"نزاهة" رئيس الجهاز القضائي برعي محمد سيد أحمد (2-3)  
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
اللواء سمير إبراهيم خليل والمحامي أحمد إبراهيم الطاهر
(1)
كلما جلستُ لأكتب عن فساد القضاة تتزاحم الوقائع والصور والأفكار تتنافس تريد فرصتها في أن تجد موقعا لها في المقال. فإن لم أستجِب، وركزتُ على موضوع المقال، خرج المقال سقيما. وإن سمحت للصور التي تنبعث من الذاكرة المُجَرَّحة، أصبح المقال مثل ذاكرتي مشرذما لكن أكثر حيوية وصدقية.
لا أدري كيف حضرتْني صورة اللواء سمير إبراهيم خليل، الصورة حين التقينا بالصدفة عند باب المحكمة العامة للأحوال الشخصية بالديوم الشرقية، جئت ومعي المحامي عبد الله فضل لأول جلسة في قضية الحضانة. عندها أخذني سمير جانبا، وحذرني من فساد القضاة في المحكمة، هو من أولاد الخرطوم يعرفون ما يدور في الخرطوم، وحدثني عن لعبة التَّـكْتَـكَة بين القاضي ومحاميي الطرفين في منتصف الليل. أعمل حسابك.
...
(2)
مباشرة فصلتُ المحامي عبد الله فضل، قبل أن يبدأ في تمثيلي، وقفنا أمام القاضية كوثر في أول جلسة وأعلن عبد الله فضل تنازله حسب طلبي وذهب ليتركني وحيدا أمام أكبر محامي فاسد في مجال الأحوال الشخصية في البلاد، علي أحمد السيد وشريكته في إفساد القضاة المحامية إيمان المك.
...
قدَّرْتُ، والوضع كذلك، أنه لا يمكنني حماية ابنتي من نفيسة حسن زلفو إلا بأن أمسك شخصيا بزمام هذا الأمر، وأن أدرس القانون يوميا ليل نهار، لا يهم أني سأقترف أخطاء لكنها ستكون إجرائية من نوع لا يؤثر. وقضيتي عادلة، فلن يقدر قاض فاسد وأنا موجود على اتخاذ قرار ينزع ابنتي مني ليسلمها لنفيسة حسن زلفو.
كان تقديري صحيحا، وتمكنت من حماية ابنتي وإنقاذها من الجدة الماكرة، والشكر للواء سمير أن نبهني للعبة التكتكة بين القضاة والمحامين الفاسدين.
(3)
لماذا صدقتُ اللواء سمير؟
لأني كنت عرفته حين كنت محتجزا في سجن شالا. محتجزا بواسطة المثقفين الإسلاميين على مدى عامين، كوبر-شالا، بسبب كتاب مذبحة الضعين والرق في السودان. كان اللواء سمير رئيس لجنة الأمن في دارفور، يذكره جميع المعتقلين بالخير، لأنه كان بمجرد مجيئه منقولا إلى دارفور غيَّر سياسة المثقفين الإسلاميين ضدنا، سياستهم الإجرامية المنفَّذة لتعذيبنا بالإهانة والحرمان من العلاج بل ومن الماء مع تغليق باب سجننا الداخلي وتغييب السجانين على مدى يومين في إحدى المرات. ودونك اغتيال هؤلاء المثقفين الإسلاميين للمناضل الشيوعي عبد المنعم سليمان، حين رفضوا تقديم العلاج له حتى بعد صدمة السكري وفقدانه بصره في السجن، فتوفي بعد فترة قليلة من نقله أخيرا من سجن شالا إلى الخرطوم.
قبْل زيارة اللواء سمير، كان زارنا، في ذات سجن شالا، المثقف الإسلامي المعروف المحامي إبراهيم أحمد الطاهر. وقال لنا إن الاعتقال في السجن "كويس معاكم عشان تحفظوا القرآن". بالطبع ليست المشكلة في الفجور والعتو وسوء الأدب، بل في أن هذا المثقف الإسلامي كان صادقا مع نفسه، منِ جُوَّة، قالها غير مستهزئ، كان يعتقد يقينا أنه كان يقدم لنا النصيحة للدنيا والآخرة. هكذا يفكر المثقف الإسلامي، وهكذا هو غير قادر على التفكير.
(4)
هذا هو المقال الثاني من ثلاث مقالات عن القاضي برعي محمد سيد أحمد، رئيس الجهاز القضائي بالخرطوم. موضوعه خمسة إجراءات صحيحة، ونزيهة، كان برعي اتخذها لصالحي في حالات محددة، في سياق تعرضي للملاحقة بقضايا كيدية، بتسهيل حكومة الإسلاميين، كنت أمثل فيها نفسي بنفسي. وكان ذلك لدى قضاة فاسدين: (1) كوثر عوض عبد الرحمن رئيسة العصابة القضائية الإجرامية في المحكمة العامة بالديوم الشرقية والمشرفة على المحكمة، اليوم قاضية في محكمة الاستئناف بحري؛ (2) القاضي درجة ثانية أنس حسن مالك، من أعضاء عصابة كوثر؛ و(3، 4، 5) القضاة الثلاثة في أخطر العصابات المرابطة حينئذ في محكمة الاستئناف، واليوم هم قضاة كبار في المحكمة العليا، محكمة القانون، فادية أحمد عبد القادر كريم الدين، آسيا بابكر مختار، وآدم محمد أحمد إبراهيم.
(5)
كانت القرارات الصحيحة التي أصدرها برعي لصالحي على النحو التالي: (1) إخضاع القاضية كوثر للتحقيق؛ (2) توجيه القاضية كوثر أن تتنحى من النظر في قضية الحضانة؛ (3) التوجيه الإداري للقاضي أنس حسن مالك المحالة إليه قضية الحضانة أن يحكم فيها لصالحي بأن يشطبها ضد نفيسة؛ (4) توجيه القضاة الثلاثة في محكمة الاستئناف بالتنحي من النظر في طعن مني، وفق طلبي. بالإضافة إلى (5) توجيه موظف مرتش في محكمة الاستئناف بأن يسلمني القرار الصادر في قضيتي.
(6)
تكمن أهمية القرارات النزيهة الصحيحة من قِبل برعي ضد القضاة الخمسة (دون الموظف)، وكلها مسجلة بالتفصيل في ملفات مكتب رئيس الجهاز القضائي، في أنها تسجل أن هؤلاء القضاة كانوا فعلا كما كنت وصفتهم أعضاء عصابات إجرامية همباتة مرابطين في المحاكم. وإلا لما كان برعي، وهو ليس صديقي، اتخذ تلك القرارات المهينة ضدهم.  
كذلك تستبين من هذه الوقائع أهمية حل السلطة القضائية الفاسدة، حين يأتي الوقت، لأن حتى هذي أشكال الفساد مناط التدخلات الخمسة من قبل برعي كافية لتبيين أنه لا يمكن إصلاح هذه المؤسسة الفاسدة. وتُظهر المقالات بعض تعقيدات في شخصية برعي كالقاضي الفاسد النزيه أحيانا.
...
أولا،
يوم أخضع برعي القاضية كوثر للتحقيق
(1)
كان أحدَ أهم قرارات القاضي برعي التي أحسبُها لصالحه إخضاعُه القاضية كوثر للتحقيق. وهذه هي القصة باختصار:
تقدمتُ بشكوى لدى برعي ضد القاضية كوثر. بسبب قرارها السري بحظر ابنتي من السفر معي (بالرشوة من نفيسة). ثم تقدمتُ بشكوى ثانية وأخرى ثالثة. كنت أصعِّد لغتي ضد القاضية كل مرة.
طلبتُ مقابلة برعي شخصيا. فسمح لي بمقابلته في مكتبه. وتحدثنا كثيرا. وجدته على علم بجميع تفاصيل قضيتي. وبالأحكام النهائية في ثلاثين صفحة الصادرة لصالحي في قضية الحضانة المرفوعة ضدي في الإمارات، موضوعا واستئنافا وتمييزا وتنفيذا قانونيا. فالقضاة الإسلاميون يستمتعون بالتلصص على القصص المثيرة في ملفات المتقاضين، يتبادلون هذه الملفات، وتصلهم أخبار المحاكم أولا بأول من الجواسيس المزروعين فيها. يعرف النظام الإسلامي أن القضاء مهم لقهر المواطنين ولصناعة الخنوع، فيتعامل مع القضاء بجدية.  
