"1"
سيطر الفيديو الذي إنتشر في الايام الماضية علي معظم وسائط التواصل الاجتماعي حيث ظهر فيه البروفسور قاسم بدري يتقدم مجموعة من الطالبات قبل أن يتحول المشهد إلي تراجعه و إعتداءه علي بعض الطالبات بالضرب " في تاريخ ظل غير محدد " ، عن السياق الذي تم فيه الحدث عرضت قناة العربية في مساء 12 يناير 2018 تغريدة علي تويتر للدكتور بلقيس بدري كان فحواها أن البروفسور قاسم تعرض للركل من أحد الطالبات " ، في اشارة الي توضيح سبب فعل البروف. مبدئياً يندرج الفعل ضمن تصنيف العنف، وهو بذلك لا يجدي معه اي مبرر و لا سندا علي ذات النسق الذي رسخت له ثقافة مناهضة العنف بكافة اشكاله وضمنها بالطبع الوثائق العديدة التي اهتمت بمناهضة العنف ضد المرأة بكافة اشكاله ، ومن باب إحترام الراي الأخر و حرية التعبير، فقد شهدت مواقع التواصل الإجتماعي تفاعل متعاظم حول الحادثة وتفرق المعلقين بين الرفض والتبرير وفي احيان اخري المزج بين الرفض والتبرير من منطلقات مختلفة، لكنها اتفقت جميعا حول تعريف الفعل بانه عنف ضد المرأة ، أما المجموعة التي أنبرت الي تناول الحدث من وجهة التبرير التوصيفي فقد قفزت بعيدا عنه إلي شخصية بروفسور قاسم بالقول ان الثابت أنه لا مزايدة علي علي عطاءه و مساهماته. وان كان ذلك محل تقدير وإحترام، الا انه لا علاقة له بالحدث و التفريق بين ما حدث و بين ما عداه محصلتة أن يظل بروفسور قاسم كمساهم في تعليم البنات يجد "مني كل التقدير والاحترام " لكن بالمقابل النقد الموضوعي للحدث امر ملزم فتحصين الافعال عن النقد تتجلي خطورتها علي أنها إعادة أنتاج لحصانات أن اختلفت مسمياتها وطبيعتها فهي تدور في " هرم المؤسسة ، الأمومية ، الأبوية ، الأسرة وصولاً الي ما يعرف بمفهوم ولي الأمر أو المحرم " .فالنضع بورفسور قاسم في إستحقاقه الإنساني المرتبط بالممارسة المهنية بالنظر اليا الفعل وحدوثه في مؤسسات التعليم التي ياتي ضمن واجباتها اجتثاث العنف فالأمر هنا يمثل في تقديري "عمق الأزمة " ، أما النقد الذي ينظر إلي الأمر بخلط الأوراق بين الحدث و ما عاداه من زاوية أقرب للتشفي و نصب المشانق ليس سوي "صدي هتاف أجوف " .

"2"
العنف بكافة اشكاله يقلص مساحة الحياة الامنة لان محمولاتها أن بدأت بالفرد فإحداثياتها تمر بالمجتمع ، النظر إلي نقد العنف ومعالجتة أو التعامل معه ياتي ضمن القضايا الاستراتجية لارتباطه بكرامة الإنسان و الوجدان السليم من جانب ومن جانب اخر فهو استحقاق مجتمعي لكي يقف علي الاسباب و الدوافع وليعمل علي "تناوله " كخلل يحتاج الي اجراء وقائي بما يحقق "السلم و الأمن المجتمعي " ، الكثير من العوامل "تاريخية وسياسية و إجتماعية اضف اليها ضعف رفع الوعي بما فيها استخدام ادوات النقد" أفسحت لظاهرة العنف مساحات شاسعة للتمدد بل إرتفع الأمر إلي خلقها لحصانات تبرر ذلك فعلي سبيل المثال الجلد في المدارس ياتي تحت "حصانة التفوق والنجاح " ، الجلد في المدارس القرانية " حصانة التأديب الديني " ، في العلاقة الزوجية " حصانة قانون الاحوال الشخصية المستند ايضا علي الدين " الجلد في السجون "حصانة الإصلاح " لكن تكمن المفارقة في ان العنف في غالب الاحوال يسبق فكرة إستخدام وسائل سلمية حول الامر مثل النقاش البحث عن المسببات التفكير في البدائل في تقديري أن الامر في تنامي الي مصاف ممنهج يضعه في تصنيف " التحول الي غاية"

"3"
تنامي العنف في المجتمع لا ينفصل عن المحيط المرتبط بالفضاء العام ، التاريح السياسي و الاجتماعي السوداني شهد حالات عنف تمثلت في الجلد التحقيري علي سبيل المثال في الفترة الاستعمارية و استمر الامر ليشكل هرم العنف في مستوياته المختلفة التي ارتفعت احداثياتها في دولة ما بعد الاستقلال بفشل ادارة الدولة السودانية التي بدات بالحروب و الصراعات المسلحة و انتقلت الي توطين ظاهرة العنف اللفظي المرتبط بالدولة في الخطابات السياسية لتحدي الخصوم السياسيين الي تطورها الي انمطاط التعذيب الواسعة النظاق من قبل اجهزة الدولة و استخدامه من قبل منفذي القانون في انتزاع الاعترافات او غيرها ، هنا تجدر الاشرة الي ان العنف المبني الي النوع ظلت تتكامل فيه ممارسات المجتمع المستندة علي محمولات مختلفة مع عنف الدولة المرتكزة علي الايدلوجية السياسية. .

