نشر المقال بالملف الثقافي بصحيفة الموقف "15 ديسمبر 2017"

شكل العام 2011م احدي المحطات المهمة في سياق التاريخ السياسي السوداني، لإقترانها بإنفصال جنوب السودان , اعلانها كدولة مستقلة ارتفع علمها جنياً إلي جنب مع بقية دول العالم بالأمم المتحدة ، جاء الإنفصال عقب خمسة أعوام بعد توقيع وثيقة ثنائية عرفت بإتفاقية السلام الشامل 2005م "CAP" وقعت الحكومة السودانية ممثلة بإرادة "حزب المؤتمر الوطني" الحاكم إلي جانب الحركة الشعبية لتحرير السودان ، كشف الأنفصال عن إستمرار حالة الفشل التي صاحبت إدارة الدولة السودانية لما بعد الإستقلال ، الهدر الإنساني صاحب الحرب الأهلية اَنذاك مهد لقبول شعبي واسع النطاق للإتفاق " رغم علاته " بعد أن عمد الإسلاميين السودانيين إلي تديين الحرب وصمه قسراً بالجهاد الإسلامي ،
خطابات الكراهية السياسية و منهج الحلول العسكرية كشفتا الحالة الذهنية للاسلاميين السودانيين و علاقتهم بالدولة السودانية و التي في تقديري تطابقت و فكرة " الملكية المطلقة" ، فمضي الأتفاق الثاني مركزاً علي قسمة السلطة والثروة و إغفال ما دون ذلك الأمر الذي جعل التنفيذ يمضي لينتهي عند بند الأستفتاء أو "مخرج الطواري" .
لم يكن هذا المقال ليري النور دون تحريض دفعني اليه التجول في صفحة الصديق أتيم سايمون الأديب والصحفي " بالفيس بوك" " فالصفحة سوح عامرة بالإنتباهات الذكية " لاقف علي كنز من المعلومات ، أجبرتني "إقتداراً" علي" الجلوس أرضا" و التامل ملياً في وجدان غنائي وفني عامر بالجمال ، لبيصم التاريخ علي أن الإنتماء " لسودانين قبل الأنفصال " غير قابل للقسمة أو المحاصصة فهو عطاء لرواد وضعوا بصمتهم على الماضي ولا زال الحاضر يستند على (مخدات) ذلك ليس طرباً واستمتاعاً فقط بل بصمة هوية يصعب طمسها ، النظر اليها بعدسة سياسية ، بل أن ماحملته عبر عن " قوة التنوع الايجابية".
يظل من العسير تعقب كل ذلك السجل بالتوثيق الدقيق، لكن ما يستوطن الذاكرة أن تدلف عبر هذا النفاج ويستقبلك بكل حب الموسيقار الراحل أحمد مرجان محمد ، وسيرته العطرة تسير إلى مكان ميلاده بمدينة الكوة في العام 1905م بولاية النيل الأبيض حالياً، بينما تنحدر أصوله من مدينة ملكال. الراحل مرجان لم يحظ التاريخ بتدوين اسمه في تاريخنا المكتوب، بل لم يدفع بسيرته ضمن مقررات المنهج الدراسي الذي يتحدث عن تاريخ استقلالنا، فهو ملحن النشيد الوطني الذي جاء من كلمات الشاعر أحمد محمد صالح و أجيز في العام 1956م ، فهو يعتبر أول من أسس معهداً خاصاً للموسيقى بمدينة أمدرمان تحمل تكلفة تسييره من جيبه لكنه توقف بعد وقت قصير. و كان المعهد لتعليم المعلمين علي الموسيقي " كان معلما موسيقيا لمحمد وردي والكابلي فقد اشتريا «بيانو» صغير بغية التعليم على يد مرجان في الستينات، ايضا صلاح بن البادية وشرحبيل احمد فعلّمهم الموسيقى وتدوين الالحان على النوتة وكان يأتي الوزير صغيرون الزين صغيرون الذي كان شغوفا بالموسيقى " التحق مرجان محاضراً بمعهد الموسيقى والمسرح، حيث اشتهر ببراعة التلحين والعزف، فعزف المقطوعات العالمية في استقبال ملكة بريطانيا في زيارتها للسودان في العام 1954م.
