يشهد التاريخ المعاصر للدولة السودانية للدكتور حسن عبدالله الترابي عرّاب الحركة الإسلامية السودانية ومفكرها الذي دفع في العام 1986م بالجبهة الاسلامية القومية لتخرج من ثوب الدعوية إلي أفق سياسي تمكنت من خلال مسيرتها أن تصبح رقماً مؤثراً في الساحة والتاريخ السياسي والإجتماعي للدولة السودانية، ودون الخوض في مآلات ذلك سلباً أو إيجاباً فلست بصدد تناول ذلك في هذا الحيز، فإن الرحيل المفاجئ للترابي حفّز مبادرات توحيد الإسلاميين السودانيين أن تعود الحركة الإسلامية إلي واجهة الأحداث رغم خفوت تلك المبادرة لكن في جوهرها تكشف عن إنكشاف الستر عن خلو صفوف الإسلاميين من شخصية تمتلك صفة القائد التي تجمع بين الفكر والسياسة بذات الإحتراف، من جانب ثاني المتتبع لأسلوب الترابي في ممارسة السياسة يُدرك بأنه يمتلك من الحصافة والإحترافية التي تستهدف ما يصبو لتحقيقه بخطوات عملية، فعلي سبيل المثال ما أن أستشعر أن نتاج فقدان الإسلاميين المصريين للسلطة بعد عزل الرئيس محمد مرسي يُقصِّر من قامة الحركة الإسلامية علي المستوي الإقليمي (في شمال إفريقيا و الشرق الإوسط) بادر في خطوة جرئية بطرح مبادرة الحوار الوطني التي قد ينظر إليها البعض كخطوة لأنهاء أزمة الصراع علي السلطة لكن في إستراتحيتها كانت تستهدف تحصين المشروع الإسلامي للحركة الإسلامية العالمية عبر الإقتراب السلس لتوحيد الإسلاميين السودانيين، بالطبع هنالك طموح شخصي يتمثل في عودته إلي دائرة صنع الحدث والتربع علي ذات الكرسي الذي دفع به أميناً عاماً للمؤتمر الإسلامي العالمي في العام 1991م. 

سِجل تاريخ الحركة الإسلامية السودانية بعد سيطرتها علي السلطة عبر الإنقلاب العسكري في العام 1989م شهد حالات إنقسامات يمكن أن نجملها بشكلٍ كلي في أسباب تصور الحركة الإسلامية السودانية بأن إدارة الدولة يمكن أن تتم بذات الطريقة والأدوات التي كانت تُدار بها الحركة أو الحزب، ولعّل نتاج ذلك ظهر علي السطح بعد عقد واحد في سجل تاريخ الحركة والسلطة ليشهد العام 1999م الإنقسام الذي نتج عنه حزبي المؤتمر الشعبي الذي ظل لفترة طويلة يقبع في خانة العداء لحزب المؤتمر الوطني الجناح الذي سيطر علي السلطة السياسية قبل أن يتنقل بعد عقدين من الزمان إلي تحالف المعارضة بعد مؤتمر جوبا في العام 2009م، الإنقسام الثاني حدث العام 2013م بخروج الدكتور غازي صلاح الدين العتباني من حزب المؤتمر الوطني ليُؤسس لحركة الإصلاح الآن، ولعل خروج غازي عضد من أن الأسباب تكمن في طريقة ممارسة الإسلاميين للسلطة، فالمتتبع للأسباب يركن إلي أن الرجل قد أصابه غبنٌ من الإقصاء (الناعم) الذي حدث له في مؤتمر الحركة الإسلامية الذي عُقد بالخرطوم في العام 2013م ويتشابه الحال هنا بإقصاء غازي صلاح الدين في العام 1998م للدكتور الشفيع أحمد محمد من موقع رئيس المجلس الوطني لكن الأخير لم يغادر صفوف الحركة والحزب بل اَثر الإنزواء بعدياً عن الاضواء.
