصوص من مصر الخلافة الإسلامية، وصور  الخواجات شذاذ الآفاق من بريطانيا العظمى.
جميعهم، هؤلاء الهمباتة المتجولون والمقيمون، مروا بجنوب السودان، تحديدا لنهب الموارد، العاج، والذرة، والأطفال والنساء، والرجال، والأخشاب، لم يتركوا شيئا إلا نهبوه، وأذلوا شعب جنوب السودان واقترفوا مذابح لا تعد ولا تحصى.
ظلت الحلقات الفسادية الإجرامية متصلة. وظلت الأفعال والسلوكيات النهبية يعاد اقترافها ضد شعب جنوب السودان الصابر. منذ منتصف القرن التاسع عشر، وحتى يومنا هذا. اليوم، بواسطة الهمباتة الجدد أبطال حرب استقلال جنوب السودان.  
هذه هي الفضيحة الحقيقية.  
خامسا،
استعادة الأرصدة المنهوبة
(1)
كان يتعين على  قادة جنوب السودان، أولا، قبل المفاصلة في سعر ترحيل البترول، أن يبينوا بطريقة واضحة قابلة للاستيثاق منها أنهم لن ينهبوا أيضا حفنة الدولارات المتبقية من ثمن بيع كل برميل يتم ترحيله عبر أنابيب حكومة الحرامية في الشمال التي كانت في البداية تطالب بـ 25 دولار أو ما شابهها لضخ كل برميل.  
لا يكون تبيان قادة جنوب السودان مصداقيةً ليست لهم إلا بأن يعيدوا أولا لشعب جنوب السودان جميع الأرصدة المنهوبة، تلك التي استولى عليها الوزراء وكبار الموظفين وموظفو الحزب الحاكم والمحاسيب وأصحاب الشركات المحتالة من كينيا ويوغندا والسودان ومن دول أخرى.
(2)
ودونك الدولة اللصة، الصين، التي تتمسكن لا يرِد اسمُها في كل هذا الجدل عن الفساد في جنوب السودان. نموذجها التجاري في أفريقيا إفساد الحكام وتسهيل إخفاء الأرصدة المنهوبة، مع التصنع أن الأمر لا يعنيها، لسان حالها يردد بالمكر إنهم أفارقة حرامية فما نفعل نحن الصينيين معهم؟
والصين هي الدولة العظمى الأهم في جنوب السودان، وليست بعيدة عن هذا الفساد الأفريقي. مثالا ما يرد في كتاب منصور خالد عن فساد صيني بشأن عقد شركة الاتصالات مع التاجر السوداني (ص 431). والأمثلة عن فساد دولة الصين منثورة في عرض أفريقيا وطولها.
(3)
إنه ذاته الفساد الذي بيده الشريرة قتل وعذب ونهب واغتصب وجند الأطفال في حرب رياك مشار، وذاته الذي يظل يدمر البيئة الطبيعية في جنوب السودان.
ومع ذلك، قال البروفيسور محمود مامداني الخبير الدولي المفضل لدى الاتحاد الأفريقي في تقريره المنفصل عن نزاع جنوب السودان إنه لابد من "حلول أفريقية للمشكلات الأفريقية"، بدون محاسبية جنائية، بحساسية للسياق، يعني أفريقيا هي كدة، مشاعر وعواطف وأوضاع خاصة، وكلامات من هذا النوع.
سادسا،
استحالة تعاون الحرامية في رد المال المسروق
(1)
ندرك أنه من ضروب الاستحالة الوقائعية والمنطقية أن يعيد الوزراء وكبار المسؤولين الحكام في جمهورية جنوب السودان من تلقاء أنفسهم ما نهبوه من أموال البترول. لن يفعلوا هذا أبدا. تحديدا، بسبب استمرار وجودهم كأشخاص فاعلين في التركيبة الحكومية وفي الحزب الحاكم وفي مليشيات الجيش الشعبي، وفي مجلس أعيان الدينكا (مقال دينق زكريا ضوم). لا يهم أنهم ذات القادة الذين كانوا اندرجوا بثقلهم في الحرب الأخيرة، حرب رياك مشار أو هي الحرب بين الدينكا والنوير، وسببوا الألم الفظيع لمواطني جنوب السودان، والآن يريدون فرصة جديدة.