في ذلك الاجتماع، بيَّنتُ لبرعي أني لن أترك القاضية كوثر عوض عبد الرحمن تنجو بفعلتها ضدي. لأنها بفسادها سببت لي ولابنتي ضررا بالغا. وأني لا اتحفظ في توصيفها أو تكييفها أمامه وأمام الجميع كقاضية "فاسدة".
(2)
لم يناقضني برعي. ركز في حديثه معي على أن يديه مغلولتان. وقال لي إنه ليس له من قدرة في التحكم في تعيين القضاة، خاصة القضاء من النساء اللاتي يتم تعيينهن وفرضهن عليه.
انتهي الاجتماع مع برعي بصورة طيبة. وخرجت منه بانطباع أن برعي قاضي نزيه. ربما عنده مشكلة بسيطة مع ناس الجندر.
(3)
مباشرة، في اليوم التالي، يوم الإثنين 22/10/2007. جاء عادل مصطفى علي ، مدير مكتب برعي رئيس الجهاز القضائي إلى المحكمة العامة. بخطاب للقاضية كوثر. يبلغها أن برعي رئيس الجهاز القضائي قرر إخضاعها للتحقيق. بشأن الشكوى المقدمة من عشاري ضدها. وأن فادية أحمد عبد القادر كريم الدين، رئيسة دائرة الأحوال الشخصية في محكمة الاستئناف، ستكون قاضية التحقيق. وأبلغها عادل أن عليها الرد كتابة إلى رئيس الجهاز القضائي على إسناد عشاري ضدها الوارد في مذكرة الشكوى المرفقة.
كنت التقيت بعادل، بالصدفة، أمام مدخل المحكمة العامة للأحوال الشخصية. بجلابيته البيضاء وبسيجارته المتسلسلة. قال لي عن سبب حضوره المبكر إلى المحكمة. وحاول أن يخفف من دلالات استخدامه كلمة "تحقيق" التي قالها.  
(4)
كان ذلك تطورا دراميا غير متوقع، ولحظة مفصلية في مسار جميع القضايا الكيدية المرفوعة ضدي. كنت يومها في غاية السعادة، وكنت أقول لنفسي ربما كوثر ليست إلا الاستثناء، التفاحة الفاسدة في حقل التفاح اليانع في مساحات السلطة القضائية. وإن القاضي الفاسد أحمد الطيب عمر كذلك هو تفاحة.
وحسبت ذلك التدخل بإخضاع القاضية للتحقيق في مخزون نزاهة برعي. سنرى في المقال الثالث مآل ذلك قرار التحقيق.
...
ثانيا،
يوم أجبر برعي القاضية كوثر على التنحي من قضية الحضانة
(1)
في يوم الأحد 28/10/2007. في المحكمة العامة. بعد ستة أياما من يوم إخطار القاضية كوثر بإخضاعها للتحقيق. كانت الجلسة مخصصة للنظر في قضية الحضانة المستمرة. كنت حضرت في معية محاميتي المعيَّنة حديثا الأستاذة الشيوعية فاطمة أبو القاسم، التي سأفصلها في هذه الجلسة. كان معها مساعدها المحامي النبيه شمس الدين. لم تشرِّف نفيسة المحكمة يوما واحدا وكانت تركت أمر الانتقام مني للمحاميين الفاسدين. حضر المحامي علي أحمد السيد قبل الجلسة، وسوس في أذن القاضية كوثر، وخرج. تاركا شريكته في الجريمة إيمان المك وراءه.
(2)
كانت القاضية كوثر مهمومة. لم يمر أسبوع على إبلاغها بالخبر الصاعق عن إخضاعها للتحقيق. كنت مستيقنا من أني سأتمكن عندئذ من سحق القاضية الطاغية، وشطب قضية الحضانة.
كنت لاحظت أن القاضية كوثر كانت متغيبة عن المحكمة طيلة الأيام السابقة في الأسبوع الماضي بعد تلقيها ذلك خبر التحقيق.  كنت أتخيلها في شتى الصور. صورتها خلال تلك الأيام محبوسة في غرفة بدون باب أو شبابيك في مبنى الحقانية. تبكي تزغرب بولها وتمعط شعرها. وصورتها تستصرخ المحاميين أن ينقذاها من برعي يحمل سكينا للذبح. بينما كان يتم التحقيق معها. كنت أريد أن أصدق هذي صور الخيال، وصدقتها، لأنها كانت سائغة. فالإسلاميون معروفون بممارستهم التعذيب. وسجلهم ثابت في هذا المجال، بيوت الأشباح وغيره كثير.
(3)
في ذلك يوم الأحد، 28/10/2008، وبينما كانت القاضية كوثر مندرجة في تسيير إجراءات الجلسة في قضية الحضانة، تغيرت القاضية فجأة. كأن شيطانها كان نزغها على حين غرة منها فأجفلها. تركت القاضية كوثر، دون مقدمات، موضوع الجلسة الذي كانت تتحدث عنه. وبدأت تتمتم بأقوال خارج سياق تسيير القضية، وقالت: "أنا والله زاتي ما دايرة القضية دي".
ثم شرعت في الكتابة في محضر القضية. وبدأت تقرأ ما كتبته، بصوت عال ومرتفع، ليسمع الجميع في قاعة المحكمة المكتظة بالحضور. قرأت القاضية ما كانت سجلته كتابة في محضر القضية 278/ق/2007 (ضم المحضون، نفيسة ضد عشاري):
...
"لقد وردت شكوى من المدعى عليه [عشاري] طاعناً في نزاهة المحكمة. عليه، عدالتا [هكذا، خطأ]، وحتى يطمئن المدعى عليه لنزاهة قضاء السودان، تُقرر المحكمةُ إحالة هذه الدعوى لنظرِها بواسطة أي قاض آخر" [الشولات مضافة، لتسهيل القراءة].
...
ثم هدأت القاضية. كأن شيطانها قد سكن. وكأن عبئا ثقيلا انزاح عن كاهلها. فقالت شفاهة إنها سترُد على شكواي ضدها لدى رئيس الجهاز القضائي. وأشارت بيدها، متأفِّفةً ومبديةً عدم اكتراث، تزمزم مشفريها كأنها تغالب دفقة من بصاقٍ طُمام. أشارت إلى ملف أمامها. قالت إنه يحتوي على الأوراق المتعلقة بشكوى عشاري ضدها موضوع التحقيق معها. ثم أعلنت القاضية أنها سترد على الشكوى.
وكانت تلك عندي لحظة انتصار عظيم ضد القاضية الفاسدة.  
(4)
المحامية إيمان المك، المتوترة مقطبة الحاجبين، اشتعل فيها الغضب من هول المفاجأة. لا تصدق أن القاضية، الشريكة المؤاجَرة، المدفوعة رشوة فسادها، لا تنسق. رئيسة العصابة لا تستشير الشركاء أعضاء العصابة أصحاب الأسهم في الشركة-المحكمة. قبل اتخاذ القرارات المصيرية. مديرة شركة الإجرام القضائي فقدت قدرتها على القيادة. جن جنون المحامية. احمرت عيناها، تريد أن تقتل، أي شخص. علها ترتاح.
(5)
المحامية فاطمة أبو القاسم. كان رشحها لي المحامي الأستاذ  كمال الجزولي. كنت أستعين أحيانا بالشيوعيين، أقرب الأقربين. كانت فاطمة واقفة بجانبي أمام القاضية، وعلى يسارها جلس مساعدها المحامي شمس الدين.
ما أن أكملت القاضية كوثر قراءة قرارها بالتنحي من القضية، إلا واندرجت الأستاذة فاطمة أبو القاسم في أغرب مسلك. فقد شرعت المحامية في تطييب خاطر القاضية كوثر، عدوتي. تمتمت فاطمة بعبارات رطانية. كأنها تريد بالتمتمة أن توقف عجلة التاريخ الدائرة.
