------------
الكثيرون من المواطنين، قادتهم ظروف كثيرة للسفر إلى الخارج بأسباب مختلفة. منهم من سافر مستشفياً، وآخرون سافروا للدراسة، وأفواج سافروا في بعثات دبلوماسية. كذلك فهناك الكثيرون الذين سافروا مضطّرين لأسباب من ضيق ذات اليد. بعضهم كان تسفارهم فِرارا بجلودهم لما حاقَ بهم من ظُلم ..! وأغلبهم بسبب المعاناة التي واجهوها في بلادهم. تضيق عليهم أسباب الرزق وتتعصّى عليهم لُقمة العيش، ليجدوا أنفسهم في بلدان أخرى.
زادت حركة السفر والهجرة في السنوات الأخيرة. بعضهم عاد الي بلده بعد انقضاء أجل سفره، وقد حقق بعض حُلم، أو انتفت أسباب وجوده بالخارج. آخرون لم يتحمّلوا الغُربة، برغم ضيق حالهم وبؤس معاشهم؛ بينما قليلين آثروا البقاء خارج أرض الوطن. متحملين عذابا موجعا وحنينا دفاقا؛ وكل هؤلاء شاهدوا بأم أعينهم كيف تدار تلك البلدان، على اختلاف ألسنة وسِحنات ساكنيها. إنها بلدانٌ قطعتْ شوطاً في التنمية والرُّقي، وذلك عندما التزمت قوانين راسخة ثابتة مستقرة. لا مجال فيها للعاطفة. بل تكاد تتطابق القوانين التي تحكم أيّ منشط في حياة الناس بتلك البلدان.
يعنيني اليوم في هذه الزاوية، ما يدور حول القوانين المنظمة للتجارة في الدول جميعها. فلا استثناء فيها ولا تغيُّر. فإذا حاول الأجنبي العمل في مجال التجارة، يجد في قوانينها من العراقيل والمعوقات، ما يشيب له الولدان ..! فيضطر من أراد ولوج هذا المجال، أن ينتظر حتى يلج الجمل في ســَمِ الخياط. فهناك كمٌّ من الشروط واللوائح والنّظُم، تحفظ للبلد سلامة هذه المهنة وغيرها، وبالتالي تمنع التطفُّل عليها من غير ذوي الحق..
أما نحن في السودان، فـــَحدِّث ولا حـَرج..!  فالقانون ضعيف، وليس هناك فصل واضح في أنواع العمل. العاطفة تسيطر على أغلب مسؤولينا. كما أن طريقة "شيـــــِّلني وأشيــــِّلك"، جعلت الولوج للعمل التجاري وسيلة للكسب السريع. لهذا فقد دخل بلادنا أجانب. عرب وأفارقة وأسيويين. وجدونا على تلك (الغياهب)، فجاسوا تدميرا في مجال العمل التجاري. بعضه منظم وبعضه عشوائي. وجدوا بيئة مساعدة ليفرخوا من خلالها كل قبح ممنوع في بلدانهم ..! ليست قضية صقر قريش ببعيدة عن الأذهان. كما أن امتلاك محلات تجارية وفق قانون الاستثمار، علاوةً على إتاحة تعامل الأجنبي مباشرة مع المحليات! أفرز مزيدا من الفساد. بل تحت هذا الوجود ( المحمي ) أصبح التاجر المواطن يجد صعوبة في منافستهم ..
قد يظنُّ بعض الناس، أنّ الحديث عن عمل الأجانب، فيه نوع من الغيرة أو الحسد. ولكن بالله عليكم كيف لأجنبي يفتح محلا للحلاقة، أو ورشة للصيانة، أو كافتيريا، أو حلواني؛ ويكون معفيا من الزكاة والضرائب والرسوم المعتادة التي يدفعها غيره من التجار ..! ألا يمثّل هذا خير دليل على فوضى التجارة عندنا ..؟ وليت كل ذلك كان بفائدة، تعود على مجتمعنا المكلوم! بل الفائدة حصرية هنا للمُستثمر الأجنبي. بل بما لا يحلم به المواطن التاجر الذي يروح "رأسماله" ناهيك عن ربحِه، في شَربة جباية و "كيس" نفاية. وجد الأجانب بلدنا مُضيفاً شَهماً فتزايدت تجاراتهم، ثم هرَّبوا الأموال للخارج! ضاربوا في سعر الدولار، ولم تدخل خزينة الدولة منهم أي إيرادات منظورة. لم نستفد منهم شعبيا. بل حتى محلاتهم التجارية، خلت من أيّ مسمّى سوداني! وما إنْ تحدّثتَ إليهم، حتى فجعوك بحديثهم السالب (وللغاية!)، عن الوطن ومواطنيه ..
لعمري إن التعامل مع هؤلاء الناس بتلك العفوية، فيه إهانة بالغة للسودان. كيف يجعل بعض مسؤولينا للأجنبي ميزة وأفضلية على المواطن؟ فالصورة مقلوبة، ولابد من إعادتها لوضعها الصحيح. لا بُدّ من وضع قوانين تحدد نوع العمل الذي يسمح للأجنبي بمزاولته. بل لا بُدّ من إنشاء مكاتب تتابع أعمالهم، وتراقب نشاطهم وتقارنه بعلمية وتدبير وتدبُّر؛ عن مدي استفادة البلد من هؤلاء الأجانب. والأهم أن يعرف المسؤول والمواطن، طبيعة تأثيرهم في الأمن القومي.كما أن التعامل بالمثل حقٌّ أصيل، واسلوب عادل. كذلك لا بد من الابتعاد عن التعامل بعاطفة ليست في محلّها، حِفاظاً على ســُمعة البلد، لأجل وطن ننهل من خيره ونستظل  بسمائه..
ألا هل بلـــَّغت، اللَّهم فاشهد
****
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.