إسماعيل شمس الدين – مقيم بقطر 

لقد شهدت الفترة من القرن العشرين وحتى يومنا هذا سلسلة من الانقلابات العسكرية على السلطة القائمة في القارة الأفريقية وعلى مستوى العالم العربي ،  وكانت تهدف جميعها على  الانقضاض على الوضع الديمقراطي أو طمعاً في السلطة والجاه  ،  وبعد التمكين على مقاليد السلطة تتلاطم قياداتها في أمواج التيه والضياع  ،  فينبري الوصوليون والانتهازيون ليجدوا لهم مكاناً  آمناً ليمارسوا فيه خوائهم الفكري  ،  فيعم الفساد والمحسوبية  وتكرر الصورة من بلد الى آخر وسط معاناة الشعوب وانهيار مقدراتها ، وعلى الرغم من أن هذاء البلاء قد أصاب  شعب السودان  لسنوات متقطعة بدءاً من عام 1958 وعام 1969 وعام 1989 إلا أن القوات المسلحة التي قادت هذه الانقلابات  أو كانت وسيلة لاستغلال أصحاب النفوس الضعيفة ومن الأقلية التي عجزت  عن الدخول في المعترك الشعبي الديمقراطي كالشيوعين عام 1969 والاسلام السياسي عام 1989   ، إلا أن آثار العقيدة والإرث  العسكري السوداني ظلت باقية على الرغم من التعديات الجائرة التي  نالتها من ضعاف النفوس ببث نار الفتنة بين العسكريين  ، الأمر الذي أدي  لتسريح كفاءات عالية المستوى لأسباب  واهية  ولا يمكن وصفها إلا وأنها رخيصة مع ثبات العقيدة والإرث الباقي للقوات المسلحة السودانية ولعلنا نلقى الضوء على بعض هذه الموروثات والتطلعات لتكون نبراساً  لمستقبل جيش السودان .
1-الحالمون  بتصفية الجيش السوداني أولئك الذين خاب ظنهم البائس واحلامهم بتصفية القوت المسلحة بعمليات التسريح وانشاء قوة  بديلة تخدم أغراضهم  بعد أن اعمتهم الحقيقة عن كونية القوات المسلحة فهي نبتٌ صالح من التدريب المكثف للجند وتأهيل متقدم لضباط القوت المسلحة من الكلية الحربية التي أصبحت أكاديمية لتصبح هذه المؤسسة عتية  حتى على الذين ينخرون فيها من الداخل.
2- العارفون  بتاريخ السودان الناصع سوف يشاهدون بالعين المجردة قوة قواته المسلحة على مر التاريخ   ،،  في وجه راحل مقيم  نحيل الجسيم  قوي العزيمة ليقود ثورة ضد الامبراطورية البريطانية أنه البطل ابن القوات المسلحة علي عبداللطيف ورفاقه البررة عبدالفضيل الماظ ورفاقهم الأبرار  ، نعم أنه الإرث الباقي المتمثل في قوة دفاع السودان التي كانت النواة الأولى للجيش النظامي واستطاعت احباط الفتنة الأولى التي كادت أن تحيل العاصمة الى  رماد عام 1953  ، وقبل ذلك الجنود والضباط الأشاوذ الذين شهد لهم العالم في الحرب العالمية الثانية في كرن  وطبرق وعلى الحدود الليبية ونترحم عليهم في كل زمان وعند زيارة  هذه الأماكن التي تشهد ببطولاتهم  ،  نعم إنها بطولات  الراحلين طلعت فريد وأحمد عبدالوهاب وغيرهم.
هي القوات المسلحة التي استلمت راية العسكرية بنظرة واثقة الى الأمام   لقيام المؤسسة العسكرية  بعد الاستعمار بقيادة  سليمان الخليفة  وأحمد محمد مستلهمين من السلف الصالح من قادة ثورة الأمام المهدي معنى الانضباط  والجبروت  ،،  ومسلمين الراية لأجيال قادمة شربوا من  رحم الوطنية وتربوا  على العسكرية بكل معانيها لقيادة القوات المسلحة ولا نستثني أحداً ولكن لنرسل التحية للقائد عبدالماجد حامد خليل الذي سار على مستوى السلف الصالح .
3- لقد كانت القوات المسلحة حاضرة برجالها عبر التاريخ وهل يعلم أبناء السودان أن قوات المسلحة ممثلة في القوات الجوية على الرغم من محدوديتها أنذاك   أوقفت الحرب الأهلية في بيافرا في نيجيريا يوما ما.  وكانت حاضرة أبان حرب النكسة لنجدة الشعب المصري عام 1967 وحامية لما تبقى من مقدراته ،  الكلية الحربية المصرية وسلاح الطيران .
4- أنه تاريخ لمؤسسة على الرغم من زجها في انقلابات عسكرية فاشلة إلا أنها ظلت باقية وتسطر  بالدم والأرواح الطاهرة  والمهج الغالية للحفاظ على شعبها ووطنها.

