ورد في صحيفة سودا نايل في افتتاحيتها أول  أمس قرار مجلس الوزراء الموقر الذي جاء فيه (قررت الحكومة السودانية، الخميس، معاملة مواطني دولة جنوب السودان المقيمين داخل أراضيها بوصفهم أجانب لدى تلقيهم الخدمات، وهدّدت باتخاذ إجراءات قانونية صارمة في مواجهة كُل من لا يحمل جواز سفر وتأشيرة دخول خلال أسبوع.
وصادق مجلس الوزراء السوداني في اجتماعه الراتب برئاسة الرئيس عمر البشير الخميس، على قرار معاملة الجنوبيين المقيمين داخل أراضيه بوصفهم أجانب) . والقرار في مضمونه  سيادي ومن حق أي دولة أن الحفاظ على أراضيها القادمين والمهاجرين والنازحين اليها ، لكن الوضع  مع دولة  جنوب السودان الوليدة وعلاقاتها بالسودان الوطن  يختلف تماماً للعلاقات بين الدول الأخرى فبالأمس القريب كان أبناء جنوب السودان المقيمين الآن  يمثلون قطاعاً من الشعب السودان وكانوا يمثلون رقاً فاعلاً في المجتمع السودان وحضوراً مميزاً في الجامعات السودانية والمدارس التبشرية السودانية التي تزخر بهم اليوم دون غيرهم وكانوا القوة الفاعلة للبناء والتشييد على مستوى القطر ولا يزال بعضهم يمارس نفس المهن الانشائية وفصيل آخر يعيشون بين الأسر السودانية التي عادت بهم  منذ عهود من الجنوب الى الشمال صغاراً فتربوا وترعرعوا ولا يعرفون الا المقام الذي تربوا فيه وغالبية منهم  غمرتهم الفرحة باستقلال بلادهم وتشوقوا للعودة أسر وجماعات الى دولة جنوب السودان ، الا أن تيار الحروب الأهلية والقبلية حال دون تحقيق أمانيهم لموسم الهجرة الى الجنوب بل تضاعفت أعدادهم بنزوح آخرين الى الشمال هرباً من أتون الحروب الأهلية .                                     
الأمر الذي  يتطلب اللجوء للرؤى العاقلة نحو علائق جديدة بين الدولتين تلافياً لجراح الماضي والعنف الذي كان ضحاياه ملايين البشر  قتل وتشريد ونزوح وسقط الالاف صرعي وسط حمامات الدم من الشماليين والجنوبيين خلال هذه الحروب ، لقد لجأت عدة دول ومن بينها الخليجية على ابعاد المقيمين من بلادها الا أنها أعطت فرصة لتصحيح أوضاعهم خلال فترة من شهرين الى ستة أشهر  لذا فان فترة السبعة أيام لن تجدي مع سلحفائية الاجراءات التي يعلمها الجميع وزيارة عابرة من مسئول الى دائرة تسجيل الأجانب فيشاهد بالعين المجردة أرتال الأثيوبيين والسوريين في صفوف طويلة يوميا بالاضافة الى الأجانب الأخرين الذين وفدوا الى البلاد في زيارة قصيرة والمعاناة التي يلاقونها. وليس هذا تقليلاً من جهد العاملين في هذا الأجهزة ولكنها الامكانات في ضعف شبكة الاتصالات وقطعم الكهرباء والاستغلال الأمثل  للوقت والعاملين أنفسهم وينسحب هذا حتى على المواطنين على مستوى القطر لاصدارات الجوازات والرقم الوطني والبطاقة الشخصية، بالاضافة للاحصاء المطلوب الذي يتطلب جهداً كبيراً في معسكرات النازحين والمؤسسات التعليمية ومقار السكن  باشكاله المختلفة  وحتى العشوائي.
