كتبت مقالاً في جريدة القوات المسلحة عقب انقلاب / حركة / ثورة الانقاذ  مباشرةً عام 1989شارحاً معاناة الناس خلال الفترة السبقة التي امتدت بحكم مايو ستة عشرة عاما ولحقتها فترة الديمقراطية التي اُحيلت  الى انقسامات  وصرعات بين القوى السياسية وصلت لمرحلة الفوضى السياسية ، مما حتم الانقاذ ،ولكن سرعات ما تكشفت  الانقاذ بوجهها الذي أحال البلاد الى خمسة وعشرن عاماً عجاف فكان لا بد أن تتغير الرؤى  وتتبدل الأفكار حول هذا النظام  ،  وبعد  شهور فقط ، قصدت من هذه الظاهرة بأن الانسان العاقل هو القادر على التحرر من التعصب  أمام الأطروحات الأخرى وقد شاركني الكثيرين  في هذ النهج ليس في ظاهرة الانقاذ وانما في قضايا كثيرة،  وخاصةً المصيرية منها  لقضايا السودان وشعبه .وأخيراً عندما أعلنت الرئاسة فتح الحوار مع كافة القوى الوطنية امتلأت الساحة الاعلامية السودانية بزخم من النقاشات المتباعدة ، ولعل أهم ظواهره اختلاف قادة الانقاذ أنفسهم ومجادلاتهم بالتصدي لفئات تزعم بأنها هي التي أعدت الخطاب ، وأخرى تقول أنها شاركت فيه ، دون مراعاة أبسط قواعد الاحترام لرئيس الدولة  الذي نُسب اليه الطرح والخطاب. ثم توالت ردود الأفعال فمجموعة ترفض وترى في إسقاط النظام الحل الوحيد  وأخرى يتم ابعادها من الحوار وأخرى تلجأ للحوار الثنائي واخرى ترفع السلاح.
يحدث كل هذا من النخب السياسية على اختلاف أطيافها  ،، وشباب السودان يقدم كل يوم الغالي والنفيس  قرباناً لشعبه وعندما سقط العشرات صرعى وسط حمامات الدم في سبتمبر 2013 انبرت القيادة من المعارضين  خجلاً في استحياء   ، وربما يُقال أن هذه رؤياهم وهذا ما عندهم  ، ولكن ما قويت الانقاذ الا بضعف النخب السياسية والهرولة وراء المفاوضات والحوارات الثنائية ،  فمن يريد اسقاط النظام فسوف يجد جاهزية جماهيرية وقبولاً جماعياً ولا أحد يختلف معهم وحتى الذين يأملون في الاسقاط من الداخل فليتفق الناس على كلمة سواءبعد أن أعطتنا التجارب السابقة حقيقة واضحة باستحالة إقصاء الآخر والفشل الذريع لهيمنة الحزب الواحد والنظام الدكتاتوري. ولأنني عشت  أيام ثورة أكتوبر 1964 ببطولاتها  فالطريق للثورة الشعبية حاضراً من أجل التغيير.
أما عن  الطرح الحالي للحوار بين النخب السياسية فلا  بد أن يجمع  منظمات المجتمع المدني  كالنقابات والمهنيين وبصفة أساسية منظمات الشباب  التي بدأت حراكاً مباركاً وسط الطلاب ومن خلال الجمعيات الخيرية الشبابية ومن خلال تجمعات التواصل الإلكتروني الاجتماعي  والمطالبة بكف الأجهزة الأمنية عن ملاحقاتها والمطالبة بإلغاء كافة الأحكام الصادرة على شباب 2013 وهذه ليست مطالبات ولكنها شروط ملزمة للجميع  ودخول حاملي السلاح في مجموعة الحراك الوطني للحوار والوصول لاتفاقيات  لمستقبل شعب السودان . إن ما يدور اليوم على الساحة يدعو الى العجب من انقسامات  بين الأحزاب  وانقسامات داخل الأحزاب نفسها في وقت تتطلب فيه المرحلة الحالية توافق وتلاحم القوى الوطنية للخروج من هذا النفق المظلم الذي وصلنا اليه اليوم.
