عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
أولا،
مخاوف رييك مشار وسلفا كير من المسؤولية الجنائية عن الجرائم العالمية
(1)
سيكون رياك مشار تينج ذورغون وسلفا كير ميارديت وأعوانُهما أول من سيتم تقديمه إلى المحاكمة، في حال تم إنشاء المحكمة الهجين للنظر في جريمة الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب في جنوب السودان. بالإضافة إلى أن المحكمة الهجين "يجوز" لها، كما قرر الاستعماريُّ الأفريقيُّ الجديد المتمثل في الإيقاد خادِمة الترويكا (أمريكا وانجلترا والنرويج)، يجوز للمحكمة أن تنظر في استرداد الأرصدة المنهوبة وإعادتها لأصحابها ولحكومة جنوب السودان.
الذي أراه هو أنه لا يمكن أن ينجو مشار أو سلفا بجِلدهما بينما تتم محاكمة أسماكٍ نهرية متوسطة الحجم أو صغيرة، في هذه المحكمة الهجين إن تم إنشاؤها في جنوب السودان من قبل الاتحاد الأفريقي.
وسنرى إن كانت الحكومة الانتقالية في جوبا ستمتثِل للتوجيه إليها من الإيقاد بالبدء في الترتيبات التشريعية لإنشاء هذه المحكمة الهجين (في معية تشكيل مفوضية الحقيقة والمصالحة، وصندوق التعويضات للضحايا). سيكون لحزب سلفا كير ولرياك مشار مجالٌ واسع للمراوغة والتحايل لإعاقة سن التشريعات الضرورية لإنشاء المحكمة. وحتى إذا تم قسرُهما ليقسِرا بدورِهما نُوَّابَ البرلمان الصامتين على سن التشريعات المطلوبة، يظل لديهما المجال واسعا لاستصدار تشريعات تعويقية، ولإضافة موادٍ وإزلاق عباراتٍ لغوية ستُغضب الترويكا لكنها ستلقى تفهما "سياقيا" من سدنة الاستعمار الأفريقي الجديد في الإيقاد أو في الاتحاد الأفريقي.  
فهذه المحكمة الهجين إن تحققت ستختلف عن مثيلاتها في تيمور الشرقية وكوسوفو وسيراليون وكمبوديا وربما العراق. حيث لم يكن للمتهمين بالجرائم العالمية في تلك الدول من وجود فاعل في السلطة السياسية، وكان النظام القديم تم دحره وإن بقيت بعض عقابيلة موجودة. بينما في جنوب السودان، نجد النظام بأكمله الذي اقترف الجرائم العالمية، وتسبب فيها بسلوكياته الفسادية، موجودا حاضراً وفاعلا بل ومسيطرا على الحكومة الراهنة، وكذا مضمونةٌ سيطرتُه على الحكومة الانتقالية القادمة.
الآن يطلُب الاستعماريون الأفارقة الجدد من القادة المُتَّهَمين ذاتهم ومن حزبهم حزب الحركة الشعبية التعاون بأن يسِنوا قوانين لمحاكمة أنفسهم. وهي كذبة أفريقية معروفة، كله خداع وتدليس من  قبل الإيقاد والاتحاد الأفريقي، تتنوع الأشكال والدوافع والأسباب بينما المشروع الاحتيالي هُوَ هُوَ.
فأرى أن يرفض المثقفون في جنوب السودان هذه المحكمة الهجين، وأن يضغطوا في اتجاه إنشاء محاكم وطنية في مؤسسات عدلية مجدَّدة ومُفَعَّلة تطبق القانون الوطني والقوانين العرفية المحلية. في سياق عملية للتغيير الحقيقي في جنوب السودان تتجاوز الأطر التي حددها الاستعماريون الجدد وبالطبع قبلتها بالمكر راضيةً وسعيدةً الطبقةُ الحاكمة من زملاء النضال قادة الحركة الشعبية/الجيش الشعبي التي كانت أصلا عملت كل ما في وسعها للنهب، وفي سبيل النهب دمرت جنوب السودان لم تُبقِ فيه إلا آبار البترول، وتريد بالاتفاقية الجديدة مواصلة ذات النهب الذي كانت تمارسه.
(2) التمييز بين رياك مشار وسلفا كير
(أ)
فلأن هذا المقال عن رياك مشار، أبيِّنُ موقفي، أني أميِّز بين رياك مشار وسلفا كير، رغم أن كليهما مسؤول أخلاقيا وقانونا عن الجرائم العالمية التي اقترفتها قواتهما. أرى أن رياك مشار يظل المسؤول الأول عن أفظع الحروب الداخلية في جنوب السودان، وعن تدمير العلاقات المجتمعية بين قبيلتي النوير والدينكا وهما في نهاية الأمر مجموعة إنسانية واحدة، بل "قبيلة" واحدة في الأصل تفرعت عبر تاريخ ليس ببعيد.
أما سلفا كير، فأراه القائد التراجيدي الذي أنهى حياته البطولية والتقشفية أسوأ نهاية. حين خطط بسوء التقدير  للعدوان على النوير في جوبا، بحجة لزوم ضربة استباقية تمنع تكرار مذابح مشار ضد الدينكا في 1991، وحين أعد سلفا كير ميليشيا سرية علنية خاصة من "الكَنَّاسين" الذين نفذوا عمليات التقتيل ضد النوير في جوبا. ثم تستر سلفا كير على هذه المذابح وعمليات التطهير العرقي التي شاركت في تنفيذها أيضا قوات الجيش الشعبي الموالية له ضد النوير في جوبا، مما يدل عليه مصير لجنة التحقيق التي شكلها سلفا برئاسة قاض وانتهت إلى لا شيء، ويُثْبِتُه أيضا إعلان سلفا كير في 24 فبراير 2015 العفو العام عن "جميع الذين يرفعون راية الحرب على الدولة"، ولابد هو يقصد بالدرجة الأولى العفو العام عن جنوده ومنسوبي جهاز الأمن والشرطة الدينكا الذين اقترفوا جرائم، وبينهم أشخاص كان سلفا أمر بتاريخ 24 ديسمبر بإلقاء القبض عليهم بسبب الجرائم التي اقترفوها في . مما هنأته عليه هيلدا جونسون مديرة برنامج الأمم المتحدة بجنوب السودان التي قالت في مؤتمرها الصحفي بعد يومين من الإعلان إنه "من الضروري محاسبة مقترفي انتهاكات حقوق الإنسان"! وكله تبين محض هراء.
(ب)
فسلفا كير مسؤول أخلاقيا، حتى إذا كان فعلا لاح له شبحُ مذابح رياك مشار ضد الدينكا في 1991، وحتى إذا كانت روايته عن الانقلاب صحيحة. فوظيفته كرئيس للجمهورية كانت تلقي على عاتقه التزامات وواجبات لا يمكن له الفكاك منها، في جميع الأحوال، ومهما كانت الأحوال. وهو فشل. حين  تقاعس عن التحقيق أو إنزال العقوبة على الكنَّاسين وعلى جنوده الذين نفذوا تلك الجرائم في جوبا، وحين أشاح بنظره عن لزوم معاقبة الجنود الذين كان أرسلهم في حملات انطوت على فظاعات انتقامية ضد النوير في المدن التي تم نزعها من مشار.
ولم يمنع سلفا كير الجيش اليوغندي الأجنبي من استخدام الذخائر العنقودية ضد المتمردين والمواطنين المدنيين. كما استخدم المرتزقة من حركة العدل والمساواة الذين نهبوا مستشفى بانتيو وفق تقرير الأمم المتحدة. مرتزقة، بالدرجة الأولى بسبب أفعالهم الإجرامية في بانتيو، الأفعال التي لم ينفوها ولم يعتذروا عنها. مثلهم مثل مرتزقة المسيرية الذين استخدمهم مشار. فلا يلومن إلا أنفسهم الآن أن الاتفاقية الاستعمارية الجديدة التي وقَّع عليها ممولُوهم تطلب طردهم من جنوب السودان.
(ج)
بالإضافة إلى أن سلفا كير ظل رئيسا لأكثر الحكومات فسادا في العالم، رغم أنه كان أول من تحدي جون قرنق بشأن بروز الفساد ونهب الموارد المالية من قبل مسؤولين في الحركة الشعبية (كتاب منصور خالد الجديد)، وثابتة مساعيه الضعيفة، والساذجة لكنها العقلانية في مكر، لاسترداد الأموال المنهوبة بواسطة أقرب الأقربين إليه، أعضاء حكومته. وفوق ذلك كله، كان فساد حكومة سلفا كير السبب التحتي الأساس، والسبب المقارِب بل المباشر، لكارثة العنف الجماعي الأخيرة. فأية مأساة أخلاقية أنهى بها سلفا كير حياته السياسية!
(د)
بالمقارنة، ليس لرياك مشار من تاريخٍ في جنوب السودان، ولم تعرف مغالبته إعضالا مؤرِّقا فكبا مما ثد يجعله شخصية تراجيدية، لنتعاطف معه. وليس في سجله ما يُزكِّيه أو يخفف من مسؤوليته الجنائية الموضوعية أو يخفف من لزوم اتخاذ موقف أخلاقي صارم ضده. لا نحتاج لمحكمة، يكفي التاريخ الثابت، والممارسات الخطابية المكتوبة والمسجلة صوتا وصورة. فمعروفةٌ محاولات رياك مشار الانقلابية، وثابتٌ تعاونُه اللصيقُ مع العدو العربي الإسلامي المتمثل في عصابات الإسلاميين في السودان ضد نضال شعب جنوب السودان. وهنالك ممالأته ذات الأشكال المتعددة للمنظمات الطوعية بأجندتها، ولها أجندة دائما. وثابتةٌ تلك المذابح التي خطط لها رياك مشار وأعد لها ونفذها ضد الدينكا في العام 1991.
كذلك يَخرج رياك مشار من دائرة المقارنة الأخلاقية مع سلفا كير بسبب عودِه مجدداً في العامين 2014-2015 إلى اقتراف ذات جرائمه العالمية السابقة ضد المدنيين، وبسبب الآثار المدمرة التي نتجت عن تمرده على الحكومة الدكتاتورية الفاسدة بحرب شاملة، بدلا من اتخاذ وسائل ديمقراطية سلمية قانونية. ومن نتائج هذي حرب مشار الأخيرة تشريدُ أكثر من مليوني شخص، وازدياد معدلات وفيات الأطفال، وسوء التغذية، والأمراض، وإغلاق 70% من المدارس، وزيادة حدة التوترات البين قبيلية بصورة تجاوزت نزاع النوير والدينكا. ودونك آلاف الضحايا الذين فقدوا أرواحهم، وأولئك الذين أصابتهم الإعاقة الجسدية أو النفسية.    
