المتابع لنشاط لجنة تفكيك نظام حزب المؤتمر الوطني يقف علي الفساد الواسع النطاق والممارسات المختلفة التي كشفت عنها والتي أكدت بلوغ التمكين السياسي للإسلاميين السودانيين مرحلة تطابق التنظيم والدولة، في تقديري أنه بعد إكتمال عمل اللجنة يمكن أن يشكل السجل دراسة و مرجعية في أشكال الفساد وارتباطاته وتحوراته وقد تصلح لأن تكون دليل مرجعيا عن كيفية تتبع أشكال الفساد و الأنماط غير المألوفة و المعقدة والرابط بينها وطرق غسيل الأموال في محاولات إخفاء المصادر عبر عده عمليات ، بالرغم من عقد الجنة لعدد من اللقاءات إلا أن المؤتمر الصحفي الذي عُقد في الخامس من يوليو 2020م حمل دلالات بالغة الأهمية ولا سيما من الناحية السياسية لكونه أورد سجلاً مرتبطاً بالفساد بعدة أشخاص أهمهم الأستاذ علي عثمان محمد طه، فالرجل الذي ظل علي قمة المراكز القيادية سواء في الحركة الإسلامية السودانية أو أحد أجنحتها السياسية حزب المؤتمر الوطني.

في المشهد السياسي المرتبط بإدارة السلطة عمل علي تعزيز نفوذه، في العام 2005م شهد العالم علي ظهوره إلى جانب الراحل الدكتور جون قرنق دمبيور في حفل توقيع إتفاق السلام الشامل ضاحية نيفاشا الكينية، وكان قد برز في مسرح الأحداث متولياً ملف التفاوض خلفاً للدكتور غازي صلاح الدين العتباني الذي أبعد علي خلفية ما تردد عن تعنته في بعض القضايا التفاوضية، عقب ذلك ترأس وفد الخرطوم لمؤتمر المانحين بأوسلو 2005م ليقترب من نافذة المجتمع الدولي التي أنزوي و تواري منها قرابة العشر سنوات بعد أن فاحت رائحة إرتباطه الوثيق في التخطيط والتنفيذ لحادثة محاولة إغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، بين إنقسام العام 1999م وإتفاق السلام ظل علي مرمى حجر من الرئاسة حيث لم يُبارح منصبي النائب الأول والنائب لرئيس الجمهورية، ظل قريباً من إدارة الأحداث ولا سيما حينما بدأ الدبلوماسيون الأجانب ومبعوثو وخبراء حقوق الإنسان تفادي مصافحة الرئيس الأسبق عمر البشير.
أما على مستوي الحركة الإسلامية فشغل منصب الأمين العام في العام 2013م بعد إقصائه للدكتور غازي صلاح الدين، لا مجال للحديث عن تفاصيل ما جرى لأنه ليس بالحدث الغير العادي في سجل التنظيم وعلاقته بمعايير النزاهة وسلامة الإجراءات المرتبطة بالإختيار والإنتخاب وطرقه فجلها إستندت علي " الغاية تبرر الوسيلة " دون نشاز أن إرتبط الأمر داخل التنظيم أو في مواجهة الآخر.
رغم إقترابه من السلطة بشقيها يخلو سجله من منشورات، مقالات سياسية أو حتى آراء مرتبطة بالفكر الديني، رغم ذلك لم يظهر لما يُشير إلي رفضه لقب شيخ علي التي سادت وسط التنظيم، دون إنتباه إلى أن القانوني هو المنوط به إعطاء الفتوى كإختصاص عام بينما يظل دور شيوخ الدين الإسلامي خاصاً لا يُبارح تفويضها العبادات، لكن تعدد القبعات يتسق وتعدد الأدوار بين التنظيم والحزب أو هكذا رجّح أتباعه ووجد صدي لديه؟
في تجربته السياسية ظهر في بعض الأحداث السياسية محاولاً تعزيز موقعه وسطوته القيادية، في 23 أبريل 2012م عقب إغلاق الحدود مع دولة جنوب السودان علي خلفية تعدى قوات دولة جنوب السودان علي منطقة هجليج النفطية، حيث ذكر بأن التعليمات للقوات النظامية في التعامل مع المهربين عبر الحدود إلي دولة جنوب السودان هي (Shoot to kill ) لأنهم يمدون العدو بالغذاء.