سيناريو الإنقسام الذي تم في العام 1999م كاد أن يُعيد دورته مرة أخري لكن هذه المرة توجه نحو إستهداف الرئيس عمر البشير، لكن الأخير سارع في العام 2013م بإبعاد خصومه من رجال الصف الأول من المدنيين الإسلاميين بعيداً عن مراكز النفوذ السلطوي مثل الاستاذ علي عثمان طه، الدكتور نافع علي نافع، المهندس عوض الجاز والدكتور كمال عبداللطيف وغيرهم ممن ظلوا يرسمون ويديرون الدولة، من الناحية النظرية لا يُمكننا القول بأن ما حدث إنقساماً إرتهاناً لبقاء جميعهم في صفوف الحركة والحزب لكن من الناحية العملية قد يكون منطقياً لأن الإنقسام في جوهره يمكن التعبير عنه بصراع الرؤي من جانب، كما تصلح حالة فقدان الثقة بتحمل توصيف الإنقسام، دون إسهاب فقد تصلح ذات الأسباب المتعلقة بالإنقسامين السابقين لتكون سبباً موضعيا في هذه الحالة، ولعّل كواليس الأسباب تُشير إلي أن الرئيس البشير وجد نفسه محاصراً بنتاج السياسات النابعة من ممارسات مجموعة المدنيين الإسلاميين في إدارتهم للدولة، علي سبيل المثال في العام 2009م وجد نفسه محاصراً دوليا من قبل المحكمة الجنائية الدولية بنتائج الصراع في دارفور فيما تُشير مسيرة تكوين مليشيات الجنجويد إلي الاستاذ علي عثمان والمهندس صلاح قوش كمهندسين مباشرين للأمر، من جانب آخر ذات مجموعة المدنيين تولوا ملف الصراع مع الحركة الشعبية إلي وصولها إلي إتفاق السلام الشامل ثم راكمت السياسات الكلية مما أدي إلي الإنفصال في العام 2011م ليكون البشير هو علي رأس المسئولية بحكم منصبه إجمالاً، وهو ما يُفسر التحولات التي حدثت في شخصية الرئيس البشير لاحقاً التي يظن البعض أنه يتحدي المجتمع الدولي والمحكمة الجنائية لكن في حقيقة الأمر هو يدفع بالتحدي إبتداءاً إلي رفاقه الذين أرادوا أن يجعلوا منه أرجوزاً أو مغفلاً نافعاً.
بالإضافة إلي ما سقناه من إنقسامات معلنة ومستترةً فهنالك مجموعة من الإسلاميين الذين بادر بعضهم بتقديم إستقالاتهم في أوقاتٍ متباينة بعد الإستيلاء علي السلطة وقبل إنقسام 1999م مثل الدكتور الطيب زين العابدين وعبدالوهاب الأفندي والأستاذ أحمد كمال الدين علي سبيل المثال لا الحصر إلي جانب من إلتزموا مواقف إتخذت صفة الحياد من صراع المؤتمر الشعبي والوطني من أمثال الدكتور التجاني عبدالقادر والدكتور خالد التجاني وبعض الأكادميين بما يصلح علي تصنيف هذه المجموعة تحت مسمي المثقفيين الإسلاميين إستناداً علي ما أطلقوا علي أنفسهم في البيان الذي أعقب أحداث سبتمبر 2013م.
المجموعة الأخيرة التي تمثل مجموعة (السائحون) وهم من شباب الحركة الإسلامية الذين شكلوا عصب جبروت الحركة في بدايات الإنقلاب عبر دورهم في المشاركة في القتال ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان تحت مسمي المجاهدين وفقاً لقاموس أسلمة الحرب الأهلية، وقد تبدو المجموعة ظاهرياً كجسمٍ متماسك لكن في حقيقة الأمر فهنالك من يتنازعه الإنتماء بين الجناحين الرئيسين (الوطني والشعبي ) ليظل ما يربط بهم موقف يصف مآل حال تجربة الإسلاميين وهو التفريط في المشروع الإسلامي.