بدأت المحامية فاطمة أبو القاسم تترجى القاضية كوثر أن تعدِل عن قرارها بالتنحي من النظر في قضية الحضانة. ممثلتي، المحامية الشيوعية التي كنت جئت بها ترياقا للمحامي الفاسد، الشيوعي السابق، علي أحمد السيد. نسيت فاطمة أبو القاسم أصول النظام التخاصمي غير الأخلاقي في النظام القضائي الإسلامي الجديد. ونسيت أنها كانت تمثلني ضد عدوتي اللدودة، القاضية الفاسدة. تحولت محاميتي، في لحظة، إلى صف القاضية المجرمة.
(6)
لكن المحامي شمس الدين، مساعد المحامية فاطمة الواقفة تترجى القاضية عليكِ الله ... وهو كان جالسا بالقرب من فاطمة. أنقذ الموقف. بأن جذب المحامية من يدها وقرصها بقوة. أدرك شمس الدين تشوش أفكار رئيسته المحامية، وسوء تمثيلها لي. قرصها بقوة في يدها اليمنى وجذبها إلى تحت مشيرا لها أن تتوقف عند حدها وأن تلجم لسانها المتفلت.
قررتُ في ذات تلك اللحظة فصل المحامية فاطمة أبو القاسم، لتلحق بالمحامي عبد الله فضل، سبب فصله فراسة اللواء سمير، واكتشفت لاحقا أن عبد الله فضل كان في السابق يعمل مع المحامي الفاسد المعروف علي أحمد السيد، وكان واجبا عليه أن يبلغني مباشرة عن صلته بأفسد محام في البلاد، لا أن يتكتم على تلك الصلة. والآن ظهر فشل تجربتي الثانية مع محام.
استمريت بعد ذلك أمثل نفسي بنفسي لدى جميع درجات المحاكم. إلا في جلسة وحيدة مثلني فيها محام شاب ناجع جئت به لمفاجأة القاضي الفاسد أحمد الطيب عمر.
(7)
لم أقل للمحامية فاطمة أبو القاسم أنت مفصولة، لكنها فهمت واختفت من تلقاء نفسها بعد تلك الجلسة. دون أن ترد لي مبلغ الألف دولارا المدفوع مقدما لم تمثلني إلا في جلستين فقط وربما ثلاثة، بدون فائدة.
كانت فاطمة أبو القاسم على علم تام بفساد القضاة في المحكمة العامة، جميعهم، ولم تشركني في المعلومات لديها. وكذا كانت تجري محادثات جانبية مع القاضية كوثر ومع المحاميين الفاسدين عن قضيتي دون أن تنقل لي بالكامل ما كان يدور فيها. وكانت ناقشت مع المحاميين الفاسدين موضوع المستند المصطنع، ولم تقل لي شيئا ذا بال. "ما أصلو كدة، كلهم القضاة فاسدين، ودا قاضي بتاع الأمن، ودا ... ودي ..."، كانت تردد أمامي، دون أن تجرؤ على التفكير في "وبعدين ...".
...
ربما كانت الأستاذة فاطمة أبو القاسم أحست صادقة أن القاضية كوثر الآيلة إلى السقوط قد تتماسك في أية لحظة وتستعيد قوتها السابقة. فلا ضير من أن تتريث المحامية، والدنيا غير معروفة، ولابد من الاستثمار للمستقبل غير المضمون. خاصة وأن القاضي الفاسد لا يموت. لم نر قاضيا فاسدا في السودان أطيح برأسه تماما. ولم نسمع بقاض فاسد قد هلك. ثابت في الطبيعة أن القاضي الفاسد من أوابد الحيات لا يموت حتف أنفه. قد يمر بأزمات وقتية. وقد يموت مؤقتا. لكنه يعود بعاتيةً أشد شراسة ومكرا. كالجمل الحاقد لن ينسى نعاته المتعجلين مماته قبل هلاكه اليقين. ما أن يلتقط القاضي الفاسد أنفاسه إلا ويبدأ يسترجع من ذاكرته صور أولئك المحامين الذين كانوا تعجلوا تصديق خبر هلاكه. ينتظرهم العقاب في محكمة القاضي، وفي كل محكمة أخرى عند قاض زميل. كله عرفته المحامية فاطمة أبو القاسم، لكنها لم تفهمة.
(8)
كانت تلك اللحظات المشحونة بالدراما بداية نهاية القاضية كوثر في قوادة مخرأة الفساد محكمة الخرطوم العامة للأحوال الشخصية. وكذا كانت واقعة تنحي القاضية مفصلية في قضية الحضانة التي كانت مستمرة على مدى ثلاثة أشهر، وستستمر بعدها على مدى خمسة شهور حتى مارس 2008.  كتابها عنوانه "نفيسة ضد عشاري"، أسعى لنشره قريبا.
...
كان معروفا بالاستنتاج أن برعي أمر القاضية كوثر أن تتنحى. وهي نقطة أحسبها لصالحه. وهي بيِّنة تثبت نزاهته الوقتية.
(9)
لكن،
هل تصدق أيها القارئ أن جلسة المحكمة التي وصفتها أعلاه كانت في مجملها مجرد مسرحية من قِبل القاضية كوثر والمحاميين علي أحمد السيد وإيمان المك؟ وأن توصيفي لانهيار القاضية كوثر والمحامية إيمان المك لم يكن إلا من بعض هذياني؟
فقد كنت أعيش في فقاعة للخداع ركبوها خصيصا لي لأظل حبيس الأوهام والتخيلات.
(10)
خلال الأسبوع بين إبلاغ كوثر بقرار إخضاعها للتحقيق، واليوم الذي أعلنتْ فيه كوثر تنحيها بتلك الطريقة الدرامية، لم تكن القاضية كوثر محبوسة في أية زنزانة في مبنى الحقانية بشارع الجامعة كما كنت أتصور وأهذي. ولم تكن القاضية كوثر تبكي أو تمعط شعرها، دع عنك أن تكون القاضية زغربت ببولها في ملابسها، من الهلع. كله كان هذياني.
على العكس تماما، والعكس استبان لي لاحقا. ذلك أنه حين جلست القاضية كوثر في مكتبها في ذلك اليوم الأحد تكتب في المحضر قرارها بالتنحي، بل كانت القاضية مرتاحة ومطمئنة ومتماسكة. اضطرابها وتوترها كانا بالتصنع المقصود للخداع.
...
فقد كانت كوثر أكملت للتو، بنجاح باهر، قبل الحضور للجلسة، أكبر وأخطر عملية اتفاق جنائي يمكن تصورها. أكملتها بنجاح باهر مع المحاميين والقضاة الثلاثة في محكمة الاستئناف، ومع موظفيها إبراهيم محمد حامد وأماني سليمان. السبعة أعضاء العصابة كانوا عملوا حفلة للصباح قبل أن تحضر القاضية والمحاميان إلى جلسة يوم الأحد 28/10/2007 لأداء تلك المسرحية لخدعي، وللتغطية على جرائمهم خلال الأسبوع المنصرم الذي كنت أتخيلهم فيه يلطمون الخدود ويشقون الجيوب يرفضون الأكل.
(11)
كانت القاضية كوثر خلال ذلك الأسبوع اشترت القاضية فادية ذاتها، قاضية التحقيق. وعقدت كوثر مع فادية اتفاقية لتقويض التحقيق ضد كوثر. وتم تنقيل ملف الدعوى بين القاضيتين، واصطنع المحامي علي أحمد السيد المستند، فوقعت عليه إيمان المك وسلمته للقاضية كوثر. ثم حشر إبراهيم اسم المستند في دفتر العرائض، وزور على المستند وسلمه لكوثر. وأعادت أماني سليمان لكوثر الصورة الكربونية التي كانت كوثر أصلا سرقتها وأخفتها في توتي وأعادتها إلى المحكمة. فدستها كوثر في ملف القضية. ثم زورت كوثر في المستند ودسته في الملف، وأعادت الملف لفادية، فاستخدمت فادية وآسيا وآدم المستند لتلفيق الرأي القضائي وشطب القضاة الثلاثة في محكمة الاستئناف طعني وكتبوا أن قرار القاضية كوثر ضدي "كان سليما"، قبل يوم فقط من جلسة يوم الأحد في المحكمة.