(2)
لقد ضمنوا استمرارهم في الحكم، بالرغم من الجرائم العالمية ذات البشاعات، ضمنوا الإفلات من العقوبة وفق بنود  اتفاقية السلام الاستعمارية التي صممتها الإيقاد بدعم الترويكا. وهم القادة الذين وقَّعوا على الاتفاقية ظلوا يتشنجون يمعِّطون شعورهم في الظاهر، بينما في الباطن يقهقهون سعداء لا يصدقون أن الأمور عادت إلى نصابها، لا تبق لهم إلا تسويات بسيطة مع أنفسهم عن توزيع الوظائف، ومن ثم يتدفق البترول وتندفق الدولارات. وهم في حالة إنكار للرعب من شبح المحكمة الهجين.
(3)
فبهذه الاتفاقية الاستعمارية بعد حرب رياك مشار استعادت القوى التي نهبت أموال البترول أنفاسَها، وهي اليوم تسعى حثيثا إلى الاتفاق السياسي المُسرَّع، تعرف أن الاتفاق السياسي بين الأعداء الذين لا يطيق أي منهم الآخر سيتيح للجميع معاودة ذات النهب، بطريقة محترمة شوية. مع بضعة حركات للتمويه بأنه يوجد بينهم خلاف. وكذا سيتعاونون على تقتيل فكرة المحكمة الهجين. نعمل عدالة تصالحية، بمفهومهم، سيقولون.
(4)
فانظُرْ غيابَ موضوع استعادة الأرصدة المنهوبة من عائدات البترول، غيابه من أجندة الانتقال مما بعد حرب رياك مشار والحملات التأديبية ضد النوير بواسطة مليشيات سلفا كير، إلى الوضع الانتقالي المرغوب بشدة. بينما كان الفساد المتعلق بعائدات البترول هو السبب الجوهري الأساس لحرب مشار أصلا، بمجرد حرمانه من وظيفته في جهاز الدولة كنائب الرئيس، وتداخل النزاع مع اتهام سلفا كير لمجموعة "المعتقلين" بالفساد.
(5)
وانظر أيضا كيف يتجنب قادة جنوب السودان، جميعهم بدون استثناء، أيَّ ذِكر للمحكمة الهجين اللعينة، تلك التي تم فرضها عليهم فرضا من الدول الأفريقية الاستعمارية في جماعة الإيقاد، مثلها مثل الاتحاد الأفريقي تحالف قادة أفريقيا الطغاة الفاسدين. لم تفرض الإيقاد المحكمة الهجين على جنوب السودان إلا امتثالا لرغبة دول الترويكا (أمريكا إنجلترا النرويج) التي لا تريد ان تدفع مئات الملايين لإطفاء حرائق جنوب السودان المتجددة.
تتصنع الترويكا العفة بخدعة المحكمة الهجين التي لن تكون. تتصنع أنها كدول غربية محترمة لا تساوم بشأن الجرائم ضد الإنسانية المقترفة في جنوب السودان، وأنها  لن تقبل إفلات الجناة من العقوبة على مثل هذه الجرائم. وكله محض خداع واحتيال على مستوى عالمي.
(6)
أسَمِعْتَ يوما أيا من هذي دول الترويكا أمريكا النرويج بريطانيا، أو دول الإيقاد أو دول الاتحاد الأفريقي، أو منظمات الأمم المتحدة، تُذَكِّر قادةَ جنوب السودان بالمحكمة الهجين التي لها موقع محوري في اتفاقية السلام الاستعمارية؟
أسمعت الوسيط الأفريقي يقول بِغِمْ عن المحكمة الهجين؟ ستكون تلك نهاية وظيفته إن هو تجرأ على مجرد نطق حرف الميم أو الهاء.
(7)
وحتى اليونيسيف سكتت ساكت عملت ما فاهمة، لا تريد تضييع العقود المالية الضخمة بإثارة حساسية سلفا كير بموضوع محاسبة الذين أجرموا في حق الأطفال. ولحست اليونيسف كل كلامها عن أن تجنيد الأطفال الذي كان ممارسة ثابتة عند رياك مشار جريمة عالمية لا تتهاون اليونيسف إزاءها. ونسيت اليونيسيف أمر الجرائم الخطيرة المقترفة من جنود رياك وجنود سلفا ضد الأطفال، خاصة الفتيات.
