(1)

سيطر الجدل حول ترشيح الرئيس عمر البشير لإنتخابات الرئاسة في انتخابات السودان العمومية 2020 علي المشهد السياسي الراهن. حيث سبق و أعلن في وقت سابق في أكثر من تصريح عدم رغبته للترشح للانتخاباتالتي جرت في العام 2015"أعلن الرئيس السوداني عمر حسن البشير، أنه لن يترشح مجددا لرئاسة السودان، وأن حزب المؤتمر الوطني الحاكم سيختار رئيساً جديداً له، ليمثله في انتخابات الرئاسة المقبلة" أضاف ذات التصريح «إن المؤتمر العام لحزب المؤتمر الوطني سيعقد مؤتمره عام ٢٠١٣، وسينتخب المؤتمر رئيسا جديدا للحزب، سيكون بالتالي مرشحا للرئاسة عام ٢٠١٥" لاحقا ايضاً صدر تصريح اخر من الرئيس البشير بعدم رغبته للترشح لانتخابات 2020 " أنه يعتزم التخلي عن الحكم في البلاد مع نهاية دورته الرئاسية الثانية عام ٢٠٢٠ وتسليم السودان لخليفته "


(2)
التطورات الراهنة التي تشهدها الساحة السياسية و علي وجه التحديد المرتبطة بصراعات الحزب الحاكم بدأت تكشف عن تطور الصراع إلي الدرجة التي بادر الرئيس البشير بالسيطرة علي الموقف عبر إعلان حالة الطواري بولايات الجزيرة بوسط السودان ثم شمال كردفان و كسلا شرقي السودان في 2017م الأمر الذي بالرغم من كونه يمثل خرقاً للدستور لعدم توفر الأسباب القانونية يكشف عن أن المناطق التي تسري فيها حالات الطواري صارت أكبر مقارنة بالتي لا تزال تحت سيادة حكم القانون، فقد ظلت أقاليم دارفور ترزح تحت الطواري منذ العام 1989 ، 1989 ، جنوب طوكر منذ 1994 " بالتزامن مع إستضافة أسمرا الإرترية للتجمع الوطني الديمقراطي المعارض اَنذاك "، ثم ولايتي جنوب كردفان و النيل الازرق بعد تفجر الصراع بين الخرطوم والحركة الشعبية –قطاع الشمال في اواخر 2011م ، في 2012 تم وضع بعض المحليات الحدودية بولاية النيل الأبيض المتاخمة لدولة جنوب السودان تحت سلطات الطواري بعدأحداث السيطرة العسكرية لدولة جنوب السودان علي حقل هجليج النفطي داخل الحدود السودانية، بالنظر إلي ما تبقي من ولايات السودان خارج ذلك النطاق يمكن رصد " ولايات الخرطوم، غرب كردفان، الشمالية، نهر النيل، البحر الأحمر، القضارف و سنار و الاداريات خراج النطاق بولاية النيل الأبيض ، في تقديري أن النطاق قد يتسع ليشمل المزيد من الولايات المتبقية بما يمكن الرئيس البشير من مواجهة الأصوات المعارضة لترشيحة وعلي وجه الخصوص الإسلاميين "داخل وخارج الحزب الحاكم و الحركة الإسلامية " لخلق مناج يتيح تعديل الدستور،إستمرار الإعلان عن حالة الطواري تحت ذريعة جمع السلاح أمر مردود و ذلك لفشل حملة جمع السلاح باقليم دارفور وفقا لتصريحات رسمية ، السبب الثاني لاعلان الطواري في تقديري يرتبط بعزم الخرطوم بتعبيد المسار نحو صندوق النقد الدولي الأمر الذي يتطلب رفعا تماماً للدعم، و تحرير سعر، والذي سيفرز حالة من الضائقة الاقتصادية التي من الراجح قد يثير سخط الشارع السوداني غرار إ حتجاجات سبتمبر 2013 ، بالنظر إلي المشهد من زاوية ،المناوئين لترشيح البشير من الاسلاميين الذين وظفوا " فلسفة التمكين" للسيطرة علي رأس المال قد يشجع علي دخول العامل الإقتصادي إلي حلبة الصراع السياسي بالسيطرة علي سعر الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية .

