عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
إدارة الأزمة :
الأزمة التي يمر بها شعب جنوب السودان من فجوةٍ غذائية (مجاعة) تُمثل إحدي الكوارث الإنسانية التي شهدتها مناطق عديدة في القارة الإفريقية علي مر التاريخ المعاصر لأسباب مختلفة، في حالة جنوب السودان تتعدد الأسباب ، أهمها الصراع المسلح الذي تفجر في ديسمبر2013م، إلي جانب غياب الحكم الراشد وإهمال السلطة الحاكمة في القيام بواجبها تجاه تقديم الخدمات والتي تفرضها علاقة المواطنة، بالنظر إلي خارطة الأزمة تتركز الفجوة الغذائية في المناطق التي تقطنها المجموعات النيلية التي تمتهن الرعي في الأساس والتي تشترك بشكلٍ مباشر في الصراع ، عزّز من تفاقم الأزمة طول فصل الصيف في دولتي كينيا ويوغندا اللتان تُعتبران مصدراً أساسياً للحصول علي المواد الغذائية في ظل توتر العلاقة بين دولتي جنوب السودان والسودان الأمر الذي أدي إلي إغلاق الحدود من الجانب السوداني في العام 2012 م ولاحقا في العام 2014م، برغم تعدد الأسباب المشار إليها يظل هدف المقال لفت الإنتباه للتدخل العاجل لحماية أرواح المدنيين المتأثرين بكارثة المجاعة للبقاء علي قيد الحياة عبر توفير الإحتيجات الإنسانية الضرورية، الأمر الذي يُعتبر واجباً إنسانياً وأخلاقياً يتجاوز التوترات السياسية بين جنوب السودان و السودان من جانب و إثيوبيا من جانب اَخر ، وإلتزام قانوني علي الفاعلين الدوليين مثل وكالات الأمم المتحدة المتخصصة ، حفل التاريخ القريب بتجارب إيجابية تمثلت في الهبة التي ساند بها المجتمع الدولي السودان في أزمة دارفور التي إندلعت 2003م ، و التي نجحت في إنقاذ أرواح الملايين من النازحين الذين لجأوا للإستقرار بما يقدر ب32 معسكراً، كما لم تضن دولة تشاد بفتح حدودها لإستقبال اللاجئين.

الكوارث الإنسانية وعلاقات الشعوب :
الفجوات الغذائية تُمثل لحظات تاريخية في علاقات الشعوب التي تُمثلها الحكومات، فالعداء السياسي أو توتر العلاقات بين دولتين لا يجب إستصحابها في توقيت الأزمات ، لأنه حينها تكون الأولوية لما يفرضه الضمير الإنساني من المساعدة دون الإرتهان إلي المواقف السالبة ، فالصراعات السياسية تُدار وفقاً لشروطها ، أما ربطها بالظروف الإستثنائية يُسقطها في وحل سوء ردة الفعل ، بجانب تثمين لفكرة السيادة الوطنية لأنها في إحدي صورها تمثل الإنحياز للضمير الإنساني المستند علي الكرامة وصيانة الحق في الحياه كمبدأ لا يقبل الإستثناء .

