عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
هذه القصة الواقعية عن استرقاق السيدة أبوك مشام أنقوي واحدة من سلسلة قصص غير منشورة عن وقائع الرق في «دار الرزيقات». كنت وثقتها بالتفصيل خلال فترة التسعينات من القرن الماضي. وكتبتها لتسليط الضوء في هذا الفصل من تاريخ تلك المنطقة وتاريخ السودان الحديث.
وللرد على الذين كانوا وظلوا ينكرون وجود الرق. وعلى الذين كانوا يضيِّقون تعريف الرق بغرض استبعاد تكييف مثل هذه الحالة على أنها من الرق. والذين كانوا يوسعون التعريف ليشمل كل شيء، ليصبح كله عند العرب صابون. والذين آثروا الصمت.
والذين أوردوا تسميات لوقائع الرق الثابتة بأنها بل"عادات قبيلة"، و"ممارسات"، و"مراشقات"، و"رق قبلي" (الصادق المهدي)؛ وعلى أنها من نوع "أسرى حرب يعاملون معاملة الرقيق" (حسن الترابي في إذاعة صوت أمريكا)؛ وأنها من نوع "الرهائن"، و"إذا كان رقا فهو رق متبادل" (محجوب محمد صالح)؛ وأنها"نهب وإجرام" (محي الدين صابر)؛ وأنها بل وقائع"رق أفريقي حبي اثنوجرافي غير عنصري يمارسه الدينكا وقوات جون قرنق" (عبد الله علي إبراهيم).
لكني أقول إنه الرق، لا علاقة له بأي من ما ذكروا. وله خصوصيته في عنصريته، وفي تاريخه الدموي المعروف، وفي سياقه السياسي، وفي الحرب ذات المليشيات المسلحة.
اللقاء بالسيدة أبوك مشام أنقوي
في العام 1989. في آخر أيام الحكم الإجرامي تحت رئاسة الصادق المهدي. التقيت بأبوك مشام أنقوي. في معية شقيقها باك مشام الضابط في قوات الشعب المسلحة في ذلك الوقت. وسمعت منها تجربتها في الرق في "دار الرزيقات".
حينئذ، كانت أبوك مشام أنقوي امرأة في الثلاثين. متزوجة من دينق دينق ماقوت. والدها الشيخ الكبير مشام أنقوي أحد أعيان قبيلة الدينكا ومن أكثرهم أبقاراً. كانت له تسع زوجات، وتسع وعشرون ابناً وبنتاً، وعدد كبير من الحفدة.
أمها الزوجة الثانية لمشام أنقوي، ألْويل بول أتير. التي ورد اسمها وقصتها في صفحة 75 و 76 من كتاب مذبحة الضعين-الرق في السودان. حين قالت إن إحدى المليشيات من جنوب دارفور هاجمت قريتها أشـورو وقتلت زوجها الشيخ مشام أنقوي، واختطفت من أسرتها أحد عشر شخصاً. منهم هذه ابنتها أبوك وطفلها منقار. موضوع هذه القصة.
بعد عامين من اختطافها وحياتها في الاسترقاق في حاكورة دار الرزيقات، تم تحرير أبوك لتعود إلى ما تبقى من أسرتها. في العام 1989. ولتعيش في الخرطوم بأطفالها الثمانية مع شقيقها باك مشام الضابط السابق بقوات الشعب المسلحة. أما زوجها دينق دينق ماقوت، فلم تكن حينئذ تعرف عن مصيره شيئاً منذ ذلك اليوم الذى هجمت فيه المليشيا الرزيقية على قريتهم. (لكنه سيعود لاحقا، حيا يرزق).
قضت أبوك عامين تقريباً في حياة الاسترقاق لدى أحد أفراد الميليشيا الرزيقية التي كانت هاجمت قريتها. وأخيراً تم تحريرها بعد أن كتب أخوها باك مشام، الضابط في القوات المسلحة، رسالة لأستاذه السابق بمدرسة مريال باي الابتدائية، عيسى محمود موسى مادبو، راجياً منه التدخل والمساعدة بالبحث عن شقيقته التي ظلوا يبحثون عنها طويلاً دون جدوى.