ثانيا،
اتفاق مشار وكير في رفض المحكمة الهجين
(1)
بالرغم من أن سلفا كير ورياك مشار سيظلان على طرفي نقيض حول كل شيء، بما في ذلك في الشَّكْلة بسبب تعيين الـ 28 حاكما للولايات المرسومة حديثا، إلا أنهما متفقان حول استراتيجية موحدة ذات شقين بشأن المحكمة الهجين: (1) منع إنشاء هذه المحكمة اللعينة و(2) التغطية على الجرائم العالمية المقترَفة.
كانت الإيقاد، صاحبةُ فكرة المحكمة الهجين في اتفاقية السلام التي وَقَّع عليها رياك مشار ثم سلفا كير صاغِرَيْن، مدفوعةً من الخلف بمسدس مثبت من تحت عباءة الترويكا أمريكا وانجلترا والنرويج، مع الإغراء الفسادي بأن الترويكا ستمِّول هذه المحكمة الهجين، مما سيتيح فرصة للفسادـ كما حدث في محكمة رواندا في تنزانيا، رغم الفرق الجغرافي والتكويني بين المحكمتين، حيث كانت محكمة رواندا فاسدة حتى النخاع، مما تم إثباته في تقرير المراجعة من قبل الأمم المتحدة 1997. وسيكون الفساد مصير المحكمة الهجين، بسبب استشراء الفساد في الأغلبية العظمى لقضائيات أفريقيا التي ستمد المحكمة بالقضاة المرشحين منها بالتزكية من الحكومات الأفريقية الفاسدة. وهو فساد سيدور تحت ستار الشعار المعروف عن "استقلالية المحكمة" لتدير شؤونها المالية بالطريقة التي تراها، فما على الترويكا والاتحاد الأفريقي وحكومة جنوب السودان إلا الدفع وترك المحكمة تقرر أين تذهب الأموال المقدمة.
إن قبول الإيقاد اختصاصَ المحكمة ليكون النظر في "جريمة الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب" من الغرائب. فهذي ليست لغةً "إيقادية"، حين نتذكر أحد قادة الإيقاد عمر البشير، على سبيل المثال المتهم بذات هذه الجرائم ويظل مفلتا من العقوبة محميا بواسطة ذات الدول أعضاء الإيقاد. وهي ليست لغةً "أفريقية"، وأمامنا سجل أغلب دول الاتحاد الأفريقي المُخجل في امتهان حقوق الإنسان، ودونك موقفها "العقلاني" إزاء المحكمة الجنائية الدولية ودفاع الرؤساء عن زملائهم المتهمين بالجرائم العالمية، يدركون أن الأمر قد يطالهم يوما.
(2)
عليه، لن يقبل سلفا كير إنشاء المحكمة الهجين ولن يتعاون معها. وهو أصلا بدأ في إعلان رفضه للاتفاقية، بالتحفظات وبخطاب واضح قال فيه للمجتمع الدولي إنهم لا يفهمون شيئا. وسيتفق رياك مشار مع كير في رفض إنشاء هذه المحكمة، مما كذلك واضح من خطاب رياك. وسينسق رياك وسلفا جهودَهما لمنع إنشاء هذه المحكمة الهجين، خلال الفترة الانتقالية.  وسيَعِدُ كل منهما الآخرَ بأنه إذا فاز في الانتخابات الرئاسية، وتم إنشاء المحكمة غصبا عنهما،  لن يرسل زميلَه إليها، وسيحيطه بعفو رئاسي، بحجة تاريخ في النضال لنيل الاستقلال وبحجة أهمية الاستقرار، بلا عدالة بلا كلام فارغ.
ولأن سلفا ورياك يعرِفان أن الدنيا ما معروفة، وقد تصبح المحكمةُ حقيقةً في مكان ما في دولة جنوب السودان، وقد تأتي الفترة الانتقالية والانتخابات بمفاجئات، بدآ بالقصد الواعي في تثبيت روايات زائفة لنفي أي دور لهما في الجرائم التي اقترفتها القوات والميليشيات القبيلية تحت إمرة كل منهما ضد المدنيين.
ثالثا،
بيان رياك وتقديمه نصف الحقيقة
(1)
في هذا المقال، أركِّز على جهود رياك مشار لمنع قيام المحكمة الهجين، وعلى جهوده للتنصُّل من كل مسؤولية جنائية عن استهدافه المدنيين في سياق الهجوم المنظم واسع النطاق في ولايات جونقلي والوحدة وأعالي النيل، استهدافه لهم بالمذابح والأفعال الوحشية الإجرامية الفظيعة التي اقترفتها قواته.         
قبل أسبوعين، أصدر رياك مشار، من موقعه كالقائد العام لقوات الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان (الجيش المنفصل الموازي، في المعارضة)، وهذه القوات عبارة عن ميليشيات من الضباط والعساكر النوير السابقين في جيش جمهورية جنوب السودان ومن الجيش الأبيض، أصدر مشار من ذلك موقعه بيانا بالإنجليزية، التي لا تقرأها إلا قلة معدودة من أهل الجنوب، من صفحتين ونصف الصفحة. بمناسبة ما أسماه "الذكرى الثانية لمذبحة جوبا" (15 ديسمبر 2013).
قدم مشار روايته بنصفِ الحقيقة، ونصفُ الحقيقة مُعرَّفٌ من قِبل الفلاسفة على أنه نوع من أنواع الكذب. وقد سمعنا سلفا كير ميارديت هو الآخر يقدم "نصف الحقيقة"، فذات القاعدة الفلسفية منطبقة عليه، لا يعينه التفريق الأخلاقي التراتبي بينه ورياك مشار.
(2)
كذلك أفتت لجنةُ التحقيق المُكلفة من الاتحاد الأفريقي بأن "الحقيقة" حاجات كتيرة، حقيقة شرعية، وحقيقة اجتماعية، وحقيقة وقائعية، وكدة يعني. باختصار، قالت لجنة التحقيق الأفريقية إنه لا توجد "حقيقة".
وبلغة أخرى، لا توجد "حقيقة" في واقعة فتاة صغيرة السن تم اغتصابها من قبل عصابة من جنود مشار أو هم جنود سلفا لا يهم، بعد أن قتلوا أمها وأباها ونهبوا ممتلكاتهم وأحرقوا بيتهم وتركوها، أو هم أطلقوا عليها رصاصة الرحمة، سيَّان. عدالة تصالحية وعفو وغفران، سيقول لها موظفو الأمم المتحدة في جنوب السودان متصنعين جهلهم بموقف الأمم المتحدة عن لزوم المحاسبية الجنائية، وكذا سيقول لها محمود مامداني الذي قدمتُ بيان أطروحته عن سياقية أفريقيا والحلول الأفريقية لمشكلات أفريقية. وكذا يقول لها الآن رياك مشار في بيانه، مما سآتي إليه.   
رابعا،
رواية رياك عن عدد الضحايا والبشاعات الوحشية
(1)
قدم لنا رياك مشار في بيانه الرسمي بتاريخ 15 ديسمبر 2015 روايته عن "النظام الوحشي في جوبا الذي اقترف مذابح وجرائم مريعة وجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي". وتحدث مشار عن "الحرب غير المبرَّرة"، يقصد تلك الحرب التي شنتها قوات الجيش وضباط الأمن تحت إمرة سلفا كير ميارديت، بحجة "انقلاب" يقول مشار إنه مفبرك لا حقيقة له، ويستشهد مشار بما يسميه "المجتمع الدولي والمنظمات ...".
(2)
ركَّز مشار على العدد "عشرين ألفا" من الضحايا النوير قال إنهم قُتلوا في جوبا. لكن، بدون أي إثبات من أي نوعٍ بشأن العدد. فمذبحة جوبا ثابتٌ وقوعُها، ومعروفٌ مَنْ نفَّذَها بما في ذلك من كَنَّاسي سلفا كير ومن قادةٍ وأنفارٍ في الجيش والشرطة وفي الأمن، ومعروفٌ أن ضحاياها كانوا من النوير العسكريين والمدنيين، مما يُكَيِّفها بصورة صحيحة كجرائم ضد الإنسانية، بسبب "الهجوم المنظم واسع النطاق ضد المدنيين" ضد مجموعة معينة، وهو الهجوم الذي دارت في سياقه الأفعال الإجرامية الموضوعية، كالقتل العمد والاغتصاب والتعذيب والاختطاف والنهب. وربما كانت الأحداث إباديةً، إن هي لم تكن الإبادة الجماعية ذاتها. وهي على أقل تقدير أفعال من نوع  "التطهير العرقي"، التعبير الذي أنتجه النزاع في البلقان ويلامس جريمة الإبادة الجماعية.
ومع ذلك، لابد من دليل لإثبات صحة العدد "عشرين ألفا" الذي يستخدمه رياك مشار، خاصة وأن مشار ليس مصدرا موثوقا به، يريد المضاهاة بعدد لمدنيين قتلتهم قواته في مناطق شن ضدها موجات هجوم منظم واسع النطاق.
قال مشار إن بعض القتلى أجبرتْهم قواتُ سلفا كير على أكل أجساد أهليهم المحروقة، وهي رواية تكرر تردادُها، لا أعرف حقيقتها، لكنها رواية سائغة وقابلة للتصديق في سياق معرفتنا أن إذلال العدو المركب في الدماغ القبيلي في سياق العنف الجماعي لا يتوقف عند حد. كما أن إجبار الضحايا على أكل لحوم الأقارب المشويين بالنار، وكذا إجبارهم على امتصاص دم الأقارب الجرحى، ليست بعيدة عن السلوكيات الوحشية ذات البشاعة غير الإنسانية في قائمة أفعال الرعب الثابت أن جنود "القبيلتين" المتنازعتين اقترفوها. وقد كان هنالك قدر عظيم من الشر المادي في هذا النزاع، بعض منه مصور بالفيديو، ولا يمكن تكييفه إلا على أنه من الشر العظيم لا علاقة له بغيبيات نبي قبيلة النوير، ولا بجنون متصنع، بل هو نتاج التخطيط العقلاني الهادئ، التخطيط بدم بارد والتنفيذ بدم بارد. لِفَلِّ عزيمة العدو وإهانته وتخويفه وردعه.
