كلمات عبر سد النهضة الإثيوبي – الحلقة الثالثة

إسماعيل عبدالحميد شمس الدين – مقيم  في قطر

البدائل من فاقد المياه والطاقة الكهربائية بعد قيام سد النهضة الإثيوبي


في خضم الأحداث السياسية الجارية في مصر خلال السنوات الثلاثة الأخيرة وبدءاً من اقدام أثيوبيا على بناء سد النهضة  ، خرج العلماء المصريون من غفوتهم ليقولوا كلمتهم  بعد أن تركوا الساحة ليجول فيها أصحاب الحماسة والعنتريات حفاظاً على مقدراتهم ومستقبل أجيالهم والحفاظ على أغلى ما يملكون في الوجود من مياه النيل الخالد، ،  الأمر الذي حول النقاشات الى حلبات صراع وتحدي ، وكذلك الحيرة من المواطن السوداني الذي يجول حول التصريحات التي لا تُجمع على رأي واحد والدولة.  والدولة الأثيوبية ماضية في مشروعها في بناء سد النهضة .    
فاهو الدكتور فاروق الباز العالم المعروف ومدير مركز الاستشعار عن بُعد في جامعة بوسطن الأمريكية ،  في مشاركة له في ندوة  بالجامعة الأمريكية بالقاهرة  يبادر بالقول : ( أن تساعد مصر أثيوبيا في بناء السد واشترط أن تلتزم أثيوبيا  بملء خزانات السد على مراحل تمتد 15 عاما قادمة ، بدلاً من تصريحات بضرب اثيوبيا بالطائرات ،وضرورة أن تسلك مصر الطرق الدبلوماسية  بالتنسيق مع دولة السودان ،مع ضرورة الاهتمام بالعلم والمعرفة ، وحذر  من اهتمام الدولة على أهل الثقة دون أهل الخبرة ).
ولقد تقاربت رؤى علماء السودان على مبدأ ضمان جريان مياه النيل وفق الحصص المتفق عليها ، ولكن أمام إصرار الدولة الإثيوبية في المضي في بناء سد النهضة فلا  بد من البحث عن بدائل فاعلة  لفاقد المياه والطاقة الكهربائية ومن خلال الحلول المطروحة نستعرض البدائل التالية وسوف نستعرض في هذه الحلقة البدائل للطاقة الكهربائية اما البدائل لفاقد المياه ففي الحلقة القادمة ( الرابعة ):-
أولاً  :البدائل للطاقة الكهربائية وأهمية بناء المفاعلات النوية للطاقة السلمية
من المعلوم أنه من الممكن ايجاد بدائل للطاقة الكهربائية  بعكس المياه التي من الصعب تعويضها خاصةً إذا كانت تشكل عصب الحياة لشعوب المنطقة  من دول المصب جنوب السودان والسودان ومصر إلا من خلال مشاريع تحويلية  ،كتحلية المياه وغيرها  ، وربما كانت المشاريع المقترحة  المعلنة في أثيوبيا وأوغندا  والكنغو الديمقراطية  تشكل رافداً للطاقة  الكهربائية  للدول الثلاثة حسب رواية الخبراء كسد النهضة الأثيوبي وسد  كاروما وتحويل مجري نهر الكنغو ،   وفي سعينا  من خلال هذه المقالات ،   نرى أن الأمر ،  يحتاج  لنتائج دراسات  وبحوث الخبراء الجيولوجيين  وخبراء المياه والطاقة الكهربائية والطاقات البديلة  ، ومع ذلك نورد النقاط التالية علها تأتينا ببصيص من الضوء  من هذا النفق المظلم  لهذه المشاريع  التي لا تزال تأخذ نصيبها من الجدل  من أهل المعرفة والمغردين خارج السرب.
1-     أهمية  أن تبدأ  شعوب المنطقة في الدول الثلاثة  بالعمل وبصورة فاعلة لترشيد هدر  المياه  والاستهلاك الكهربائي  ،علماً بأن نسبة الزيادة في الاحتياجات تتزايد كل عام بفعل زيادة عدد السكان وقيام المشاريع الصناعية والزراعية ومشاريع البنية التحتية.
2-     لقد استطاعت دول هذه المنطقة اقامة سدود وخزانات لتوليد الطاقة الكهربائية وكان من الممكن أن يكون لها دورها في دفع عجلة التنمية وتلبية طلبات شعوبها بعد قيام كل مشروع ، ولكن لغياب التقنيات العالية  ، وغياب الإعداد المبكر للكوادر  الفنية على ضوء خطط استراتيجية لتتزامن ونهاية الفترات التعليمية والتدريبية مع بداية التشغيل الفعلي لكل مشروع  ، أدى الى تعسر الحصول على النتائج المرجوة ،   وهذا ما فطنت اليه الدول الأسيوية  والتي تسمى بالنمور  والتي استطاعت في خلال سنوات وكذلك الهند  وإحداث طفرة تقنية واعداد كوادر مؤهلة ومدربة تقنياً مما يحتم كسر الحواجز لاختراق التقنيات العالية من خلال  التدريب والتطوير  الممنهج  والهادف.