وفي وضعية الرق، حملت أبوك بتوأمتين. وضعتهما بعد تحريرها وأسمتهما أشان وأنقار.
التقيتُ لاحقا بباك مشام في نيروبي في العام 2002. وكانت تمت إعادة توطين عدد كبير من أفراد الأسرة في أمريكا. بعد تكثر هجوم المليشيات الرزيقية المدعومة من الحكومة على قريتهم في أشورو.
فإلى وقائع قصة استرقاق السيدة  أبوك مشام أنقوي:
أولا،
الهجوم والاختطاف والتنقيل من دار الدينكا إلى دار الرزيقات
في الصباح الباكر من يوم 7/1/1987 [قبل ستة أشهرا من صدور كتاب مذبحة الضعين الرق في السودان]. هجمت إحدى الميليشيات من مجموعة الرزيقات على قرية أشورو الواقعة في المنطقة شمال بحر الغزال. جاء المعتدون في مجموعتين. كانوا يركبون الجمال والحمير. ومسلحين بمختلف الأسلحة التقليدية والنارية الحديثة. كان بعضهم يرتدي «عراقي بلدي كاكي»؛ والبعض الآخر كان يرتدي جلابيب بيضاء. كانت كل مجموعة تحمل علماً.
كعادتهم عند الهجوم على قرى الدينكا في هذه المنطقة، «عملوا انتشار»؛ وأحاطوا بمنازل القرية المكونة من قطيات القش. تقول أبوك: «شفت الناس جارين. قالوا ديل عرب جو. قلت للشفع خلاس أجروا. وقلت للراجل أجري. عشان كان عرب بشوف، بكتلو. الدينكا دا قاعد ساكت. بندق مافي».
كانت أبوك تحمل طفلها الرضيع منقار مربوطاً وراء ظهرها، وتقف أمام بيتها بعد أن هرب زوجها وأطفالها في جهات مختلفة محاولين الفرار والاختفاء «من العرب» -على حد قولها. فتقدم نحوها ثلاثة منهم على ظهور الخيل. أمرها الذي كان يحمل بندقيته بيد واحدة يوجهها نحوها أن تعطيه الطفل المربوط وراء ظهرها. وكان يهددها بالقتل إن هي حاولت الهرب. لم تقاوم ولم ترفض. «قدرة مافي»، هكذا قالت لي. أعطته طفلها. فوضعه أمامه على ظهر حصانه، ووضع البندقية أمام الطفل، وحمل سوطاً بدأ يهوي به على رأسها.
في هذا الأثناء،
(1) كان أحد رجال الميليشيا قد أطلق النار على والد أبوك، الشيخ مشام أنقوي وقتله؛
(2) كان آخرون من الميليشيا يلاحقون الرجال الفارين ويطلقون عليهم النار؛
(3) كانوا يختطفون النساء والفتيات والأطفال؛
(4) كان الذين على ظهور الجمال والحمير يقومون بنهب الذرة والسمسم المخزون، وبحرق ما لايقدرون على حمله؛
(5) آخرون كانوا يقومون بنهب الأبقار والأغنام.
اندفعت أبوك أمام حصان مختطفها وسوطه يلاحقها إلى أن وصلا إلى مكان كان فيه رجلان من الميليشيا. كانا يحتجزان زوجة والدها السابعة أشاي نقور وطفلتها قيك البالغة من العمر أربعة أعواما. سألتْ أبوك عن أدوت، ابنة أشاي الكبرى. فردت عليها أشاي بالقول إنهم «ساقوها قبيل».
«بعدها ساقونا. الحصان ورانا. وكل مرة يجلدونا».
إلى أن وصلوا إلى قرية أونقير في الطريق شمالا. وهناك وجدوا امرأة من أهلهم تسمى أدوت ياي. خطف «العرب» ثلاثة من أطفالها الأربعة وذهبوا بهم شمالاً. وكان آخرون من الميليشيا يريدون أخذ أدوت ياي معهم. لكنها رفضت أن ترافقهم قبل أن تعثر على طفلها دينق البالغ من العمر عشرة أعواما. «هو كان جرى وهي ما عارفة هو مشى وين». رفضت أدوت ياي الانصياع لأوامرهم. وذهبت في الاتجاه العكسي. فأطلق أحدهم النار على مؤخرة رأسها.