للتضامن الإنساني أوجه متعددة :
الأزمات الإنسانية في أشكالها المختلفة رسَّخت إرثاً إنسانياً مفاده تقديم المساعدة في أشكالها المختلفة بما في ذلك إعلان الموقف التضامني، فالحالة الإقتصادية لبعض الدول قد لا تُمكنها من تقديم مساعدات مباشرة، لكن يبقي هنالك الكثير مما يُمكن تقديمه مثل فتح مساراتٍ للإغاثة عبر الحدود، إستقبال الناجين، فتح المجال الجوي، والسماح لوكالات الإغاثة بالإنطلاق من أراضيها، في حالة السودان وجنوب السودان هنالك إستضافة للاجئيين من الدولتين، بما يعني أن الدور الإنساني هنالك ما يجسِّر لعلاقاته لكن يجب رفعه إلي طاقته القصوي، طوعاً وترحيباً، في ظل إتساع نطاق الأزمات، فذلك قد يُشجع فاعلين اَخرين للإنضمام، ففي حالة أزمة دارفور في العام 2003م، نهضت 190 منظمة دولية، إضافةً إلي وكالات الأمم المتحدة المختلفة، إلي جانب الدول في حالةٍ مثلت أوسع إستجابة إنسانية في التاريخ الحديث للأزمات، تاريخياً يستضيف السودان ما يفوق ال131000 لاجئي من دول الجوار الشرقي بمعسكرات شرق السودان من أكبرها معسكر الشجراب ، إلي مدينة ود الحليو تُشكل مركزاً لإستقبال العابرين للحدود السودانية وفقاً للتقنين الذي أسبغته فعالية مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، في التاريخ القريب أيضاً إستضاف السودان الناجين من المجاعة في إقليم غرب إفريقيا في العام 1984م وتعاون مع منظمات الإغاثة في مساعدتهم، وفي التاريخ الحديث وبعيداً عن الجدل السياسي فتح السودان حدوده واستقبل كغيرة من دول العالم المدنيين السوريين، تلك التجارب بالنظر إليها من منظور إنساني بعيداً عن أية محمولات سياسية تفرض إلتزاماً أخلاقياً بالمضي قُدماً وبشكلٍ إيجابي في تعزيز ذاك الدور ولا سيما تجاه أبناء العمومة.

مسئولية حكومة الجنوب:
إعلان المجاعة من قبل حكومة الجنوب وإن تأخر فإنه أمرٌ إيجابي، فالإعتراف بالأزم يُعد بدايةً صحيحة للتعامل معها، وذلك لأسبابٍ كثيرةٍ أهمها كما أشرنا الحفاظ علي الأرواح، كما إنها تمثل تمهيد السبل للناجين والضحايا في الحصول علي المساعدة، لأن التكتم المدفوع بأسبابٍ سياسيةٍ تعني الحرمان من النجدة و العون ولا سيما من قبل المؤسسات والأجسام التي يفرض تفويضها القيام بذلك، تبقي الدروس المستفادة من التجارب المشابهة هو التعامل الإيجابي من قبل الدولة تجاه الجهود الممتدة بعدم إخفاء المعلومات وعرقلة الجهود وتضييق فرص الوصول إلى الضحايا، الثابت أن إدارة الأزمات تصنف التعامل مع مثل هذه الأزمات وفقاً لثلاثة مستويات و هي مرحلة الطوراي، الإستقرار ثم الإستدامة، الشفافية في المعلومات والرصد والتقييم، الإنتباه لدور الإعلام يُشكل محوراً مهماً فحرية التعبير وحرية الوصول إلي المعلومات يجب النظر إليها من زوايتي الحق في التعبير والحصول علي المعلومات ومن جانب إنساني آخر في تهيئة الفاعلين في إستمرار المساعدة وتقديم ما يناسب الحالة، كما يُساهم في حماية الضحايا ولا سيما أن الأوضاع السياسية والأمنية بدولة جنوب السودان يحتمل معها تمدد الصراع المسلح إلي المناطق التي تأوي الناجين .

حكمة الشعوب:
بعض المجتمعات في ( السودانين) في ظل التعقيدات المرتبطة بالعلاقات السياسية قدمت نماذج مشرقةً للتعاون والتفاهم، فإذا نظرنا إلي الزاوية الإجتماعية ونموذج التضامن الإنساني وإحترام الكرامة من الناحية الإنسانية، والعيش المشترك سلمياً من الناحية السياسية، نجد أن ذلك النموذج تمثل في إتفاق المسيرية العجايرة وعشائر دينكا نقوق بمنطقة أبيي المتنازع عليها بين( السودانان) في إتفاق عُرْفٍ عُقد في 24 فبراير 2016 في منطقة ساق النعامة بعيداً عن مشاركة الدولتين، إنتهي بضمان إستقرار الحالة الأمنية، توفر المواد الغذائية في أسواق السلام المشتركة، الترسيخ لمبدأ العيش المشترك بين الطرفين، ذلك الإتفاق يُعتبر حدثاً تاريخياً عبَّر عن إرادة أصحاب المصلحة بعيداً عن التأثيرات السياسية بين الدولتين، الأمر الذي يُعد ممارسةً سياسيةً واعيةً، اذا أعدنا النظر إلي الدور المُفترض سياسياً لكلا طرفي إتفاق السلام الشامل 2005م، دور الخرطوم في الوحدة الجاذبة، الزخم السياسي لجوبا للتعامل مع حق تقرير المصير والإرتقاء لتحمل واجب تهيئة بيئة خدمية تتحمل عبء ممارسة ذاك الحق، (مع الأخذ في الإعتبار أن حق تقرير المصير حق مكفول لا يجب القدح فيه كمبدأ, فلا يعني ما أشرنا إليه التقليل من خيار شعب الجنوب في ممارسة ذاك الحق)، لكن دافعنا وهو ( تقديري) الوقوف علي ما اعتري التجربة من أخطاء من كلا الطرفين ليظل يتحملها شعوب (السودانان)، نخلص إلي أن التجربة المُقدمة علي المستوي الشعبي في التعامل مع الأزمات إرتهن تحققها بالفصل بين السياسي والإنساني والإدارة الحكيمة .

