المغالطات في مقال الأستاذ خالد التيجاني النور

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
المغالطات في مقال الأستاذ خالد التيجاني النور
لابد أن المغالطات في مقال الأستاذ خالد التيجاني النور في سودانايل، "الشعب أم الطبقة الحاكمة؟"، لم تغب عن أذهان كثير من القراء وهم يغالبون زخم "انتفاضة السدنة" (مقال سيف الدولة حمدنا الله). ومع ذلك، لابد من ملاحظة هذه المغالطات وتسجيلها وتحليلها حتى لا تنطلي على أحد، وحتى نتعرف عليها حين نلتقي بها مجددا في مثل هذه الكتابة الذكية ذات الأغراض الخفية تحت ستار الانتقاد.
يبدو مقال الأستاذ خالد، وله أشكال سابقة مماثلة، وكأنه انتقاد لسلطة الإنقاذ، لكنه في الواقع دفاع مستميت عن نظام الإنقاذ.
يريد الكاتب بلغة المقال أن يُثَبِّت في مخيلة القارئ أن مشكلة نظام الإنقاذ تتمثل في تقنيات وفنيات إدارية بسيطة. وخلص في مقاله إلى أن النظام عمل غلطة، حين أوكل أمر الحكومة لـ "فئة محدودة القدرات متواضعة الأداء، بلا خيال، لا تملك رؤية، وتفتقر لإلهام القيادة، لم تتعلم شيئاً ولم تنس شيئاً". هذه هي المشكلة، في تقدير الأستاذ خالد، الذي تساءل ببراءة: إذن، "فمن أين يأتي الفلاح؟". هكذا، مجمل المقال وملخصه.
لا يتطلب الأمر أن نغوص في أعماق هذا المقال، ويكفي أن نفسر ظاهر النص لنبين المغالطات فيه، وأن نورد دلالات هذه المغالطات بشأن الطبيعة الحقيقية لنظام الإنقاذ. طبيعة النظام التي يخفيها المقال بالمغالطات وبالأغاليط، أهمها التلهية بالأسئلة المتكثرة غير الصحيحة لنتشاغل بها عن السؤال الجوهري. والقصد هو استبعاد هذا السؤال الجوهري عن "طبيعة نظام الإنقاذ" من دائرة النقاش حول الموضوع مناط التدخل بالكتابة، هنا سقط قول وزير المالية إن الشعب السوداني مسؤول عن تدهور الاقتصاد السوداني، وهي أقوال لا تختلف كثيرا في سقطها عن أقوال سلفه علي محمود المعروفة أقواله عن "الحبشيات الشغالات في المنازل" اللاتي كن يستفدن من دعم الدولة للمحروقات كذلك هن سبب المشكلة الاقتصادية!
بهذا التكتيك الإستبعادي لطبيعة نظام الإنقاذ، أطَّر الأستاذ خالد  الموضوع محل النقاش على نحو مغاير غير صحيح، على النحو التالي:
"كيف انتهى نظام الإنقاذ إلى هذا الفشل الذريع ... وهذه النتيجة المؤسفة؟"
"لماذا لم تنجح هذه الطبقة الحاكمة في بلورة مشروع وطني يحقق شروط النهضة ...؟"
 فالافتراض التحتي الذي يزلقه الكاتب دون إفصاح في مقاله هو أنه كان ويظل بإمكان الإنقاذ أن تحقق شيئا للسودان، وأنه ما يزال عند الإنقاذ فرصة أن تفعل ذلك، بالتخلص من هذه الفئة محدودة القدرات ومن عمر البشير غير الملِهم، على سبيل المثال، وأن توكل الإنقاذ الأمر لفئة إسلامية أخرى أفضل تأهيلا، بقيادة ملهِمة كذلك إسلامية.
...
خدعة الانقلاب الإسلامي
والذي أراه أن الأستاذ خالد يُثَبِّتُ بمقاله خدعة المثقفين الإسلاميين المتحالفين مع العسكر ويعيد إنتاج الخدعة بتغليفٍ مستحدثٍ. خدعتهم في أقوالهم الأولية أنهم كانوا جاءوا بالانقلاب "لإنقاذ السودان"، ولما يسميه الكاتب "بلورة مشروع وطني يحقق شروط النهضة".
فالأستاذ خالد يعتمد مسَلَّمةً مؤداها أن هؤلاء المثقفين الإسلاميين كانوا فعلا جاءوا لإنقاذ السودان، وأن كل ما حدث، للأسف، هو أنهم جربوا بحسن نية وفشلوا، لأسباب فنية ونفسانية أوردها في مقاله، من نوع "شح النفس وقلة الصبر" والولوغ في "ثقافة الاستهلاك".