بالنظر إلي خريطة الواقع وبمحاولة مناقشة موضوع المقال حول فرص توحيد الحركة الإسلامية السودانية نجد أن الإجابة قد تقترب من مراتب عدم الأمان ولا أقول الإحتمال، ولتعضيد ذلك أحاول الدفع بالنقاط التالية علها قد تدعم هذا الإفتراض:
أولاً: طبيعة الصراع الذي إنفجر إلي السطح في العام 1999م ونتج عنه حزبي المؤتمر الوطني والشعبي شكل صراعاً حول السلطة وليس لأسبابٍ فكرية تتعلق بفلسفة تتصل بصراع الإفكار الأمر الذي جعل منه صراعاً تكثفت فيه أدوات الضرب تحت الحزام مما دفع بالمحمول الفكري للحركة للتضاؤل كنتيجة لتركيز النظر نحو السلطة والإنفراد بها، كما أفرز بدوره اثراً سلبياً تمثل في أهمال المجايلة التي تقود إلي إفراز كوادر فكرية وليس رجال دولة.
ثانياً: الفترة الزمنية الطويلة للصراع أثقلت واقع المجموعات المنقسمة بالمرارات الشخصية مما فتح الباب للفظة الخيانة لتأخذ موقعها في قاموس الخصومة، فمع تبادل الإتهامات تباعدت الشُقه بين أخوان الأمس لتتعمق الهوة بتمييز المجموعة المتحصنة بالسلطة لأوضاعها مادياً لترتفع المرارات إلي غبائن بائنة وغائرة.
ثالثاً : إرث الإنقسامات انعكس في هدم جدار الثقة فأصبح التربص إحدي أدوات حسم الصراعات ويظهر ذلك في صراع مجموعة البشير في مواجهة مجموعة المدنيين من أمثال الأستاذ علي عثمان وبقية رجال الصف الأول الذين تم إبعادهم في العام 2013م، أضف إلي ذلك محاولة الإنقلاب التي قادها المهندس صلاح عبدالله قوش كحدث عبر بوضوح عن تعمق التربص وتحين الفرص للأجهاز علي الخصوم داخل الحزب والحركة الإسلامية وليس في صفوف المعارضة.
رابعاً: لم تقف الصراعات علي تماس السيطرة علي السلطة بل إمتدت إلي زعامة الحركة الاسلامية فأخذ أمر إضعافها الصعود إلي أجندة الصراع وقد ساهم في ذلك غياب الزخم عن قوة الحركة الإسلامية وتأثيرها إقليميا ودولياً، فشهد العام 2013م مؤتمراً باهت المحتوي والمضمون عكس واقع تضعضع الحركة الإسلامية كما راكم لإنقسامٍ آخر بين جيل المؤسسيين أو أولاد الدفعة، يُمكن تقصي ذلك في صراع الأستاذ علي عثمان والدكتور غازي صلاح الدين الذي جعل الأخير يخرج وسِجل المرارات المرتبطة بإقصاءاته من المراكز الحيوية تزاد رقعتها .
خاسماً: بالرغم من تحفيز صعود الإسلاممين المصريين إلي سده الحكم للإسلاميين السودانيين باعادة توسيع مساحة السيطرة إقليميا إلا أن ضغوط المجتمع الدولي الرامية إلي تحقيق إستقرار شمال افريقيا التي تُمثل مصر محورها ظلت تدفع بضغوطٍ علي إبقاء السلطة في الخرطوم تحت يد العسكريين بعيداً عن قادة الحركة الإسلامية من المدنيين الأمر الذي يعني ترحيب المجتمع الدولي بسلطة إسلامية في الخرطوم تستطيع خدمة مصالحها الإستخباراتية لكن بعيداً عن الحركة الإسلامية الأصولية .
