المياه لدول المصب عصب الحياة أمام النماء الإثيوبي
وأهمية فك رموز المعادلة الصعبة بحصيلة فكر علماء المياه .
إن سد النهضة الأثيوبي أصبح حقيقة والدولة الإثيوبية ماضية في طريقها في الإنشاء وبالإضافة لنشاط الشركتين الأساسيتين اللتين تقومان بالتشييد فإن المغتربين ورجال الأعمال الأثيوبيين يتسابقون في التبرعات السخية وفي الجانب الآخر نشاهد التخوف من المخاطر المتوقعة المائية والبيئة والبراكين والزلازل التي يراها علماء الجيولوجيا والتخوف من تقليل المياه المناسبة لدولتي المصب السودان ومصر.
وقد كان إعلان الدولة الأثيوبية ببدء  التشييد الفعلي في أبريل 2011 ليكتمل خلال 45 شهراً  ، الشرارة التي ألهبت كيان دولتي المصب وخاصةً مصر  لخوفها من انحسار حصصها من مياه النيل  ، وفقدان جزء من الطاقة الكهربائية ، ولكنه  كان نقطة البداية لصحوة من نوم عميق فالمشروع كما ذكرنا ليس وليد اليوم وانما من عام 1964 والمشروع ليس بدعة  إسرائيلية وانما دراسة أمريكية ،  وجدت نصيبها من البحث والدراسة من الخبراء الأثيوبيين  ، والمشروع كان طي الكتمان من الدولة الأثيوبية شأنه شأن الأبحاث النووية لبعض الدول لسنوات حتى اسموه مشروع xللمحافظة على السرية المطلقة .
بدأت المواجهات بالوعد والوعيد وإطلاق العبارات الرنانة ،  التي كانت وبالاً على مطلقيها من خلال التهديد بالقوة العسكرية وغيرها ، وانطلقت أجهزة الاعلام بالعنتريات التي يغرد أصحابها خارج السرب ،  وإثيوبيا ماضية في بناء سد النهضة ووجدها البعض وسيلة لأطروحات سياسية وتصفية حسابات ،  بل واتخاذ قرارات سيادية حتى لو كانت ضد مصالح شعوبهم  .
وتخمُد الصيحات  رويداً رويداً  ليعتلي صوت العلماء وخبراء المياه والموارد المائية والطاقة في الفترة الأخيرة  ، بعد أن اقصتهم بلادهم باتباع السياسة الرعناء بإحلال مبدأ الولاء بدلاً من الخبرات  ، فتلقفتهم المنظمات الدولية والإقليمية مستشارين لها بعد أن ضاقت عليهم بلادهم .نعم بدأت اصوات هؤلاء تطفو الى السطح ، لا لإسكات الآخرين بل لتوضيح الحقائق بالشفافية المطلوبة ،  واقتراح الحلول العملية لتضمن دولتي المصب حقوقها المشروعة في وفرة  المياه والطاقة وتضمن لدولة المنبع حقها في التنمية المستدامة وقد طرحنا جانباً من أراء هؤلاء العلماء  في هذه الدراسة لاطلاع القارئ على تصوراتهم البناءة  كما طرحنا أراء موطني الدول الثلاث من خلال النخب والاعلاميين حتى تصل المعلومة كاملة لأبناء وادي النيل.
إن  مشروع بناء سد النهضة الأثيوبي يُعتبر من المشاريع العملاقة في القارة الأفريقية وكان من الممكن أن يجد المباركة من الدول الثلاث لولا التفاعلات الكلامية عن طريق الاعلام ،  والتي زجت به في صراعات جانبية ، ولو تُرك الأمر لأصحاب المشورة من ذوي الاختصاص من علماء المياه والطاقة ،  ما كان ليصل الى ما وصل اليه اليوم من خلافات طابعها سياسي ومرجعها تصفية حسابات سابقة لن تفيد المواطن في الدول الثلاث.
لذا فلا  بد من لإشادة بجهد العلماء والاعلاميين من ذوي المعرفة بما أثروا به الساحة من عطاء فكري من الذين أشرنا اليهم في هذه الدراسة المتواضعة أو أغفلنا  بعضهم بغير قصد   ، وهو جهد نامل أن يستمر على الرغم من عذر البعض أن إثيوبيا تستفيد من الوقت مع العلم من أن الآخرين معرضون لإضاعة الوقت وفقدان المياه والطاقة .