(12)
في ذلك اليوم الأحد، يوم المسرحية، لم يبق للقاضيتين إلا الحركة النهائية لخدع برعي، سترسل له كوثر ردها المغشوش ومعه صورة من المستند المختلق، كما هي ذاتها قالت في الجلسة، وستذهب فادية إلى برعي في مكتبه بقرار محكمة الاستئناف الذي يبرئ كوثر. وهو برعي سيلغي التحقيق.
كله استبان لاحقا.
وهكذا، بالخداع، تدور صناعة الفساد في مساحات السلطة القضائية الفاسدة، ضد المتقاضين الغافلين "يظنون أن الأشياء هي الأشياء".
 ...
ثالثا،
يوم وجَّه برعي القاضي أنس بشطب قضية الجدة الماكرة
(1)
أحالت القاضية كوثر، بعد إجبارها على التنحي، أحالت قضية الحضانة إلى القاضي أحمد الطيب عمر. لكني كنت أريد إحالة القضية إلى محكمة أخرى، فقد كنت أعرف أن أحمد الطيب عمر عضو في عصابة كوثر، وأنه سيحكم ضدي.
فكتبت له مذكرة من أربعة صفحات أورد وقائع تثبت ما معناه أنه قاض فاسد فعليه أن يتنحى من القضية التي أوكلوها إليه.
كان كل شخص لا يعرف الوقائع يخلص إلى أني "متلقي حجج". وأنه كان يكفيني أن تتنحى كوثر. ما ممكن نخلق ليك قاضي زي ما إنت عايز.
لم أكن أكترث، بل كنت أحسب الأشياء وفق الوقائع التي أعرفها. والموضوع بسيط. أحمد الطيب فاسد، وأنا متأكد من ذلك، إذن، لا يمكن أن أقبله قاضيا.
أراحني أحمد الطيب عمر، حين استجاب لطلبي وتنحى من النظر في القضية.
(2)
فتمت إحالة قضية الحضانة إلى القاضي الناشئ درجة تانية أنس حسن مالك. لم يكن عندي من إثبات ضده. لكنه ظهر على حقيقته التي كانت غير معروفة لدي. فاسد من بيوتهم. كان شابا، جديدا في القضائية، ومحتالا صغيرا. كان مستميتا لإثبات مؤهلاته في الإفساد، بسبب إدراكه ضعف تكوينه القانوني وجهله بالقضاء. ورأى أن إثبات مؤهلاته في الإفساد، مع ضرب التربيزة وصَرَّة الوش، أقصر الطرق للترقية، دون بذل جهد في دراسة القانون.
قبِل أنس التوجيهات من رئيسته الفاسدة أن تكون الحضانة لنفيسة، بسبب الرشوة المقدمة أصلا من زمان للقاضية من نفيسة عبر المحامي، والآن سيكون لأنس منها بعض فتات. وإلا فلماذا يُفسد أنس في قضائه بهذا الوقاح؟
(3)
قرر أنس الآتي وكتبه في محضر التحقيق القضائي، إعدادا للحكم بالفساد لصالح نفيسة:
"نُقرر تحديد جلسة لسماع البينة من المدعى عليه [عشاري] بأن لديه حاضنة من النساء، وإن نجح في ذلك تَسمع المحكمةُ البينةَ من المدعية [نفيسة] حول مصلحة المحضونة أن تكون بيد المدعية".
...
لن يقدر غير المتخصص على تفكيك هذا القرار القضائي الاحتيالي، الذي كتبه المحامي علي أحمد السيد ولقنه للقاضي أنس. ولن أرهق القارئ به الآن. فدع عنك الفساد البين والخفي في القرار. موضوعه في مقال سيأتي.
أردت فقط أن أسجل هنا سياق تدخل برعي، وهو تدخل معقد فيه خليط من النزاهة والسياسة، والمصلحة. مصلحة القضائية في التخلص من هذا المتقاضي الحقاني معذب القضاة الفاسدين. وأهم من ذلك نجد في تدخل برعي بيانا لكيفية دوران إدارة المحاكم على أرض الواقع، وفق معطيات السياق ومتطلبات مصلحة النظام القضائي الفاسد.
(4)
فقد كانت وقعت خلال تلك الفترة أحداث جسام. أخطرها اكتشافي جرائم  القضاة كوثر وفادية وآسيا وآدم في معية المحاميين الفاسدين. مما شجعني أن أكتب إلى قيادة القضائية وكبار القضاة في المحكمة العليا مذكرات عن فساد القضاة بحرية تامة غير مكترث لشيء غير الحقيقة المكتشَفة. وكانت مذكراتي من نوع لم تشهد له القضائية مثيلا، في لغتها القوية الواضحة عن فساد القضاة، بأسمائهم دائما. وكنت أدافع عن ابنتي، وعن حقوقي. مدركا أن القضاة الفاسدين لا يفهمون إلا لغة القوة.
واستمرت قضية الحضانة تثير مفاجآت. حتى مارس 2008. وأطاحت بالقاضي أحمد الطيب عمر الذي نظر في طعن مني في قرار أنس أعلاه. وبالرشوة كتب القاضي رأيا قضائيا شنيعا في فساده، فكانت الشكوى، وتم نقله من المحكمة إلى منطقة نائية، جنوب سنار.
كذلك اكتشفت الاتفاق الإجرامي بين إيمان المك والموظف المسؤول في المحكمة عن الإعلانات، حيث سهل الموظف لإيمان المك سرقة الإعلان خاصتي فوضعته في محكمة أخرى سجل اسمها الموظف الفاسد في الخانة المخصصة في إعلان الحضور. وغير ذلك كثير، كله مسجل في الملف الخاص بي في مكتب رئيس الجهاز القضائي.
فألتفت إلى الحدث الأساس:
(5)
في ذلك اليوم، في مارس 2008، بدأت الجلسة عادية. حضرتْ المحامية إيمان المك ممثلة نفيسة حسن زلفو، وغاب المحامي الكبير علي أحمد السيد هذه المرة. وقفتْ إيمان المك أمام القاضي. تحدثت معه، وكنت جالسا بعيدا أنتظر المناداة. أدت إيمان المك ما فهمته لاحقا أنه مسرحية ذات نص مكتوب في مكتب برعي رئيس الجهاز القضائي.  ثم غادرت إيمان المك قاعة المحكمة. مع نظرة وداع.  
...
وجدتُ نفسي واقفا وحيدا أمام القاضي أنس، مع حضور عدد قليل من الجمهور، وأختاي حنان وخالدة. فاجأني أنس بقول غريب غير متوقع بدون مقدمات أو سياق: "نفيسة ما جات! أشطب ليك القضية؟"
(6)
لم أفهم. لأن نفيسة أصلا لا تحضر جلسات المحكمة. خاصة بعد العمل السُّفْلي في الثورة بأم درمان الذي أدى إلى نقلها إلى فرنسا للعلاج على وجه السرعة. فقد كان أحد طلابي الناجعين نفَّذ ما كان وعدني به. كان زارني وحكيت له عن معذبتي خريجة كلية الاقتصاد في الستينات ولها تجربة في مؤسسة الأقطان.
أعطني اسمها، فعندي ناس في الثورة حيجيبوا ليك خبرها. ضحكت كما لم أضحك يوما. يا دكتور أنا عارفك ما بتؤمن بالحاجات دي، بس أديني اسمها.
اسمها نفيسة. أخذ الطالب الإسم وذهب، ونسيت الموضوع. فما كانت أيام قليلة إلا وقد كان، وتم نقل نفيسة إلى فرنسا على وجه السرعة، بسبب عمل ذلك السُّفلي. ولم أسمع أن ذلك العمل السفلي انكسر حين وقفتُ أمام القاضي أنس.