سادسا: موقف السائحين أو شباب الحركة الإسلامية الذين شكلوا زخم قوتها وجبروتها يُمكن وصفه ببداية مرحلة إنكماش وتراجع تمدد الحركة الإسلامية والحزب والبرنامج الإسلامي في الواقع السوداني وذلك نابع من الصدمة التي خلفها إنقسام 1999م وتراجع الفتاوي المرتبطة بالجهاد، أضف إلى ذلك تكالب التنفيذيين والقادة في التشبث بالسلطة وإكتساب الثروة.
سابعاً :مآلات الحال وحصاد تجربة الحكم التي وصلت إلي 27 عاماً أثقلت الواقع السوداني بالأخطاء التي لا يرغب الجميع في المضي قُدماً لتقاسم مسئوليتها التي تعاظمت في إشتعال ثلاثة أقاليم حرباً هي دارفور، النيل الأزرق وجنوب كردفان، أضف إلي ذلك إنفصال جنوب السودان و التدهور المريع في بنية الدولة والحالة الإقتصادية المتردية .
ثامناً: لم يلتفت الإسلاميين السودانيين في مسار تجربتهم إلي قيم مثل التسامح والنظر إلى الآخر بمعيارٍ متكافئ بل إن الخصومة ظلت تُواجَه بالعنف والغلظة وعدم التسامح فقد رفض الراحل الترابي مصافحة تلميذه الأستاذ علي عثمان طه في محفل عام ، مواجهة الترابي بالسجن والإعتقال وفي مرات عديدةٍ من تلاميذه تكشف غياب الحكمة في الخصومة داخل الحركة الإسلامية، تهديد علي عثمان من قبل بكري حسن صالح والأوامر القائمة علي إطلاق الرصاص علي أيٍ ممن يُهدد سلطة البشير من رجال الحركة الإسلامية يكشف أن التوتر قد بلغ الحد الأقصى، من تلك التجارب أيضاً هو تعامل الرئيس البشير بشئٍ من عدم المبالاة في تشييع الراحل الترابي بل التجاهل وصل حد المشاركة الواحدة في مراسم العزاء، كل هذا يمكن قراءته في سياق ثقافة الغبن وإقصاء الآخر وعدم ترسيم الشهامة والمرؤة كأحد الثوابت وقد تطرق الأمر أيضاً إلي الصراع السياسي فلم يفتأ الإسلاميون السودانين يدعون الشهيد محمود محمد طه بالهالك .
تاسعا: حيوية التجربة التونسية والمراجعات التي قادها الغنوشي والتصريحات التاريخية حول ممارسة الإسلام السياسي تصعد كتحدي بأن مشروع التوحد يلزم أن يسير في إطار التجديد للفكر الاسلامي وهو الأمر الذي لا تري في الساحة السودانية من يمتلك مبادرة للقيام بها وإن اتسعت المساحة ذلك، فإذ لازال الإسلاميون السودانيون وأعني من يصنفون أنفسهم في خانة المفكرين يتلاومون ويدفعون بالإتهامات نحو بعضهم البعض بل إن شيخهم الترابي وعرّاب حركتهم الإسلامية قد نال حظاً مقدراً منها.
ختاماً، فبرحيل الترابي وتمركز الصراع حول السلطة تتضاءل حظوط مشروع توحد الحركة الإسلامية السودانية، فالأساس في الوحدة هو مناقشة الصراعات التي قد تظهر كنتائجٍ حتميةٍ لصراعات الرؤي أو الأفكار، لكن راهن الحال يُشير إلى تحولات قزَّمت من دورها بل أصبح من العسير معرفة الحدود الفاصلة بين الدولة والحركة والحزب، بل إن وصول قادة الصف الأول إلي مرحلة التزاحم الشخصي في تولي المناصب يجعل من الأمر أصعب منالاً.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.