ونرى اهمية الدراسة المعمقة والتنفيذ الفوري للمشاريع البديلة ، لفقدان المياه والطاقة مع التمسك بالحقوق المكتسبة  القانونية  والطبيعية  لأنها الحل للأجيال القادمة إذا وضعنا في الاعتبار تضاعف الكثافة السكانية والمتطلبات المتلاحقة للمياه والطاقة خلال السنوات والعقود القادمة ،  بدلاً من الركون للانهزامية  والتخلف عن التنمية في دول المصب هي نتائج سلبية سوف نورثها للأجيال القادمة 
ولعلنا نوجز بعض المؤشرات  لمستقبل الفترات للقادمة بإذن الله علها تساعد على طفرة انمائية وتضمن مسيرة الحياة ونبدأ بما بدأنا به بقوله الكريم :  ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) :-
1-    إن الدول الثلاث تعيش في دوامة الصراعات الداخلية ، بل امتد بعضها لحروب أهلية حصدت الملايين من البشر قتل وتشريد ونزوح ، مما يتطلب وضع نهاية لهذه الحروب  القاتلة والتصرفات الطائشة  ، والحق يُقال أن الدول الثلاث قد لعبت أدوار سلبية فاعلة  في تأجيج الصراعات وإزكاء نار الحروب الأهلية  ، ولسنا في مجال المحاسبة لهذه الدول فالأدلة دامغة والمطلوب ايقاف مثل هذه التصرفات التي لن تعود إلا بالندم والخسران على أصحابها ، ولن تقوم مشاريع إنمائية في ظل هذه الصراعات ، إن الصراعات الدائرة اليوم على قضايا ساخنة سوف تؤدي للانفجار في أي لحظة وقادرة على ايقاف عجلة التنمية كقضايا أببي وحلايب منطقة بني سنقول  السودانية الأثيوبية  وغيرها ، وأن حماية كل دولة على كيانها  يُعتبر من أعمال السيادة المطلقة لها.

2-    لقد طالت فترة الحروب الأهلية لسنوات وعقود على الرغم من مجهودات  الاتحاد الأفريقي وبعض الدول الصديقة والشقيقة  ، إلا أن الأمر  يزيد اشتعالاً يوماً بعد يوم ، مما يتطلب إخماد هذه الحروب والانقسامات الداخلية بالاعتراف بالرأي والرأي الآخر واحلال السلام داخل الدولة الذي يكون أساسه الديمقراطية والحريات العامة وحقوق الانسان   ، وإن قيادة دولة لا تستطيع تحقيق ذلك فليس أمامها إلا أن تترحل تاركة لغيرها  القيام  بالمهمة.
3-    التفكير الجاد من دول المصب السودان ومصر  للبحث عن البدائل لمياه العذبة والطاقة البديلة ، خاصةً وأن الدولتين تتفردا بخاصية باستغلال مياه البحر  لغرضين مزدوجين توفير الطاقة وتحلية المياه ،  وعلى الرغم من التكلفة العالية لهذه المشاريع إلا أن ما يتم صرفه الآن على الحروب الأهلية والأجهزة الأمنية والانقسامات السياسية الداخلية ، يفوق تكلفة هذه المشاريع التي ستوفر المياه والطاقة. مع التمسك بالحقوق المكتسبة للمياه.

4-    إن التطور والنماء يرتبط أساساً بتطور الطاقات البشرية وخاصةً من الشباب ومن الجنسين في الدول الثلاث   وذلك بفتح مجالات البحوث العلمية وتوسيعها ورصد الأموال الضائعة من خلال التسيب والفساد والمحسوبية لمشاريع بناءة  تهدف لتنمية الانسان الذي كرمه الله على المخلوقات والتقيد بمبدأ الخبرة والمؤهل قبل الولاء للشباب للانخراط في مشاريع التنمية في بلادهم.
5-    المبادرة الفورية بإجراء الدراسات للمشاريع التي تقوم بها بعض دول المنبع  كسد كروما  في أوغندا ،على النيل الأبيض والسدود الأخرى التي تنوي إثيوبيا تشييدها على النيل الأزرق  ، والتي سوف تؤدي لفاقد من المياه  واتخاذ الخطوات الكفيلة لضمان وصول الحصص التي تضمن وفرة مياه نهر النيل للسودان ومصر .
6-    أهمية قيام المجلس القومي لبحوث المياه والموارد المائية والطاقة  للدول الثلاث إثيوبيا والسودان ومصر  ، كهيئة بحثية واستشارية للحكومات  الثلاث مع تكليفها بدراسة كافة مشاريع المياه والطاقة الحالية أو المتوقعة  مستقبلاً  ، وذلك وفق اتفاقيات مُلزمة بطرح المشاريع الجديدة على المجلس مسبقاً من كل دولة والتي تخضع للدراسة  وتقديمها للحكومات الثلاث للموافقة الاختيارية. مع الاستفادة من مراكز البحوث الحالية والاستفادة من المنظمات الدولية في هذا الشأن والتمويل من الدول الصديقة.
