قديما قالت العرب ، عش رجبا تري عجبا ، واليوم العجب اصبح بلا شهر معين ، تكذيبا لذلك القول المأثور ، وكما قيل في المثل السوداني " جئتك يا عبد المعين عشان تعيني ، لقيتك يا عبد المعين تتعان " ، فرح الكثيرين بان جاء اليهم وزيرا للصحة في ولاية الخرطوم رجل من أهل المهنة ، والأطباء ادري بالمواطن ،  واحتياجاته الصحية ، ومعرفة بما يعانيه ، ودراية بكيفية التعامل معه ، بعد أن كانت وزارة الصحة حكرا للتصالحات الحزبية ،
توقع الكثيرين طفرة في هذا المجال ، كيف لا وان هذا الوزير كان مديرا لاعرق جامعة سودانية ، ورجل يشار اليه بالبنان في المنشأت الصحية ، حيث استطاع ان يتحول من مؤسس لجامعة خاصة ، صار مالكا لمستشفيات تعليمية ذات شأن عالمي ،،
ولكن دوما ينقص البناء " مدماكا " أخيرا ، وهذا جائز ومقبول ومن الجميع ،، أما أن يأتي وزيرا حسبه الكثيرين منقذا ، بأمور اقرب منها للتدمير من الأعمار ، وأولي هذه القرارات تحويل المستشفيات الاتحادية الي ولائية في صورة مدمرة بلا دراسة أو تفكر ، أو حتي استعداد مالي أو تخطيطي لهذه الخطوة ،
ثم سعي سيادته  -فاشلا - بلا تفكر أو استشارة في الآتي ، نقل حوادث مستشفى الخرطوم إلى مستشفى جبل الأولياء، وتحويل أقسام الكُلى بمستشفى الخرطوم إلى مستشفي ابن سينا وإبراهيم مالك، وكذلك نقل قسم النساء والتوليد بمستشفى بحري إلى مستشفى جبل الأولياء، بالله عليكم أليس هذا الجنون بعينه ، أم يعتقد سيادته أن الشعب يملك السيارات مثله ، فهل تصبر نساء بحري علي الم المخاض حتي مستشفي جبل أولياء ؟ ، وهل عٓبٓدّ ذلك الطريق تيسيرا للوصول ، وهل مستشفي ابن سينا اقرب لمريض الكلي من وسط الخرطوم في أوقات الغسيل التي تستمر غالبا الي صباح اليوم التالي وهل يملك المريض قيمة أجرة السيارة لذلك المستشفي ؟،.  
ويستمر المسلسل الصحي المكسيكي متوجها هذه المرة الي كليات علمية طبية ليُعُمَل فيها مشرط الطبيب الهاوي ، فتم نقل الكليات الطبية الاهلية بلا أدني سبب .. الكلية الوطنية إلى مستشفى قري ،.. الكلية الأهلية إلى مستشفى الكلاكلة ،.. اما الكلية الطبية  تبقى بموقعها بالأكاديمي ومستشفى بشائر !! ما الفائدة من هذه النقل إذا لم يكن بدافع شخصي ، أو غضب للنفس .. ولماذا بقيت الكلية الطبية بمكانها ؟..
وما تم امس بإغلاق حوادث الأطفال بمستشفي جعفر ابن عوف وأمرت وزارة الصحة أهالي المرضي بالتوجه الي مستشفي إبراهيم مالك بالصحافة شرق ، لدليل آخر علي أن خيبة الأمل مستمرة ، وان ذلك التفاؤل كان " عمي بصيرة " ، فالمريض ليس موجودا في اهتمامات وزارة الصحة فيا للعجب ،
قد تسوق الوزارة مبررات كالحديث عن الكثافة السكانية ، أو ، توطين الريف ، أو ، توفيرا للزمن ، أو ، تقليلا للتكاليف ، وغيرها من المبررات ، ولكنها تصطدم بصخرة ضخمة تكذب ما يقولون ، فليس هناك من تأهيل لتلك المستشفيات ، ولا كوادر طبية تم الدفع بها ، ولا بئية تم تهئيتها ... كله حديث ابن عم كلام ،،
واليكم هذه القصة لتحكموا بعدها علي مدي فشل هذه المشاريع التي يراد بها شئنا آخر لا دخل للمريض أو الوطن به ،،،
كنت قادما من بور سودان في طريقي الخرطوم ، وعند منطقة العالياب انقلبت السيارة ، كنت مع أسرتي ، فتم إنقاذها بواسطة رفقاء بالطريق ، الي مستشفي المحمية ، لم يكن هناك احد سواء ممرضة واحدة ،- فعلت ما قدرت عليه مشكورة - وكنا ثلاثة عشر شخصا - فأعطت كل واحد منا حقنة مسكنة للألم ، ليتم بعد ذلك نقلنا - عبر رجال خير بالطريق - الي مستشفي شندي التعليمي ، ليكون الوضع به كما في سابقه ، رغم سعة حجمه ، وتواجد بعض الناس فيه ، فتوكلنا علي الله رغم أن بيننا من كسرت رجله ، ومن كسرت ترقوته وضلوعه ، وصلنا الخرطوم بحري والدماء تملأه عيوننا وملابسنا ، فتم أخذ الصور والكشف علينا ، وتم تحويل البعض الي حوادث الخرطوم علي وجه السرعة ، ليتم فعلا العلاج هناك ...
تري هل كنا نستطيع بتلك الحالة الوصول الي مستشفي جبل أولياء ، أن توزيع المرافق الصحية ليس سهلا ولا بسيطا ، فهو يرتبط بالمريض ، حالته ، مكان إقامته ، سرعة الوصول لتلقي خدمة العلاج ، وجود الكادر الصحي المؤهل ، سرعة وجود الدواء ، المكان المهيأ ، ...
لا اتهمني أن يتراجع السيد حميدة عن قراراته ، ولكن آمل أن يجلس مع نفسه بلا مؤثرات ، ليدرس أي القرارات اصلح للمريض ومرافقه ، وان ينسي انه يعمل في هذا المرفق للربح ، فهو مسئول أمام الله سبحانه وتعالي عن كل مريض لم يسعفه الزمن للوصول للمشفي ، وعن كل امرأة توفت بضغط جنينها لان الكادر الطبي غير مؤهل ، وعن كل نازف لم يجد سبيلا للوصول للمستشفي ...