(3)
يجب على الباحثين في جنوب السودان حسم مسألة عدد الضحايا في جوبا وفي حقول التقتيل الأخرى، وأن لا يتركوها للجهات السياسية مثل الأمم المتحدة التي تعرف الأعداد بصورة لا بأس بها لكنها ترفض أن تجري عمليات الجمع الحسابية. لأسباب سياسية.
وكذا يتعين عدم ترك مسألة أعداد الضحايا لأي واحد من الطرفين، أو للمنظمات الطوعية العالمية. ولا يوجد لهذه المهمة من هو أقدر من لجنة صغيرة مشتركة بين المثقفين الدينكا والنوير وآخرين من مجموعات أخرى تكون مقيمةً في جنوب السودان وحضَرتْ بعض الأحداث، تعرِف المداخل، قادرة على التنقل، ولديها مدة عام كامل أو عامين وأكثر وما بعد ذلك لإنجاز هذه المهمة، ربما بالاستعانة بمنهجيات مجرَّبة مثل منهجية جوك مادوت جوك وجون رايل عن حصر الأعداد والأسماء لضحايا الرق في شمال بحر الغزال (معهد الأخدود العظيم).
(4)
إن مسألة عدد الضحايا في أحداث جوبا وفي المناطق الأخرى ستعود تؤرق أهل جنوب السودان في المستقبل، إن لم يتم حسمها بطريقة معقولة تمنع المغالطة. بالطبع، في حال كانت المذابح في جوبا وفي غيرها من الأماكن هي الأخيرة في تاريخ جنوب السودان، وهي لن تكون الأخيرة لأنه لم يتغير شيء بعد، غير مساعي ترميمات للعودة مجددا لمواصلة نهب موارد البترول.
كذلك لابد من التحقق من مدى صحة الروايات السارية عن البشاعات الشريرة ذات الشطن العقلاني، مثل فرض أكل اللحوم البشرية المشوية، وامتصاص دم الجرحى، وشق بطن المرأة الحامل وتقتيل الجنين غير المكتمل، مما تمت روايته من قبل مسؤولين في المنظمات الطوعية وفي الأمم المتحدة (في تقريري المفوضية الأفريقية). وذلك من مقتضيات التعرف على "الحقيقة". بدونها لن يتم طي هذه الملفات.
وكذا يمكن أن يكون موضوع "عدد الضحايا" والموضوعات الأخرى عن النزاع هَمَّ طلاب الدراسات العليا في جامعات جنوب السودان وفي جامعات دول أخرى.
خامسا،
عدم قدرة رياك على إدراك فداحة الضرر الذي تسبب فيه
(1)
إن المثير للاهتمام في بيان رياك مشار قبل أسبوعين، مقروءا خلال عدسة وقائع حربه ضد المدنيين، هو اجتزاؤه للوقائع ونسيانه التاريخ. أقرأُ في لغة البيان أن رياك مشار غير قادر حتى الآن على فهم فداحة الجرائم التي اقترفتها قواته ضد المدنيين الدينكا، وضد مدنيين آخرين من قبائل أخرى. هذا على المستوى المتعلق بالأشخاص الذين قتلتهم ميليشيات رياك مشار أو شرَّدَتْهم من بيوتهم، أو تسببت لهم في إعاقات خطيرة، أو أهانت كرامتهم، ونهبت مقومات حياتهم.  
(2)
يظل مشار في هذا بيانه وفي مجمل خطابه غير قادر على الاعتراف بالحقيقة البسيطة أنه كان شخصيا، في حضور زوجته بزِيِّها العسكري، وبدعمها المباشر (الفيديو تحت)، كان يدير من مدينة الناصر ميليشيات أطلق يدها للعدوان المنظم واسع النطاق على المدنيين "الدينكا"، وعلى كل من صنفه على أنه من غير مجموعته "النوير"، رغم أن "النوير" و"الدينكا"، على المستوى الإنساني المحض، وهو المهم، كيانان وهميان، رَكَّبَهُما مجددا مشار وسلفا كير تركيبا، وفرضا دلالاتهما المفبركة على أرض الواقع، دائما لتحقيق أغراضهما السياسية وللاستحواذ الكامل أو الجزئي على موارد البترول.
يتحدث مشار في بيانه عن جرائم قوات سلفا كير، لكنه لا يتحدث عن إجرامية الميليشيات القبيلية للجيش الأبيض أو عن إجرام الجنود والضباط النوير الذين كانوا تحت إمرته، جميعهم نفذوا عمليات التقتيل والتعذيب والنهب والترويع وتشريد السكان، مما بيانه الثابت في التقارير وفي الفيديو المشار إليه تحت.
(3)
ذلك أعلاه على مستوى المسؤولية الأخلاقية. أما على مستوى المسؤولية الموضوعية عن اقتراف الجرائم المحددة في سياق الهجوم المنتظم واسع النطاق، فواضح أن رياك مشار استشار قانونيين أو هم بادروا فقدموا له النصح. وواضح أنه تم الاتفاق على أن يكون مشار حذِرا، فلا يعترف إطلاقا بأنه أخطأ، لأن أي إقرار منه أن ميليشيات الجيش الأبيض كانت تحت إمرته وقيادته وتحت "تَحكُّمه المباشر" سيثبت عليه الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب الثابتُ أن تلك الميليشيات اقترفتها، وفق التعريفات المعتمدة لهذه الجرائم، وربما تثبت ضده جريمة الإبادة الجماعية.
(4)
رأينا في تقرير محمود مامداني المنفصل أن هذا الموضوع بالتحديد، المسؤولية الجنائية عن أفعال القوات تحت إمرة قيادة مشار أو قيادة سلفا كير، تمت إثارته، لكن مامداني لم يكن مدركا دلالاته الكاملة بسبب رفضه أصلا فكرة المحاسبية الجنائية وسخريته منها.
لقد تم طرح السؤال من قبل عدة جهات أفريقية ودولية عما إذا كان رياك مشار "يتحكم" فعليا في ميليشيات الجيش الأبيض. ذلك أن مشار، وهو لا يفهم القانون، ظل يصرح في بداية النزاع منتشيا فخورا بأنه نعم أنا رياك مشار أتحكم في ميليشيات الجيش الأبيض وبقية القوات العسكرية، مما يدينه مباشرة على جرائمها، وفق العقيدة القانونية عن "مسؤولية القيادة"، بإعمال اختبار "القيادة والتحكم" الثابت في فقه القانون الجنائي الدولي وفقه القانون الإنساني الدولي.  
(5)
لكن، ما أن تبرع مزينو الباطل، وهم كثر، ووضحوا لمشار خطورة ما كان صرح به، وثقفوه في مجال القانون الجنائي الدولي وعن المخاطر عليه شخصيا، إلا وعاد مشار مباشرة ليقول إنه "لم يكن يتحكم في ميليشيات الجيش الأبيض".
من ذلك كثير، مثل قول مشار في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية (في جريدة النهار 31 مايو 2014 في الأنترنيت):
"لدينا أيضا مقاتلون متطوعون ومدنيون يملكون أسلحتهم الخاصة انضموا الى المعركة ... لا يمكنني القول إني أسيطر عليهم جميعا. سأكون أكذب لو قلت ذلك. لكنا نأمل بالتمكن من السيطرة عليهم لأننا ندربهم ونأمرهم بالانضباط".
وتابع مشار في ذات الرواية بقوله:
"لقد نبهتهم الى أهمية التزام القوانين الانسانية الدولية. البعض يقوم بذلك، والبعض الاخر لا يفعل، لكن هؤلاء سيُحاسَبون".
هذه الأقوال غير القابلة للتصديق عن تدريب مشار للجيش الأبيض عن مواد القانون الإنساني الدولي ستكون دفاع مشار لدى المحكمة الهجين، إن تحققت المحكمة. ولكن، لن يكون صعبا على المدعي العام إثبات العكس، باستدعاء العِلم القضائي العام عن الجيش الأبيض وهو مليشيا القرى النويرية للنهب التي استنهضها مشار لتحارب حربه وتركها تنهب دون تدخل من جانبه، كما يمكن مشاهدة بعض أفعال هذه الميليشيات في الفيديو المشار إليه تحت.
(6)
فمشار جاهز للمحكمة الهجين في حال تم إنشاؤها، وجاهز للمجتمع الدولي إن سائَله، جاهز بكلامه المقتبس من خطاب العلاقات العامة، غرضُه كذلك التغطية على الجرائم المقترفة والإفلات من العقوبة. وليست هذه هي المرة الأولى في تجربة مشار على مدى ثلاثين عاما في الحرب والعنف الجماعي ومعرفته عما يحدث للمدنيين بواسطة ميليشياته في حروبه التي لم تتوقف.
إن الغرضَ واضحٌ في التصريحات اللاحقة، وهنالك الوقائع على الأرض أيضا، وهنالك أن مشار الذي يَصدُر في بيانه من أنه القائد العام للجيش الشعبي لتحرير السودان (في المعارضة) لم يحاكِم أيَّ واحدٍ من ضباطه الذين أشرفوا على الاعتداءات على المدنيين من قبل ميليشيات الجيش الأبيض. ولم يحاكم مشار أيا من قادة الجيش الأبيض، أو نَبيَّهم المزعوم.  
لذا، نجد أن مشار لا يشير البتة في هذا البيان إلى الجيش الأبيض، ولن نسمعه يتحدث عن ميليشيات الجيش الأبيض إلا لينفي "قيادته" لها أو "تَحكُّمه" فيها، وقد حصر مشار كلامه في البيان على أنه يتحدث فقط "نيابةً عن الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان".
(7) أفضل فيديو عن طبيعة الجيش الأبيض الذي استخدمه رياك
انظر هذا الفيديو في اليوتيوب بعنوان   Saving South Sudan https://www.youtube.com/watch?v=lDSu8wlQG6c ربما كان أفضل فيديو عن الحرب في منطقة أعالي النيل. وفيه أحد جنرالات مشار يتحدث عن تركيبة قوات مشار من ضباط وجنود الجيش الشعبي الذين أشرفوا مباشرة على ميليشيات الجيش الأبيض.