وتذكُر أبوك أن أطفال القتيلة أدوت ياي هم طيك، وأتاب، وأقول، ودينق.
كان رجل الميليشيا الذى اختطف أبوك وطفلها منقار واقتادهما إلى حياة الرق يدعى آدم عبدالرحمن. وفي رحلتهم شمالاً توقفوا في مكان تقول أبوك إن أسمه وارشوي. وبعدها توقفوا في مكان آخر بالقرب من سفاهة. ثم توقفوا ليلتين في أبو مطارق قبل مواصلة الرحلة إلى سوق بيِّن حيث يسكن آدم عبدالرحمن وأسرته.
ثانيا،
أسرة رجل الميليشيا الرزيقي آدم عبد الرحمن
يسكن آدم عبدالرحمن، عضو الميليشيا، الذي اختطف أبوك وطفلها منقار في قرية سوق بَيِّن. وهو يعيش على الأبقار والأغنام التي يترحل بها بين سوق بين وفرع هبيل ونقادي وسفاهة، وفق فصول السنة وحالة المرعى. بعض هذه الأبقار والأغنام، إن لم تكن كلها،  كان نهبها عند  مشاركته في غزوات الميليشيا على قرى الدينكا. وسنرى أنه سيتحصل على خراف إضافية ثمنا لبيعه طفل أبوك، منقار. لكنها بيعة لن تثبت. 
كانت أسرة آدم عبدالرحمن تتكون من زوجاته الثلاث وأبنائه الخمسة. زوجته الأولى هي ماشة ابراهيم، وابنتها كلتوم، وابناها عبدالرحمن وابراهيم الذي تسميه أبوك «العميان» لأنه يعاني من مشكلة في نظره. الزوجة الثانية هي فاطنة ابراهيم ولديها طفل صغير، يعاني هو أيضاً من مشكلة في نظره. «برضو عميان»، تقول أبوك. وهناك الزوجة الثالثة، خيرة عبدالله، ولديها طفل رضيع.
كان لكل واحدة من الزوجات الثلاثة بيتها المبني من البروش والمشمع. وقالت لي أبوك إن تلك البيوت تشبه بيوت النازحين في الخرطوم. وعند وصولها إلى سوق بيِّن، بقيت أبوك مع الزوجة الكبرى إلى أن قامت بعدها ببناء قطية لها على مثل ما كانت تفعل عند أهلها الدينكا.
ثالثا،
حياة الحرية محفورة في الذاكرة
هكذا كانت انتهت حياة الحرية بالنسبة للسيدة أبوك مشام. فقدت والدها وبعض أفراد أسرتها. وانهارت حياة مستقرة في أشورو. كانت لها ولزوجها مزرعتان. كانا يزرعان السمسم والعيش والبامية. وكان ثمانون شخصاً يعملون كنفير لمساعدة أبوك في مزرعتها. كانت تعد لهم الأكل والمريسة.
كانت أبوك، وهي ابنة الشيخ الكبير مشام أنقوى، تملك 35 بقرة، وعشرة من الثيران، وعشرين خروفاً، وثلاثين رأساً من الغنم، وعشرة من الديوك، وعشرين دجاجة. فقدت كل ذلك. كذلك فقدت، كما تحصي، أربعة سراير وثلاثة عناقريب، وصندوق عدة، وصحن صيني، وأربعة جرادل وخمسة من الحلات الصغيرة وخمسة من الحلات الكبيرة.
نهب الرزيقات المهاجمون جميع ممتلكات أبوك. واقتادوها عنوة، هي وطفلها منقار، من موطنها في أشورو في دار الدينكا إلى حياة الرق في دار الرزيقات.
رابعا،
طقس الاسـترقاق
عند الوصول إلى مكان السكن بالقرب من سوق بين، أمر آدم عبد الرحمن، عضو الميليشيا، السيدة أبوك مشام أنقوي أن تبرك على الأرض. فبركت على ركبتيها ويديها. عندئذ جاء آدم بابنته الكبرى، كلتومة، التي تزوجت بعد شهر من هذه الحادثة. وقال لها «أركبي فوقها». ففَعَلَت. ثم أمر أبوك أن تنهض وهى تحمل ابنته كلتومة على ظهرها. قال لي «قومي»! قلت ليهو «ما عندي قدرة». قال لي «بضربك بالسلاح». «وضربني بكعب البندقية مرتين. أنا وقعت. من هناك، أمو الحاجة شالتني ودتني بيتها».