بينما نعلم بالتجربة أن المثقفين الإسلاميين كانوا جاءوا بانقلابهم العسكري كفعل في مسار أفعال مستمرة ومدبرة سبقته، بقصد نهب مقدرات السودان وثرواته. وهم بالانقلاب العسكري نجحوا في ذلك نجاحا باهرا، بطريقة تفوق الوصف. مما لا يحتاج لأي إثبات إضافي غير ما يعرفه أهل السودان، بما فيهم المثقفون الإسلاميون المتحللون من نظام الإنقاذ، مثل د. الأفندي وكتابته عن فساد الإنقاذ، ود. الطيب زين العابدين، ومثل الأستاذ خالد ذاته في مقاله عن "سر الفساد وجهره".
لكن هؤلاء الإسلاميين المتحللين إنما يريدون بانتقادهم فرصة تانية لحكومة إسلامية مُحسَّنة تكون عندها شوية أخلاق، و"علو همة ورفعة نفس"، ولو أمكن كمان تكون بتاعة دسترة وحقوق إنسان واحترام للنسوان، وكدة يعني.
...
النجاح منقطع النظير لنظام الإنقاذ
ليس "الفشل الذريع" الذي يعزوه الأستاذ خالد للإنقاذ المشكلة الجوهرية، وليست المشكلة متمثلة في "النتيجة المؤسفة" التي يتحدث عنها في مقاله. ذلك أنه لم يكن ممكنا أصلا للإنقاذ أن تحقق إلا ما حققته من "فشل" في المجالات التي اختارها الأستاذ خالد للتدليل (مشروع الجزيرة، سكة حديد، سودانير، إلخ). بينما الإنقاذ أصلا لم تأت لغير ما حققته.
وأرى أن الذي يسميه الكاتب "الفشل" بل هو النجاح الباهر في تحقيق الهدف الاستراتيجي الحقيقي وراء خدعة المشروع الحضاري، هدف نهب الموارد. وهو لم يكن هدفا جديدا أو طارئا أو وليد حالة دوران الحياة السياسية. بل كان مناط الفعل الانقلابي ذاته من البداية، وكان تم رسمه منذ المصالحة التاريخية مع نميري. نعرف ذلك لأنا نعرف اليوم كيف يفكر المثقفون الإسلاميون، وقد بينت الأيام ما كانوا أخفوه بالتدليس وبالخداع.
ولا يغير من ذلك أن جموع الشباب الإسلاميين السذج كانت مخدوعة من قبل قياداتها ذات القدرات، فصدقت الرواية السخيفة عن أن إنقاذ السودان سيكون بالإسلام. وكأنما كان الإسلام أمرا جديدا على المسلمين العاديين الذين أصلا كانوا يعيشون حياتهم بالإسلام، بجمالياته وبروحانياته وبالمشاغبة بالتغاضي عن ما وجدوه فيه من أمور الخيال غير القابلة للتصديق، وبرفض كل ما أدركوا أن العقل لا يقبله، أو أن الطبيعة البشرية ترفضه والوجدان السليم يستفظعه.
وحتى إذا قبلنا افتراضا أمثلة التلهية بالمشروعات الفاشلة التي أوردها الأستاذ خالد التيجاني النور، نجد أن فشل هذه المشروعات مرتبط بالدرجة الأولى بـ "طبيعة نظام الإنقاذ"، من حيث إسلاميته، كنظام، ومن حيث فساده، وإجرامه. مما سأعرض له في هذا المقال باختصار.
...
السؤال الجوهري: ما طبيعة نظام الإنقاذ؟
هذا هو السؤال الجوهري والصحيح، "ما طبيعة نظام الإنقاذ؟" فما أن نجيب عنه حتى تظهر مظان الإجابة عن الأسئلة الفرعية والثانوية المتكثرة، منها أسئلة الأستاذ خالد عن أسباب ما يسميه "الفشل" بينما هو النجاح منقطع النظير للمشروع الحضاري المشدود إلى صناعة الفساد.  