ومن ثم، لم يكن من المعقول عندي أن  يتحجج القاضي أنس بأن نفيسة لم تحضر جلسة المحكمة ولذا سيشطب قضيتها.
سألني أنس مجددا إن كنت أريد شطب القضية!
لم أفهم وتسمرتُ، انعقد لساني.
فسألني القاضي أنس مجددا: "أشطبها ليك؟"
دون أن أشعر خرجت العبارة مني، أيوة، أشطبها. وقد كان.
(7)
شطب أنس قضية نفيسة. بعد ثمانية أشهرا من أصعب أيام حياتي. في أحد تلك الأيام الحالكة كنت استيقنت أن حياتي انتهت وأن أجلي قد تم، وتمددت لكي أموت. وكنت قبلتُ موتي وقد بدأ، في هدوء. كان ذلك يوم أدركت أن القاضية الفاسدة والمحاميين المحتالين اتفقوا على نزع ابنتي مني وتسليمها للجدة الماكرة، مقدمة الرشوة. وأن تدابير التنفيذ جارية.
...
بعد ذلك قرار أنس بالشطب، خرجت من محكمته في ذهول، غير مُصدِّق، أتلفَّتُ ورائي يتناهى إلى مسمعي صوتٌ، كأنه صوت القاضي أنس يناديني، غشِّيتَكْ، تعال هِنا!
...
وعرفت لاحقا ملابسات ذلك الحدث الرهيب، ودورَ القاضي برعي، رئيس الجهاز، في توجيه أنس أن يشطب هذه القضية لصالحي.
(8)
كان رئيس الجهاز القضائي أدرك أن هذي قضية الحضانة جَرَّتْ على القضائية أسوأ كارثة في تاريخها. وهي اكتشاف متقاض، وهو ليس مثل كل متقاض آخر، بل عدو للنظام الحاكم، وباحث ذو قدرات، اكتشافه أن قاضي الإسلام في ظل حكم الإنقاذ بل فاسد حقير وتافه. ينحط إلى أسفل درك يُزوِّر الأوراق، ويسرق الأوراق، ويصطنع المستندات يحشرها تحشيرا ويدسها في الملفات، ويفجُر في فساده مع صغار الكتبة والموظفين، ويبيع قراره، ومحكمته، ونفسه، ويبيع الإسلام ذاته. كله ثابت في الأوراق في مكتب رئيس الجهاز.
والأدهى وأمرُّ من ذلك كله، أن هذا المتقاضي لم يكتف باكتشاف الجريمة السرية الغامضة، بل قدم الإثبات المستندي المادي أن قضاةَ الإسلام في المحكمتين المعروفتين، العامة والاستئناف، كانوا كما كذلك كان هذا المتقاضي وصفهم فاسدين حقراء وتافهين.
...
كذلك أدرك برعي من مذكراتي المتتابعة إليه أن الذي كان يحرِّكُني ضد القضاة، وليس ضد خصومي المقدور عليهم، كان هو عدوان أولئك القضاة على ابنتي. أدرك برعي أني كنت سأهد البنيان فوق رؤوس القضاة إن تجرأوا بحكم لصالح نفيسة حسن زلفو في هذي قضية الحضانة.
ولابد أن برعي تذكر القصة يتذكرها القضاة عن الأب الذي واجه الشرطة مدججا بالسلاح أمام منزله أن تعالوا لو كنتوا رجال لتنفيذ حكم القاضي ابن ........ عايز يشيل ولدي. فتراجعت الشرطة. المصدر جاري المحامي سعد، وأعرف من سياق روايته القصة وتفاصيلها أنها كانت صحيحة. ولا أتذكر كيف انتهت.
...
اتخذ برعي ذلك قراره فقط لغرض طي هذا الملف الخطير ليس فيه إلا الخطر العظيم على السلطة القضائية الإسلامية الفاسدة.
(9)
باختصار، كسبتُ قضية الحضانة، وهي قضية فاسدة أصلا رافِعتُها نفيسة غير مستحقة لا حق لها في أن تتقدم بذلك طلبها الانتقامي السفيه، كسبتُها بدون محكمة. بالقرار الإداري. من القاضي برعي محمد سيد أحمد، في وظيفته الإدارية لا القضائية.
فيمكن إدراج هذا التدخل في قائمة حسنات برعي وفي مخزون "نزاهته".
ستقول نفيسة حسن زلفو إن برعي قاضي فاسد لم يحترم استقلال القاضي المرتشي أنس في قراره. وإن القضاء فاسد. وهي ستدعي أن برعي حرمها بالقرار الإداري من حقها المدعوم بالرشوة في أن تؤول إليها حضانة ابنتي، بعد قرارات محاكم الإمارات. سأتفق مع نفيسة في أن القضائية فاسدة يتم  فيها الفصل في القضايا وإصدار الأحكام بالتلفون وبالتوجيهات الإدارية من فوق.  
(10)
مرت الأيام، وتعارض دربي مجددا مع دروب القاضي أنس. كان حانقا أن كان تم توجيهه إداريا من قِبل برعي باتخاذ ذلك القرار، يحملني مسؤولية ضياع رشوته. فعمل أنس على الانتقام مني. وبسبب جهله وقع في شر أعماله، اشتكيت ضده موثِّقا بالتفصيل أفعاله الفاسدة ضدي، وكانت أفعالا صغيرة لحماية رئيسة العصابة القاضية كوثر. لكن وقاح فساد القاضي أنس كان مدهشا. فعاقبه برعي بأن نقله من المحكمة مباشرة إلى منطقة نائية بعد أن أدرك شناعة أفعاله. وذلك كذلك يدخل في حساب نزاهة برعي.
...
رابعا،
يوم وجه برعي قضاة محكمة الاستئناف فادية وآسيا وآدم بالتنحي من النظر في طعن مقدم مني
(1)
من أفعال برعي "النزيهة"، من موقعه كرئيس للجهاز القضائي وكرئيس لمحكمة الاستئناف، أنه استجاب لطلبي بأن أمَرَ القضاة الثلاثة في العصابة الإجرامية في محكمة الاستئناف، المعروفين للقراء الآن بفسادهم (فادية وآسيا وآدم)، أمرهم بأن يستجيبوا لطلبي فيتنحوا من النظر في طعن مقدم مني لدى محكمة الاستئناف (167/ق/2008 استرداد أمتعة).
علما أن القاضي النزيه يتقدم بنفسه، من تلقاء نفسه، باتخاذ القرار بالتنحي من النظر في كل قضية تثير بعض خصائصها مظهر احتمالية التحيز أو تثير حتى مجرد شبهة التحيز. لكن القضاة الفاسدين الثلاثة رفضوا مجرد التفكير في التنحي، بل كانوا متلهفين لشطب طعني إيجازيا. ولم يتنحوا إلا بعد أن تم إجبارهم من قبل برعي، فتنحوا صاغرين.
(2)
وكان لواقعة التنحي سياق محدد، هو أن القضاة الفاسدين يعملون في شكل عصابات إجرامية تصنع الفساد في عمليات يديرونها عبر درجات المحاكم. فعصابة القاضية فادية في محكمة الاستئناف، على سبيل المثال، تتعاون في تجارة القرارات القضائية مع عصابة القاضية كوثر عوض عبد الرحمن ومجال عملياتها الإجرامية في المحكمة العامة بالديوم الشرقية. ويشارك في هذا التعاون الإجرامي بين العصابتين عضو عصابة كوثر، المحامي علي أحمد السيد، في معية شريكته المحامية إيمان المك.
فالعمل في شكل عصابات عبر درجات المحاكم ضروري لتجارة الفساد. بدونه لن يكون هنالك فساد قضائي. لأن المتقاضي الفاسد الذي ليس له حق، مثل نفيسة حسن زلفو، وفسادها يظل ثابتا في وقائع فشل قضاياها الثلاثة وحيثياتها وما داخلها من أحداث جسام كلها عن الفساد، هذا المتقاضي الفاسد لن يدفع رشوة لقاض في محكمة الموضوع، مثل كوثر، ما لم تضمن له كوثر أن قرارها الفاسد المشتَرَى بالرشوة لن يتم إلغاؤه في محكمة الاستئناف من قِبل القاضية فادية وعضوي عصابتها، على سبيل المثال. فالفساد نشاط عقلاني مخلَّط بعدم عقلانية الشخص الفاسد.
