فلنرحب ببيان المثقفين الصادر والمنشور أمس في سودانايل. وليوقع عليه كل من يريد بداية جديدة للسودان.

ومع ذلك، وبالرغم من أني أسهمت بمقترحات تم تضمين عدد منها في نص البيان، أقدم هذه الملاحظات والمقترحات الإضافية:

يتعين أن يظل البيان مسودة مفتوحة قابلة للتعديل، كوثيقة حية، حتى في مسار التوقيع عليها، ما دام الغرض يظل هو ذاته: إزالة نظام الإنقاذ، وتحقيق سودان جديد جوهره الحريات الكاملة والعدالة.

 

وهنا تبقى عملية تحديد "الإجراءات"، عن كيفية تحقيق إزالة هذا النظام، وكيفية تحقق السودان المختلف.


أولا، يتعين أن نستخدم اللغة الصحيحة لتوصيف النظام بأنه "الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة"، مع تحديد المفاهيم الثلاثة، خاصة مفهوم "إسلامية" الدولة وكيف أنها ليست "السوداني المسلم"، وهي ليست "الإسلام"، دائما كنصوص، بل هي العقيدة السياسية المعبِّرة عن فكر وممارسة الحركة الإسلامية السودانية، وكعقيدة سياسية فهذه الإسلامية السودانية واحدة من بين مجموعة العقائد السياسية الشمولية المعرَّفة بإجرامها وبفسادها، بما فيها الليبرالية الجديدة المتوحشة، والنازية، والاستالينية، والفاشية.


ثانيا، يتعين أن نستمر في تشخيص هذه الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة، بتبيين الكيفية التي تتداخل فيها إسلاميتها مع ممارسة الإفساد والإجرام وتطبيعهما ورعايتهما. والإشارة إلى "الإسلامية" كعقيدة سياسية، وكممارسة، وكأشخاص محددين بأسمائهم وهوياتهم (وهم الإسلاميون، باستثناء الشباب منهم). وتم ذكر بعض من ذلك في البيان لكن دون توضيح كاف.


ثالثا، يجب أن يتم تحديد معالم السودان المرغوب فيه بعد نظام الإنقاذ بصورة واضحة لا لبس فيها، بمعنى أن هذا السودان الجديد المرغوب فيه لا محل فيه للدين الإسلام في أجهزة الدولة، أو في الاقتصاد، أو بشأن ترتيب الحكومة الحياة الخاصة للمواطنين.


ولهذا السودان الجديد المختلف المرغوب في تحققه معالم أخرى، اقتصادية وسياسية وثقافية، ولابد من تفصيلها في أوراق ملحقة مع البيان، أو في نصوص تضاف إلى ذات نص البيان.


رابعا، لزوم تحديد تركيبة الحكومة الانتقالية التي يتحدث عنها البيان. فهي ليست الحكومة الانتقالية التي قد يفكر فيها الصادق المهدي، وهو سياسي مهم لا يمكن إهمال قدراته على إفشال كل مبادرة في صالح شعب السودان، لكن تقديراته لا قيمة لها في إنشاء سودان جديد مختلف، فهو وأولاده ومريدوه يريدون سودانا لمصلحتهم هم، ووفق تصوراتهم هم.


كذلك يتعين تحديد المهام الأساس لهذه الحكومة الانتقالية، على أنها تتلخص في تفكيك الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة. فإذا اتفقنا على أن نظام الإنقاذ الإسلامي فاسد وإجرامي، يتعين علينا ألا نتهرب من النتيجة المنطقية، وهي تفكيك المؤسسات التي كرست هذه الإسلامية والإفساد والإجرام، مما جعل السودان في الحال الذي هو اليوم عليه.


خاصة وأن الإفساد ظل الخصيصة الأساس لهذه الدولة الإسلامية، ولأن الإجرام تعدى الجرائم الخطيرة ذاتها إلى الجرائم العالمية مثل الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، والتطهير العرقي، كله في السودان، بالإضافة إلى العدوان الخارجي بالمرتزقة الإسلاميين على شعب اليمن، ولأن كفاح الشعوب واحد، حسنا فعل البيان بأن ذكر اليمن، وهي ليست الكيان الوحيد الذي ينبغي أن يثير الهم السوداني المباشر، فهنالك جنوب السودان وتاريخية الإبادة الجماعية الإسلامية ضد شعبه، لا يضاهيها في عظم الجرم إلا الإبادة الجماعية والمفظعات من كل نوع مما اقترفته الحركة الشعبية ذات القيادات الفاسدة الإجرامية، مثلية قيادات الإسلاميين السودانيين وإن كان ذلك بأسماء مثل رياك مشار وسلفا كير ميارديت.


عليه يتعين حل المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية والسياسية التي كانت ضالعة في صناعة الفساد وفي تعبئة إجرام الدولة لحماية الفساد الإسلامي، وكذا يتعين وضع حد للعقيدة السياسية محور الفساد والجريمة في السودان، وهي هذه "الإسلامية" المعروفة والمعرَّفة بمادية ممارساتها في أرض الواقع في السودان على مدى أكثر من ثلاثين عاما.


ولا يغير من ذلك صراخ الإسلاميين المتوقع أن ذلك تفكيك المؤسسات الإسلامية سيكون هجوما على المسلمين وعلى الإسلام، فقد استبان كذب هذا الصياح الغرضي الانتهازي، وهذا خداع الإسلاميين لم يعد ينطلي على أحد.