وفي هذا الفيديو إمكان التعرف على ماهية الجيش الأبيض الذي تُنسَج عنه الخرافات وعن امتثاله لتوجيهات من نبي يعتقد فيه النوير. حتى مصور الفيلم الوثائقي قرر أن يجتهد ليعبر بالكاميرا عما كان سمعه سبقا عن خرافة الجيش الأبيض الذي يتحكم فيه نَبيٌّ. اجتهد في تسمير وجوه شباب الجيش الأبيض بطريقة تظهر جنا يفترض أنه  يستحوذهم.
بينما نرى أمامنا في الفيديو مجموع شباب مجندين عقلانيين أو منفعلين، العقلانيون منهم وهم الأغلبية يفكرون ويتخذون قرارات، يأخذون جرحاهم للعلاج، ويشتكون من الفوضى، ويحتجون على ضعف القيادة، ولهم أجندة في النهب وفي الانتقام من العدو، يريدون بالبشاعات إرسال رسالة إلى العدو لردعه أن لا يفكر مرة أخرى في العدوان ضد النوير في جوبا أو في أي مكان آخر. والمنفعلون منهم قلة، تم تصوير أحدهم شابٌ واضحٌ أنه كان تحت تأثير بشاعة الحرب، يتكلم عن ملكية النوير للبترول، وآخر يمتلك سيارة تويوتا صرح وهو يبتسم أنه تحصل عليها بعد أن قتل صاحبها الأصلي.
(8) تعبير رياك عن الحزن العميق والأرواح الضائعة والحرب غير المسببة
من مخفِّفات العقوبة تعبير الشخص المتهم عن ندمه على أفعاله. وبما أن مشار ما كان ممكنا له أن يعبر عن ندمه على أفعاله أو أفعال الميليشيات تحت إمرته، ركز على الخطاب العام دون تخصيص، فتحدث عن إحساسه بـ "الحزن العميق". وتباكي على "الأرواح الضائعة والعذاب الذي سببته الحرب غير العقلانية وغير المبررة".  وتحسر على أن "الناس الذي قُتلوا لم يقترفوا أية جرائم".
ومضى مشار على ذات المنوال يتحدث بغير جهد أو معاناة يقول إن هؤلاء الذين قُتِلوا كانوا مواطنين أوفياء لجمهورية جنوب السودان، وإنهم حاربوا لأجل حق تقرير المصير واستقلال شعب جنوب السودان، وإنهم "أبطال".
وهو يشير حصرا إلى "النوير" الذين قتلتهم قوات سلفا كير في جوبا في بداية المذابح. ولا يأتي بأية سيرة لـ "النوير" الآخرين الذين قتلتهم قوات سلفا كير في ولاية الوحدة أو أعالي النيل أو جونقلي، مثلا، لأن ذلك سيثير مباشرة موضوع الضحايا "الدينكا" وغيرهم الذين قتلتهم ميليشيات الجيش الأبيض المعبئة من قبل مشار في ذات الولايات الثلاث في عمليات الانتقام المتبادلة بين الطرفين.
ثم واصل مشار قوله إن هؤلاء الذين قُتلوا في جوبا "لم يستحقوا أن تُنزع منهم حياتهم وكرامتهم". وأعاد ذكر الصورة الأيقونة بالقول "إن آخرين (منهم) تم إذلالهم إلى درجة إجبارهم على أكل لحوم أقاربهم الموتى ثم تم إطلاق النار عليهم". وأضاف أن الناجين اضطروا إلى اللجوء إلى مراكز الحماية لدى الأمم المتحدة، في عاصمتهم ذاتها (جوبا). دون أن يذكر مشار مئات الآلاف الذين كانت قواته العسكرية وميليشيات الجيش الأبيض شرَّدتْهم من مساكنهم في بور وملكال وبانتيو وفي غيرها من القرى والمدن.
سادسا،
مقدمات رياك وحججه لرفض المحكمة الهجين
يتعين علينا أن نقرأ أقوال مشار أعلاه التي وردت في بيانه قبل أسبوعين كمقدمات لمشروعه لرفض المحكمة الهجين المفترض أنها ستقدِّم للمحاكمة كلَّ مسؤول، مهما كان موقعه، يكون كان خطط لاقتراف جرائم الإبادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب، أو أعد لاقتراف هذه الجرائم أو نفذها.
وبما أن هذه الجرائم العالمية الثلاثة، بما فيها جريمة الإبادة الجماعية، ثابت أنها وقعت في مناطق هجمت عليها قوات رياك مشار، سيكون صعبا عليه أن يبعِد عن نفسه المسؤولية الجنائية بصورة تقنع قضاة نزيهين، في حال تم إنشاء هذه المحكمة، وفي حال وجود قضاة نزيهين أصلا في هكذا محكمة.
اتخذ رياك مشار عدة حركات أو هي تكتيكات في استراتيجية موحدة موجهة إلى رفض المحكمة الهجين، وإلى التغطية على دوره في التخطيط للأفعال التي اقترفتها قواته. أهم هذه الحركات أو التكتيكات:
(1) الترحيب بالاتفاقية، وهو ترحيب غير القابل للتصديق؛
(2) طلب فرصة جديدة للبدأ من الأول، من جديد، لبناء جنوب السودان؛
(3) المحاجة بأنه كان "يدافع عن نفسه"، مُجبَرا على ذلك "الدفاع عن النفس"، بشن حرب مضادة؛
(4) الادعاء بأن الحرب تمخضت عن نتائج إيجابية، مثل هذي اتفاقية الإيقاد ومثل الفيدرالية؛
(5) تكييف "المحاسبية" على أنها ليست للجرائم السابقة خلال العامين الماضيين، بل هي محاسبية لجرائم قد تحث مستقبلا، من هنا وجاي؛
(6) الدعوة للعفو والغفران بديلا للمحاسبية، والحث على نسيان ما حدث، بالارتقاء إلى آفاق أعلى؛
(7) الادعاء بملكية أهل جنوب السودان للاتفاقية، فيمكن لشعب جنوب السودان عدم تطبيقها كما هي بل تعديلها.
فأعرض إلى كل واحدة من السبع حجج التي قدمها رياك مشار في مسعاه لرفض إنشاء المحكمة الهجين ولإبعاد المسؤولية الجنائية على الجرائم المقترفة عن شخصه. ويمكن للصحفيين أن يسألوا مشار عن هذه الحركات السبعة، مما سيغزر الصورة عن محاولاته لرفض المحكمة الهجين ولتعزيز مساعيه للتغطية على الجرائم التي شارك في تنفيذها.    
(1) الترحيب بالاتفاقية
(أ)
قال رياك مشار في بيانه إنه يرحِّب بالاتفاقية. لكن، يتعين علينا أن نتشكك في أقواله، فلا يمكن أن يكون ترحيبُ مشار بالاتفاقية صادقا. لسببين:
(1) لأنه أصلا كان قال إن الاتفاقية، التي أتت بفكرة المحكمة الهجين، كانت فُرِضت عليه. فأنتَ لا تُرحِّب صادقا بما تم فرضُه عليك فرضا تحت التهديد بعقوبات، أهمها منعك من السفر ومن التعامل البنكي الخارجي وبعقوبات أخرى.
(2) لأن المحكمة الهجين، جوهر الاتفاقية، لها الولاية للنظر في ذات الأفعال التي اقترفتها ميليشيات مسلحة تحت إمرة رياك مشار، فالطبيعي أن لا يرحب مشار بالمحكمة التي لابد ستعاقبه إن تم إنشاؤها وكانت محكمة نزيهة.
(ب)
يجب أن نقرأ ترحيب رياك مشار بالاتفاقية على أنه حركة استراتيجية لاسترضاء الإيقاد والاتحاد الأفريقي، ومن ورائهما لاسترضاء الترويكا ذات المسدس تحت البالطو، وكذا لحث ممثلي الأمم المتحدة في جوبا، الدانيماركية خليفة النرويجية هيلدا جونسون مثلا، أن يقدِّروا له ترحيبَه بالاتفاقية فيُزلِق هؤلاء الأخيرون في التقارير إلى نيويورك بعض كلمات للرأفة بمشار تقديرا لترحيبه بالاتفاقية. هكذا تدور كلامات الأمم المتحدة. والرأفة بمشار لعبة مارستها الأمم المتحدة منذ أمد بعيد. وكل ما يريده مشار الآن هو ذات الرأفة المعتادة لحاله، كإنسان ظل يسير في هذا الطريق الدموي، بانعطافاته الخطيرة في جميع الاتجاهات الممكنة، على مدى أكثر من ثلاثين عاما. وهو فعل ما فعل بفهمٍ وتوقعات من جانبه مؤداها أن الأمم المتحدة والمنظمات ستقف إلى صفه، وفق قراءة صحيحة منه للمؤشرات الحذرة والغامضة، لكن أفعاله تجاوزت الحدود المسموح بها فلم يجد الدعم ما أن تسبب في إحراج المعجبين به.
(2) نريد فرصة جديدة للبدأ من الأول
قال مشار إن اتفاقية السلام التي وقَّع عليها أنهت الحرب ذات السنتين. وإنه كان رحب بها "لأنها أوقفت الحرب". وإنه قبِلها لأنها على حد تعبيره تعطي فرصة جديدة للبدأ من الأول. من جديد. حيث أهاب مشار بـ "شعب جنوب السودان"، وكأنه يقصد نفسه، "أنتم يا شعب جنوب السودان، يجب عليكم أن تقبلوا هذه الاتفاقية ..." ثم قدم السبب على النحو التالي:
"لأنها تعطينا فرصة لكي نبدأ من البداية، ولنعمل في اتجاه تحقيق تطلعاتنا لجمهورية جنوب السودان موحدة وذات رفاهية ومستقلة".
هذه اللغة عن البدأ من جديد، من البداية، من الأول، كانت تردِّدُها أيضا السيدة هيلدا جونسون الممثلة السابقة للأمم المتحدة، التي تمت لاحقا تنحيتها أو تقرر عدم تجديد عقدها بسبب استبانة فشل سياستها، وقد كانت متهمةً صراحة من قبل بعض أنصار سلفا كير بأنها تفضل سياسات مشار وتتحيز لجانبه ضد حكومة سلفا كير. وقد تعلم زبانية كير دروسا من الحكومة الإسلامية في الخرطوم فخرجوا في مظاهرات مدبرة وخبيثة ضدها يعرفون أن ذلك سيحرقها ويقود لا محالة إلى إنهاء عملها في جنوب السودان.  وقد ردت جونسون في التلفزيون بقوة ضد هذه الاتهامات السارية في جوبا، دون جدوى.