الوجدان الغنائي الذي ساهم فيه الراحل عبدالمنعم عبدالحي بالتأليف الموسيقى شكَّل مدرسة متفردة، حيث تغنّى له الفنان الراحل سيد خليفة (المامبو السوداني، ويا أسمر قول، وياقماري)، والراحل الفنان إبراهيم الكاشف (أسمر جميل)، والراحل الموسيقار أحمد المصطفى (أنا أمدرمان) والفنان حمد الريح (نار البعد والغربة)، والفنان محمد حويج (على رُبى أمدرمان، مين أحلى، وراحت ليالي النوى)، والمطرب الراحل عبيد الطيب (يا ساير يا ماشي النظرة ماشة معاك وقف وقف وسوقني معاك، ويا روحي سلام عليك) والراحل الفنان عبد العزيز محمد داؤود (دوام بطراهم، ويانديماً عبَّ من كأس الصبا، وأحلام العذارى) والراحل الموسيقار عثمان حسين( يا ناس لا لا، وقصيدة يا ليالي المصير قولي لخلنا)، والمطرب محمد حسنين ( ياسهارى تعالوا شوفوا البي)، والراحل الفنان عثمان الشفيع ( أسمر ياسميري، وأيامنا، وذاك الصباح أهو لاح ياحبيب)، والراحل الفنان ابراهيم عوض (ياجمال دنيانا)، والراحل المطرب عبدالدافع عثمان(هبت نسايم الليل، وفي حبك ياخليلي).
كل هذه المكتبة الغنائية جادت بها قريحة الراحل الفنان و المؤلف الموسيقي عبدالمنعم عبدالحي المنحدرة أصوله من مدينة رمبيك من أسرة تنتمي لقبيلة الدينكا لا يوجد اتفاق علي تاريخ ميلاده لكن الراجح أنه بين الاعوام "1920-1922)
الراحل الفنان رمضان حسن الزانداوي الأصيل تغنى بافتنان من كلمات الراحل عبد الرحمن الريح، بل كانت الأكثر إقبالاً في ما يطلبه المستمعون بالإذاعة السودانية في ذلك الوقت ، كما ردَّد له الموسيقار محمد الأمين حمد النيل بأغنية ( أنا سلمتو قلبي)، ورددّ الراحل الفنان مصطفى سيد أحمد (أغنية الأمان )، وكذلك الراحل عبدالمنعم الخالدي في( حبيبي الحزين ) و غنى رمضان لسيد عبدالعزيز (أغنية بلادي).
وللراحل عبدالله دينق سيرة فنان غنى بالطمبور و من الأغنيات الوطنية التي رددّها عازة في هواك للراحل خليل فرح، وأغنية الزول الوسيم في طبعو هادي، وصه يا كنار من كلمات الراحل محمود أبوبكر وتلحين الراحل الموسيقار اسماعيل عبدالمعين؛ وحين صدح الصبي شول منوت بأغنية يا بلادي للراحل العطبرواي عقب خروجه من المشفى بعد وعكة ألمَّت به، هزَّ كل الحضور الذين بادورا في عمق شعبي حميم، للاصطفاف إنسانياً في مبادرة لعلاجه. انفصل السودانان لكن بقيت عظمة الظهر مشتركة تسند الخطو كما ظل كلا الجوازين يحمل شعار صقر الجديان وستظل التواريخ المجيدة تؤرخ للوجدان السوداني المشترك .

• العنوان مقطع من أغنية أغنية احرموني ولا تحرموني ، للشاعر ود الرضي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.