رهان حزب المؤتمر الوطني الحاكم و تسلطه علي الرقاب ليس فعل معزول ،  بل له مختبراته ، مراكزه البحثية و منظروه الذين يرفدونه باستشاراتهم التي تمعن في كسر العين بالعيب ، و كسر الخاطر بالذلة ، و مقايضة الحرية بشروط علي شاكلة الاعتذار ، كل ذلك مخطط له بدقة لإنتاج  حالة التماهي التي تجبر المعارضين علي المشي بخطوات مترنحة كمن يسير في مستنقع اَسن ، يكابد أن يرفع رجليه ليخوض الي الأمام ،  فيما تظل يديه مشغولة بمسك الجلباب أو البنطال بأحدي يديه ، فيما تصبح مهمة الأخرى الضغط علي الأنف لكي تخفف من وطأة الرائحة الاَسنة.
الحملة الشرسة التي واجهها حزب  المؤتمر السوداني المعارض علي خلفية التصريحات التي أدلي بها الحزب في لقاءاته بإقليم شمال كردفان ، في استهجانهم و شجبهم للانتهاكات التي ارتكبتها (الجنجويد) أو قوات الدعم السريع ، كانت خطوة سياسية  مسئولة و شجاعة .
كما واجه حزب المؤتمر السوداني المعارض بثبات وبصيرة سياسية ردة فعل المؤتمر الوطني تجاه تلك التصريحات  برفض  الانكسار و تقديم اعتذار عن تلك التصريحات ،  ذلك لأنه لو أتي ذاك  لجعل أهل المؤتمر الوطني يرقصون طربًا  لذلك فهي تعني (الخضوع والتماهي) في قاموس السياسة ، وهي مبتغاهم الذي سيكون المدخل للتدجين و تنميط الحزب بما يصب في خطها السياسي .
هنالك سؤال يثور لما ردة الفعل العنيفة من قبل المؤتمر الوطني تجاه الانتقادات وجهت لقوات  الدعم السريع او (الجنجويد)؟
هل لأنها أصبحت قوة ضاربة وحقيقية علي الأرض؟  أم أنهم أرادوا أن يخلقوا منها (فزاعه) لإخافة المعارضين ؟ في اعتقادي أن الإجابة بالإضافة الي ذاك ، تكشف أسباب أخري
1-     فالمتابع لمجريات الأمور داخل أروقة المؤتمر الوطني وصراع جناحي العسكريين و المدنيين يدرك أن العسكريين قد وضعوا أيدهم علي جهاز الأمن الوطني والمخابرات  ، بل أصبح الجهاز الوحيد الموثوق فيه ، أكثر من الشرطة والقوات المسلحة ، ، فقد سارت المواقع الإخبارية  بتسريبات كشفت أعفاء عدد كبير من ضباط جهاز الأمن في الاشهر المنصرمة  للاعتقاد بولائهم لمجموعة المدنيين بحزب المؤتمر الوطني ، تمت الاستعاضة عنهم بضباط من القوات المسلحة محل ثقة  العسكريين .
2-    أصبح جهاز الأمن والمخابرات قوة عسكرية مقاتلة تمتلك من التسليح ما يجعلها تشارك في العمليات العسكرية ، بل أنها تلعب دور حيوي في مهمة تأمين المدن بإقليم دارفور ، و المشاركة في المهمات مثل القوة السودانية التشادية علي الحدود بين البلدين ،فلكي تتم السيطرة علي (الجنجويد) من قبل العسكرين تمت مسرحية تغير اسمهم من قوات حرس الحدود التي كانت تحت مظلة القوات المسلحة الي قوات الدعم السريع و تغيير تبعيتهم  ورتبهم الي مظلة جهاز الأمن الوطني والمخابرات.
3-    بناء علي هذه التطورات يمكننا الإجابة بان العسكريين في المؤتمر الوطني ـ ثاروا ضد تصريحات الأستاذ إبراهيم الشيخ و من قبله السيد الأمام  الصادق المهدي ضد قوات الدعم السريع أو (الجنجويد) لأنها حاولت كسر سياج الأسطورة الذي حاولوا فرضه علي هذه القوات و لعل البلاغات الجنائية التي واجهها الرجلان قصد منها أرسال الرسائل الاتية:
1-    الي أحزاب المعارضة فقد قصد منها  اختبار عملي لمدي المقاومة التي قد يبديانها ، وهو مؤشر مهم يصب في معرفة المؤتمر الوطني لسقف مقاومة أحزاب المعارضة ، ولا سيما بعد طرح مبادرة الحوار السياسي  و التي يرغب المؤتمر الوطني أن تمضي وفق شروطه و بما لا يكلفه تنازلات كبيرة.
2-    إلي المدنيين بحزب المؤتمر الوطني و المناوئين لمجموعة العسكرين  ، مفادها الان استطعنا السيطرة علي مليشيات الجنجويد و هي تحت تصرفنا .
3-     الرسالة الثالثة الي الشعب السوداني باننا من يسيطر علي زمام الأمور و أن أردنا أن نقلب الحال يمكننا استخدام  سيناريوهات الفوضى واطلاق زمام الجنجويد ليعيثوا فسادا كما فعلوا في دارفور ،شمال و غرب كردفان .
4-    الرسالة الاخيرة ال (الجنجويد) أو قوات الدعم السريع وهي أنتم فوق النقد ، بل انتم أعلي مرتبة من الشرطة والجيش ، ليتمكن العسكرين من السيطرة عليهم بدغدغة المشاعر وملأ الجيوب.
أخيرا أن صمد حزب المؤتمر السوداني في وجه هذه الحملة فلن يضار،  بل هو الكاسب لأن المؤتمر الوطني بدأت أوضاعه  تتجه نحو التعقيد  في ظل  التطورات السياسية في مصر بإنتخاب السيسي  و أبعاد الإسلاميين ، التسريبات التي تزداد تعضيداً بمد السودان لحركة حماس بأسلحة سودانية الصنع و كذلك  التقرير الذي صدر بالأمس من مجموعة مسح الأسلحة الصغيرة و أثبتت بالأدلة أن المقذوفات التي أطلقت في مجزرة قتل المدنيين بمسجد مدينة بانيتو –قبل أشهر منها ما صنع في السودان في الأعوام 2012 – 2014 و كليهما تاريخان لاحقان لإنفصال دولة جنوب السودان .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////