والبينات لإثبات هذه الجرائم موجودة في تقارير اليونيسيف التي تم تدبيجها أثناء دوران حرب الفظاعات، حين كانت موضة المنظمات الدولية هي المغالاة في الحديث عن إجرام الطرفين أثناء حربهما، كذلك لاستدرار الموارد لمشروعات المنظمة.
مباشرة بعد توقيع الاتفاقية تغيرت رسالة اليونيسف، وتم تغييب خطاب المنظمة المعروف عن المحاسبية على الجرائم ضد الأطفال، وتم إحلال خطاب إعادة التأهيل والدمج وتقديم الخدمات والعلاقات العامة لأغراض التمويل، وبقية اللغة المعروفة.    
سابعا،
في وقاحة المحكمة الهجين
(1)
يكره قادة جنوب السودان "المحكمة الهجين" وسيرتها التي لم يتجرأ أحد منهم على الإتيان بها، بسبب خوفهم من المساءلة عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والأفعال الإبادية الجماعية، تلك التي خططوا لها وأعدوا ونفذوها، تحت إمرة القائدين سلفا كير ورياك مشار. لكنهم  يكرهون هذه المحكمة أكثر وبالدرجة الأولى بسبب أن من اختصاصها أن تنظر في استعادة الأرصدة المنهوبة.
فلا شيء يثير القلق والخوف بل يثير الرعب في أوصال الأفراد في الفئات الحاكمة الفاسدة أكثر مما يثيره مجرد التلويح من بعيد بشبح التجريد من الأرصدة المنهوبة، بسلطة القانون.
(2)
هؤلاء القادة مستعدون اليوم لفعل كل شيء في الدينا مهما كانت بشاعته أو عدم أخلاقيته، بما في ذلك إشعال حروب صغيرة واضطرابات واغتيالات هنا وهناك، ليتجنبوا قيام هذه المحكمة الهجين اللعينة في أرض جنوب السودان، هذه الأرض المحظوظة بثرائها محسودة عليه لكنها المنحوسة بتكالب الهمباتة من كل جنس وشكل، من السودان إلى الصين، ومن يوغندا وكينيا إلى فنادق العاصمة جوبا وبيوتها الفاخرة الجديدة، تكالبهم على موارد جنوب السودان فوق أرضه وتحتها يريدونها لأنفسهم ولأولادهم حصرا، دون بقية شعب جنوب السودان.
(3)
إن كل المناورات السياسية في جوبا وباقاك عاصمة رياك مشار وأشكال المراوغة من قِبل السياسيين والقبيليين والحزبيين والعسكريين  التي نشهدها حاليا في جنوب السودان مشدودة إلى الرعب من المحكمة الهجين. يزحمون الساحة بموضوع فارغ عن عدد الولايات، 10ولايات؟ أم  21 ولاية، أم 28، أم 60، أم 70؟ نعم هذه هي الأرقام المتداولة. لكي ينصرف الانتباه عن موضوع المحكمة الهجين الخطيرة.
(4)
فالمحاكمة على الجرائم الثابت اقترافها، وخطرها ماثل، تتهدد القادة بالحرمان من الاستمتاع بالأموال المنهوبة ومن مزيد نهب متجدد. خاصة كبار المسؤولين المتورطين مباشرة في الحرب بين الدينكا والنوير، حرب رياك مشار. أولئك الذين كانوا ضالعين في مخطط إجرامي مشترك، في لغة القانون الجنائي الدولي، كل من موقعه ولأغراضه.
وستطالهم المسؤولية الجنائية بالرغم من ابتعادهم الجغرافي من محال جرائم القتل العمد والتعذيب وتجنيد الأطفال والاغتصاب وتدمير مقومات الحياة. ذلك بعلة عقيدة "مسؤولية القيادة"، في ذات فقه القانون الجنائي الدولي. هذا إذا قامت لهذه المحكمة الهجين قائمة، ولن تقوم لها قائمة.
(4)
كما أسلفت، لا يثير حفيظة قادة جنوب السودان شيء كما تثيرها وقاحةُ هذه المحكمة الاستعمارية أنه يجوز لها أن تنظر في استعادة الأرصدة البترولية المنهوبة. وذلك جاء مكتوبا في الاتفاقية التي ارتضوها. ارتضوها  فقط لأنها كانت شيئا أفضل من لا شيء، ولأنها كانت تعطيهم فرصة تانية لمعاودة النهب.