فطبيعة نظام الإنقاذ، كنظام، من حيث إسلاميته وفساده وإجرامه، ثلاثتها المكونات الجوهرية المتداخلة في تركيبة الإنقاذ، هي التي يتهرب منها الإسلاميون المتحللون، ومن ثم نجدهم يختلقون مثل هذه الأسئلة التضليلية من الدرجة الرابعة التي نجد أشكالا لها في مقال الأستاذ خالد. وهم يصمتون عن كل حديث ذي معنى حول كيفية التخلص من نظام الإنقاذ الذي يتصنعون أنهم ينتقدونه بينما هم تِحِت تِحِت يحبونه ويدافعون عنه، وكذا يصمتون عن طبيعة البديل العقلاني الذي يتعين على السودانيين تحديد ملامحه وصياغته بالكتابة لتسهل مناقشته بصورة واسعة. وهو بديل في تقديري لا مكان فيه للشريعة الإسلامية في نظام الحكم أو في المؤسسات العامة أو في ترتيب الحياة الخاصة بواسطة الدولة. فألتفت إلى المكونات الثلاثة المتداخلة في تركيبة نظام الإنقاذ، إسلاميته، وفساده، وإجرامه.
...
أولا،
إسلامية نظام الإنقاذ بتطبيق الشريعة
ما إسلامية نظام الإنقاذ، وهو نظام إسلامي باعترافه، إلا ممارساته الفعلية. نتعرف عليها بالنظر في الواقع وماديته. في الحروب الجهادية التي شنها هؤلاء الإسلاميون أصحاب الإنقاذ ضد أهل الجنوب ودار فور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وتجويعهم للمواطنين في هذه المناطق وتقتيلهم وحرق مساكنهم ومزارعهم، وتشريدهم وترويعهم. بالإضافة إلى واقع الميلشيات الإجرامية في دارفور وامتداداتها في جنوب كردفان، وكذا ميليشيا القوات المسلحة بشعارها المعروف الله أكبر، بالطبع الله أكبر على النساء والأطفال وهم الأغلبية الساحقة من ضحايا عدوان المثقفين الإسلاميين ضباط القوات المسلحة السودانية.
والواقع ماثل في استشراء  الفساد الإسلامي، وهو سياسة التمكين ذات اللغة الفقهية التبريرية. وفي خطابِ الكراهية وازدراء المثقفين الإسلاميين كل من لم يكن على شاكلتهم "إسلاميا".
ودونك واقع الممارسات الإجرامية والفسادية اليومية، تحت ستار الدين الإسلامي، في مساحات نظام الحكم وفي مؤسسات الدولة، كالقضائية الإسلامية الفاسدة والنيابة والشرطة، ووزارة المالية موضوع المقال، وجهاز الأمن والمخابرات الوطني، وغيرها من مؤسسات ووكالات إدارية ومعتمديات. وامتد فساد النظام الإسلامي بتعبئة أدوات السلطة الإسلامية في مساحات الحياة المجتمعية الخاصة، بقوانين النظام العام وبقانون الأحوال الشخصية وبنظام الحسبة من قبل عملاء النظام وجواسيسه في الأحياء السكنية.
وكذا نعرف مادية إسلامية نظام الإنقاذ في تعبئة المثقفين الإسلاميين أدوات العنف والقهر وإرهاب الدولة لخلق حالة عامة من الخنوع بين الشباب. مثالا، بالتقتيل الوحشي للشباب في سبتمبر 2013، دائما التقتيل لحماية الدولة الإسلامية.  
...
كذلك تتمثل إسلامية نظام الإنقاذ في أنه بدون منازع النظامُ النموذجُ الصحيحُ لتطبيق الشريعة الإسلامية وتنزيلها بطريقة صحيحة في نظام الحكم وفي المؤسسات العامة  وفي الحياة المجتمعية الخاصة.
ولا يوجد أي نظام آخر في الدول ذات الأغلبية المسلمة حُظي بجمع من المثقفين ذوي القدرات العلمية والتقنية والإدارية والقانونية والفقهية والصحفية مثلما توفر لدى قيادات المثقفين الإسلامين الذين تحالفوا مع العسكر الإسلاميين لتنفيذ ذلك انقلابهم ولتركيب نظام دولتهم الإسلامية في السودان.
وكذا توفرت لدى هؤلاء الإسلاميين بلايين الدولارات من الثروة البترولية الضرورية، ومن ثروات الذهب والمعادن الأخرى وريع الجباية من الثروة الحيوانية والمنتوجات الزراعية، والثروة من الزكاة المفروضة جزية يعطيها المسلمون عن يد وهم صاغرون، وتوفرت لهم صداقة دول فاسدة مثل الصين تحمي جرائمهم العالمية وتقترف الجريمة العالمية معهم في أرض السودان (دفن النفايات)، ومثل مليزيا ذاتها التي يحتفي بنموذجها الأستاذ خالد الذي تصنع أنه لا يعرف أن مليزيا دولة فاسدة وأنها الملاذ الآمن للأرصدة المنهوبة بواسطة المثقفين الإسلاميين السودانيين.