(3)
عندئذ، تتفق كوثر مع فادية مسبقا على أمد بعيد، لكي تتلقف فادية كل طعن في أي قرار صادر من كوثر، فتشطبه فادية إيجازيا. وبطبيعة الأشياء، لا يمكن أن تسير هذه العمليات الاقتصادية دون مخاطر. فهنالك مفاجآت قد تحدث في المحكمة العليا، رغم أن بعض قضاتها أعضاء عصابات عبر المحاكم نزولا. مثل مفاجأة القاضيين النزيهين محمد إبراهيم محمد ومحمد أبو زيد عثمان للمحامي الفاسد علي أحمد السيد في المحكمة العليا (قرار النقض 448/2008 عشاري ضد نجلاء، السفر بالمحضون).
في تلك القضية، كادت الآراء القضائية الفاسدة التي كان تحصل عليها المحامي الفاسد من القضاة في محكمة الموضوع (أزهري شرشاب) وفي محكمة الاستئناف (فادية وآسيا وآدم)، ثم عند القاضي البشري عثمان صالح، برأيه المخالف في المحكمة العليا، كادت هذه الآراء القضائية الفاسدة أن تضمن الحكم لصالح موكلة المحامي الفاسد. فقد كان هذا المحامي علي أحمد السيد خطط بصورة جيدة مع القضاة الفاسدين الخمسة عبر درجات المحاكم الثلاثة لتنفيذ الاتفاقيات الجنائية المعقودة. لكن أفشل عليه القاضيان النزيهان محمد إبراهيم محمد ومحمد أبو زيد عثمان تلك خططه.
(4)
فالذي يحدث هو أن القضاة الثلاثة الفاسدين في محكمة الاستئناف يقررون، هكذا بالفساد، لا بالقانون، أن  طعني لا أمل فيه. فلا يرسلون مذكرة طعني إلى الخصم ليرد عليها. ثم يتخذون موقف المدافع عن الخصم الراشي الذي يمثل مصالحَه هنا القاضي الفاسد شرشاب، في عصابة كوثر، والمحاميان الفاسدان. فتلفق فادية، أو أحد عضوي عصابتها، آسيا مثلا، الرأي القضائي. ويطبق ثلاثتهم القانون الخطأ، ويكذبون، ويزورون، يشوهون الوقائع، ويختلقون وقائع، ويدمرون وقائع، ويخلصون إلى قرار ضدي يؤيد الحكم المطعون فيه. يفعلون كل ذلك مطمئنين أنهم فوق المساءلة. مما يشير دائما في اتجاه رئيس الجهاز القضائي، رئيس محكمة الاستئناف، وحمايته النشطة للقضاة الفاسدين وتستره على جرائمهم واستهانته بحقوق المتقاضين الشكاة.
(5)
فعل القضاة الثلاثة في محكمة الاستئناف ذات تلك فعلتهم ضدي، ونفذوها بنجاح، في قرارين. 458/2007 عشاري ضد نفيسة، السفر بالمحضون، و284/2008 عشاري ضد نجلاء السفر بالمحضون.
لكن المحكمة العليا ألغت لاحقا قراريهم بثلاثة قرارات:
في قرار النقض 111/2008 عشاري ضد نفيسة؛ وقرار المراجعة 130/2008 عشاري ضد نفيسة؛ وقرار النقض 448/2008 عشاري ضد نجلاء. الحظر من السفر الأول والثاني.
ويظل ذلك الإلغاء الثلاثي دليلا، تتضافر معه أدلة أخرى تتعلق بالخداع والتدليس في الرأي القضائي، على أن القضاة الثلاثة في محكمة الاستئناف فاسدون. فموضوع الطعنين كان عن إجراءات تحفظية، وكانت الوقائع والقواعد القانونية في غاية الوضوح. ولم يكن الثلاثة الفاسدون يواجهون قضية صعبة أو معقدة.
لكن القضاة الثلاثة الفاسدين، فادية وآسيا وآدم، المتفقين جنائيا، لفقوا كل واحد من الرأيين بالأخطاء القانونية المتكثرة من نوع ما لا يقترفه إلا القاضي الفاسد متعمدا، واقترفوا الكذب والتزوير، وفبركوا وقائع وأعدموا وقائع، وتصنعوا أنهم لا يعرفون القانون مدركين أن القاضي غير مساءل عن جهله بالقانون. وشطبوا الطعنين مني فقط لينفذوا الجرائم الموضوعية الضرورية لتحقيق هدف الاتفاق الجنائي المعقود مع العصابة القضائية في محكمة الموضوع، وللحصول على مؤخر الرشوة.
(6)
هنا الموضوع، تقدمتُ ذات يوم بعدها بطعن ثالث إلى ذات محكمة الاستئناف الفاسدة، عسى أن يقع طعني هذه المرة بين يدي قضاة نزيهين. لكن عرفت من الإجراءات أن القاضية فادية الفاسدة، وهي رئيسة دائرة الأحوال الشخصية من مهامها توزيع الطعون على القضاة في الدائرة، تلقفت مباشرة ذلك طعني الثالث، واستدعت عضوي عصابتها آسيا وآدم، لقتلة جديدة. وفق الاتفاقية التجارية السارية المفعول بين عصابتها في محكمة الاستئناف وعصابة القاضية كوثر في المحكمة العامة (القرار من القاضي يحيى أحمد محمد خير، الفاسد، القضية 267/ق/2008، عشاري ضد نجلاء، استرداد أمتعة).  
(7)
هنا كان طفح الكيل، فكتبتُ مذكرة إلى رئيس الجهاز القضائي، برعي، محتجا. ونبهته إلى أن هؤلاء القضاة الثلاثة في محكمة الاستئناف فاسدون. وطلبت منعهم من النظر في هذا الطعن. ذلك لأنه كانت لدي شكاوى ضدهم لدى رئيس القضاء ولدى برعي ذاته قيد النظر. ولأني كنت أسندت لهم في تلك مذكرات الشكوى عدم النزاهة، وتلفيق مذكرة الحكم ضدي، والكذب، وإخفاء مستند الحكم المستأنف، وتصنع عدم المعرفة بالقانون.
وذكَّرت برعي بأن المحكمة العليا (دائرة المراجعة) كانت وجهت في أمرها النهائي في  طلب المراجعة مني أن يتم اتخاذ الإجراءات الجنائية ضدي تحديدا فيما يتعلق بإسنادي الفساد أعلاه ضد هؤلاء القضاة (والقاضية كوثر). وقلت إن هؤلاء القضاة أصبحوا خصوما لي، وطلبت مراعاة كل ذلك خاصة وأني كنت تضررت من حكم انتقامي أصدروه ضدي قبل شهور قليلة.
وذكَّرت برعي أيضا بأنه كان يتعين على القضاة الثلاثة أن يمتنعوا، من تلقاء أنفسهم، من  النظر في أي طعن مني إلى أن يتم الفصل في شكاواي ضدهم، لا أن يتلقفوا ذلك الطعن كفرصة للانتقام والتشفي.
هكذا كنت كتبت بالتفصيل. كله موجود كذلك في ملفات رئيس الحهاز القضائي 2007-2008.
بالنسبة لي، كان الأمر واضحا لا يتطلب أي ذكاء خاص لفهمه أو لمعرفته. ووجدته متعلقا بتضارب المصالح مما لا يتيح للقاضي أن يدعي أنه يصدر من الحيدة إزاء النزاع قيد النظر. في ذلك الوقت لم أكن أفهم هذه التقنيات القانونية ولا معنى تنحي القاضي أو عزله لنفسه. لكن الأمر كان واضحا.