"4"
في نوفمبر 2015 إنتشر في الصحف و المواقع الإلكترونية و الوسائط الاجتما عية خبرين حملا نفس المضمون وهو تعرض شخصين يواجان " اتهام بالسرقة " الي عنف تمثل في إستخدام " الشطة " لتعذيبهما من قبل الاشخاص الذين القو القبض عليهما ، وقعت الحادثتين في نوفمبر 2015 الأولي بولاية الجزيرة إنتهت بوفاة الضحية بعد يومين من دخوله المستشفي ، الثانية بالخرطوم تم فيها اطفاء اعقاب السجائر علي جسمه و تم وضع "الشطة" علي مؤخرته ، إستعراض الحدثين من حيث وفوعهما في فترة قريبة قصدت منه الأشارة ألي نمط هذا العنف ، أن المقبوض عليهم أو المتهمين في حالات السرقة ظلوا تاريخيا في بعض الأحوال يخضعون للضرب بادوات مختلفة قبل تسليم الشخص الي الشرطة لكن الحالتين شكلتا في تقديري تعبيرا تنامي لظاهرة العنف الممنهج والافلات من العقاب Impunity و تغير ادواته مما ينعكس سلبا علي العلاقة بين المجتمع و المعنيين بسيادة حكم القانون ، التغاضي عن المحاسبة في تلك الحالات هو السبب الذي شكل مفهوم سيادة حالة الافلات من العقاب الذي ساعد في انتشار الظاهرة و إقتران العنف اللفظي بالعنف البدني، فالسرقة مخالفة للقانون مثلها ومثل مخالفات اخري لايمكن تبرير فعل التعذيب فيها بالاتهام الذي يواجهه الطرف الاخر .

"5"
بالنظر إلي العنف اللفظي بكافة أشكالة علي سبيل المثال لا الحصر السباب المقترن بالدين أو المعتقد ، النوع ، المهنه و العنصر و الأخلاق ووالعنف الموجهالي الأعضاء التناسلية للإناث ظل يتحصن بالشفاهية في سياق الممارسة المجتمعية لكن بالنظر الي الراهن يمكن رصد التحول الي الكتابة مقترنا بإستخدام الوسائط الإجتماعية ، فاذا كان العنف البدني قد ينتهي بمحصلة الاصابة "القتل" مثلا فالعنف اللفظي قد يفوق ذلك للتاثيرات النفسية و الامتدادات التي تتحطي المشتهدف الي غيره كما أن أثرها يرتبط بخلفية المستهدف الكلية المكونة لهويته ، العنف المجتمعي قد يشكل انعكاس لثاثيرات كثيرة في المحيط العام ، ففي بعض الحالات الايديولوجيا السياسية قد تمثل السبب الحامل للعنف المجتمعي في علاقة تحولات القهر، بل هنالك عوامل اخري اجتماعية ، وتاريخية و سياسية و غيرها تعمل علي توطين العنف المجتمعي عبر الاباحة للمارسات التي تشكل ذلك ومنحها الشرعية و اخارجها من نطاق التعامل العلمي .

"6"
الوجدان السوداني في حاجة الي النظر بعمق الي العنف كظاهرة متجذرة آخذة في التنامي بفعل اسباب كثيرة تاريخية و سياسية و اجماعية و غيرها مما قلص من مساحات العيش الامنة، حيث يتراجع الحوار ليحل معه العنف باشكاله المختلفة وبالعودة الي العنف الممارس من قبل البروف قاسم بدريفنحن بحاجة الي التفكير الجاد قبل ان يتحول العنف الي "فوبيا جماعية "، بغض النظر " عن تاريخ الحدث و سبب نشره في هذا التوقيت " الحدث يمثل " شفق" اقتران بين عنف الدولة و استمرار عنف المجتمع الذي الذي تجلي في حالة جلد الذات التي عبرت عنها بعد الطالبات حين سيرن مسيرة إعتذار لمكتب بروف قاسم بالجامعة كشف عن اين نحن؟ و ماذا يجب علينا فعله ؟ بعيدا عن التبريرات العاطفية ، السياسية ، "مع أو ضد " لكن بموضوعية ودون اتخاذ الاحداث ذريعة للعنف المضاد . كما ان اصوات الاستنكار الواسعة تعبر في مجملها عن وعي مجتمعي متنامي بما يتيح الفرصة لفتح حوار اكثر عمقا عن الظاهرة وتجذرها في المجتمع.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.