اِستَخدَمَ المثقفون الإسلاميون هذه الموارد لتثبيت أركان دولة إسلامية كانت أصلا مقصدهم كالوسيلة الضرورية لنهب الموارد. فالصحيح هو أنهم نجحوا فيما جاؤوا لتحقيقه. ولا تعدو الأزمة الاقتصادية المتواترة الراهنة وأشكالها ما كانوا توقعوه أصلا. ولكي يتجاوزوا كل أزمة اقتصادية، لديهم القدرة الكافية لتركيب خطاب مضاد منسوج بالكذب والخداع لتزيين الباطل وإلقاء اللوم على الآخرين. بالإضافة إلى مخزونهم من أدوات العنف الجسدي. وهنالك دعم الدول العربية الصديقة التي خدمها المثقفون الإسلاميون بتوفير وحدات المرتزقة من القوات المسلحة السودانية لتحارب نيابة عن أبناء الشيوخ العرب  في حرب عدوانهم على اليمن وضد الحوثيين أصحاب الحق لهم قضية في وطنهم.
...
ليس ضروريا أن نخادع أنفسنا. لأن نصوص الشريعة في القرآن وفي الحديث فيها ما يكفي من وضوح معاني الكلمات ومن مداخل التأويل غير الاحتيالي ليستبين لنا أن إسلاميي السودان في الجبهة الإسلامية/الإنقاذ/المؤتمر الوطني لم يأتوا ببهتان. بل طبقوا الشريعة بصورة تأصيلية صحيحة. وطوروها بالاجتهاد لتوائم ما ركبوه على أنه المستجدات في الحياة تدور، ولتستجيب إلى مصالحهم المرسلة، وكان نتاج اجتهادهم ما أسموه بصورة صحيحة أنه "الإسلام السوداني"، موديل 2014، مركَّباً وفق تصورهم للسودان وقراءتهم له، وهي قراءة صحيحة تمت عبر عدسة الشريعة الإسلامية. وهم ظلوا يطبقون الشريعة الإسلامية في أشكالها التطورية على  مدى ربع قرن ويزيد من الزمان، وهي مدة أطول مما كان أتيح لمحمد لتطبيق الشريعة في دولة المدينة. وكانت تطبيقاتهم دائما بالاجتهاد الصحيح مصدر صحته موجود في النصوص القرآنية وفي السنة. بما في ذلك تطبيقاتهم الصحيحة للعدالة الناجزة في فترة حكم جعفر نميري. وهنالك كتاب المكاشفي طه الكباشي (تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان، مطبعة الزهراء 1986) فيه مخطط عقلانية الجبهة الإسلامية، وهو كتاب صادق وأمين.  
...
فعلى الواهمين بأنه توجد شريعة إسلامية أخرى هناك في البعيد، غير هذي المطبقة من قبل ناس الإنقاذ، بنتائجها المادية الملموسة في الحياة اليومية، بما فيها انهيار الاقتصاد، عليهم أن يصحوا من هذا الوهم.
علما أن التطبيق الصحيح للشريعة بواسطة أهل الإنقاذ لم يكن إلا ليستخدموا هذي أحكام الشريعة لصناعة الخنوع بين الشباب بذلك مبددين طاقات الشباب الإبداعية الضرورية لكل نهضة اقتصادية. وخَدَمتْهم الشريعةُ تكأةً لملاحقة المخالفين في الرأي وتشريدهم في بقاع الأرض.
وكذا كان تطبيق الشريعة الإسلامية بغرض إسباغ مشروعية أخلاقية خارجية على نظام الإنقاذ وسياسته الاقتصادية. خارجية، بمعنى أنها مشروعية أخلاقية تتجاوز مخاطبة كيان المسلمين أنفسهم في السودان، وتستمد المدد بصورة مباشرة من نموذج دولة المدينة، ومن قراءة نصية تأصيلية صحيحة للقرآن وللسنة.
...
ولنتذكر أن المثقفين الإسلاميين المتحالفين مع العسكر كانوا أخفوا إسلاميتَهم، وأخفوا إسلامهم ذاتَه، وأنكروا أية رغبة لديهم بأنهم كانوا يريدون الحكم بالإسلام أو باسم الإسلام، خلال الأيام الأولى بعد أن نفذوا انقلابهم، فاحتالوا على  المواطنين المسلمين وغير المسلمين بتلك خدعة القصر للبشير والسجن للترابي. تحديدا، لمعرفتهم أن المواطنين السودانيين كانوا سيرفضون كل حكم إسلامي.