الراهن الدولي و فرص المساعدة :
الواقع العالمي والصراعات المنتشرة في مناطقٍ كثيرةٍ تدق ناقوس الخطر بأن التعامل غير الجاد تجاه الأزمة سيدفع بها إلي طي النسيان، فدول الإتحاد الأروبي تتبني سياسة المفاضلة بين أمنها الداخلي وثقافة الحقوق التي تفرضها المواثيق الدولية التي من ضمنها إستقبال الفارين من مناطق الأزمات إلي داخل أراضيها، تمدد نفوذ الجماعات المتطرفة لإستغلال المساحات في المناطق التي تشهد نزاعات يُشكل تعقيداً آخر يزيد من معاناه الضحايا حيث تتشدد القيود الأمر الذي قد يرتفع إلي مستوى التدخل المسلح الذي يجعل من الضحايا دورعا بشرية في بعض الحالات، المصالح الدولية ليست غافلة عن الموارد التي تزخر بها مناطق الصراعات والتي تُشكل إحتياطياً عالمياً كلما امتد أمد الصراع، فوق ذلك وبالنظر إلي تقارير منظمة مسح الأسلحة الصغيرة يُمكننا أن نقف علي نشاط أسواق تجارة السلاح في المنطقة التي تزخر أصلاً بكميات كبيرة في أيدي العشائر فضلاً عن المجموعات المسلحة المعارضة إلي جانب الحكومات، لأن نطاق الأزمة ضمن نطاق جغرافي ظل تاريخياً مسرحاً مفتوحاً للصراعات المسلحة التي تُغذيها تحالفات إقليمية من دول الجوار بشكل مباشر.

إقتصاد الأزمات :
إقتصاد الأزمات بالنظر إليه من جانب دولة الجنوب يحمل الكثير من الفرص الناتجة من عمليات المساعدة الإنسانية عبر إستخدام موانئ الدولة، والنقل، فرص العمل للمواطنين ، الضرائب وغيرها من ناتج تلك المساعدات التقنية التي تُقدم مباشرةً وتساهم في البنية التحتية والتدريب، إضافةً إلي العملات الصعبة التي تمر عبر البنك المركزي، كل هذه الفرص تحتاج إلي استراتجية للتعامل معها لكي تصب في خدمات إضافية لتحسين أوضاع المدنيين ووقف نطاق المجاعة، من الفرص التي يجب أن تزدهر هي إنعاش الصحافة الوطنية عبر الحرص علي قراءتها وتلقيها فرص الإعلانات من الوكالات العاملة، فرص التدريب لتغطية الأحداث وهو بالضرورة يصنع صحافة قوية وفاعلة، فيجب إزالة القيود عنها وتحسين بيئة عملها عبر الإعفاءات والدعم لمدخلات الطباعة، تزامن المجاعة والحرب في حيز جغرافي تُشكل أزمة مركبة تحتاج إلي تعاونٍ سياسي من قبل الدولة وكل أطراف الصراع فالمجاعة تقضي علي الثروات بذات القدر الذي يتعرض له الإنسان.