بالنظر إلى فحوى التصريح فهو يقترب من تعريف الأفعال الإرهابية سواء في القانون السوداني لمكافحة الإرهاب2001م أو الإتفاقيات الدولية وهنا لابد من الإشارة إلى أن" كاريزما" الرجل قد تعرضت لإختبار جعلته يعلق في مطبات محرجة ارتبطت بفشل محاولة
إغتيال حسني مبارك في1995م أثناء حضوره قمة الرؤساء الأفارقة بمقر الإتحاد الأفريقي بالعاصمة الإثيوبية أديس ابابا، الأمر الذي أعاد الكرة إلى ملعب العرّاب الدكتور حسن الترابي ويتصدر المشهد والقيادة شامتاً وموجهاً لما يجب فعله بعد الحدث الذي كلف أكثر من مليون دولار أمريكي لا زال مصدرها في سياق التعتيم!
في أغسطس 2018 حين ارتفعت بعض همهمات الإسلاميين من رجال الصف الثاني في الإعتراض علي ترشيح الرئيس السابق البشير الإنتخابات العمومية 2020م، لم يُحرك ساكناً بل إنضم إلي الموافقة علي قرار تعديل المادة 31 من النظام الأساسي للحزب للسماح للبشير بدورة ثالثة، مبتعداً عن المواجهة المباشرة ومبتعداً عن معركة لم يحدد هو زمنها وأرض نزالها، رغم إقصائه من قبل البشير في 2014م في ظل تنامي الصراعات داخل الحزب الحاكم ليُبعد قسراً عن المنصب التنفيذي، نجح في أن يفوِّت الفرصة علي البشير الذي أصابه الشك في من حوله إلى أن وصل به الحال إعتزال مقابلتهم والإكتفاء ببعض المقربين الشخصيين من مسهلي قعدات الغناء الخاصة ومطلقي الطرف ".
حين اندلعت شرارة ثورة ديسمبر 2018م قلل من تأثيرها وإمكانية نجاحها وفقاً لتصريحاته التي كشفت عنها تسريبات إجتماعات التنظيم بثتها قناة العربية/ الحدث، في تقديري كان يهدف للعب الدور المحوري في قيادة الأحداث وإمتلاك الحل والمتمثل في حماية السلطة بالقتل مستدعياً جريمة إعدام ضباط رمضان 1990م كتجربة سابقة، حيث اشتد ساعد الثورة دفع بتصريحاته التي بثتها قناة سودانية 24 و التي أشار فيها إلي إمتلاك التنظيم كتائب "مليشيات" ستحميه، مما ضاعف من تصورات أعضاء التنظيم بإستحالة زوال حكمهم، تلك التصريحات مثلت الأمر أو الإباحة للكتائب بعد سقوط النظام علي نسق "الغاية تبرر الوسيلة" حملات عنف منظمة إستهدفت المدنيين العزل بدأ منذ السابع من ابريل ٢٠١٩م وإلي 30 يونيو 2020م التي حشد لها الآلاف من أفراد التنظيم من الولايات لإستعادة حلم الأندلسيين السودانيين.
ما حمله المؤتمر الصحفي للجنة التفكيك قادت إلى ما يُمكن وصفه ب"سقوط الكاريزما" ففي السادس من يوليو 2020م فبعد أقل من أربعة وعشرين ساعة حملت وسائل التواصل الإجتماعي تسريبات لنقاشات بين قادة في التنظيم كشفت عن مفاجأة بعضهم بسجل الفساد الذي كُشف عن الرجل "ما زاد الطين بله" هو الكشف عن سجل آخر خاص بمدير مكتبه " الخواض"، تكسرت كل مجاديف المناصرة والتبريرات حينما حملت وسائل التواصل ثانية لمقطع فيديو حوي تصريح للرجل من داخل قبة البرلمان تحدث فيها عن إعتماده علي راتبه وسداده للضرائب في رسالة قصد بها النزاهة وإلتزام التقشف علي غرار المواطن الصالح، الأمر الذي خلع قناعاً ليس عنه فقط لكن عن الحركة الإسلامية السودانية ومشروعها وأجنحتها السياسية وبالضرورة سيكون له صداه داخل الحركات الإسلامية في جميع أنحاء العالم، فالمشروع السوداني للإسلاميين السودانيين الذي بدأ بتديين الحرب الأهلية وبيوت الاشباح وتشريد السودانيات والسودانيين وبالمقابل كان مطار الخرطوم يحمل الشارة الخضراء لإستقبال من ارتبطت سيرتهم بالإرهاب، لتمضي ثلاثون عاما من الذل والتجويع والإفقار وموارد الدولة أُهدرت فساداً في بناء القصور وثدي التمكين.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.