لم يكن إخفاء إسلامية النظام بسبب خوف هؤلاء المثقفين الإسلاميين من رد فعل العلمانيين، فقد اعتقلت الإنقاذ من البداية جميع قيادات المعارضة العلمانية والديمقراطية وأودعت أغلبية الشباب الحركيين في بيوت الأشباح، حيث تم تعذيبهم  بواسطة المثقفين الإسلاميين أنفسهم، وفق المعرفة السبقية المشتركة، ووفق التوجيهات المباشرة من شيخهم حسن الترابي خلال الفترات التي كان يتم فيها أخذ الترابي من سجن كوبر "للتحقيق بواسطة جهاز الأمن". كنت في سجن كوبر حين كان "جهاز الأمن" يأتي ليأخذ حسن الترابي، قائد الانقلاب، من زنزانته المصطنعة أو من العنبر المرائي، لإخضاعه للتحقيق! ولذلك كله فقهٌ إسلامي متكامل.
...
لهذه الأسباب، لا يريد الأستاذ خالد التيجاني النور، مثله مثل المثقفين الإسلاميين المتحللين في الظاهر من نظام الإنقاذ، تفكيك إسلامية الخداع في تنفيذ الانقلاب الذي جاء بالحكومة ذات المشروع الحضاري. ولهذه الأسباب نجد الأستاذ خالد يبتدر مقاله بتثبيت رواية زائفة عن حقيقة هذا الانقلاب الإسلامي. وأتحفنا في مقاله  بسؤال التلهية التالي:
"أين هو مردود الشعار الذي رفعته الحركة الإسلامية لـ "إنقاذ البلاد" وجعلته مسوغاً لمشروعية انقلابها العسكري بإعادة "صياغة الإنسان السوداني" لتحقيق "المشروع الحضاري" الهادف إلى إنتاج نهضة شاملة؟"
أي، أن المشكلة عند الأستاذ خالد ليست في طبيعة الانقلاب العسكري الإسلامي، أو في طبيعة المشروع الحضاري ذاته سبب الانقلاب، بل هي في ضعف المردود الاقتصادي من الانقلاب، وهو يريد أن يُثَبِّتَ فكرة الانقلاب كحدث تقني مجرد من مكوناته العقدية الإسلامية، ومن أهدافه السبقية واللاحقة المتغيرة، ومن الوسائل غير الأخلاقية التي استخدمها الإسلاميون لتنفيذه.
هكذا، برر الأستاذ خالد التيجاني النور الانقلاب العسكري. وقال إن ذلك الانقلاب ليس المشكلة، أيضا بسبب أن آخرين، يقصد الشيوعيين،  فعلوها قبل الإنقاذ. وهذه حجة منه بائسة لا تستحق الرد عليها.
...
ثانيا،
فساد نظام الإنقاذ بالتمكين
مضى الأستاذ خالد في مقاله يبرر سياسة "التمكين" على أنها كذلك لم تكن مشكلة. ودفع بأن التمكين "من سنن الاجتماع البشري". وهو يقصد إلى القول دون إفصاح إن "التمكين" من قبل المثقفين الإسلاميين في الإنقاذ حركة طبيعية. وإنها حركة مهمة لتنفيذ كل برنامج سياسي. هكذا بإطلاق، كان دفاع الأستاذ خالد عن التمكين:
...
"لم يكن "التمكين" في ذاته هو المشكلة، فمن المتوقعِ لأي مشروع سياسي يرفع شعارات تغييرٍ كبرى أن يُمكّنَ لنفسِه بما يجعله قادراً على تحقيق شعاراته المرفوعة،
ولذلك صنعت "الإنقاذ" لنفسها طبقةً اجتماعية جديدةً ذات خصوصية كما تقتضي سنن الاجتماع البشري، وجرى تمكينها بالكامل من كل مقدرات الدولة والمجتمع،
ولكن السؤال لماذا لم تنجح هذه الطبقة الحاكمة في بلورة مشروع وطني ...؟"
...