أن هذه القضية  لا يمكن النظر اليها من جانب الباحثين  بالسطحية التي درج عليها معظم الكُتاب  ، إذ  لابد  من الدراسة المعمقة  لكل مجموعة مفيمة لأبناء دولة جنوب السودان والحاق الدراسة  بالتكوينات  القبلية والعشائرية والأثنية  حتى تسهل العودة لمناطق آمنة لهم ، وأن ينبري ذوى الاختصا ص في مراكز دراسات متخصصة للقيام بهذا الجهد في تجرد ومهنية عالية ومواجهة أصول القضايا والمشاكل وأسباب النزوح وعدم الرغبة في العودة الطو عية بالصدق والشفافية وعدم التهرب من الحقائق  حتى لوكان طابعها سلبي وفيه مساس بالآخرين ، وذلك بالاختيار الأمثل من شباب السودان للقيام بهذا العمل الميداني فالبلاد زاخرة بالشباب القادر على هذه المهمة  الاحصائية وبلادنا تئن بالعاطلين حتى المؤهلين منهم  وبالنسبة لمشكلة شبكات الاتصالات  فالساحة زاخرة بالذين يتوقون للقيام بهذا العمل بعد  أن ضاقت فرص العمل أمامهم ومن المهم أعداد الاستبيانات بواسطة مراكز البحوث لتنطلق قوافل الشباب وهم مزودون بالمعرفة الاحصائية  وتقديم المساعدة المطلوبة لتعبئة البيانات والتي تهدف لتصحيح أوضاعهم ووضع الأجهزة الدولية والاقليمية أمام دراسة معمقة لأوضاعهم وتساعد دولة جنوب السودان لفتح أبواب العودة الآمنة لهم أو اعتبارهم كلاجئين  ضيوافا كراماً في وطنهم الثاني والاستفادة من وكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة لاستقرارهم وأسرهم.
أن معالجة موضوع المقيمين  من أبناء دولة جنوب السودان بهذه الصورة  التعسفية وربما يكون لأصحاب القرار مبررات أمنية أو ردود فعل انفعالية وربما تكون مرتبطة باسقاط الطائرة بدون طيار في الجنوب  أو تجمع المعارضة الشمالية في جوبا وهي أمور لا  علاقة بها للمقيمن الجنوبيين في السودان وبالطبع ستفتح على شعبنا  هجمة شرسة من المجمتع الدولي فبينما تبحث الدول الأوربية جميعها عن ملاذ آمن  وعيشة كريمة للاجئين السوريين  تقود السلطات السودانية هجمة معاكسة على للاجئيين الجنوبيين وهو اجراء لن يزيد النار الا اشتعالاً ولا نقول مايكفينا من  مآسي  في دارفور والنيل الأزرق  وجنوب كردفان والصراعات الحدودية لفشودة وحلايب وافريقيا الوسطى بل هو أتون حملة جديدة من المجتمع الدولي والدول الأفريقية والتي سوف تنظر لها على أساس أنها قضية عرقية  ويكون ضحياها أبناء شعبنا والزيادة المطردة للمعاناة من هول الحصار والملاحقة  لأبناء السودان في كل مكان ولا أقول مراجعة القرار بتقنينه ووضعه في المسار الصحيح الذي يحفظ لأبناء دولة جنوب السودان الاستقرار المنشود  ويحمي بلادنا من التردي المتلاحق.