فمما آخذه ضد هيلدا جونسون أنها هي الأخرى كانت تريد فرصة إضافية جديدة، قالت للجنة التحقيق إن "جنوب السودان يحتاج لعملية ريبوتنغ rebooting، يعني زي الكمبيوتر لما يعلِّق، تُلغي كل شيء تقطع منو الكهربا وتدوس الزِر توَلِّعو من جديد! وربما كانت تفكر حينئذ إنها هي التي ستفعل ذلك الريبوتنغ. قبل أن تفاجئها المظاهرات تحمل اللافتات الأنيقة المطبوعة تطالب برأسها.
هذه اللغة عن الريبوتنغ تعني في الحقيقة أن كل واحد من الذين فشلوا أو لم ينجحوا، من سلفا كير، إلى رياك مشار، إلى "المعتقلين السابقين"، إلى هيلدا جونسون المديرة السابقة في الأمم المتحدة بجنوب السودان، كل منهم يريد فرصة تاني، من جديد، بعد سنوات من تجريب الخطأ والصواب، على مدى سنتين، ثلاث، عشر، عشرين سنة،  ثلاثين سنة، ليس مهما، فرصة تاني برضو، وكأنما يقول كل واحد منهم إن جنوب السودان مساحة استعراضية، فيمكنك أن تجرب وتخطئ، ثم أن تجرِّب مرة أخرى، دائما في حيوات ملايين المواطنين، بعد أن تكون فشلت في السابق أو كما قد تريد لم يحالفك الحظ.
من المدهش حقا أن لا أحد في حكومة جنوب السودان، أو في الجيش، أو في الحزب، أو في البرلمان، أو في القضائية، أو في الأمم المتحدة، فكر مجرد تفكير في الاستقالة من منصبه. مباشرة بعد الكارثة التي أسهم كل واحد منهم فيها، وتسببوا فيها جميعهم مشتركين. بل برر كل منهم وجوده واستمراريته بعلة أنه مهم لحل المشكلة وللتعامل مع الكارثة، بينما هو جزء من  المشكلة وسبب من أسباب الكارثة!
قال رياك مشار إنه يريد فرصة إضافية لأجل بداية جديدة  لـ "بلاد موحدة رغدة مستقلة"، حسب قوله، يريدها باتفاقية الإيقاد المفروضة فرضا عليه كما قال لكنه يرحب بها أيما ترحيب.
أقول إن مشار رحَّب بالاتفاقية بلغة الحاجة "للبدأ من جديد" فقط لأن هذه اللغة تتيح له، بعد فشل مغامرته الأخيرة، أن يجرِّب حظه مرة أخرى ليكون رئيس دولة جنوب السودان، أو في وظيفة عليا في الحكومة القادمة، فقريب من وضع اليد على محل موارد البترول. فمن موقعه في الحكومة الانتقالية سيكون ممكنا له، مثله مثل عمر البشير، أن يفلت من المحاسبية ومن العقوبة، بمنع إنشاء المحكمة الهجين، وبتثبيت خطابٍ مسموعٍ ومعانٍ مدعومة بقوة سلطة الحكومة تبعد عنه شبح المسؤولية الجنائية.
(3) الدفاع عن النفس
بالإضافة إلى مطالبته بفرصة جديدة، نجد رياك مشار مستعداً الآن بحجة "الدفاع عن النفس"، فيما يتعلق بدوره في أفعال التقتيل والبشاعات الوحشية وتشريد المواطنين.
قال مشار:
"رغم تصميمنا لتجنب حرْبٍ، أدركْنا أن النظامَ كان أصلا أعد نفسه لشن حرب للتطهير العرقي ضد قومية واحدة في جنوب السودان [يقصد قومية النوير] واستدعى النظام القوات اليوغندية والمتمردين السودانيين [العدالة والمساواة، والحركة الشعبية قطاع الشمال] في أول يوم للأزمة ليحاربوا في صفه. وتُرِكْنا بدون أي خيار غير الدفاع عن أنفسنا."
هكذا، برر مشار حربه بأنه لم يكن له من سبيل غير "الدفاع عن أنفسنا"، نحن النوير. وكما قلت، هي حجة ضعيفة. للأسباب التي أوردتُها سابقا، أهمها تجربة مشار في العام 1991 حين أعلن انقسامه ضد جون قرنق، ومنها المسؤولية الأخلاقية الملقاة على عاتق مشار ليتجنب الحرب التي كان يعرف مآلاتها في مجال الجرائم ضد المدنيين.
وفوق ذلك، يفشل دفع مشار بذريعة "الدفاع عن النفس". لأن الدفاع عن النفس ليس مطلقا أو محجوبا عن لزوم اجتناب الرعونة والإهمال والقسوة المفرطة حتى ضد العدو، وهو قوات سلفا كير. وبالطبع تسقط حجة الدفاع عن النفس بالدرجة الأولى لأن الأغلبية الساحقة من الذين وجه إليهم مشار، بالقصد الشرير، التقتيل والتعذيب والتشريد كانوا مدنيين. باختصار، هذي حجته بالدفاع عن النفس كالتصرف مُكرَهاً، في سياق التطهير العرقي من قبل سلفا كير وجنوده، حجةٌ لا يُعتد بها. مما قدمت أسبابه وتفسيره في مجمل هذا المقال.
(4) تخييل الحرب كحرب عادلة وجميلة قابلة للتحويل لحاجات حلوة
سعى مشار أيضا إلى غَزْل روايات رومانسية عن الحرب التي أشعلها. فقال في بيانه: إنه في يوم 25 ديسمبر 2013 (أي بعد عشرة أياما فقط من المذبحة في جوبا) في غاديانغ في ولاية جونقلي، قررت قيادة الحركة الشعبية/الجيش الشعبي (قوات مشار) أن تحوِّل هذه المأساة إلى "نضال قومي للحرية والديمقراطية والفيدرالية ولتغيير مجتمعنا وأمتنا".
وقال إنه وقواته سيتذكرون هؤلاء الشهداء والشهيدات كعوامل "محرِّكة للنضال". وإن مؤتمر غاديانغ قرر أن يتم تقسيم الجنوب إلى 21 ولاية (سلفا كير سيعملها 28)، وهي تقسيمات المديريات بعد استقلال السودان، على حد تعبيره. ووصف مشار حرب السنتين بأنها كانت "نضالا لفض نزاع جنوب السودان" وأنها تمخضت عن توقيعه على الاتفاقية في يوم 17 أغسطس 2015 بينما وقع عليها سلفا كير بعده في يوم 26 أغسطس 2015.
ثم هنأ رياك مشار، نيابة عن ميلشياته المسلحة التي يسميها الحركة الشعبية الجيش الشعبي لتحرير السودان، هنأ "شعب جنوب السودان" بهذه الاتفاقية من الإيقاد. وعَدَّ الاتفاقية "معلما بارزا في تاريخ جنوب السودان". بالقول إنها عضدت "مطلب النظام الفيدرالي". وإنها "فتحت المجال للإصلاح المؤسسي والتعويضات للمضرورين".
فبتقريظ الاتفاقية يسعى مشار إلى مسح ذاكرة حربه الأخيرة والضرر الفظيع والبشاعات التي نتجت عنها.
فجأة أصبحت الاتفاقية المفروضة فرضا جميلةً، وانسحب جمالُها على الحرب ذاتها التي تمخضت، دائريا، عن اتفاقيةٍ جميلةٍ، إذَنْ هي حربٌ جميلةٌ، وهكذا.
(5) لا للمحاسبية
بعد ذلك المجهود الخطابي، التفت رياك مشار إلى موضوع "المحاسبية"، الموضوع الحساس عن لزوم النظر في الجرائم العالمية التي تتحدث عنها اتفاقية الإيقاد بشأن المحكمة الهجين، أي المحاسبية تحديدا على جريمة الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب.
لكن مشار لا يشير في بيانه إطلاقا إلى المحكمة الهجين، بينما هي أهمُّ مكونات اتفاقية السلام، وهي المحكمة التي ستحدد مصير رياك مشار إن تم إنشاؤها.
قال مشار:
"بهذه الاتفاقية، ستسود العدالة والمحاسبية". يقصد بالسين will prevail  أن تلك السيادة ستكون في المستقبل. ويقصد مشار أن "الفاتْ ماتْ". ثم قالها مجددا بالتكرار لكي لا يترك فرصة لتفسيرات مغايرة لمقاصده. قال مشار: "إن ثقافة الإفلات من العقوبة ستكون من ممارسات الماضي". وهو يقصد الماضي المغلَّق كتابه بما في الكتاب صفحة جرائم قوات مشار. يقصد أن الأمر الموضوعي، وهو محاكمة الزبانية الحاضرين مرتكبي جرائم في الماضي، تابعٌ كذلك للماضي فانتهى أمره. أي، لن تحدث محاكمة في الحاضر أو في المستقبل على جرائم ذلك الماضي.
فالنص مقروءا في سياقه، وبكلماته، وبما قاله مشار بعد ذلك في ذات نص بيانه، يبين بوضوح أن مشار يريد أن يبدأ تطبيق المحاسبية على الأفعال الإجرامية الجديدة، فقط. من هِنا وجاي. أما الجرائم العالمية والبشاعات الوحشية التي كانت في الماضي القريب تماما واقترفتها الميليشيات تحت قيادته المباشرة خلال العامين الماضيين، فلابد من نسيانها. وهو بالطبع مستعد لنسيان جرائم عدوه سلفا كير وجرائم معاوني سلفا ضد الضحايا من قبيلة النوير.
فالموضوع بين رياك مشار وسلفا كير لم يعد الآن كما هو الموضوع بشأن الموضوعات جميعها، قبل تثبيت الإيقاد هذه المحكمة الهجين في اتفاقية السلام. أي، لم يعد النزاع بينهما كما كان في الماضي القريب متعلقا بالكراهية الشخصية، وبالتنافس على المال والسلطة. ذلك لأنه برزت الآن، باتفاقية السلام المفروضة قسرا، أمام مشار وسلفا كير، مشكلةٌ جديدةٌ تماما، مشترَكة، وخطيرة، مشكلة هذه المحكمة اللعينة. فلابد لمشار من التعاون الاستراتيجي مع سلفا، لتقتيل هذه المحكمة. خاصة وأنها إن أصبحت حقيقة ستعني نهاية أية فرصة لأي منهما في التحكم في جهاز الدولة كالوسيلة المضمونة للاستحواذ على أموال البترول.