فالمغالطة بالذرائعية واضحة في محاجة الأستاذ خالد. واضحة من الواقع التجريبي المعروف عن نظام الإنقاذ. فليس التمكين إلا تقنية، ابتدعها الإسلاميون لصناعة الفساد. والفساد هو التعبير الصحيح لما يسميه الأستاذ خالد "التمكين". فبسبب معرفة نظام الإنقاذ أن السودانيين سيرفضون كل حكم إسلامي، كان لابد للنظام من تمكين فئات المثقفين الإسلاميين والتجار الإسلاميين والعسكر الإسلاميين وأساتذة الجامعات الإسلاميين والصحفيين الإسلاميين والمهندسين والأطباء الإسلاميين وغيرهم، والشيوخ المتأسلمين. ومن ثم، طرَدَ المثقفون الإسلاميون في نظام الإنقاذ كلَّ من لم يكن على شاكلتهم إسلاميا. ليخلو لهم المجال، لصناعة الفساد وتحقيق الثراء لهم كفئة إسلامية ألهبت مشاعرَ الجشع لديها تجربتُها في الفساد أيام نميري وبعده، وكذا كانت تحركُ مطامعَها الذاتيةَ صناعةُ الفساد في حكومة الصادق المهدي.
فعدم أخلاقية التمكين، من حيث إن التمكين تكنولوجيا صناعة الفساد، هو ما يستبعده من النقاش مقال الأستاذ خالد. الاستبعاد بالتقنية المزلقة خلسة بالقول إن بروز "الطبقة الاجتماعية"، ويقصد الإسلاميين الذين تم تمكينهم، من مقتضيات "سنن الاجتماع البشري". وما دام ذلك هو كذلك من أمور الطبيعة البشرية في سرمديتها الاجتماعية، لا نستغرب أن الأستاذ خالد لا يرى أية مشكلة في فساد الدولة الإسلامية السودانية أو فساد سدنتها من المثقفين الإسلاميين. ولا يعينه مقاله عن "سر الفساد وجهره"، فيه التدلُّه في عشق الأنظمة الدكتاتورية من إثيوبيا إلى سنغافورة، بروايات لا علاقة لها بالواقع في الدولتين اللتين تعرفان أشكالا مريعة للفساد ومثل الإنقاذ تقهران كل معارضة من كل نوع.
والتمكين، فوق فساده، كذلك جريمة شنيعة في حق السودان. به حرم المثقفون الإسلاميون أهلَ السودان من الخبرة والمعرفة التي يحملها عشرات الآلاف من السودانيين المُنزَّحين في دول المهجر أو المُقْصَيين داخل السودان. مما يقودني إلى إجرام الإنقاذ كمكوِّن متداخل مع إسلامية النظام ومع فساده.
...
ثالثا،
إجرام نظام الإنقاذ بالتعذيب الشرعي
أما إجرام نظام الإنقاذ فمشدود إلى أنه لم تقم أصلا للدولة الإسلامية ما قبل الحداثة وما بعدها قائمة إلا بالعنف والقهر وإرهاب الدولة. وهذا ما تفعله اليوم سلطة الإنقاذ، بالضرورة الحتمية. لأن كل نظام إسلامي لن يكتب له البقاء، خاصة في عالم اليوم حيث يرفض الشباب المسلمون أحكام الشريعة الإسلامية ويستفظعونها، لن يكتب له البقاء إلا بتكنولوجيا العنف والقهر وإرهاب الدولة.
حقيقة بدهية معززة بالتاريخ منذ فترة دولة المدينة، مرورا بجميع أشكال الدولة الإسلامية من الجزيرة العربية إلى الأندلس إلى إفريقيا،  مرورا بمسخ الامبراطورية العثمانية المعجبة بحكم النازيين والمقترفة جريمة الإبادة ضد الأرمن، مرورا بشكلها الحديث في مسخ دولة تركيا التي بإسلاميتها البراغماتية الشكلية أنست الإسلاميين السودانيين دور الأتراك في تعذيب أهل السودان. وانتهاء بداعش وأفغانستان وإيران، وبوكو حرام التي لها معجبون من بين السودانيين الإسلاميين والإسلاميين الجدد، والقائمة طويلة ممتدة. العنف والقهر والإرهاب، دائما.
قَدَرُ الإسلاميين أهل نظام الإنقاذ أن ينتحروا سياسيا بالتخلي عن برنامج الإسلام في نظام الحكم، مما يزيل أية مشروعية خارجية يدعونها، وينهي مباشرة أمر دولتهم الإسلامية، أو أن يظلوا على طريقتهم الراهنة مجبورين على اعتماد الإجرام بالعنف والقهر وإرهاب الدولة ضد معارضيهم وكذا لخلق الخنوع بين الشباب. لأنهم، كإسلاميين، في حكومة إسلامية، وبسبب معارضة الشباب المسلمين لبرنامجهم ولهم كإسلاميين، لن يتمكنوا من الحكم إلا بهذي أدوات العنف والقهر وإرهاب الدولة.