بل أقول  بأنه قد آن الأوان لنسيان فترة تاريخية ولدت مرارات بين جنوب السودان وشماله وقد أسهب بعض المفكرين من شمال السودان في الكتابة عن المواضيع التي تعمق الخلافات في الوقت الذي انبرت ىفيه صفوة من المفكرين  في الكتابة عن الوحدة الجاذبة بين الشمال والجنوب باسلوب تحليلي معمق ومصداقة أمثال الكثور منصور خالد  والدكتور الواثق كمير الا أن ردود الفعل السلبية كانت حاضرة وبيدها الاعلام  الذي لعب دوراً فاعلاً في أثارة النعرات وكان على رأس المنادين بالوحدة قائد حركة الاستقلال    الراحل المقيم جون قرنق  الذي رأي ( أن  توحيد السودان في رؤياه ودعوته للسودان الجديد بكل أطيافه فمن باب أولى  لهذه الرؤية من قائد الحركة الشعبية ،  هذه الحركة التي لا  تزال تهيمن على مفاصل دولة جنوب السودان ، أن  تتبنى هذه الرؤية لدولة جنوب السودان بتوحيد القبائل الجنوبية تحت مظلة الوطنية والوطن الذي يسع الجميع. خاصةً اذا نظرنا الى تجربته الشخصية مع الشمال العربي الأفريقي   ، يوم اُتيحت له الفرصة للقاءات الجماهيرية في الشمال  فكان هو يخاطب الناس باللغة العربية ( عربي جوبا) ولكنه اضطر للاستعانة بمترجم عند مخاطبته لقبائل البجة  في شرق السودان والنوبة في شمال السودان والنوبة غرب كردفان. وهي مناطق شمالية. ولخص حديثة بأن الوعاء الذي يجمع أهل الجوب والشمال معاً هو الوطنية والوطن الواحد ) ، عليه فلترك الباب للعقول النيرة لعرض اطروحاتها لا لعودة  ال جنوبللوطن الأم وانما لضمان جوار آمن وعلاقات قائمة على احترام االآخر.   والقضية ليست وليدة بطرد مجموعات من أبناء جنوب السودان فهي ممتدة بتاريخ طويل ولعلنا نوجز التالي :                                                                                 
1-    منذ أغسطس 1955 وحتى 2005 لم تهدأ نيران الحرب بين شمال السودان وجنوبه إلا  لفترات وجيزة ولكنها  من عام 1989 أخذت منحاً  آخراً  وتم تسميتها بالحرب الجهادية   من جانب قادة الشمال ، التي راح ضحيتها الملايين من القتلى والمشردين والنازحين وكان من الممكن وصفها بأنها حرب أهلية ، ولكن قادتها واُمراء الحرب أرادوها حرب  للجهاد في سبيل الاسلام على شعب يزخر بناطقي الشهادتين  ( المسلمين ) ، ويتحدث العربية ( عربي جوبا)  ، والمهم في  الأمر من أنها ولدت مرارات ضد العروبة والاسلام  مما يتطلب الاعتراف بالأخطاء والاعتذار  من مرتكبي  المجازر  وضياع الالاف من شباب الجنوب والشمال  وافساح المجال للقوى الوطنية الصادقة لفتح صفحة جديدة مع دولة  جنوب السودان  قوامها الاعتراف بإنسانية  أهل الجنوب  .التي لن تتم بطرد مجموعة تعيش في ضياع على أرض السودان .


2-    والصاق  تجارة الرق  بالعرب والمسلمين وأهل شمال السودان  هو اتهام باطل  وإن إزالة  هذه التهم التي لم يرتكبها السودان والدول العربية التي كانت ترزخ تحت الاستعمار وارتكبها عدد محدود من ضعاف النفوس سيريح أهل السودان جميعهم خاصةً وأن الغالبية لم تشارك في هذه المآسي وستعيد لأهل دولة جنوب السودان الثقة في تعاملهم مع الجميع وستخفف من وطئه الحروب بعد صفاء النفوس ، مع البعد كل البعد  عن إثارة النعرات القبلية من خلال قبيلة معينة ضد قبيلة أخرى في الحروب الأهلية الدائرة الآن بين فرقاء الدولة الواحدة .

3-من العوامل التي ساعدت على ترسيخ  عدم الثقة في الآخرين بالنسبة لإنسان جنوب السودان يتمثل في  نقض  العهود  طوال السنوات الماضية ،  وقد كانت الاتفاقيات المتتالية بين أهل  الشمال والجنوب كفيلة بإزالة الجراح وبروز  أجيال جديدة قادرة على التعامل بروح هادئة ونشلها من العصبية التي نشاهدها اليوم في الحرابة بين القبائل  في دولة جنوب   السودان                          ، كاتفاقيات المائدة المستديرة 1965 واتفاقية أدبس أببا 1973 التي نقضها قائدها جعفر النميري.