أعطوا أبوك أسماً جديداً. زهرة آدم. وقالوا لها «كلام الدينكا دا خلي».
خامسا،
الأعمال التي كانت تؤديها السيدة أبوك في وضعية العبودية
كانت الأعمال التي ألزموا  أبوك بأدائها في وضعها الجديد في العبودية تشمل دق العيش وغربلته وطحنه. وإحضار القش لحصان سيدها آدم. والرعي بالغنم والماعز وبالأبقار أحياناً. ونشل الماء من البئر.
قالت أبوك إن أخوان آدم وخالته وباقي أسرته كانوا يحضرون لها العيش لتقوم بعمليات دقه في فندك كبير، وغربلته وطحنه في المرحاكة.
كانت أبوك مكلفة أيضا بإحضار القش لحصان سيدها آدم، فكانت تحمل الجراية في الصباح الباكر. وتمشي إلى مكان قالت لي إنه كان بعيداً من القرية، يوجد فيه ذلك القش. قالت أبوك إنها كانت تقوم بربط ذلك القش في حزم تحملها على ظهر الحصان وعلى رأسها.
بعد إحضار القش، كانت تذهب إلى الدونكي في سوق بيِّن لإحضار الماء. تحمل أربعة جركانات على ظهر الحمار، وجركاناً خامساً على رأسها. وأحياناً تعود مرة ثانية في ذات اليوم لإحضار المزيد من الماء من الدونكي ومن البئر.
عندما كانت أبوك تذهب لإحضار القش، كانت كلتومة ابنة آدم تذهب معها لتراقبها خوفاً من أن تهرب. وكانت كلتومة تشارك في قطع القش وإعداده في حزم أيضاً. وحين تذهب أبوك لإحضار الماء كان يقوم بمراقبتها أفراد أسرة آدم الآخرون.
وكانت أبوك تحمل معها طفلها منقار مربوطاً وراء ظهرها عندما تذهب لإحضار القش أو الماء. لكنها كانت تؤمر بترك طفلها وراءها كرهينة، عندما لا تتمكن كلتومة من مرافقتها لإحضار القش.
كان العمل الأساس، والأكثر مشقة وإهانة لأبوك، على حد قولها‎، هو الرعي. قالت لي  إن المرأة المتزوجة عند الدينكا لا تقوم بأعمال الرعي.
كانت أبوك تذهب لترعى الأغنام في الصباح الباكر. ويصحبها، مراقباً، ابن آدم، ابراهيم. البالغ من العمر 13 عاماً. كان ابراهيم ضعيف النظر. تسميه أبوك «العميان». كانت تسير وراء الأغنام، وكان ابراهيم يسير وراءها.
كذلك كانت أبوك تقوم بقطع الأشجار لتغذية الأبقار أحياناً، وقطع الحطب لحرقه لطرد الناموس.
وكانت تكلف بذات الأعمال حتى بعد أن حملت بالتوأمتين من آدم عبدالرحمن. وقالت إنها رفضت يوماً أن تذهب للرعي لشعورها بإرهاق في ظروف حملها الجديدة. إزاء رفضها هذا قام آدم بضربها على وجهها بنعله مما أفقدها مباشرة ثلاثة من أسنانها الأمامية العليا. وقد شاهدتُ شخصيا أسنانها المكسرة. كذلك كانت أبوك تتعرض للضرب عندما تضيع منها بعض الأغنام أثناء الرعي.
سادسا،
كيف تم بيع الطفل منقار
قالت لي أبوك إنه بعد شهر من اختطافها وطفلها الرضيع منقار، قال لها آدم: «ككور، أي الطفل، دا ما يرضع تاني». قلت «لي شنو؟»؛ قال «بقى كبير». وقالت أبوك إن عادة «العرب» أن لا يرضعوا الطفل بعد أن يمشي. ولكن عادة الدينكا أن تستمر الأم في إرضاع طفلها حتى سن الثالثة.