واليوم  يشتد الصراع بين السلطة الحاكمة وقوى المعارضة في منظر تدمي له القلوب  بعض أن اصبحت تعيش في شتات  وتتخذ لها مواقع مترامية  لا على مستوى السودان بل تعدته لدول العالم في لندن وايطاليا وجنيف  وباريس والقاهرة وإثيوبيا تاركين شعبهم يعاني من الغلاء الطاحن وويلات العذاب مع بقية المعارضة المتهالكة في الداخل ناسين أو متناسين جميعهم  تضحيات شعب السودان  على مر التاريخ  في كرري  أبان ثورة أكتوبر 1964 وأبريل 1985  ،  وبالأمس القريب سبتمبر2013  عندا تركوه يسبح في بحور دماء أبنائه ومرت العاصفة التي كان وقودها وضحاياها  شباب السودان وهم في غفلة ونوم عميق لينطبق عليهم قول الشاعر الراحل المقيم أحمد محمد صالح  ( خلفت قومك يرطمون خدودهم  ،، وفررت فعل الغادر الأفاك  ).
لقد هدفت لطرح  قضية السودان عبر هذه النقاط التي تضيء إشراقات لشعبنا  وتاريخه البطولي الناصع  ولقوتنا المسلحة بإرثها وعقيدتها العسكرية الباقية  ليفيق أصحاب الرأي بتحطيم المؤسسة العسكرية وصولاً للسلطة بأنه طريق مسدود ،  ولا أقول محفوف بالمخاطر فالقوات المسلحة باقية حتى لو ذهب النظام الحاكم ومقدرات الشعب باقية حتى لو ذهبت المعارضة المتصارعة والمشتتة  ، وماذا يريد المزايدون والحالمون لمستقبل السودان؟ ولعلها نقاط أخرى تفتح الطريق للحفاظ على ما تبقي من مقدراتنا.
1-لقد طرحنا وطرح غيرنا   على صفحات هذه المؤسسة الاعلامية الغراء ( سودا نايل ) وغيرها من وسائل الاعلام أهمية التحول السلمي والتداول للسلطة   بمبادة جامعة لرئيس الجمهورية المشير عمر أحمد البشير  بتكون حكومة قومية تحدد  لها مهام محددة  ولعل أهمها  إجراء انتخابات  نزيهة بوضع يرتضيه الجميع وحبذا لو كانت غالبيتها من المحايدين من أهل الفكر والعلم والفهم  .
2- لقد ظلت المعارضة المسلحة طوال السنوات الماضية تفاخر بأنها حققت انتصارات ولكن فالتخاطب قياداتها  انتصارات ضد  من ؟ أهي ضد السلطة  أم القوات المسلحة ؟ فهل يعتبر هذا نصراً  بضرب جيش البلاد وقتل ضباطه وجنوده والى أين ومتى سوف تكون نهاية المعارك  الطاحنة ؟
3- إن  من حق أهل السودان المعارضة وحتى اسقاط النظام ولكن حمل السلاح في وجه قوات مسلحة  لن يؤدي إلا الى المزيد من الضحايا  وضرب مقدرات جيش البلاد .
4- الصورة اليوم واضحة لتجارب الآخرين   بانتهاج الصراع على السلطة عن طريق السلاح وما أصبح الحال عليه في سوريا وجيشها يتهاوى أمام معارضين يقاتل بعضهم بعضاً  وكذلك الجيش الليبي الذي يتهاوى أمام معارضين مقاتلين  ويعادي كل منهم الآخر وجيش العراق الذي أصبح   ذكرى بعد مؤامرة الامريكان عليه  وورثة الاحتلال .ومحاولة الفئات الضالة بضرب جيش مصر من الداخل وعبر مؤامرات الخارج لولا لطف الله . وفي كل الأحوال من هم الضحايا   إنهم أبناء هذه البلاد لما يلاقونه  من  قتل ونزوح وتشريد.
فماذا يتنظر هؤلاء الحالمون  بعد زعزعة وضرب القوات المسلحة  إنها الفتنة التي ينتظرونها ويتوقون اليها سعياً للسلطة الزائفة  ونقل الحروب الأهلية لباقي ولايات ومدن السودان وهم يعلمون بالهزيمة التي سيلاقونها والتي لن تخلف إلا ضحايا من أناء شعب السودان أما هم فقد حجزوا لهم مكانا في دول المهجر يتجرعون الهزيمة  من معارك غير  محسوبة.
إن القرار  بيدكم سيادة الرئيس (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِى الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ)
نعم القرار بيدكم  بعد أن تشتت القوم وضاقت بشعبك السبل  الذي  يسعي للتغيير وحياة كريمة  ، وكان يأمل في معارضة جادة ولكنها تشتت ويشاهد ضربات  على أعلى مقدراته من القوات المسلحة ،  وهو قرار للتصالح مع النفس والذات فهم أبناء شعبك وأنت الراعي المسؤول عنهم  أمام الله إنه نعم المولى ونعم الوكيل.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.