)1(

القيود التي لازمت حرية التعبير خلال الفترة التي سيطر فيها الإسلاميون السودانيون علي السلطة ظلت إنعكاساتها واسعة النطاق يصعب إحصاء السجل المرتبط بها في هذا الحيز، لكن بشكلٍ عام فإنها قطعت الطريق على مسار التطور الطبيعي للحراك الثقافي و الفني بكافة أشكاله، وقد شمل ذلك الإنتاج والأداء والنقد ، فسيطرة الأيدلوجيا الحزبية فرضت الهيمنة علي وسائل الإعلام ومنافذ العرض وعملت علي تكسير كل ما لا يمت بصلةٍ للإسلام السياسي، الأمر الذي جعل الفضاء العام مسوراً بمتاريس متعددة الروافع تعمل من أجل إحداث " القهر العام"، فصارت ممارسة الحقوق أو " الحياة" في الفضاء العام تخضع لإكلشيهات يتم فيها إستخدام القانون قسراً للإجبار علي التراجع، فالتعبير السلمي ظل يُواجه بتهم الإزعاج العام والإخلال بالسلامة أما النقد للسياسات يُواجه بتهمة بإشانة السمعة ، بل صارت تهم خدش الحياء ترتبط بطريقة "الزي " لتخضع إلي التجريم أيضا تحت القانون الجنائي السوداني 1991م ، بل مضت القيود لأكثر من ذلك ليقترن ممارسة " طقوس الفرح " بالحصول علي إذن مكتوب مدفوع القيمة و محدد التوقيت ، وبرغم ذلك تظل الخصوصية علي مرمي نيران رجال شرطة النظام العام الذين صاروا لا يحتاجون لإذن لمداهمة المناسبات تحديد معيار الرقص بين مقبول و خليع وفق معايير تبدأ و تنتهي وفقا للتنميط الذي يوافق هوي مشروع الدولة الدينية . فأضحي كل ما هو علي علاقةٍ بالوجدان السوداني المستند علي التنوع تحت مرمي .


(2)
بالنظر إلي فعالية الإتحاد الأروبي بالخرطوم والإحتفال ب 10 ديسمبر"اليوم العالمي لحقوق الإنسان" من كل عام، فالغرض منه هو ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وتوطينها في ظل واقع سوداني يتراجع فيه الإلتزام بحزم الحقوق بشكلٍ مُثيرٍ للقلق، وهو في تقديري السبب و الدافع الذي حمل الإتحاد الأروبي للمبادرة و تنظيم الفعالية ، فالوضع الطبيعي أن يكون ذلك من شأن مؤسسات المجتمع المدني المعنية بحقوق الإنسان الأمر الذي يجعل من بعثة الإتحاد الأروبي موقعها و مقامها ضمن مقاعد الضيوف الذين يشرَّفون الحفل، ربطاً بما سبق تأتي مشاركة أي فاعلٍ في قلادة شرف لإرتباط الأمر باليوم العالمي لحقوق الإنسان الذي تُشير المادة الأولي من الإعلان العالمي الذي صدر في العام 1948 إلي "صون كرامة الانسان "، فالواقع الذي يجعل المبدع يقف علي الحواف محترساً من أن تداهمه " الشرطة" و تزج به "حراساتها " و تضعه في موقف الدفاع عن نفسه أمام المحاكمات الإيجازية لا يخلو من ما يُثير " الإكتئاب " فإن توفر ما يُحفِّز علي الخروج من ذلك أليس من الجدير مقابلته بالإحتفاء؟".


(3)

مشاركة الفنان أبوعركي البخيت والفيديو الذي أنتشر يظهر فيه الأستاذ عوض شكسبير منتقداً فيه الأول، سيطر علي الوسائط الإعلامية الأمر الذي دفع بصدى الإحتفال ومغزاه بعيداً بل غيّب الحدث الأساسي المتمثل في تكريم إتحاد الكتاب السودانيين والأستاذ الصحفي محجوب محمد صالح بجائزة حقوق الإنسان لعام 2017م، ما بثه الأستاذ عوض يُمثل حالة جديرة بالدراسة والتأمل والنقد الموضوعي ليتسق الحال والممارسة الفعلية لحق الاخر في التعبير ،و بإفتراض يرجح " حسن النية إبتداء" ، لكن في تقديري الشخصي أن الأمر خرج جاء غير " متقن الصنعة" فنياً امأ المحتوي مثل " نسخ" لذات الممارسات التي تشبع بها الفضاء الذي تعمل علي " تنميطه" المؤسسة السياسية ، عبر القدح في كل ما يخص الوجدان علي طريقة " شهوة الشماته " و " الكيد المتعمد " ، فان جاز التعبير بأن النقد هدفه تطوير التجارب أو كشف قصورٍ ما، فيصبح تسوير ممارسة الحق التعبير بما يربط بينها وعائدها المادي كهدف وحيد تقدير خاطيء لأن الجهد الفني لا يمكن تقييمه بمعادل يُساويه الإ لكشف الحال عن قائمة اسعار وهو أمر قد يتفق معي الأستاذ عوض شكسبير كفنان! .

(4)
غناء أبوعركي في اليوم العالمي لحقوق الإنسان بعد غياب أمر يرفع من قيمة الإحتفالية، ويُشير إلي أنها قد أفلحت في الحث علي المساهمة في تعزيزأحد مبادي حقوق الإنسان "ممارسة الحق في التعبير" ، في تقديري أن ما حدث امثل فرصة جديرة بالتوقف ومناقشة علاقة الفن بتعزيز قيم حقوق الإنسان والمساهمة التي تتناسب مع المشاركة أو حضور مثل هذه الفعاليات، في تقديري لو أعمل الأستاذ عوض شكسبير حاسة فنه في إلتقاط ذكي لما حملته المنصة من فعاليات ومحتوي بدلاً من التركيز علي الكواليس المرتبطة بالحق المادي لتبدل الحال ، ففي هذا العام طاف أبوعركي محمولاً علي حب سودانيين بعواصم مختلفة، حيث انتظمت حفلات التكريم التي كان آخرها بمدينة بنيروبي بدولة كينيا، أبسط ما يُمكن أن يُقال عن أثر تلك الحملة أنها جدّدت وجسَّرت الوجدان بالعرفان لعركي وحرّكت نقاط الإلتقاء بين فنه وأجيال من السودانيين والسودانيات الذين إحتضنتهم المنافي والعواصم الأجنبية منهم من ظل إنتماؤه للسودان رهين السمع دون الشوف، فهل يُمكن للبورصات أن تُفلح في إيجاد معادل سعري لذلك؟.


(5)

أخيراً،الإلتزام نحو الفن لا يقف وحده دون إلتزام من الفنان لأن الواقع الذي يُقيد حرية الفنان قد يحمله إلي للدوران في فلك الإستسهال والتنميط إلي الدرجة التي قد ينعدم فيه الخط الفاصل بين الإبداع والهدر.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.