أقول هذا وأنا واحد من الناس أتوق لمستقبل مشرق لشعبنا الطيب وأمامي تجربة رائدة من خلال منتدى الجزيرة السنوي الذي  يقيمه كل عام مركز الجزيرة للدراسات بالدوحة ، بدعوة النخب من كافة البلدان العربية  والأفريقية والدول الأخرى في حوار يمكن وصفة بالحضاري  حول مائدة مستديرة تسع المئات وقد خُصصت  مداولات المنتدي العام قبل الماضي عن قضايا السودان  ، أما العام الماضي فقد تناول المنتدى ( أفريقيا  : تفاعلات الصراع وأفاق النهوض )ولعل أهم مداولات  وتوصيات المنتدي أجملها في الختام:  المناضل الأفريقي   الرئيس  ثامبو أمبيكي رئيس جنوب أفريقيا السابق والذي حدد فيه الموجهات لتنمية القارة  لتكون كلماته نبراساً  ونوراً ساطعاً   على شعوب القارة السمراء )
(أن التدخلات  الأجنبية  أضعفت قدراتنا  كأفارقة على ضمان  أمن  القارة لافتاً إلى أن أغلب الحروب  في القارة  هي حروب أهلية من أجل الوصول الى الموارد وأن السلام لن يتحقق في القارة إلا  بمعالجة التفاوت بين الفقراء والأغنياء وأنه لا يمكن تحقيق السلام في أفريقيا إلا  ببناء دول  قادرة وقوية  وشدد على حق الاتحاد الأفريقي  في التدخل في شؤون  دولة  إذا كانت الأوضاع  تحتم ذلك  مشيراً الى أن أغلب المشاكل في أفريقيا  لا  تحل إلا بفهم  العلاقة  بين السلام  والديمقراطية والتنمية ، وقال أمبيكي  أن كثيراً من القيادات الأفريقية بدأت تتفهم  العلاقة  القوية بين السلام والديمقراطية والتنمية وأن تحقيق الأمن والسلام  ضروري لخلق الظروف المناسبة  لنقل جماهير أفريقيا من الموت  والمعاناة نتيجة الصراعات  ، إلى التنمية والرخاء  كما أكد ضرورة  بذل الجهد المشترك  لتحقيق  رغبات مليار أفريقي  في الاستقرار  والتنمية  وتغيير الصورة النمطية  السلبية عن الأفارقة  على أساس أننا شعوب تحتاج إلى رعاية وإحسان من الآخرين .وأن أغلب الحروب كانت أهلية وليست بين الدول. ومن المهم إزالة الأفكار السلبية  بالإسراع في   وتيرة العمل  لإزالة أسباب التوترات  والنزاعات  في قارتنا ،  وأشاد إلى جهود الاتحاد الأفريقي في هذا الإطار  بعد توقيع العديد من الدول في توقيع بروتوكولات   لمعالجة وباء العنف  ،، وأكد أهمية تحقيق العدالة الاجتماعية وحل قضية الطبقية  في المجتمع الأفريقي واعادة تقسيم الثروة  وأن تكون هناك إرادة سياسية حقيقية لتقليل الفجوة بين الأغنياء والفقراء وضرورة العودة إلى المواطنة المشتركة وتحرير المرأة  الأفريقية وتمكينها من المشاركة لمستقبل أفضل. ,اشار إلى ضرورة بناء قدرات أفريقيا الخاصة  لفض النزاعات وحلها وعدم إعطاء الفرصة  للقوى الخارجية  للتدخل بدعوي دعم المصالحة مثل تدخل الناتو في 2011 الذي أضعف قدراتنا  وضرورة اعادة النظر بعلاقة  أفريقيا مع المحكمة الجنائية وشدد على الامكانات الاقتصادية لأفريقيا وأهمية التعاون المشترك   لنجعل من القرن  الواحد والعشرين قرناً أفريقياً وهو حلم يراود مليار أفريقي"
وهي خلاصة لنقاش   حواري اتسم بالتنظيم والرؤية الثاقبة للقادة الأفريقيين .
أما  منتدى هذا العام الذي سوف يقام الأسبوع القادم فسوف يناقش (إلى أين تتجه حركة التغيير في العالم العربي؟ ولعل أهم ما يميزه أن المنتدى قد أفرد  جانباً  منه للشباب  للتداول  والنقاش حول التغيير في بلادهم  بما فيها بلدان الربيع العربي. بالإضافة لما أعدته إدارة المنتدي ممثلة في مركز الجزيرة للدراسات.
لا أخالني أكثر الحديث عن مثالية التنظيم الحواري الذي يتميز بالشفافية   والصدق والحرية الكاملة في الطرح سواء من المحاضرين على المنصة أو المعقبين أو التوصيات التي يخرج بها المنتدي ولعل أبلغ مثال لها كلمات حكيم القارة أمبيكي.
إن نقل هذه التجربة من النواحي التنظيمية والدعوة الشاملة للحوار وعدم إقصاء الآخر والالتزام بأسلوب الحوار وأديباته  ربما تفتح الباب  لحوارات أخرى  داخل المؤسسات الحزبية  والحوارات الجامعة لكل الأطياف في السودان ، ولتُبث على الهواء مباشرةً حتى يعرف الناس كل الناس ما يدور حولهم وبشائر المستقبل سواء بحكومة انتقالية أو ما يرونه لمستقبل بلادهم  ،  وأن يقود النقاش  نخبة من حكماء الأمة الذين رضعوا من رحم الوطنية وبلادنا عامرة بهم ولا نريد أن نقترح البعض من هؤلاء الكرام حتى يعمد البعض الى الانصرافية بالاختلاف على الأسماء فهو متروك لوفاق الجميع عليهم . ولا نهدف لنقل تجربة خارجية  للمشاركة في تحديد مسارنا الوطني  ، فالسودان  والسودانيون أدرى بشعاب  السودان ،ولكنها تجربة رائدها  واحد من أبناء هذا الوطن أعتلى قيادة هذا المركز عن جدارة وأخذ يقدم العطاء تلو العطاء وهو  من رحم أهل السودان ومن أبناء دارفور  وهو الدكتور صلاح الدين الزين بمعنى أنه Made In the Republic of the Sudan ، بل اقترح أكثر من ذلك أن يقوم مركز الجزيرة للدراسات بإقامة منتدي الحوار الجامعبما لدية من امكانات ووسائل للنقل المباشر للسودانيين في الداخل والخارج  وفي قاعة كبرى أو ساحة  تسع المشاركين كتجربة أولى للحوار الحضاري ،خاصةً وأنه يضم نخبة من الباحثين والمفكرين ،  والى  سودان مشرق بإذن الله.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////