(8)
وجد القاضي برعي نفسه في ورطة. قرأ بين السطور في مذكراتي العديدة أني أصلا بدأت أشك خلال تلك الفترة في نزاهته. وهو لابد كان يريد حماية القضاة الذين يشرف عليهم. وعلى مستوى آخر، كان برعي يسعى إلى بث انطباع أمامي، منذ لقائنا في مكتبه، بأنه يظل يتمثل التقوى والنزاهة.
في النهاية، أمر برعي القضاة الثلاثة بأن يتنحوا عن قضيتي التي كانوا تلقفوها، وكانوا بدأوا في النظر فيها. ووجه برعي القاضية فادية، رئيسة دائرة الأحوال الشخصية، وهي تقرر توزيع القضايا على بقية القضاة في الدائرة، أن تحيل طعني إلى دائرة أخرى.  
وذلك أضعه في حسنات برعي.
(9)
كانت المفارقة المضحكة والمؤسفة لي، لكنها المفيدة للمواطن السوداني، أن اكتشفت أن القضاة الثلاثة الآخرين المُحال إليهم طعني، إلهام أحمد عثمان وني ونادية سليمان عبد الرحمن وبكر محمد بكر عبد اللطيف، كانوا كذلك فاسدين، مثلهم مثل فادية وآسيا وآدم لا فرق إلا في أن فادية لا يوجد من يضارعها في الذكاء الإجرامي الحاد الذي تتمتع به.
أما الفائدة للمواطن السوداني فقد تمثلت في أن أهل السودان سيعرفون للحاضر والمستقبل وللتاريخ عن وجود عصابة قضائية إجرامية أخرى في محكمة الاستئناف خلال تلك الفترة، إلهام أحمد عثمان وني ونادية سليمان عبد الرحمن وبكر محمد بكر عبد اللطيف، ثلاثتهم اليوم في المحكمة العليا يحتالون على أهل السودان يدعون بالكذب أنهم "قضاة"، في محكمة القانون! سيأتي بيان فسادهم بالكامل في الآراء القضائية التي نسجوها بالأكاذيب وبفبركة الوقائع وبالبلطجة لتهديدي وابتزازي.
(10)
كذلك ألغت المحكمة العليا قرار هذا الثلاثي الفاسد الثاني في محكمة الاستئناف صاحب الاتفاق الجنائي الجديد. وكذا ألغت  قرارا ثانيا أصدره ذات الثلاثي الفاسد ضدي. ويتعين أن نعتمد إلغاء القرارين في هذه الحالة على أنه بينة تثبت فساد القضاة الذين أصدروا القرارين، بالطبع بالتضافر مع بينات أخرى تثبت الخداع والتدليس. فالإلغاء يبين وجود الخطأ القانوني. مما يتيح تثبيت ذلك الخطأ القانوني، ومن ثم المضي لإثبات أنه كان متعمدا، بإثبات وجود الخداع والتدليس.
يكتفي القضاة في المحاكم الأعلى التي تنظر في الطعون بالتوقف عند الخطأ القانوني عند زملائهم في المحاكم الأدنى. يعتمدونه غير مقصود. ويتصنعون أنهم لا يرون أدلة الخداع أو التدليس التي تثبت الاتفاق الجنائي على اقتراف تلك الأخطاء القانونية الثابتة وصولا إلى القرار القضائي المشترى.
(11)
فجميع قرارات القضاة الستة في دائرة الأحوال الشخصية في محكمة الاستئناف الخرطوم تم إلغاؤها كقرارات غير صحيحة قانونا، عند الطعن. رغم أن القضايا ذاتها كانت في غاية البساطة. وما كان الإلغاء من قِبل المحكمة العليا سيتم إلا بسبب تقديمي بينات فساد هؤلاء الأشرار الستة في محكمة الاستئناف في القرارات الأربعة التي أصدروها ضدي، وبسبب لغتي القوية ضدهم، مصدرها تمكني من إثبات ذلك الفساد.   
...
المهم هو أن برعي، ولابد هو العارف، فالقضاة يعرفونها طايرة، اتخذ شكليا ذلك القرار لصالحي بأن أمر فادية وعضوي عصابتها آسيا وآدم أن يتنحوا من النظر في طعني الثالث.
فشكليا، أحسب ذلك قرار برعي لصالحه. شكليا، لأن وقائع لاحقة أثبتت لي فساد برعي.  
...
خامسا،
يوم أمر برعي الموظف الفاسد بتسليمي صورة القرار القضائي الصادر
(1)
تعلقت هذه الواقعة الرابعة التي تذهب في اتجاه "نزاهة" برعي، بموظف فاسد في محكمة الاستئناف. ليس معي اسمه. كان في درجة المراقب أو كاتب كبير. ليس الموظف ذو اللون الفاتح، فلونه أسود وشعره أشيب. في الستين من العمر، تقريبا. لا يوجد غيره بهذا الوصف في مكتب محكمة الاستئناف في ذلك الوقت 2008. إن تحديد هوية الأشخاص المدعى بفسادهم مهم. حتى لا يتطاير الشرر يصيب موظفا آخرا. وأيضا لتعريتهم، وللانتقام منهم، حيث لا علاج للفاسد، وهو ميئوس من صلاحه.  
كان هذا الموظف الفاسد يماطل يوميا على مدى عدة أسابيع في تسليمي قرارا كانت القاضية الفاسدة فادية أصدرته لصالحي يسمح لي بالاطلاع على ملفات قضاياي.
كانت المماطلة بحجة أن القرار "في الطباعة". واستمرت المماطلة لأكثر من خمسة وأربعين يوما منذ صدور القرار.
"يا دكتور إنت زول فاهم وعارف الكهربا بتقطع، السكرتيرة بتغيب، كمبيوتر ما بيشتغل، إنت عارف".
كان هذا المراقب في الستين من العمر يستهزئ بي ويسخر مني. والمهم هنا أيضا أن نعرف أن صناعة الفساد في المحاكم الأستئنافية تدور أيضا بمثل هذه الأفعال الفسادية الصغيرة من قبل الموظفين المعاونين في تنفيذ الاتفاقيات الجنائية بواسطة العصابات القضائية، هنا عصابة فادية، تُصدِر القاضية مضطرةً القرار لصالحي، ضد حليفتها العصابة في المحكمة الأدنى، لكنها تمنع تسليم القرار لصاحبه المستفيد بأن توجه سرا الموظف الفاسد أن يماطل بالطريقة التي يعرفها، وله أجر من الرشوة.
(2)
فأجريت بحثا ميدانيا في محكمة الاستئناف. تأكدت فيه من محاميين في ذات المحكمة أن القرارات في قضاياهما تم الحكم فيها وطباعتها في وقت أقل، وهي قرارات كانت صدرت بعد صدور القرار الخاص بي، بأسابيع. أي، وضعتُ يدي على بينة مادية بأرقام القضايا تثبت فساد ذلك المراقب في الستين من العمر.
فكتبت بخط اليد مذكرة إلى برعي. لابد موجودة في الملف في مكتب الجهاز القضائي الخرطوم. وأشِرت إلى نتيجة بحثي الميداني الذي أكد لي الاحتيال الذي مارسه موظفه في محكمة الاستئناف وبرعي رئيسها.
فجأة، السكرتيرة جات، والكهربا جات، والكمبيوتر اشتغل.
(3)
فنحن في زمان سلطة الإسلاميين، زمان أصبح فيه موظف القضائية في الستين فاسدا لا قيمة له ولا كرامة يتعيش على الفساد بمثل هذي الأفعال الموغلة في سوء الأدب. لم أفهم حينئذ وكنت في الستين كيف يفسد بهذه الوقاحة وبهذي قلة الأدب من هو في الستين. لكنها القضائية الإسلامية الفاسدة. عدد مقدر من قضاتها تجاوز الستين، وهم فاسدون يبيعون أنفسهم لكل مشتر راش. فمالي أستغرب حالة هذا الموظف الكادح الذي ظل يشهد يوميا كيف يُفسِد قاضي الإسلام وقاضية الإسلام يبيعان القرار القضائي ذاته لا هذي ورقة القرار التافهة المطبوعة بالليزر؟
والإشارة إلى "إسلامية الفساد" عند ناس الإنقاذ في القضائية إشارة مقصودة وهي صحيحة. ولنتذكر المشروع الحضاري، وتطبيق الشريعة، وفصل جميع القضاة غير الإسلاميين، والخطاب الإسلامي في الآراء القضائية، وفي مجمل منتوج السلطة القضائية. والمهم دائما ليس هو الإسلام في النصوص هناك في كتبها، بل المهم هو الإسلام مطبقا في أرض الواقع، الإسلام في ماديته المنزَّلة في الوقائع والذي منه الوقائع المحسوسة مُركبة، أي، الإسلام ذو الأثر المباشر على القضايا الواقعية لا المتخيلة، الإسلام كما هو عند قضاة الإسلام في القضائية الإسلامية في دولة المثقفين الإسلاميين المتحالفين مع العسكر.