لا لأن هؤلاء المثقفين الإسلاميين مجبولون على العنف، وهم كذلك مجبولون عليه تربوا عليه منذ أن كانوا طلابا في الجامعات، ولكن لأن تكنولوجيا العنف والقهر وإرهاب الدولة ضرورية للتمكين، كالسيطرة على أجهزة الدولة، الوسيلة الناجعة لنهب الموارد.
فالمكونات الجوهرية الثلاثة في طبيعة نظام الإنقاذ متداخلة. عصبها الإجرام، في معية الإفساد بأجهزة الدولة المحتلة بالكامل من قبل العصابات الإسلامية.  
...
والذي أراه هو أن المعركة الحقيقية في السودان ليست هذه الأزمة الاقتصادية الأخيرة، بل موضوعها تنزيل الشريعة الإسلامية في نظام الحكم والمؤسسات وفي ترتيب الدولة للحياة الخاصة. يفترض الإسلاميون أن هذا أمر مفروغ منه وأنه التزام على جميع المسلمين في السودان. يعرفون أن ذلك محض احتيال. ومن ثم لا يكترثون لكون إن هذا التنزيل لا يمكن له أن يحدث دون مقاومة من المسلمين، أو من مسلمين. فعندهم تلك أدوات العنف والقهر وإرهاب الدولة، كأدوات يستحيل عليهم التخلي عنها. لأسباب اقتصادية عقلانية مناطها تسهيل ذلك نهب موارد السودان، ولضمان عدم تجريدهم من الأرصدة المسروقة المخبأة في بنوك ماليزيا محل إعجاب الأستاذ خالد.
ولنتذكر أن النصوص الشرعية الواضحة التي يشيح كثير من أهل المعارضة بأعينهم عنها، بل تبيح لنظام الإنقاذ الإسلامي ما يمكن تكييفه بالقانون الطبيعي أنه التسبيب دون سبب مشروع للإيذاء الفظيع وتسبيب الألم، وهو موضوع الجريمة. فأمثل لخاصية الإجرام كمكون جوهري في طبيعة نظام الإنقاذ، التمثيل بالتعذيب الشرعي على أيدي قضاة الإسلام الذين يستخدمون النصوص الصريحة في القانون الجنائي الإسلامي لإيقاع العقوبة القاسية غير الإنسانية وغير الطبيعية أصلا، النصوص الصريحة التي تفرض جلد المرأة وإهانتها بشأن أفعال لا حق للدولة أن تتدخل فيها.
وذلك جلد المرأة كاف، في ذاته وعلى استقلال، وبصورة نهائية، لرفض كل نظام سياسي ينزِّل الإسلام في أجهزة الدولة التنفيذية أو التشريعية أو القضائية أو في المؤسسات العامة أو في ترتيب الحياة الخاصة، في عالم اليوم، وعالم اليوم هو العالم الوحيد الجدير بالاعتبار حين يتعلق الأمر بالقانون، لا عالم دولة المدينة، ولا العالم الذي ركبه المثقفون الإسلاميون في أدمغتهم، متفقين عليه بليل فيما بينهم كإسلاميين.
إن الجلد القانوني للمرأة عقوبة إسلامية أصيلة لها أساس في النصوص الشرعية الواضحة. وهو الجزاء الإسلامي في دولة الإنقاذ الإسلامية الحديثة ضد أفعال شتى منها هنا ارتداء المرأة ما تريد من زي وفق تقديرها لكنه زي لا يتسق مع النصوص الشرعية الواضحة، ولا مع مواد القانون الجنائي الإسلامي، ولا مع تقديرات نظام الحسبة المنفذ من قبل الموظفين في الحكومات الولائية، وفي الشرطة الإسلامية.
تحسب المرأة المسلمة في السودان أن تقديرها بشأن ما ترتدي من ثياب بدون معقب من قبل المثقفين الإسلاميين على ذلك قرارها الشخصي سيكون ممكنا. وهي واهمة في هذيانها الذي لا يقتصر على موضوع الزي الإسلامي.
وحتى لا يكون الكلام عن إجرام نظام الإنقاذ في هذا المجال الحياتي المحدد مجرد كلام، أحيل القارئ إلى الفيديو المعروف الذي لا يريد المثقفون الإسلاميون تذكيرهم به. أسترجعه لأضعه في قلب هذه المحادثة المثارة في مقال الأستاذ خالد عن وزير المالية الإسلامي. ليس على سبيل الإقحام وإنما بالواضح من منطلق أن جميع الحلقات متصلة، ومن منطلق أن المكوِّنات متداخلة مصدرها ومآلها في جوهرية "طبيعة نظام الإنقاذ"، من حيث إسلامية هذا النظام وفساده، وكذا من حيث إجرامه.