عليه فان الحيطة والحذر أمر واجب في اللحظة الراهنة خاصةً فان المنظمات الاقليمية لن تنظر اليها الا أنها مشروع عرقي  فمنظمة الايقاد (تتكون مجموعة الايقاد Egad   الهيئة القومية لمكافحة الجفاف والتنمية Intergovernmental Authority  for Development من (إثيوبيا ،  السودان ،  أرتيريا ، جيبوتي ،  كينا  والصومال )  وبتشكيلها الحالي تظل  عاجزة لتقوم بدور فاعل في الصراع السياسي والقبلي في دولة جنوب السودان ، نظراً لتشابك مصالحها القبلية والاقتصادية والقُطرية  بعد أن اختارت لها أدوار معينة في الصراع .مما حرمها من الوساطة المقبولة أيضاً.و ليس أدل على ذلك من أن الحكومة الأوغندية قد دخلت جنوب السودات  بجيشها لمناصرة الحكومة الحالية  في دولة جنوب السودان ولكل دولة من دول الايقاد مصالحها خاصةً بعد تدفق  البترول في دولة جنوب السودان والمساعدات المتوقعة بعد التئام الشمل بين الفصيلين المتصارعين وهيمنة بعضها على منابع ومجرى النيل الأبيض مما سيضعف موقف السودان ويجعله عاجزاً عن مواجهة دول الايقاد خاض’ اذا اعتبرت القضية عرقية .

أما الاتحاد الأفريقي على الرغم من أنه المنظمة الإقليمية المتفردة  بالنشاط الملحوظ  والحيوي على مستوى القارة السمراء  ، إلا أنها تواجه عقبات كثيرة أمام تعنت الأطراف التي لا تقبل حتى بالمشورة  لتنتقل  قاعات التفاوض  من فشل الى مزيد من الفشل.

خلاصة القول أننا أمام قضية سوف يكون الخاسر فيها شعب السودان اذا تمت بهذه الصورة  فالعالم الأوربي المسيحي  يفتح  أبوب الرحمة واسعة  للاجئين السوريين والسودان برفعه لشعار الشريعة والاسلام كيف يوصد الأبواب أمام هذه الكتل من أهل الكتاب والحصيلة النهائية المزيد من الحصار  وبالتالي تضيق العيش على المواطنين والامعان في معاناتهم.
ان المخرج الشجاع من هذا المأزق هو في صالح السودان وشعبه طالما النتائج سوف تقود:-
1-العودة الطوعية والآمنة لأبناء دولة جنوب السودان مما يجعل الاحصاء في غاية الأهميةفي عدة محاور بأن يكمل الطلاب الجنوبيين المقيمين دراساتهم لهذا العام والمغادرة للمواقع للعيش وسط أهليهم خاصةً  وأن الحرب الأهلية كانت قبلية بين الدينكا والنوير وعلى ضوء الحماية الكاملة  من وكالة غوث اللاجئين التابع للأمم المتحدة وبالتنسيق مع حكومة دولة جنوب السودان.
2-تشغيل أكبر قدر من الشباب السوداني العاطل من الجنسين  مقابل مرتب شهري مقطوع لا يقل عن خمسة آلاف جنيها ( الامم المتحدة تساهم في التكلفة على ضوء  قواعدها )  وحسب فترة الاحصاء التي لاتقل عن ستة أشهر على أن تشمل  احصاء أبناء الجنوب  المقيمين وجميع أهل السودان وبعيداً عن ادارة الأجهزة الحكومية بجهاز ربما يسمى رفع معاناة المواطنين والذي سيكشف الحالة المتردية التي وصل اليها شعبناخاصة اذا وافق رئيس الجمهورية بتبعيته  له وليس للوصولين من حوله.
3-الردود الانفعالية بالنسبة لهذه المجموعة التي تقل عن مائتي ألف مواطن جنوبي سوف تفتح لنا أبوب للصراعات الأخرى واذا كانت المعارضة هي السبب في توحدها تحت مظلة الجنوب  فشعبن قد سحب الثقة بعد 27 من المعاناة من الجانبين الحكومة والمعارضة ولا  يقبل أن يكون وقوداً لحرب هدفها الوصول للسلطة والموارد التي حرم منها شعبنا فأبحثوا لكم عن موقع آخر بعيداًعن مواطني شعبنا الذي ذاق الأمرين  من الانقاذ وأصبحت كلمة المعارضة المتسارعة للحصول على وزارة هامشية  أو المشاركة في المال الحرام خالية من الصدق فتصارعوا  في  حلبة صراع بين فئتين وأتروكنا للخالق الجابر وهو القادر على نجدة شعبناعند انتفاضته الشعبية وبالله الوفيق.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.