(4)
كان تدخل برعي بتوجيه الموظف الفاسد لتسليمي نسختي من القرار أمرا مسعِدا لي وأحسبه أيضا في صالح برعي وفي مخزون نزاهته.
فإزاء ثقافة الفساد المستوطِنة في السلطة القضائية تبدو هذه الأفعال الصغيرة أحداثا سياسية كبرى ذات شأن في تكييف النزاهة والفساد في المؤسسات.
(5)
وعلى مستوى آخر، فانظر أيها القارئ تفاهة موضوع القضية التي كنت أتابعها لدى محكمة الاستئناف، وهي الحق في الاطلاع على ملف قضاياي. بدون الاطلاع لن أعرف كيف أدافع عن نفسي، ولن أعرف التغييرات التي يحدثها القضاة الفاسدون، منهم شرشاب ذاته، يحدثونها في محضر التحقيق القضائي، خارج الجلسة، بالليل في حضور المحاميين والخصوم وبتوجيههم للقاضي الفاسد.
وتَفكَّر في تفاهة القضاة في المحكمة العامة الذين كانوا أصلا منعوني من الاطلاع على ملفاتي، ليمنعوني من اكتشاف فسادهم في ملفات قضاياي، فأُضطرُّ إلى رفع قضية لدى محكمة الاستئناف الفاسدة، على مدى ثلاثة شهور، لأتمكن بعد ثلاثة شهور من الاطلاع على ملف قضاياي المستمر النظر فيها في المحكمة!
وهذي من قصص فساد القضاة التي سأخصص لها مقالا. بطلها مُصدِرُ القرارات الثلاثة المتطابقة لمنعي من الاطلاع على ملفات قضاياي. القاضي الفاسد أزهري شرشاب، المتفق جنائيا مع القاضية كوثر والمحاميين والقاضية فادية. ولا تفكرن في أني فعلت شيئا مخالفا سبب تلك القرارات الفاسدة.  
(6)
وكذا لا تناقض في أن فادية الفاسدة حكمت لصالحي وألغت قرار القاضي الفاسد شرشاب. فالأمر كله خدعة معروفة يحذقها القضاة الفاسدون.
حيث يتفق القضاة في المحكمتين على أن تُصدر المحكمة أول درجة قرارا في غاية الشناعة، لتسهيل صناعة الفساد. فيطعن المتقاضي المستهدف. فتنظر محكمة الاستئناف في الطعن في ذلك القرار الشنيع، على مدى ثلاثة شهور ويزيد، ثم تلغيه في النهاية، بعد أن يكون القرار الشنيع حقق أغراضه.
...
وقد تصنع القاضي الخبيث أزهري شرشاب الاستغراب أن قراره القضائي بمنعي من الاطلاع تم إلغاؤه في محكمة الاستئناف، ذلك حين تقدمتُ إليه بطلب مكتوب مصحوب بالقرار من محكمة الاستئناف، طلبت أن يلغي قراره الفاسد.
وهكذا أيضا، بمثل هذه الخدع الصغيرة الموغلة في دناءة القضاة، وهي خدع استراتيجية ضرورية،  تدور صناعة الفساد القضائي في المحاكم.
(7)
صحيح أن رئيس الجهاز القضائي اتخذ قرارا ضد موظفه المرتشي واستلمتُ القرار الصادر لصالحي. لكن برعي ظل دائما يتصنع أنه لا يفهم انتظامية الفساد في مكتبه، ولم يكن راغبا في ربط أطراف الخيوط، ولم يكن راغبا في الاستنتاج أن الموظف الفاسد بل عميل للقضاة الفاسدين في  محكمة الاستئناف التي يرأسها برعي.  
خاتمة
(1)
تلك أعلاه كانت القرارات الخمسة الصحيحة في مخزون نزاهة القاضي برعي محمد سيد أحمد، النزيه. المهم هنا هو أن مجرد اتخاذ برعي هذه القرارات يُحسب لصالح برعي على أنه قاضي "نزيه". بين قوسين، لأن الأيام بينت لاحقا أن برعي قاضي فاسد يتستر على جرائم القضاة الفاسدين ويحميهم من الملاحقة القضائية ويستهين بحقوق المتقاضي والشاكي.
يلغي فساد القاضي، حتى في حالة واحدة، كل تاريخه في النزاهة. فالنزاهة هي التي يتلقى عليها القاضي مرتبه، فلا يُشكر عليها، وليس له أن يمتن على المواطنين بأنه نزيه هنا وهناك. المهم للمواطن أن يكون القاضي نزيها في جميع الأحوال، لا فاسدا حتى في واقعة وحيدة.
(2)
لكن ذلك لا يلغي أن برعي فاسد ونزيه في آن واحد. والسبب فيما قد يبدو تناقضا مني هو أنه لا يمكن أن نضع برعي، كقاض فاسد، مما سأقدم إثباته، في ذات مرتبة القاضي عبد الباسط عبد الله حامد، أو القاضية فادية أحمد عبد القادر كريم الدين، أو القاضي وهبي أحمد دهب، على سبيل المثال. وهؤلاء دهاقنة الإفساد في السلطة القضائية الفاسدة. وفق تفكيكي أراءهم القضائية. قدمت أفعال عبد الباسط وفادية، وبقيت أفعال وهبي سأخصص لها مقالا.
فعلى أقل تقدير، كان برعي يستحي من فساده، فيلتزم الصمت، ويبدو حريصا على سمعته القضائية. وقد هرب مني حين التقيتا في بقالة في نهاية شارع الستين في مدينة الرياض. ترك أغراضه في البقالة وولى هاربا، بعد أن تصنع أنه لا يعرفني حين التقت أعيننا. وكنت أصلا غير مشغول عندها بأفعاله الفسادية، وودت أن أحييه.
(3)
وبالرغم من فساد برعي في التستر على جرائم القضاة، موضوع المقال الثالث، إلا أن برعي لم  يتردى إلى درك انحطاط القضاة الثلاثة أعلاه الذين قدمتهم كمثال فقط. كمثال فقط، لأني أجد فساد القضاة إلهام وني ونادية سليمان وبكر وآدم في آرائهم القضائية في ذات درجة فساد القاضية فادية، وإن كانت فادية تبزهم مجتمعين بذلك ذكائها الإجرامي الحاد. درك انحطاط هؤلاء القضاة متمثل في اقترافهم الكذب بوقاح، والتزوير، وفبركة الوقائع يأتون بها من العدم. والفرق الجوهري بين برعي وهؤلاء الأشرار هو أنهم كانوا يبيعون الرأي القضائي يسطرونه وفق الطلب لقاء الرشوة. مما يختلف عن القرار الإداري عند برعي، رغم أن أثر قرارات برعي قد يكون له ذات الأثر المدمر على المتقاضي، بالإضافة إلى الأثر المؤسسي المتمثل في استيطان الفساد في القضائية، وبرعي مسؤول من ذلك أيضا، مع آخرين.  
...
في المقال الثالث، أعرِض  إلى القاضي برعي محمد سيد أحمد، الفاسد. فساده متعلق بحقي الخاص، وبالشأن العام من حيث حق أهل الخرطوم، وأهل السودان، في إدارة نزيهة في مكتب رئيس الجهاز القضائي الخرطوم.
...
عشاري أحمد محمود خليل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 نوفمبر 2015