فأموال البترول لا يوجد غيرها أصلا كمورد دخل في جنوب السودان. يرددون استحياءً، وراء تقرير وكالة المخابرات الأمريكية، أن عائدات البترول تشكل 98% من الدخل القومي، والصحيح هو  100%.
ثامنا،
مبادرة عمر البشير للاتفاق على أي سعر
لقد سمعنا وقرأنا عن مقاربة عمر البشير لاتفاق أخوي بين الحكومتين الصديقتين، حين أبدى استعداده لإعادة النظر في رسوم ترحيل بترول جنوب السودان. بعد التصريحات التخويفية من وزيره المتشدد بحرفية نصوص الاتفاقية المبرمة سبقا. وبعد التهويش من النظراء في جوبا أنهم سيسمِّمون البئر التي يغترف الطرفان من فسادها، وأنهم سيوقفون إنتاج البترول.
كان مفهوما ومتوقعا أن الحرامية سيتفقون. والحرامية عقلانيون يتفقون دائما. فهذه القيادات الفاسدة في الخرطوم وجوبا لها مصلحة مادية شخصية في معاودة ضخ البترول عبر الأنابيب السودانية. بأي ثمن، مهما كان. حتى دولار واحد لترحيل برميل أو لبيعه ما بطال. حيث لا مبادئ هنا، ولا هم بحقوق لشعب البلدين، ولا معايير، ولا إسلام محمد أو  مسيحية يسوع ولا دين أفريقي بأي شكل، بل أخلاق سوق وعمل عصابات إجرامية.
فاقرأ التقارير من كل نوع عن فساد جمهورية جنوب السودان، أفضلها كتاب منصور خالد وكتاب بونا ملوال، يتفق المؤلفان في إعجابهما بسلفا كير وفي احتقارهما لرياك مشار، خاصة بونا ملوال الذي كتب عن رياك ومذابحه ما كتب. لكن المؤلفين يقولان العجب عن عجب فساد حكومة سلفا.
تاسعا،
الأمل
(1)
أمام هذه الصورة القاتمة، لابد من التفكر في حلول لا تمر عبر بوابة اللصوص أو عبر الحواجز التي يقيمها الهمباتة المرابطون في مساحات الحكومة في جنوب السودان. ولا يجوز أن نفكر مجرد تفكير في دور للعصابات الحكومية تضطلع به لمحاربة الفساد. ويتعين أن ننسى جميع الخزعبلات عن قانون، أو مفوضية، أو لجنة، أو ورش عمل، أو توعية، أو بناء قدرات، أو بحث في مظان الدين أو العقيدة من أي نوع لمحاربة الفساد.
(2)
يتمثل الأمل في المقاومة الشعبية ضد الفساد. بأن ندعم أهل جنوب السودان ضحايا الفساد، وأن نظل ندعمهم دائما دون أي تردد، بأن نقف ضد الفساد في الدولتين، في ذات الأوان. وأن نصمم على وضع الفساد على رأس أجندة المقاومة بشأن كل واحدة من الدولتين.
الفساد معرَّفا إيجابا وعمليا بترياق سُمِّه، بالمقاومة الفاعلة لتجريد الحرامية من ممتلكات الشعب ومن موارده التي سرقوها. بإنشاء حركة، أو حركات صغيرة مستقلة تتعاون، جنوبية شمالية، في كل مكان بمبادراتها المحلية، تعمل في العلن لمقاومة الفساد.
ذلك أن مقاومة الفساد في الدولتين مجال للتعاون وللتفكر أيضا في مثل برنامج موضوعه الوحيد استعادة الأرصدة المنهوبة بواسطة الحكومتين وأعوانهما المحليين والدوليين. وهو عمل تحقيقي توثيقي لا يكتمل بصورة منتظمة إلا بتضافر الجهود بين المثقفين المهمومين في الدولتين وفي دول المهجر، وبالعمل مع جهات الخبرة والمنظمات الدولية، بنَفَسِ طويل على مدى الأعوام العشرة القادمة. وسيأتي وقت يتداخل مثل هذا النشاط مع التطورات التي قد تحدث على الصعيد السياسي.