كان عمر منقار سنة واحدة وثلاثة أشهر عندما أخذه آدم من أمه وتركه مع ماشة زوجته الأولى. وكان ذلك لأن آدم أراد السفر إلى قرية نقادي ومعه أبوك وزوجته فاطمة. وكان يخشى أن تهرب أبوك إذا أخذت طفلها معها. وتقول أبوك إنهم، أثناء غيابها، فطموا طفلها منقار، وإنها عندما عادت من نقادي وجدته في حالة صحية سيئة.
ولكن عندما جاء فصل الارتحال إلى البحر، أي إلى سفاهة، سمحوا لها بأخذ طفلها معها.
وهناك في سفاهة جاءها آدم يوماً وقال لها: «الولد دا بوديهو لأخوي عشان يشرب لبن». وقال لها «إنت ما عندك قدرة تسرحي وتشيلي الجنا». ورفضت أبوك ذلك. وقالت إنها ذكَّرت آدم بما حدث لمنقار عندما تركته وراءها وسافرت إلى نقادي. «ككور كان بموت. مافي زول برضعو. ولا بديهو موية ولا بديهو خَلَقْ». لكن آدم وعد بأن المعاملة ستختلف هذه المرة. فوافقت مكرهة. وقالت إنها أوصتهم بالمحافظة على منقار وبصفة خاصة أن لا يتركوه يطعنه الشوك في قدميه كما حدث في المرة السابقة.
قالت أبوك: «هو تاري وداهو باعو لزول تاني اسمو ابراهيم، وجاء قال لي الجنا في بيت أخوي. لكن هو مشى جاب عشرة خروف. وقال لي أرح نودي البهائم دي للدلالة في مطارق».
لم تكن أبوك تعرف وقتها أن تلك الخراف العشرة كانت هي الثمن الذي قبضه آدم من بيعه لطفلها منقار. ذهبت مع آدم تقود الخراف العشرة إلى مطارق. وهناك تم بيع خمسة منها، وعادوا بالخمسة الأخرى.
بعد مرور ثلاثة أشهر من أخذ منقار، جاء رجل يدعى ابراهيم إلى منزل آدم. ولم يكن آدم بالمنزل وقتها. لكن زوجته ماشة كانت موجودة.
قالت أبوك إن ابراهيم قال إنه يريد استعادة خرافه العشرة. وقال لماشة «آدم كان باع لي جنا دينكا دا، وهسي الدينكا بجو في سفاهة، واحدين منهم يفتشوا على أولادهم. والولد لو رجعتو ليهن بكون خسرت». وأخذ ابراهيم الخراف الخمسة التي لم يتم بيعها ومعها ثلاث أغنام أخرى وذهب.
كانت تلك هي المرة الأولى التي علمت فيها أبوك أن آدم لم يكن أخذ طفلها ليعيش مع أخيه كما كان ادعى، ولكن ليبيعه. كما إن ماشة زوجة آدم لم تكن تعلم هي الأخرى أن آدم باع منقار. كان آدم أخبر بالحقيقية زوجته الصغرى، خيرة عبدالله، فقط.
وعندما عاد آدم، واجهته أبوك بما عرفته عن بيعه طفلها منقار. كان هذا في سفاهة في كير الديم. لكن آدم أنكر الواقعة وقال «الزول دا كضاب ساكت. الولد دا أنا بس أديتو لأخوي يقعد معاهو».
بعد ذلك خرج آدم، وقضى ليلته خارج البيت. وعاد في الصباح. «جاب الولد أداني ليهو».
سابعا،
التحــريــر من العبودية
قضت أبوك مشام عشرين شهراً تقريباً في الاسترقاق. وفي هذا الأثناء كانت أسرتها تبحث عنها في منطقة جنوب دارفور دون جدوى. فكتب شقيقها باك مشام، الضابط السابق بالقوات المسلحة، لأستاذه السابق بمدرسة مريال باي الابتدائية، عيسى محمود موسى مادبو. كتب إليه يرجوه أن يتدخل وأن يسعى للبحث عن أخته المختطفة لدى رجال الميليشيا الرزيقات. ويقول باك إن عيسى هذا كانت تربطه بوالده الشيخ مشام أنقوي وبأسرته علاقة صداقة بدأت عندما كان عيسى مدرساً في منطقتهم.