باختصار، قالها مشار صريحةً في بيانه: إنه يرفض المحاسبية على الجرائم العالمية التي وقعت خلال السنتين الماضيتين، لكنه يبدي حسن نيته فيتنازل ويقبل المحاسبية على أية جرائم عالمية جديدة تحدث في المستقبل!
(6) نعم للمصالحة الوطنية والمعافاة بديلا للمحاسبية الجنائية
(أ)
اجتهد مشار في بيانه ليَضْمَن تثبيت عبارته أعلاه المُزلقة عن أهمية نسيان ماضي الجرائم العالمية الثابتة، وعن أهمية أن تكون المحاسبية فقط على جرائم المستقبل، من هِنا ولقِدام. لكن لابد لمشار من بديل يقدمه تعويضا عن المحاسبية التي أنهى أمرها. فمضى مشار مباشرة في الثرثرة عن "المصالحة الوطنية والمعافاة"، وقال إنهما "مركزيان ولازمان". وقال "إن المصالحة صعبة لكنها ليست مستحيلة".
نرى الآن في البيان كيف أن رياك مشار يستخدم النسخة المفضلة من الشعارات المبتدعة من الأمم المتحدة والمنظمات العالمية عن العدالة التصالحية ولجان الحقيقة، يستخدمها لإنقاذ نفسه من احتمالية المحاكمة على الجرائم العالمية، بالقول التالي، متحدثا دائما عن نفسه بمطابقة شخصه المتفرد مع "شعب جنوب السودان"، ومع "الناس"، و"الجمهور"، و"المواطنون". قال مشار:
"فلكي يتمكن مواطنو جنوب السودان من علاج جراحِ هذه المأساة والحرب غير العقلانية، ولكي يُنهوا العذاب، ولِيَبْنوا أمةً وفق هذه الاتفاقية [الإيقاد]، هنالك حاجة إلى أن يرقى الناس فوق انتهاكات السنتين الماضيتين وفظاعاتهما، وأن يواجه الناس سويا تحديات إعادة السلام والوئام لبلادنا".
الآن، يقول رياك مشار، إنه يتعين على المليوني شخصا ويزيد الذين شرَّدهم بحربه، ومئات الآلاف الذين نهبَت ميلشياتُه مقومات حياتهم، وعلى أُسَرِ عشرات آلاف الضحايا، يقول مشار إنه يتعين عليهم أن يرتفعوا إلى مستوى الحدث، وأن يرتقوا بأنفسهم، عاليا، فوق فوق، بعيدا عن أرضية الانتهاكات والفظاعات هنا على أرض الواقع خلال السنتين الماضيتين. هذا هو معنى خطابه. وهو خطاب يريد به حماية جلده من المحاسبية.
(ب)
إن ثرثرة مشار بلغة مجتزأة من قاموس العدالة الانتقالية هي دعوته إلى عدم المحاسبية على ما حدث في الماضي وهي مشروعه لإنقاذ نفسه من الملاحقة ومن العقوبة المستحقة، وهو سيفعل كل شيء لكي لا تقوم قائمة للمحكمة الهجين المقررة في اتفاقية الإيقاد الاستعمارية.
هكذا، مضى مشار في خطاب النسيان:
"في ضوء هذا، أدعو الشعب أن يغفر كل منهم للآخر، وأن يمضوا قدما نحو مستقبل جديد".
يقصد رياك مشار نفسه حين يتحدث عن "الشعب"، موضوع  العفو والغفران. أي، عفوه هو عن  سلفا كير وغفرانه لسلفا كير. وبالعكس. أي، أن يغفر كل واحد منهما للأخر، وكدة أنا وإنتَ يا سلفا نطلع حبايب، مافي مشكلة.
قال مشار في بيانه: "وأنتهِز هذه الفرصة أيضا لأدعو الشعب لتجاوز أية عقبات قد يواجهونها في الانتقال من الحرب إلى السلام حتى نبني أمة مؤسسات، وأن نبني السلام والديمقراطية حيث يتم احترام كرامة المواطنين وحقوقهم والمحافظة عليها."
الآن، أضاف رياك مشار نفسَه من بين بناةِ أمَّة المؤسسات! فكيف يمكن أن يفكر أحدٌ مجرد تفكير في تقديم مشار متهما أمام المحكمة الهجين؟
(7) اتفاقية الإيقاد الآن مملوكة لدينا
قال مشار بالواضح في بيانه شيئا آخر مثيرا للانتباه، يبين به نيته لتدمير اتفاقية الإيقاد (وهي اتفاقية استعمارية تستحق التدمير أصلا، لكن لأسباب غير أسباب مشار أو أسباب سلفا كير، عرضت لها في المقال السابق).
قال مشار ما معناه إن الاتفاقية لم تعد "اتفاقية الإيقاد"، بل هي "مملوكة لأهل الجنوب"، ويقصد مشار بهذه اللغة أن الاتفاقية مملوكة له هو، بالطبع معه زميله في المشكلة سلفا كير. حيث يمكن للمالك أن يفعل ما يشاء بما هو مملوك له، بأن يغير طبيعته بالحذف والإضافة، وأن يشوهه، وأن يحبسه في درج، وأن يدمره تدميرا، فيمكن كذلك لمشار، في معية سلفا، أن يفعلا بالاتفاقية المملوكة ما يشاءا. فهي ملكهما الخاص، وفق ما قصد إليه مشار بقوله إنها "ملكية شعب جنوب السودان". يتحدث الحكام في أفريقيا دائما على أساس أنهم الشعب.
قال مشار:
"فهي الآن اتفاقيتنا، إذن نحن نأخذ ملكيتها لنا، وفيها جميع العناصر الضرورية للتحويل المؤسسي وبناء الأمة".
توقف مشار هنا عند عبارة "بناء الأمة"، في كلامه عن مجموع عناصر الاتفاقية، وقصد أن ينسى عنصر "المحكمة الهجين" بما فيها لزوم المحاسبة على الجرائم العالمية، الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. ونسي أيضا اختصاص المحكمة  الهجين بنزع الأرصدة المنهوبة وردها إلى أصحابها وحكومة جنوب السودان، إن رأت المحكمة ذلك.
ثم قال مشار في بيانه، في ذات النفس عن مِلكية الاتفاقية:
"فأنا أحثُّكم، أيها الشعب، أن تستحوِذوا على ملكية الاتفاقية وأن تلعبوا دورا فاعلا في ضمان تنفيذها." والعبارة الأخيرة عن "ضمان تنفيذها"، مقروءةً في سياق ما ورد أعلاه في البيان، فارغة المحتوى، غرضها التدليس. يريد مشار بادعائه الهَمَّ بـ "ضمان تنفيذ الاتفاقية" أن يخفي آثار قراءته العنيفة لنص الاتفاقية حين أعدم من النص المحكمة الهجين، وشطب من النص المحاسبية على الجرائم السابقة.
سابعا،
الفشل الأخلاقي لرياك مشار
(1)
لقد رحب رياك مشار باتفاقية الإيقاد قائلا: "لأنها أوقفت الحرب". بينما نعرف أنه كان بإمكان مشار إيقافُ الحربِ التي أشعلها، دون حاجة لاتفاقية أفريقية استعمارية كهذي اتفاقية السلام التي لقَّنتْها الترويكا للإيقاد وفرضتْها عليها.  
كان بإمكان مشار من البداية عدم الرد بالعنف على التطهير العرقي الثابت أن قوات سلفا كير اقترفته في جوبا ضد النوير. كان بإمكانه، بل كان يتعين عليه، وهو واجبه الأخلاقي، أن لا يعبئ ميليشيات مسلحة مكونة من ضباط وعساكر نوير، من الجيش الشعبي، وهو تحالف ميليشيات، وأن لا يستنهض الجيش الأبيض المكون من ميليشيات الشباب المسلحين المشغولين بالنهب، يعبئها في حرب جديدة.
كان رياك مشار على علم أن بإمكانه حماية نفسه، بعد أن تمكن من الفرار والنجاة قبل الهجوم الغادر بدبابات على منزله لابد فيه كانت زوجته وأطفال له أو لذويه. وكذا كان بإمكانه منع ميليشيات قبيلته النوير من الاعتداء على المدنيين الدينكا وأعوانهم (بعضهم نوير)، ومن ثم العمل على حل المشكلة الأساس. ربما كان الأمر انتهى بمذابح جوبا، وبالتطهير العرقي ضد النوير فيها، مما كان سيدين سلفا كير وقواته، ويُظهر رياك مشار كالسياسي العاقل، غير المنفعل، الملتزم بالقانون، والقادر على تحمل التزاماته وواجباته كقيادي في الدولة التي مات فيها مليونا شخص بسبب الحرب الاستعمارية التي كان شنها العدو العربي الإسلامي ضد شعب جنوب السودان.
(2)
لكنها استحالة وقائعية. لم يتخذ مشار ذلك المسار السلمي بسبب استحالة أن يفعل ذلك. يعرف أهل جنوب السودان رياك مشار من تاريخ يضيق المجال عن ذكره في هذا المقال. لكن، باختصار، كانت الاستحالة الوقائعية لأسباب موضوعية منها ما تعلق بشخصية مشار واتجاهاته وأهدافه الخاصة، شخصيته من حيث هي أفعاله المادية، لا من منطلق نفساني سبقي، ويمكن أن نلخص شخصيته في أفعاله المشدودة إلى الهم بالسلطة، هذه المرة للسيطرة على موارد البترول. فهذه السيطرة على الموارد كليا أو جزئيا غير ممكنة بدون أفعال غير أخلاقية للسيطرة على جهاز الدولة، أو بالوجود بشكل فاعل في جهاز الدولة. وقد كان سلفا كير فصَل مشار من وظيفته في جهاز الدولة، فمنعه ومعاونيه من القدرة على ابتدار الأفعال والسلوكيات التي تتيح الوصول إلى ما يعتمدونه حصتهم من عائدات البترول المتوقعة. وكله في سياق اندراج قادة الحركة الشعبية في عمليات نهب موارد جنوب السودان.