(3)
في تقديري أن جهود الإعلامية للإسلاميين المناؤئين لترشيح الرئيس الشبير لإنتخابات 2020 لن تمضي إلي مواجهة مكشوفة، إستناداً لتجارب سابقة ففي إحتجاجات سبتمبر 2013 صدر بيان إدانة للأنتهاكات بإمضاء مجموعة أطلقت علي نفسها المثقفين الإسلاميين، علي ذات النسق إعلن الدكتور غازي صلاح الدين مغادرته لعضوية الحزب الحاكم مستغلاً زخم الأحداث بالرغم من أن تتبع الأسباب الراجحة تشير إلي أنه رد فعل لما صاحب إنتخابات مؤتمر الحركة الاسلامية لعام 2013م و صعود الإستاذ علي عثمان محمد طه أمينا، المواقف من ترشيح الرئيس البشير لإنتخابات 2015م لم تشكل تطوراً أو خروجاً عن النسق الإحتجاجي غير المنشود بمواقف حيث شهدت الساحة موقفاً للبروفسور الطيب زين العابدين الذي أرسل رسالة "مقال" للرئيس البشير طالبه بعدم الترشح، في تقديري أن البروفسور " زين العابدين" كان أكثر شجاعة حيث قرن اسمه بالموقف ليعبر عن اَخرين من الاسلاميين، فيما يرتبط بمواقف الإسلاميين من ترشح الشبير لإنتخابات 2020، يشير المشهد الان الذي يبدو ظاهريا أكثر تنظيماً من حيث تعددت مراكز التصريحات لكنه بالنظر إلي فحواها في تقديري إستندت علي إقتناص الأحداث لبناء ردة فعل، يمكن رصد ذلك في تغريدة محمد نافع علي نافع علي توتتر " معاً لترشيح أيلا رئيساً للسودان في 2020)، " ، أما تصريح الدكتور امين حسن عمر القيادي بالحزب الحاكم فقد إستند علي ما كشفه الإعلام من دعوة لوفد سمي "بوفد الطرق الصوفية" إشير إلي أنه بادر بدعوة الرئيس البشير للترشح لإنتخابات 2010 ليبني الدكتور " أمين" تصريح معارضتة لترشح البشير مستنداً علي ذلك، و الذي جاء " الدستور لا يسمح بمزيد ترشح للرئيس، لا دستور الحزب، ولا دستور الدولة” تجدر الاشارة الي أن الدكتور " أمين " كان من المعارضين لترشيح البشير في الانتخابات السابقة لعام 2015.


(4)
تعيين الأستاذ حاتم حسن بخيت مديراً لمكاتب رئيس الجمهورية خلفا "للفريق طه عثمان " إستند علي علاقة قرابة بينه والرئيس الامر الذي يشير إلي أن الثقة بين الرئيس البشير و من حوله، بدأت تنحدر إلي دائرة ضيقة، الأمر الثاني : منذ يوليو 2017م و رغم وجود الدكتور إبراهيم غندور وزيراً للخارجية الإ أن إدارة الملفات السياسية الحساسة ظلت تحت إدارة الرئيس البشير شخصيا فخلال هذه الفترة و برصد للأحداث زار فيها المملكة العربية السعودية لمرتين تم دولة قطر، بتتبع سلسلة تلك الزيارات و التي انتهت بزيارة روسيا أن الرئيس البشير قصد فصم عري العلاقة بين تكامل المشهدين الداخلي الذي يواجه فيه مناهضة من بعض الاسلاميين لترشحه لانتخابات 2020 و الخارجية الذي كشفت فيه الولايات المتحدة أن رفع إسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب قد يجبره علي صدام ينتهي لصالح الحركة الاسلامية أو "الإسلاميين" علي صيغة تخليه عن الشريعة الاسلامية أو نهجها مثل التعديلات في القانون الجنائي السوداني التي طالبت بها بعض دوائر الإدارة الأمريكية، بما يشمل بعض النصوص التي تستند عليه الحركة الاسلامية في ايدلوجيتها الدينية، لذا في تقديري أن زيارة روسيا جاءت بغرض تامين موقفها المساند للرئيس البشير في مواجهة أمر القبض الصادر من المحكمة الجنائية الدولية حيث سبق و أن قامت بذاك الدور وفقا لتصريح وزير الخارجية الروسي سيرجي لابروف في 12 ابريل 2017 الذي ذهب إلي "أن الإدارة الأمريكية طلبت من روسيا الحصول علي موافقة الرئيس البشير علي تقسيم السودان لجزئين مقابل التغاضي عن ترحيله للمحاكمة في لاهاي"