اهتم الأستاذ عيسى مادبو بأمر أبوك إلى أن تم العثور عليها في قرية سوق بين. كتب أولاً للعمدة فضل النبي عمدة أبو مطارق، الذي بدوره أرسل رسالة إلى الشيخ تاج الدين أحمد، شيخ قرية سوق بين. استدعى الشيخ تاج الدين ابن أخيه آدم الذي يحتفظ بأبوك وأطلعه على قراره القاضي بأخذ أبوك منه وإرسالها لأبو مطارق والضعين. رفض آدم هذا، وقال إنه سيذهب بنفسه إلى أبو مطارق. فإن وجد زوج أبوك هناك أعطاه لها، وإلاَّ فإنه سيعيدها معه.
ركب رجل المليشيا آدم عبد الرحمن حصانه وحمل معه الطفل منقار وصحبته أبوك التي كانت تمشي على رجليها. وكانت في فترة متقدمة في حملها بالتوأمتين. وفي أبو مطارق التقى آدم بنقور مانجوك مندوب الدينكا [والد محرر الرقيق مانجوك جيينق مانجوك]، ونسيب العمدة فضل النبي. وطلب آدم إعطاءه ورقة لتبقى أبوك معه إلى أن يأتي زوجها. لكن طلبه رفض.
تم تحرير أبوك وطفلها منقار. وذهبت إلى الضعين لتسكن في منزل عيسى محمود موسى مادبو، وقضت فيه شهراً. ثم انتقلت إلى منزل زوجة خالها، ألياي قرنق، تنتظر ميلاد التوأمتين.
قالت لي أبوك إن الأستاذ عيسى موسى مادبو كان يتكفل بإعاشتها كاملة ورعايتها طيلة فترة وجودها في الضعين.
وضعت أبوك التوأمتين، الأولى في الفجر، والثانية بعد الظهر. وأسمتهما أنقار وأشان دينق، على اسم زوجها دينق دينق ماقوت الذي لم تره منذ ذلك اليوم الذي هاجم فيه "العرب" قريتهم أشورو. وتقول أبوك: "آدم ما عندو حاجة. ديل ما أولادو".
بعد ذلك تركت أبوك الضعين وجاءت إلى الخرطوم لتعيش مع شقيقها باك مشام.
وانتهى المطاف بعدد من أفراد أسرة مشام أنقوي في أمريكا. وظهر زوج أبوك لاحقا حيا يرزق. ويبدو أن الطفلتين أشان وأنقار، في العشرينات اليوم، تعيشان في أمريكا.

خصوصية الرق في دار الرزيقات
فتبين قصة السيدة أبوك مشام أنقوي خصوصية الرق في السودان، وفي دار الرزيقات. بعنصريته المتداخلة مع علاقة الملكية بين السيد العربي المسلم والرقيق الزنجي الكافر. وفي تجربة الاستحواذ من قبل السيد، الرزيقي، على جسد الرقيق، الدينكاوي. الاستحواذ المعبر عنه بأفعال تقييد الحرية، والمراقبة، والضرب، والتبادل التجاري، والتعنيف، وباستغلال قوة عمل الرقيق، وبالاغتصاب الجنسي، وتسبيب الحمل بالإكراه.
بالإضافة إلى إعمال طقوس العبودية المستدعاة من ذاكرة الثقافة العنصرية ذاتها، وإلى منع استخدام الرقيق لاسمه وفرض اسم جديد عليه. كله في هذه القصة الحقيقية، تشهد عليها أسرة مادبو الحاكمة في دار الرزيقات.
....