أما على مستوى التجربة المادية، وطريقة التفكير والتاريخ، كان مشار مستحوذا بالعنف كوسيلته المفضلة لفض كل نزاع خطير. والعنف هو ما عرِفه رياك مشار مكوِّنا أساسا في حياته منذ انضمامه للحركة الشعبية، ومنذ أن تم تدريبه على يد القوات الخاصة الأمريكية، كما صرح بذلك هو ذاته عن سابق تدريبه في الحرب (الفيديو أعلاه)، وفَعَّلَ مشار هذه المعرفة بالعنف لخدمة انشقاقه عن الحركة الشعبية، وفي سياق تحالفاته مع حكومة العدو في الخرطوم، ثم بعد العودة إلى الحركة الشعبية.  
(3)
يتعين أن نفهم ترحيب مشار بالاتفاقية في سياق تحليل إدراكه المتأخر أنه وضَحت للعالم الآن السهولة التي بها اعتمد مشار العنف الدموي والبشاعات وسيلةً لفض النزاعات المحلية المعقدة. ليس خطأ مشار الوحيد أنه اندرج في حرب "غير مبررة"، كما يسمي الحرب الأخيرة بصورة مبهمة، بل يتمثل خطأه، مثله مثل سلفا كير،  في مجال الأخلاق، أنه خرق واجبا أخلاقيا لازما عليه لا فكاك له منه، أن يجنب أهل جنوب السودان حربا جديدة، في جميع الأحوال، ومهما كانت الظروف، حتى في حال حدوث عدوان من دولة أجنبية، مثل السودان.
أما وقد خرق مشار ذلك الواجب، متأسيا بعدوه سلفا كير، فذلك يُثَبِّت عليه أيضا الوصمة الأخلاقية المدمِّرة لحياته وشخصيته. وينزع منه كل شرعية ليحكم مجددا، أو أن يكون له وجود في الحياة العامة.
فالخطأ الأخلاقي الذي اقترفه مشار لا يمسحه غفران أو صفح أو تعويض، لأنه خطأ أخلاقي في صميم شخصية رياك مشار وحياته. بالطبع يمكن لمشار أن يخادع نفسه فيستعصر من فوضى وضعيات جنوب السودان أسبابا عقلانية لتبرير تصرفاته وأفعاله. لكن فات الأوان لعودة إلى الوراء أو لمسح الوصمة الأخلاقية الثابتة في حياته. ولا يوجد ما يمكن له فعله لجبر الضرر، حيث لا يمكنه إعادة عشرات آلاف الموتى إلى الحياة ولا مساعدة ملايين الأسر المضرورة جراء حربه، ولا إعادة تركيب الحيوات الاجتماعية التي دمرها. ذلك هو السِّجلُّ المسطور عن المادية الأفعالية لشخصية رياك مشار، وكله يستدعي المحاسبية القانونية ضده وللانتقام منه.
ثامنا،
التزام المثقفين والمحامين والنيابة والقضائية
(1)
أراد رياك مشار ببيانه الذي أصدره منتصف ديسمبر 2015 الإعدادَ لتغيير بنود الاتفاقية التي وقَّع عليها صاغِرا، تحديدا لإلغاء مكوِّنها المتعلق بـ "المحكمة الهجين". وهو ذاته ما ظل يفعله سلفا كير بخطابه المتشدد عن الاتفاقية. ولابد أن القادة العسكريين حول سلفا لا يريدون، هم أيضا، أن تعكر صفو الحياة عليهم هذه المحكمة الصفيقة أو أن تهدد استمتاعهم بما يرونه استحقاقاتهم في عائدات البترول بعد نضالهم الطويل الأمد وتضحياتهم لتحرير شعب جنوب السودان من الاستعمار العربي الإسلامي.
(2)
فالذي أراه هو أنه لن تكون هناك محكمة هجين ولا محاكمة لمشار. وستبقى ثقافة الإفلات من المحاسبة على الجرائم العالمية باقية في جنوب السودان. وستجد الدعم لها ليس فقط من السودان، الدولة الإجرامية الأولى بين دول الإيقاد صاحبة مشروع الاتفاقية والداعمة لرياك مشار منذ 1991. بل إن دول الإيقاد ذاتها ستتنصل عن هذي فكرتها السخيفة، فكرة المحكمة الهجين. وسيهب القادة الأفارقة إلى نجدة مشار وسلفا. مافي داعي للمحكمة مادام الحكومة الانتقالية شغَّالة. وكذا ستنضم إليهم جوقة الترويكا وبقية الدول الأوروبية. ودائما هنالك ذلك الدعم الأكاديمي الأمريكي الأفريقي، بمسوح عقلانية العلم والمعرفة، من البروفيسور محمود مامداني. وبقية الزفة.
جميعهم سيؤيدون إرجاء أمر المحكمة الهجين، وسيتفقون على الفهم الاستعماري الجديد، أن الدول الأفريقية ذلك هو حالها وتلك هي ثقافتها، فلابد من "حلول أفريقية لمشكلات أفريقية". وسيتم ترداد الهراء عن السياق، وعن تاريخ العنف في جنوب السودان، وعن أن السلام أهم من العدالة، وعن أولوية المعافاة، والغفران، والعفو، ربما اعتذار بسيط كفاية، وبالطبع سيمتد الهراء إلى ورش عمل لعدالة تصالحية وكمان معاها شوية "حقيقة". المنظمات.
(3)
أما وذلك هو الحال في تقديري، يتعين على المثقفين من جمهورية جنوب السودان أن يتأملوا في وضعية رياك مشار ووضعية سلفا كير. حينئذ، سيعرف كل مثقف، إن هو أعمل الأمانة العلمية والشجاعة الأخلاقية، وهو ما يحتاجه جنوب السودان اليوم، سيعرفون أنه لا مكان لأي من هذين القائدين في ترتيبات ما بعد النكبة المستمرة، النكبة التي كشفت طبيعةَ الدولة الإجرامية الفاسدة، ذاتها التي نشأت في مغالبة الدولة الإجرامية الفاسدة العربية الإسلامية ونقلت منها منهجها في الإجرام والإفساد. لم آت بجديد هنا، فهذا الصوت يتردد يردده بعض أهل جنوب السودان، منهم جوزيف لاقو.  
(4)
عليه، يجب رفض هذه الاتفاقية الاستعمارية التي فرضتها الإيقاد والترويكا، في مخالفة للقانون الدولي، رفضها لأسباب مختلفة غير أسباب الرفض من قبل سلفا أو أسباب مشار. ومن ثم يتعين على المثقفين تثقيف أهل جنوب السودان حول الاستعمارية الجديدة المركبة بها هذي المحكمة الهجين والاتفاقية أساسها. ويتعين أيضا الإندراج في مقاومة سلمية علنية لإقصاء سلفا كير ورياك مشار من أية ترتيبات في الحكومة الانتقالية، والعمل على تقديمهما إلى المحاكمة لدى محاكم جمهورية جنوب السودان الوطنية.
فلن تكون المحكمة الهجين، في حال تم إنشاؤها، أفضل من محاكم جنوب السودان الراهنة، والمحاكم الوطنية ليس هناك ما يمنعها من أن تستدعي قضاة من دول أخرى وقانونيين ليساعدوها في تطوير نظامها القضائي للاضطلاع بمهمة المحاسبية الجنائية والمدنية على جميع الجرائم التي تم اقترافها في الحرب الأخيرة وفي الحروب قبلها أيضا. فتأمل في غباء الاستعمار الأفريقي الجديد، يظن أن المذابح في جنوب السودان بدأت بتاريخ 15 ديسمبر 2015، الخط التاريخي الفاصل الذي حددته الإيقاد!
(5)
كذلك ستكون المحكمة الهجين صرفا ماليا لا معنى له، وسخفاً، وتأخيراً، وتنطعا قانونياً، وفسادا قضائيا أيضا. ولنتذكر محكمة رواندا في تنزيانا. فساد وفضائح وسرقة بواسطة المسؤولين عنها والموظفين واحتيال من ممثلي الدفاع المعينين تَبَيَّن أنهم من القتلة في رواندا ارتدوا بزات فرنسية الصنع أو بلجيكية احتالوا بها وتم تعيينهم في المحكمة بمرتبات تدفعها الأمم المتحدة. نصف بليون دولار ثمن محكمة رواندا، ضاعت هباء في محاكمات ضعيفة طالت بضعة أشخاص، ولم تعنِ كثيرا للضحايا أو للمواطنين البعيدين في رواندا. وظل كاقامي الدكتاتور الجديد في رواندا، يقمع معارضيه، ويعدل الدستور ليظل رئيسا مدى الحياة. فما إرث محكمة رواندا لتغيير ثقافي في رواندا؟  
وفوق ذلك، أرى المحكمة الهجين تضييعا للفرصة المواتية الآن لإنشاء نظام عدلي وطني من جديد في جنوب السودان، من الأول، من البداية، على أسس جديدة، وأن تكون أولى مهام هذا النظام العدلي الوطني محاكمة جميع الذين اقترفوا الأفعال الإجرامية ضد المدنيين، أو حتى ضد العسكريين، كل واحد منهم. حيث لا يوجد هم بموعد أو توقيت تحدده مجموعة دول أفريقية استعمارية. فتستمر المحاسبية دون سقوط حق بالتقادم.
(6)
ولا يعني ذلك أنه لن تكون هنالك فرصة للمصالحة أو المعافاة. فتقنيات العدالة الانتقالية متكثرة يُختار منها ما هو ملائم. فحتى الذي تتم محاكمته ومعاقبته في المحكمة الجنائية، سيتعين عليه أن يجبر الضرر الذي تسبب فيه لن يعفيه من ذلك إلا عفو من قبل المضرور أو أصحاب الحق، بدون ضغوط من لجنة عدالة تصالحية أو ما يسمى "حقيقة" بفهم لجنة التحقيق الأفريقية.
ويمكن الوصول إلى الحقيقة المحلية بجميع مادياتها بالتحقيقات التي لا تتوقف، مجال القيام بها في الجامعات متعاونة مع السلطة القضائية الجديدة، ذاتها الجامعات التي يجب أن تغير مناهجها ومجمل هيكلتها وأجندتها القديمة للتعامل مع الكارثة المتمثلة في انهيار الدولة في جنوب السودان وفي تردي هذه الدولة الجديدة إلى عصابات قبيلية للنهب ولاقتراف الجرائم العالمية، أرقى مراحل الإجرام للسيطرة على جهاز الدولة، يعرف أهل العصابات أنه لا قيمة لهذا جهاز الدولة إلا لتسهيل النهب.