7-    أن تبادر دولة السودان التي تستضيف ألاف اللاجئين الإثيوبيين في شرق السودان ، بالتعاون مع منظمات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومساعدة مصر المالية والعينية بفتح مدارس لهؤلاء اللاجئين  بدءاً من محو الأمية   وكذلك مراكز التأهيل المهني  خاصةً وأن دولاً كثيرة  لديها الرغبة في المساهمة في هذا الجهد وهذا المشروع ،  الذي يُهدف أيضاً الى بث روح التكافل  وحسن النية ويعود على الأثيوبيين بالخير ويكون مجالاً لفتح العلاقات الطيبة بين شعوب الدول الثلاث.

8-    ربما يجول بخاطر السياسيين  وأصحاب القرار في السودان ومصر أهمية التعويل على الأنظمة السياسية الحالية والقابلة للتغيير على مدار الزمن القادم  بفعل شعوبها  فهو امر فاقد التعويل عليه ،  فالسودان مثلاً على الرغم من قراره بالموافقة على بناء السد وفقاًٌ لقرار السيد/ رئيس الجمهورية ،   ولكن في حالة تغيير الوضع السياسي في السودان مثلاً ، فإن البديل في هذه الحالة المعارضة السودانية بأطيافها المختلفة التي وجدت في الدولة الأثيوبية طوال فترة الحكم الحالي  وما سبقه من حكومات عسكرية الملاذ الوحيد لممارسة نشطاها ضد الحكم والأنظمة في السودان وحتى التحركات العسكرية  ، لذا فإن المعارضة التي ربما سوف تنتقل الى الحكم في المستقبل المنظور هي حليف لإثيوبيا أيضاً   ، الأمر الذي لا يمكن التعويل عليه في  صراع المصالح على بناء سد النهضة الأثيوبي.
ويتمثل الحل الأمثل  بالرجوع لمشورة العلماء  وخبراء المياه  والطاقة لضمان وفرة المياه للسودان ومصر على أساس  التوافق اختيارياً بين الدول الثلاث.

9-    إن من أهم مداخل التنمية والتطور في الدول الثلاث شأنها والدول الأفريقية الأخرى   تكمن في الاستقرار  والسلام المستدام  وايقاف الحروب الأهلية الطاحنة والخلافات السياسية  الداخلية التي لعبت دوراً أساسياً  في تعطيل عجلة التطور في البلدان الثلاث لسنوات  وكذلك عدم فتح الباب للتدخلات الأجنبية ولأثارها السلبية  ، والتهرب من حق الشعوب  في الديمقراطية والحريات العامة ،  وكل هذه العوامل السلبية لن تساعد على النقاشات والتفاوض البناء في القضايا المصيرية قبل  تحقيق السلام  والديمقراطية  التي تقود الى التنمية  ومن خلالها  ، ينفتح الباب لعرض القضايا المشتركة بشفافية تقود للتوافق والوئام .


10-     الاقتناع التام بدور الشباب في الدول الثلاث  بأنهم أصحاب المصلحة الحقيقية بحكم الزمن وترسيخ مفاهيم  الوطنية الصادقة في نفوسهم والولاء لأوطانهم مع حب الخير لجيرانهم،  وفتح الباب لهم للمشاركة الفاعلة حتى في مجال البحوث والدراسات ، ومشروع كسد النهضة الأثيوبي  من المشاريع التي تتطلب الدراسة الميدانية ،  و تتطلب جهداً فكرياً  وجسدياً في التحرك عبر مواقع التشييد والتنفيذ لبناء السد  ، والدراسة المعمقة الميدانية للآثار السلبية والطرح الصادق للإيجابيات ، خلافاً للعلماء والباحثين الذين يعتمدون على الاحصائيات والبحوث ، الأمر الذي  يجعل من مجهودات هؤلاء الشباب إضافة تكاملية لكل باحث وعالم والانتقال بهم  لمرحلة الباحثين كرصيد علمي للدول الثلاث  ومن خلال منظمة تضمهم  وبأشراف لفيف من العلماء  وتمويل من أصحاب القرار والمنظمات الاقليمية والدولية.