(2)
وهنالك تقنيات أخرى للمقاومة، أشدها خطرا على الفاسدين تخريب مشروعاتهم للإفساد في سياق دورانها. مما يكون بالملاحقة والمتابعة والتحقيقات والنشر وفضح الأسماء بواسطة الحركيين وبعرضهم أمام جمهور جنوب السودان آثار الثراء الفاحش بالمال المسروق. وبالتحريض على ملاحقتهم من قبل النيابة وفي المحاكم الوطنية.
ذلك قبل أي حديث عن مصالحة أو عفو أو غفران أو نسيان ماض، وقبل أي حديث عن غيرها من خدع العدالة التصالحية التي قلب دلالتها قادة أفريقيا الفاسدون الطغاة الماكرون لصالحهم.
بالطبع يريد سرَقة المال العام عفوا شاملا يمسح من الأوراق سجل جرائمهم في مجال صناعة الفساد. تماما كما يريدون في "الشمال" وفي "الجنوب" عفوا شاملا يمسح ماضيهم في اقتراف المفظِعات المكيَّفة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وكجريمة الإبادة الجماعية.
(3)
أتحدث عن الضحايا في  دارفور، ومنطقة جبال النوبة، ومنطقة النيل الأزرق، وجنوب السودان مكررا قبل استقلاله وبعده. كلها مسارح للجرائم العالمية مقترفوها متربعون اليوم على سدة الحكم في الدولتين، عمر البشير الذي ضيع فرصته في الإشاحة عن جرائمه الإبادية في دارفور في حال كان غير أخلاقه واعترف بالبشاعات التي اقترفها، وفي حال كان انزوى معتكفا في حلة ود بانقا ولم يرشح نفسه لولاية جديدة على نهج طغاة أفريقيا المُكنكِشين. لكنه أبى وتجبر وطغا. فلا يلومن إلا نفسه.
والبقية معروفون، منهم من هو في  المعارضة، أتحدث عن الصادق المهدي وعن مذابح قواته المسلحة وأعوانه القبيليين بتاعين المليشيات أثناء حكمه الدكتاتوري تحت غطاء الديمقراطية، وعن حسن الترابي وجميع المسؤولين الذين تركوا حكومة الإنقاذ  وأيديهم ملطخة بالدماء. وأتحدث عن حركة العدالة والمساواة المعروفة أفعالها الإجرامية في بانتيو، لم تنفها حتى هذا اليوم والسكوت إقرار. ولهذي مسارح الجريمة امتدادات في مساحات إضافية.
(4)
إن للفساد في الدولتين ارتباطا عضويا بالمفظِعات المكيفة جرائم عالمية. ومن المفارقة أن اتفاقية الإيقاد الاستعمارية وضعت الفساد في معية الجرائم العالمية كاختصاص للمحكمة الهجين. وهو تكييف صحيح. وكأنها أدركت بالتلقين من الترويكا أن الفساد المتمثل في نهب أموال البترول كان السبب الأساس في اقتراف الجرائم العالمية الثلاثة التي حددتها الإيقاد للمحكمة الهجين.
(5)
والارتباط ذاته بين الفساد والجرائم العالمية قائم في أشكاله الحداثية في الدولة الإسلامية في السودان. حيث يريد الإسلاميون بالإبادة التي خططوا لها في دار فور ونفذوها، ويريدون بالمفظِعات والبشاعات الإبادية في المنطقتين ردع كل تحد يهدد استحواذهم الكامل على جهاز الدولة. فجهاز الدولة هو الوسيلة الوحيدة لصناعة الفساد، في الدولة الإسلامية، وفي كل دولة فاشلة.
عاشرا،
يجب أن لا نذرف دمعة واحدة للتعاطف مع الحكومة الفاسدة في جوبا التي ظلت تتعرض للابتزاز والنهب في مجال البترول من قِبل مثليتها الحكومة الإسلامية الفاسدة في الخرطوم، منذ الاستقلال وقبله.
فما كانت عائدات البترول مخصصة أصلا لتعليم أو لصحة أو لأمن غذائي لمواطني جنوب السودان، لتستحق حكومة جوبا مناصرة انفعالية بدموع. تلك كانت مجرد شكلة حرامية في المنطقة العبر حدودية. بينما موضوعنا الأساس مقاومةُ الفساد في الدولتين.
...
د. عشاري أحمد محمود خليل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.