وبالدرجة الأولى، يجب أن يسبق تفكيك المؤسسات، بل يجب أن يسبق إعلان العصيان المدني المتحدث عنه في البيان، تقديم تصورات واضحة لبدائل المؤسسات التي سيتم تفكيكها، ويعني التفكيك تحديدا حل هذه المؤسسات وتسريح الإسلاميين فيها، وبنائها من الأول على أسس جديدة. ولا قيمة لحديث عن هذا التفكيك إلا إذا كانت خطته معدة سلفا ومعلنة على الملأ في أدق تفاصيلها، دائما قبل إعلان توقيت للعصيان المدني.
إذن يجب عدم الإعلان عن أي عصيان مدني، بل يجب عدم المشاركة فيه، ما لم تكن الخطط المتعلقة بتفكيك المؤسسات الإجرامية الفاسدة مكتوبة بصورة واضحة وكافية، ومتواضعا عليها بصورة واسعة، وما لم تكن تركيبة الحكومة الانتقالية معروفة سلفا، بالأسماء الممكنة، وما لم تكن التزامات هذه الحكومة الانتقالية وواجباتها كذلك مكتوبة ومعروفة للملأ، بالتفصيل.


باختصار، يجب ملاقاة التحديات المتمثلة في السعي إلى وضع حد للدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة وجها لوجه وعدم التهرب من هذه التحديات. وسيكون من الغباء المشاركة في أي عصيان مدني ما لم تكن الخطط التفصيلية للبديل واضحة ومعروفة ومنشورة على الملأ، في الأنترنيت، وحيث لا سرية في العمل لوضع نهاية لنظام الإسلاميين.


ولا عذر لأحد من الموقعين فيما يتعلق بهذا الأمر، فإسقاط النظام لن يكون بتوقيعات، بل لابد من التقدم وترشيح الذات لإعداد الأوراق المحددة عن "الإجراءات". وأرشح نفسي للعمل مع آخرين، أرجو أن يتقدموا، في العلن، لا في السر، لإعداد ورقة تبين كيفية تفكيك السلطة القضائية الفاسدة، وتحديد مكونات وخصائص القضائية الجديدة المرغوب فيها، وتحديد الكيفية التي يتم بها إحلال القضائية الجديدة.


خامسا، يجب عدم التعويل على أن عصيانا مدنيا، مهما بلغت درجة الالتزام به، سيطيح بالدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة، فقد تغيرت طبيعة الدكتاتوريات الفاسدة الإجرامية مثل نظام الإسلاميين في السودان. وذلك لأن القيادات الإسلامية والمستفيدين معها من ريع الفساد ومن الجريمة المنظمة سيدافعون عن مصالحهم في الإفساد والإجرام المرتبطين ببقاء هذا النظام، وهم سيستميتون في الدفاع عن هذه المصالح بشراسة ووحشية لم نعهدها.


وهنا لابد من طرح العصيان كأداة وحيدة متدرجة، ربما قطاعا بقطاع، مع تقنيات متعددة أخرى متزامنة للمقاومة المستمرة التي لا تتوقف، وهنا كذلك لابد من ورقة معدة تبين إجراءات المقاومة المستمرة. فليرشح بعض الموقعين أنفسهم للقيام بهذه المهمة، علنا، حيث لا ترشيح سري ولا عمل سري لإسقاط نظام الإنقاذ.


وذلك أعلاه يعني إلغاء أية أحلام أن النظام سينهار أو أنه سيسلم السلطة فقط بسبب نجاح عصيان مدني مائة بالمئة. فالإسلامي السوداني الجديد، صنعة الحركة الإسلامية السودانية، تربيته مختلفة، وهو لا يموت بهذه السهولة، بعصيان مدني.


لكن لا شيء يفزع هذا الإسلامي الجبان ويلقي الرعب في دماغه مثل المقاومة المستمرة، تلك التي لا تتوقف، يوميا، في كل مكان، تتحداه، وترفض قوانينه، وترفض التعامل مع الإسلاميين أصلا، وتعزلهم بصورة كاملة وحاسمة، وتخرب جميع مشروعاتهم للإفساد والإجرام، وتفضحهم بالوقائع والبينات لا بالإشاعات أو الأكاذيب، وتلاحقهم في كل مكان في السودان، وفي العالم، وهي المقاومة التي تبتدع تقنيات مستحدثة إضافية، بصورة متجددة.


وهكذا، بهذه المقاومة المستمرة، ذات الشراسة، يسترد الشعب السوداني كرامته، مما سيفضي، في نهاية الأمر، إلى وضع حد لنظام الإسلاميين في السودان، بصورة كاملة وحاسمة.


وهنا لابد من قيادة لحركة هذا البيان، وإلا كان البيان ورقة دون معنى، مع الحذر من تسلق بعض الانتهازيين الذين لابد سيكونون من بين الموقعين على البيان.


ويجب أن تكون الأسماء في القيادة معروفة، وأن يكون الاختيار بأن يرشح من يريد القيادة نفسَه، وأن يقبل أن يعمل في العلن، وأن يتم كشف حسابه، وتحديه أن يقدم الإثبات عن التزامه بأهداف البيان، تحديدا هدف تفكيك الدولة الإسلامية الإجرامية، وأن يكون هنالك نظام لعزل القيادات في أي وقت.


فنحن في زمان خطير، في حضور إجرام الإسلاميين السودانيين واحتيالهم واستخدامهم المال والتهديد لاختراق كل عمل للمعارضة، و"الغافل من ظن أن الأشياء هي الأشياء".

 

عشاري أحمد محود خليل


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.