11-    أهمية الاعتراف من الدول الثلاثة إثيوبيا والسودان ومصر بوجود قضية خلافية  حول بناء سد النهضة الإثيوبي مع الشروع الفعلي  من جانب جمهورية إثيوبيا في التشييد والبناء،  والقناعة التامة بأنه يمثل قضية مصير  ومستقبل لنماء الدولة الإثيوبية ، واتفاق  علماء السودان على الموافقة على بناء السد وتقديم الضمانات العلمية  بوفرة المياه للأراضي السودانية بعد قيام سد النهضة وعدم توقعات لأخطار بيئية أو على السكان وتقديم الأدلة العلمية التي تثبت ان السودان دولة منبع  وممر لمياه النيل وبالأدلة العلمية لا بالخطب الرنانة  ، اما بالنسبة لمصر فالتوقع بالضرر واقع لا  محالة بتقليل كميات المياه المنسابة عبر النيل وبالتالي تقليل الطاقة الكهربائية وهي حقوق مشروعة لمصر فالخر واقع لا  محالة، لذا فليس امامها إلا البحث عن البدائل لفاقد المياه والطاقة من خلال مشاريع طرحناها في هذه المقالات ، وفي نفس الوقت البحث العلمي والمعمق مع الدولة الإثيوبية للوصول للحد الأدنى من  الأخطار المتوقعة  من فاقد المياه ،اما اللجوء الى القضاء الدولي فهو حق مكفول ولكنه محفوف بالمخاطر ، خاصة بعد أن اختلطت الأمور بين القرارات السياسية والعدلية حتى في المحافل الدولية ونورد فيما يلي  مثال لذلك : ففي نزاع مائي اخر مشهور، تنحي القضاة عن منصتهم ، (المعروفة بال Bench) ليفسحوا الطريق أمام "قاض " من منتسبي العلوم ، (لم يكن سوي جهاز حاسوب أصم وأبكم، بل وتناظري-- Analogue -- فما كانت وقتها الحواسيب الرقمية متوفرة) ليفصل في نزاع عام1960 بين ولايتي كنساس ونبراسكا الأمريكيتين حول :  احتمال تسبب سحب مياه الآبار لري مشروع نبراسكا الزراعي في اعاقة.
12-     أهمية ايجاد حلول توافقية  للخلافات الحدودية المفتوحة والأثار البيئية على سكان هذه المناطق مع معاناة الشعوب من التهجير القسري الذي عانى منه أهل السودان في الشمال عند قيام السد العالي  وأهل مصر في جنوبها  والنظر بروح صادقة وأمينة لسكان منطقة بن سنقول والبحث الجاد لدراسة أوضاعهم بعد قيام سد النهضة.
ويتضح مدي أهمية التسوية في هذه القضية بالتراضي بين الدول الثلاثة وفق اتفاق ملزم لكافة الأطراف  حفاظاً على حقوقها المشروعة والاستناد الى رؤى العلماء. خاصة فإن دول المصب لن تفرط في حقوقها المائية
خلاصة القول اننا مقبلون على مرحلة مصيرية لشعوب هذه المنطقة أمام طموحات دولة من دول حوض النيل ترى أن الطريق الوحيد لتطورها ، واعداد مستقبل زاهر لشعبها في بناء سد النهضة الأثيوبي ، مما يتطلب النظر في البديل ببناء السدود الصغير كما أوضحنا كبديل لسد النهضة ودراساته موجودة ، وحتى لا تُحرم إثيوبيا من مسيرتها في التنمية والنماء ، و إن دولتي   ( السودان  ومصر ) تخشيان من عدم وفرة المياه المقررة لهما واحتمالية الأخطار البيئية من بناء سد النهضة،  بالإضافة للمخاطر التي صرح بها الجيولوجيون عن احتمال الزلازل المتوقعة التي قد تصل لمنطقة القرن الأفريقي ومكة المكرمة ،  ولكنها تظل أراء تحتاج  لبحوث معمقة حتى تثبُت حقيقتها،  وكل هذه الأخطار والتوقعات سوف تُضاعف مسؤولية علماء المياه والطاقة والجيولوجيا  لإيجاد بدائل للمياه والطاقة والعمل على درء الأخطار  مع ضمان انسياب مياه النهر الخالد وخطورة القرارات الصعبة  ، إذ أن فقدان المياه يعني فقدان الحياة  وتفادي مقولة حرب المياه .
وأن أهمية وفرة المياه للسودان ومصر ضرورة مطلقة والدولة الإثيوبية من حقها التنمية والتطور ببناء  سد النهضة  مع  مراعاة حقوق دولتي المصب من وفرة المياه المقررة وفقاً للاتفاقيات المبرمة ، ودرء الأخطار المتوقعة ، وأن الطريق للتوافق بالاستماع لمشورة علماء المياه واتخاذ القرارات السليمة التي تضمن أمن ورخاء الدول الثلاث . وبالله التوفيق.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////