الدعوة مجددا لفتح ملف الرق في دار الرزيقات
تكمن أهمية قصة السيدة أبوك مشام أنقوي في أنها تتمثل وتثبت مقاومة آلاف النساء والفتيات من قبيلة الدينكا للرق. بعد أن ألحقن الهزيمة الأخلاقية الماحقة بـ "المثقفين" في "قبيلة الرزيقات"، د. الوليد مادبو مثالا. الصامت عن جريمة الرق في حاكورة دار الرزيقات. ليس الصامت الوحيد، لكن صمته هو الأعلى دويا والأشد ضجيجا، بسبب ادعاءاته المتكثرة عن التغيير، وبسبب موقعه في أسرة مادبو الحاكمة، وفي خطة التوريث.
..
وفي نهاية الأمر،
ذلك هو الرق المعرف في المادة 1(1) في اتفاقية الرق للعام 1926، وهي المادة التي تقرأ: "الرق هو المكانة [المقامية] أو الوضعية لشخص تمارس عليه أي من السلطات المتصلة بحق الملكية أو كلها".
وهو ذات التعريف الذي أعيد إنتاجه، في موضوعه وجوهره، في المادة 7 (أ) من الاتفاقية التكميلية لإلغاء الرق وتجارة الرقيق والمؤسسات والممارسات الشبيهة بالرق لعام 1956.
وقد تم شمل الرق كنوع محسوب من بين أنواع استغلال الإنسان في كل من اتفاقية الأمم المتحدة للعام 2000 بشأن بروتوكول باليرمو حول الإتجار بالأشخاص [بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الإتجار بالأشخاص وبخاصة النساء والأطفال المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية].
وكذا هو معرف في الأحكام الصادرة وبالقضايا بشأن الرق في المحاكم المحلية (بشأن النسب) والإقليمية والدولية. 
وكله ورد في وثيقة التعريف القانوني للرقفي موجهات بيلاجيو-هارفارد بشأن الحدود القانونية للرق 2012. بالتركيز على الوقائع في الوضعية المحددة.
والرق مكيف على أنه جريمة ضد الإنسانية. في تعريف الاسترقاق الموجود في المادة 7(2)(جيم) من قانون المحكمة الجنائية الدولية 1998؛ ثم تم تطويره بتفاصيل أوفى في التشريع القانوني الثانوي للمحكمة، ذلك في "عناصر الجرائم".
وبهذه الصفة، كجريمة ضد الإنسانية، فهي لا تسقط بالتقادم، في دار الرزيقات. فلازم ملاحقة مقترفي الجريمة قضائيا. ولازم تفكيك البنيات الهيكلية التي كانت تنتج الرق في دار الرزيقات وتعيد إنتاجه. أهمها الجهاز الحربي في قبيلة الرزيقات، الميلشيات الرزيقية بفرسانها المستأسدين على الفتيات والنساء والصبية في دار الدينكا. حين كانوا يختطفونهم ويقتادونهم إلى دار الرزيقات لبيعهم واستبدالهم واستغلالهم في الرعي والزراعة والخدمة المنزلية والخدمات الجنسية.
ولزام على قبيلة الرزيقات، كقبيلة، أن تدفع التعويضات المالية لجميع الأرقاء الدينكا وأسرهم ومجتمعاتهم المحلية التي اكتوت بنيران الغزوات الرزيقية الإجرامية لجلب الرقيق. اعترفت حكومة الإنقاذ بأن عدد الأرقاء  يبلغ ستة عشر ألفا، في السودان، لكنه أكبر من ذلك وأغلبه كان في دار الرزيقات.
ويجب على قبيلة الرزيقات أن تعتذر علنا، بصوت أسرة مادبو، الأسرة الحاكمة على مدى أربعمائة سنة، أن تعتذر للضحايا ولأسرهم، ولمجتمعاتهم المحلية. وأن تقدم الضمانات الواضحة المقنعة أنها لن تعود مجددا إلى ممارسة الرق، ,أنها ستتخذ كافة التدابير المجتمعية الشعبية لمنعه.
بالإضافة إلى تبيان حقائق الرق لشباب الرزيقات، وتدريس هذا الفصل من تاريخ القبيلة في المدارس، وإنشاء النصب التذكارية للضحايا.
وكله في سياق مسار سوداني وطني للعدالة الانتقالية. ليس فقط لأجل الضحايا من قبيلة الدينكا. ولكن أيضا لأجل أطفال الرزيقات. يستحقون صفحة جديدة ناصعة.
عشاري أحمد محمود خليل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.