(5)
فجرت زيارة الرئيس البشير لروسيا الكثير من علامات الإستفهام السياسية لكونها جاءت بعد تحسن علاقاتها نسبيا مع الولايات المتحدة الامريكية بعد رفع العقوبات الاقتصادية، لكن في تقديري أن الرئيس البشير قد قرأ المشهد السياسي وفقا لقاموس علاقات المصالح الدولية فالسباق في النموذج السوري بين "الولايات المتحدة و "روسيا" اثبتت أن التعامل مع الواقع كفاعل متحرك يستطيع خلط الاوراق قد يفرز تغير ات قد تؤمن " ولو مؤقتاً" وضعا أفضل في التفاوض، علي عكس الطريقة التي تمت بها رفع العقوبات و التي مرت عبر وساطة اقليمية شكلت محطة أجبر فيها السودان علي تغير خارطة تحالفاته السياسية، و المشاركة في تحالف حرب " إعادة الأمل " باليمن،أضف إلي ذلك بقراة المشهد فلسفة التفاوض التي تمت عبرها رفع العقوبات أغفلت النظر إلي أن الجانب الأمريكي له مصالح في رفع العقوبات في ظل المشهد السياسي الدولي المرتبط بالموارد و مكافحة الإرهاب.


(6)
بالنظر الي الراهن الدولي و الاقليمي يبدو ان الرئيس البشير يدرك أن هنالك نقاط قوة تضعه في موقف متقدم بشأن الترشح، فتاجيل الحركة الاسلامية لمؤتمرها العام لا ينفصل عن المشهد الذي بدأ بعزل الرئيس المصري السابق محمد مرسي و الابعاد الذي تم لقادة الحزب الحاكم و الحركة الاسلامية السودانية من المواقف التنفيذية واتخاذ القرار في الفترة من "2013 إلي 2015"، حيث يصب الامر في تنفذ التزام بتفكيك الحركة الاسلامية و الاخوان المسلمين من اجل ضمان استقرار كل من مصر و ليبيا و هو امر يصب في الاطار النظري للحملة الدولية علي الارهاب، بالتالي فموقف المعارضين للترشيح لن يابه به المجتمع الدولي لكونه قد يعزز من قوة و فاعلية "الحركة الاسلامية السودانية "، الامر الثاني وقوف الخرطوم علي " الحياد الاعلامي ظاهرياً" في الازمة الخليحية بين السعودية والامارات في مواجهة قطر يبدو أنه كان مخطط له ليمثل عضم الظهر للخطة "ب" فقد اكتفت السعودية بدور الوسيط في رفع العقوبات الذي "تمخض فولد فأراً" في توقع لم يقابل طموح البشير بأن تمضي لحل الضائقة المالية الاقتصادية، ليربك الرئيس البشير المشهد ممهدا له بزبارة قطر، روسيا ثم دعوة الرئيس التركي رجب طيب اوردغان الي الخرطوم رسالة لتحول التحالفات لصالح البشير بعد أن كانت " استانبول " تحتفي بالراحل الدكتور الترابي و من بعد الاستاذ علي عثمان محمد طه.


(7)
اخيرا مشهد انتخابات 2020 تمثل لحظة تاريخية للبشير، فالسلطة ظلت هي سبب الصراعات بين الاسلاميين منذ توليهم الحكم لكن مع تطور الاوضاع، اصبحت السلطة تشكل طموحا لقادة الصف الاول من أعضاء الحزب الحاكم و الحركة الاسلامية، كما ان الفساد اصبح يحتاج الي سلطة تحميه و فوق ذلك كله قد يختلف الاسلاميون حول الانتخابات لن يختلفوا علي بقاءهم في السلطة لان زوالها يعني " غرق المركب "
اخيرا اذا وصل الامر مرحلة الاقتراع ففي كل الاحوال ستعتمد النتيجة علي مفاضلة بقاء البشير ان لم يكن بالامكان ان يظل الاسلاميين ممسكين بزمام السلطة


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.