لم يذهب حاكماً عربياً في يوم من الأيام، تاركا مقعد الرئاسة راغباً أو راضيا، بل يذهب الحاكم وقد نـــُزع منه الحكم كنزعة الشـَّـعر من الرأس. وكثير من الحكام يرون أنهم خلفاء لله تعالى، في الأرض؛ لهذا يرون أن في ذهابهم سيذهب الخير والأمن والأمان؛ وأن بذهابهم ستسود الفوضى ويكثُر الفساد في البَرِّ والبحر. لذلك فهم لا يروحون ولا يُريحون..! لا أحد يحدثهم عما يحدث للمواطنين، ولا أحد منهم يقف ساعة في موقف شروني أو كَركر أو جاكسون أو الإستاد، ممنيا نفسه بـــ ( شماعة ) في حافلة، تعود به إلى أطفاله بعد يوم عمل مرهق؛ والجيب خالي الوِفاض ..
حال حكامنا، لا يختلف كثيراً عن أحزابنا. فطوال الثورات التي حدثت في السودان، لم تكن الأحزاب يوما هي الملهمة للشعب بالتظاهر أملاً في تغيير العَوَج الحاصل..! بل كان الشعبُ يخرج بنفسِه، ولنفسِه يبتغي تحقيق ما يريد؛ وما إنْ تأتي ساعة النصر، حتى تظهر الأحزاب تتلمـَّظ! لــتُجـــيــِّر كذلك الهدير الشعبي لمصلحتها الخاصة؛ ومن ثم تسرق صوت الشعب، قبل أن تشتري المواقف المتقدِّمة للشعبِ، بالمجّان؛ عموما دعونا نقف لحظة مع الأحزاب السودانية، وبالذات في دعوات البشير للقائها. سواء في الوثبة أو الحوار الآن. 
الأحزاب جميعها يمينها ووسطها ويسارها، أحزاب هشة، قياداتها ضعيفة، أكل عليها الدهر وشرب. هذه الأحزاب غائبة عن الساحة، وليست مشهودة إلّا عبر وجوه مألوفة أو تصريحات ملهوفة..! باستثناء حركة حق، والتي يتمثل حضورها في (فرفرة) سياسية خجولة. أما البقية ففي نومة أهل الكهف؛ تعيش في حالة فصام بين قياداتها ومنسوبيها، بل وانفصال عن شعبها. مشغولة بخلافات غير ذات جدوى؛ وفيحالٍ من التّوَهان الدائم عن هموم العَصر، وليس لها من بضاعة إلّا الكلام، ولكن بلا أيّ تنفيذ لما يقولون..
قد يقول قائل إن هذه الأحزاب، تريد ذهاب الحكومة جُملة؛ ثم تُري رأيها وتتنزّل ببرامجها. ذاك خيار مشروع لها، ولكن كيف! وماذا فعلت لتحقيق ما تُريد ..؟ فإذا لم تستطع الآن إيجاد وسيلة سريعة لتحقيق هذا الهدف عبر الوسائل المدنية، فيجب عليها– على الأقل- الوقوف مع المواطن البسيط في محنته.تساعده في أن يعيش بكرامة. ولتضع لها خطة اجتماعية تعين المواطنين؛ ولتقدم النصح والمشورة للسلطة الحاكمة، حتى لايأتي يومهم الذي يريدون،ثم لا يجدون شعبا سويا ليحكموه ..
الغريب أن الإنقاذ تعلم نفسية الأحزاب جيِّداً. بلتفهم كيف يفكر قادتها. فترمي لهم بطعم كُل مرّة؛وبلا تروِّي كلهم بلا استثناء يلتهمون الطُعم. لقد أعلنت الحكومة الحوار لبسط الحريات. فشاركت كُل الأحزاب في هذا الحوار. بعضهم شارك وجلس في مائدة الحوار، وبعضهم شارك فعليا وأقام الندوات الجماهيرية المفتوحة تصديقاً منه بهذا الحوار؛ والبعض اكتفى بالتصريحات والحوارات الصحفية،فأثبتوا أن أحزابهم كقطَع الشطرنج، تحركها الإنقاذ كيفما أرادت؛ ولو رفضوا الحوار كما يعلنون ويشترطون، لما ثبـــَّــتوا على أنفسهم بأنهم أحزاب سُلطة، ولا كان للحوار أن يتلكّك كما هو حاصل الآن..
اما أحزاب الفكة فتتمثل فيهم الآية (٣٢) من سورة النمل : "قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ، قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُوْلُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ" صدق الله العظيم.. فطالما ظلوا في مقاعدهم ، فالأمور مستقرة، والبلد مؤمــَّنة والشريعة قائمة؛ وعلى قول النكتة السياسية: والمواصلات فاضية..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.