(7)
وعلى المحامين الوطنيين أن لا يوجهوا أنظارهم إلى الاتحاد الأفريقي ينتظرون اختيارهم بالواسطة أو بالرشوة في هيئة الدفاع المقررة في المحكمة الهجين الاستعمارية، بل أن ينظروا في كيفية تسجيل بلاغاتٍ نيابةً عن الضحايا وأسرهم، لدى الشرطة، نعم ذاتها الشرطة القبيلية الفاسدة، ستسجل هذه البلاغات.  
فمقاومة فساد الشرطة وفساد أجهزة العدالة، وهي مقاومة مستمرة لا تتوقف، بل تكون من خلال عمليات إدراج هذه المؤسسات في تنفيذ مقتضيات المحاسبية، وهو مشروع سيمتد عبر أعوام، ربما عشرين عاما ويزيد.
وإلا فكيف سيتعلم أهل جنوب السودان شيئا عن سيادة القانون، أو عن حكم القانون؟ أمِن المحكمة الهجين بِتاعَتْ الاتحاد الأفريقي، اتحاد الحكام الأفارقة الطغاة الفاسدين، يظلون حتى الآن في خدمة المستعمِر القديم؟
(8)
من أغرب وقائع جنوب السودان خلال الكارثة صمتُ النيابة وصمتُ السلطة القضائية (أين القاضي شان ريش مادوت؟)، ولدى النيابة والقضائية الدستورُ الانتقالي الذي يسمح لهما بأن يقودا العمل القانوني والقضائي لرفض تدخل دول الإيقاد فيما لا يعنيها، وإصدار قرار قضائي، على أساس الدستور، يرفض المحكمة الهجين ويرفض التدخل الأجنبي الإضافي الاحتيالي، حدود الإيقاد في وساطة وقف النزاع. حيث لا مسوغ في القانون الدولي لهذه الدول الأفريقية لتدعي بالاحتيال أية شرعية للتدخل في قضايا المحاسبية والعدالة. بسبب طبيعة نظم الحكم في هذه الدول الأفريقية ذاتها، من حيث امتهانها حقوق شعوبها وممارستها التقتيل والتعذيب وكتم الحريات وصناعتها الفساد. انظر السودان وتأمل فتفكر. وانظر إيرتريا وكينيا وأثيوبيا ذاتها ويوغندا والصومال. وجيبوتي موقع الإيقاد، برئيسها مُعدِّل الدستور ليستمر في الحكم، وبقضائيتها الفاسدة تقاضي من ينتقدها، وبانعدام حرية التعبير فيها.
وحيث لا توجد أية قيمة إضافية للمحكمة الهجين. ستكون فاسدة مثلها مثل محكمة رواندا.  
ويمكن للنيابة والقضائية في جنوب السودان تثبيت العدالة الجنائية بواسطة المحاكم الوطنية والمحاكم العرفية المحلية، بالتحقيق أولا مع سلفا كير ومع رياك مشار ومع أعوانهم، ومع كل من يتقدم شخص بشكوى ضده، وتقديمهم إلى المحاكمة بالوسائل القانونية المتاحة في الدستور وفي القوانين الوطنية. فإن لم تفعل النيابة والقضائية ما ينبغي عليهما فعله لن يكون ذلك لأسباب غير هوية الأشخاص المحددين المسؤولين في النيابة والقضائية، مما هو مقدور عليه.  
 إنه منطق الجدل، به يخلِق الانهيارُ التام لجمهورية جنوب السودان الظروفَ الموضوعية للتغيير، لتركيب مؤسسات وطنية جديدة ترفض سيطرة المنظمات الأجنبية وهيمنة منظمات الأمم المتحدة، وترفض الاستعمار الأفريقي الجديد بواسطة الدول الأفريقية مضطهدة شعوبها، بما فيها دول الإيقاد.
تاسعا،
خاتمة الفساد
(1)
ومع ذلك أعلاه، لن يتغير شيء في جنوب السودان، أُنشِئت المحكمةُ الهجين أم تم نسيان أمرها، ارتقت النيابة والقضائية إلى مستوى الأحداث المصيرية أم آثرتا الخنوع، لن يتغير شيء نحو الأفضل ما لم يتم وضع "الفساد" على رأس قائمة المشكلات في جنوب السودان. فكل مشروع من أي نوع، مهما كان أمره، بما في ذلك تقديم المتهمين بالجرائم العالمية للمحاكمة، أو إنشاء مدرسة، سيكون مآله الفشل ما لم يكن تخريب معامير الفساد جزءا أساسيا مكوَّنا فيه، بل المكوِّن الأساس.
أي، ينبغي إدراج مقاومة الفساد في جميع مشروعات التغيير، من الأول، واعتماد عقيدة "من أين لك هذا؟" بالإضافة إلى إنشاء برنامج منفصل له الأولوية رقم 1، هو استعادة الأرصدة المنهوبة. بطريقة تختلف عن المحاولات السابقة التي فشلت وفيها محاولة البنك الدولي. وهنالك المحاولة الفاشلة التي اعتمدها سلفا كير لاستعادة الأرصدة المنهوبة. برسالته إلى 75 من كبار المسؤولين يترجاهم أن يعيدوا البلايين التي نهبوها، وطلب منهم أن يودعوها في بنك في كينيا، قاعدة الفساد في شرق أفريقيا، مع الوعد بأنه سيعطيهم منها شيئا لأطفالهم ولن يفضح سرهم! فضحكوا جميعهم عليه، كل واحد منهم ضحك ملء شدقيه. بل بالقهقهة في  الضحك على سلفا كير أعاد ثلاثة أو أربعة منهم بضعة جنيهات، بالعملة المحلية، من عشرات ملايين الدولارات كانوا نهبوها، على سبيل الاستملاح والمضاحكة مع سلفا.
(2)
ركب مشار موجة مكافحة الفساد. وقال إن سلفا فاسد. بينما يتعين على كل مسؤول حكومي أو عضو في الحركة الشعبية يريد أن يتصدى للفساد أن يتحلل أولا، وأن يكشف في البداية جميع حساباته البنكية السرية له ولأفراد أسرته وأن يودع إقرارا بإبراء ذمته يكون خاضعا للمراقبة على مدى خمسين عاما. وأن يفسر مصادر ممتلكاته. فقط بعد ذلك يمكنه أن يلقي على الآخرين دروسا عن مكافحة الفساد.   
كذلك نلاحظ أن كل الحديث عن الفساد من قِبل جميع قادة جنوب السودان يظل مبهماً وهروبيا ومُخلَّطا بتعقيدات وبسرد الروايات عن الأخلاق والنقاء خلال فترة النضال. ولم يقدم أي من المتهمين بالفساد ردا شافيا يفحم متهِمِيهم. وهنالك الدعوة أن يتم الحديث عن الفساد في النهاية، بعد تحقيق السلام!
فالفساد كان ويظل هيكليا ومنتظما ومستحوِذا على جميع مساحات الدولة الجديدة. وجميع فئات الحركة الشعبية متورطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الفساد، إن لم يكن لمصلحتها المباشرة فبتقصيرها وبسكوتها عليه أو بخوفها من أن لا تلحق بقطار الفساد. فهنالك دائما من ينتظر دورَه فيما يعتبره استحقاقه الشخصي من عائدات البترول.  
ولنتذكر أن مشار، وأعدائه من قادة الحركة الشعبية لم يتقاتلوا بالضراوة والاستماتة في أي مكان مثلما فعلوا للاستيلاء على آبار البترول في ولاية الوحدة وفي ولاية أعالي النيل. ولنتذكر أنهم دمروا كل المنشآت والممتلكات في المناطق التي كانوا استهدفوها، باستثناء آبار البترول. فكلما استولت فئة على آبار البترول ورأت أنها منهزمة أمام تقدم الطرف الآخر، تقهقرت وولت هاربة دون تدمير آبار البترول أو المنشآت التابعة لها، بينما تدمير المنشآت الاستراتيجية هو التقنية العسكرية المعروفة ومحمية بفقه في القانون الإنساني الدولي لأنها ليست مستشفى ولا مدرسة ولا مزرعة.
كانت كل فئة تعرف أنها ستعيد الكرة، ولها مصلحة في المحاولة من جديد لتحقق الهدف الاستراتيجي من النزاع، عائدات البترول. وكل منها فعلت ذلك. حافظت على آبار البترول حين احتلتها وحين تم إجبارها على الانسحاب منها. بينما قبلت كل فئة أن تدمر كل شيء ما عدا آبار البترول، بما في ذلك تدميرها البشر والثروة الحيوانية والأغذية والبيوت، بل هي دمرت الحياة ذاتها، وتركت آبار البترول.
(3)
وحتى هذه المحكمة الهجين، ذات الادعاءات الصفيقة، أداةٌ لتكريس الفساد. لم تقل الإيقاد في الاتفاقية إنه "يجب عليها"، في جميع الأحوال، كمحكمة، أن تسترد الأرصدة المنهوبة. بل غلَّفت الإيقاد الماكرة تعرف أنها كذلك تحالفُ رؤساءٍ من بينهم محتالون، غلفت الإيقاد الموضوع في لغة خداعية ضعيفة، بالقصد، وقالت إنه "يجوز" للمحكمة الهجين أن تسترد الأرصدة المنهوبة، may. فقط لإرضاء الترويكا التي لا تريد أن تدفع فاتورة تعمير جنوب السودان. والجائز مندوبٌ يمكنك أن تتجاهله دون خوف من عقاب.
لقد فكرت الإيقاد في كل شيء حين صممت لغة المحكمة الهجين في الاتفاقية الاستعمارية الاحتيالية. وهي اتفاقية أعادت الاستقرار بالدرجة الأولى لصالح الفئات الحاكمة المتنفذة، ذاتها التي اقترفت الجرائم العالمية ونهبت أموال البترول، أتاحت لها الإيقاد الفرصة لتتفق الآن، مجددا، ولتبدأ، من الأول، من جديد، مرة أخرى، في تركيب دورة جديدة للنهب. النهب، هذه المرة، بصورة أكثر ذكاء وأبشع شطناً.
وذلك هو التحدي الذي ينتظر المثقفين الملتزمين جانب شعب جنوب السودان.
...
د. عشاري أحمد محمود خليل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.