أريد للقارئ أن يتفكر بعمق في "طبيعة أفعال نظام الإنقاذ". وأن يتذكر أن أسئلة التلهية التي أثارها مقال الأستاذ خالد عن أسباب فشل الإنقاذ لا علاقة لها بموضوع وزير المالية الحالي، وهو موضوع أراد به الكاتب أن نتشاغل به في حدود الأطر التي رسمها لنا في مقاله، بعيدا عن جوهرية "طبيعة دولة الإنقاذ الإسلامية الإجرامية الفاسدة".
فمن الطبيعي أن وزير دولة الإنقاذ الإسلامية سيلوم الشعب السوداني على انهيار الاقتصاد. لذر الرماد في العيون. بينما يعلم الوزير أن صحابته من المثقفين الإسلاميين يقهقهون يعرفون أن ما يسميه وزيرهم أنه "الانهيار الاقتصادي" بل هو النجاح الباهر للمشروع الحضاري المقصود به نهب موارد الدولة. ولا يكون نهب الموارد إلا فعلا قاصدا قائما على معرفة الإسلاميين أن سلوكهم الإجرامي سيفضي إلى ثرائهم وفي ذات الوقت إلى حدوث أزمات متعددة في منزلق انهيار الاقتصاد.
لا يمكن للمثقفين الإسلاميين أن ينكروا نجاحهم الباهر في تحقيق الهدف الأساس من مشروعهم الحضاري، ومن إسلامية دولتهم، ومن التمكين لأنفسهم، ومن اقترافهم الجريمة بأفعال العنف والقهر وإرهاب الدولة، هدفهم الأساس هو الثراء.
فهذا هو الفيديو الذي أقدمه مثالا للتدليل على إجرام نظام الإنقاذ. يعرفه الجميع تحت عنوان "جلد الفتاة السودانية"، وشاهدَتْه جموع في عدة دول أخرى قبل ثلاثة أعواما. وهو يظل أفضل تمثيل بصري مادي لـ "طبيعة نظام الإنقاذ"، النظام بخصائص إسلاميته وفساده وبإجرامه، كلها مجتمعة.
https://www.youtube.com/watch?v=zXEHyt0gpJU
دافع المثقفون الإسلاميون في الحكومة عن الحكم القضائي بتعذيب هذه المرأة المحددة، أرادوا بتعذيبها في مشهد علني إرهاب جميع نساء السودان، كما كذلك نعرف أنهم دافعوا بعدها عن لزوم القتل القضائي لأبرار الهادي، مريم يحيى، لأنها رفضت الإسلام، لم ينقذها من حبل المشنقة إلا تدخل البابا والأمريكان والحكومة الإيطالية وتهديدات ديفيد كاميرون. تناسى المثقفون الإسلاميون جرمها، لأنهم كعقلانيين أدركوا سراعا أن موضوعها أصبح يهدد بصورة غير مباشرة أهم مصالحهم الاقتصادية، استمرارية صناعة الفساد بدون تعكير مزاج بحرج الشريعة، فجأة لم تعد للموضوع الديني ذاته أهمية علاقة بالردة من الإسلام أو بالخلاص في الآخرة الموعود في النصوص القرآنية وفي السنة. وكله خداع واحتيال بالدين من جانبهم.   
نشاهد في الفيديو رجال الشرطة الأشقياء يتضاحكون أثناء تنفيذ هذي عملية التعذيب الإجرامية للمرأة ضحية الرعب الإسلامي تصرخ لا تصدق أبدا أن ذلك هو قضاء الإسلام. لم يكن رجال الشرطة مكترثين للتصوير بالفيديو، بل شجعوا المصور. وهم لم يفعلوا ذلك إلا لأنهم كانوا كقاضي الإسلام صاحب قرار التعذيب مستيقنين أن الحكم القضائي بالتعذيب كان تطبيقا صحيحا للشريعة الإسلامية.
قال المثقفون الإسلاميون الذكور في حكومة الإنقاذ إن الحكم القضائي، بجلد هذه المرأة، كامرأة، كان صحيحا من حيث الشريعة، لكن تطبيقه شابته بعض عيوب إجرائية بسيطة [مثل السماح بالتصوير!]  
 ...
لقد أثار هذا المقال الذكي من الأستاذ خالد التيجاني النور انتباهي، لأنه تمثل نوعا راسخا من أنواع الكتابة التي تتصنع أنها تنتقد نظام الإنقاذ، بينما هي في الواقع  تستميت في الدفاع عن إسلامية نظام الإنقاذ وفساده وإجرامه.
...
عشاري خليل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.