3-    لقد أضاعت دول المصب عقوداً من الزمن  بانشغالها في حروب طاحنة سواء كانت  حدودية أو أهلية  ، أو لقضايا تراها مصيرية ،  فكانت النتائج أن توقفت عجلة الزمن  بل تردت الى الوراء  تاركة شعوبها  في تخلُف وحرمان وضياع  ، وسقوط الملايين من ضحايا  هذه الحروب قتلى وجرحى ومقعدين ،  مع  الهدر الكامل للأموال التي كانت كفيلة في انعاش اقتصاداتها،  الأمر الذي يتطلب الاعتراف بالأخطاء والنظر الى المستقبل برؤى مشرقة  أساسها الاستقرار والسلام  لشعوبها   ، والاستغلال الأمثل للطاقات البشرية تدريباً وتأهيلاً لتحمُل مسؤولياتها في التنمية المستدامة والاعتراف بأن المجتمع الآمن المستقر هو القادر  بعون الله على الحصول على الماء والطاقة الكهربائية التي تعينه لتحقيق أهدافه.
4-     تكمن بدائل الطاقة البديلة بصورة أساسية في توليد الطاقة النووية  السلمية التي تخدم غرضاً مزدوجا للسودان ومصر بتوليد الطاقة الكهربائية وتحلية المياه من البحر الأحمر في السودان والبحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر في مصر  ، وكانت مصر قد قطعت شوطاً  في هذا الجانب من عام 1963 متزامناً مع جمهورية الهند أبان حكم جواهر لال نهرو فنجحت الهند في توليد الطاقة النووية  السلمية وغير السلمية  ، وبقت مصر في مكانها   بسبب انشغالها بالحروب وخلافاتها السياسية مع الحكومة الأمريكية وانسحاب الشركات الأمريكية بصور متتالية  ،  . أما السودان فقد ظلت مشاريعه التقنية طي الكتمان  حتى على أهله ولا يعلم الناس عنها شيئاً إلا من خلال الضربات الجوية والتي اشهرها مصنع الشفا بالخرطوم بحري  واليرموك في الخرطوم.
لقد كانت مصر  من أوائل الدول النامية، التي فطنت منذ بداية الستينيات إلى أهمية أن يكون لها برنامج نووي يعنى باستخدام الطاقة النووية لأغراض سلمية، كما ذكرنا    من خلال المحاولات التالية:                                                                                                                                                                            
أ‌-    كان هدف المشروع ليكون أول محطة في العالم ذات استخدام مزدوج، تعمل لتوليد. الطاقة الكهربائية  وتحلية المياه  ، ولكن للأسف سقط المشروع بعد حرب النكسة 1967 لانسحاب الشركة الأمريكية. والمقاطعة الأمريكية لمصر.

ب‌-    أعادت مصر  المحاولة مرة أخرى  بعد حرب العبور 1973 ووضعت المشاريع لإقامة 8 محطات نووية بموافقة الولايات المتحدة الأمريكية  التي اشترطت إخضاع المحطات النووية المصرية للتفتيش الدولي والتوقيع على اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية ووضعت مصر شرطاً بقبول إسرائيل بالاتفاقية ورفضت إسرائيل فكان أن تم إجهاض المشروع في مهده.
ت‌-    كانت المحاولة الثالثة جادة أمام  إصرار العلماء المصريين وخبراء البترول والطاقة عام 1981 وبعد إجراء الدراسات المطلوبة والبدء في التنفيذ  ولكن صادف انفجار مفاعل  شورنوبل الذي حول أنظار العالم لخطورة هذه المفاعلات قتم إلغاء المشروع.
ث‌-    تمت دراسة واسعة لإمكانات مساهمة التصنيع المحلي في بناء المحطة النووية، شارك فيها خبراء كنديون ومصريون، وأكدوا بعد مسح شامل لقدرات مصر الصناعية، أن التصنيع المحلي يستطيع أن يُسهم بنسبة عالية في تصنيع المحطات إذا ما تم إدخال نظم حديثة لمراقبة الجودة في بعض المصانع المصرية. كما نشطت أحد هيئات المواد النووية في عملية مسح جيولوجي واسع للصحراوات مصر بحثاً عن إمكانات وجود يورانيوم، انتهت إلي إمكان استخلاص اليورانيوم من الجرانيت الوردي الذي يتوافر بكميات هائلة في الطريق بين قنا وسفاجا، وفي منطقة أسوان، وبعض صخور الفوسفات في مناطق البحر الأحمر، وأماكن أخرى. بما يُمكن مصر من الحصول علي 45 طن من خام اليورانيوم في العام.

ج‌-    من المؤكد بالنسبة لمصر أنها  لا  تبدأ من الفراغ لأنها سوف تُبني علي جهود كثيرة سابقة، حيث وفرت لمصر قاعدة مهمة من المعرفة النووية تجعلها أكثر قدرة علي تحديد احتياجاتها الحقيقية من الطاقة النووية، وتُمكنها من حُسن المفاضلة والاختيار الصحيح بين البدائل المختلفة، كما تُمكنها من توفير فريق عمل متكامل من العلماء والخبراء المتخصصين في مجالات الرياضيات الحديثة والفيزياء النووية والكيمياء والجيولوجيا والهندسة النووية يجعلها في موضع القدرة علي استئناف برنامجها النووي.


ح‌-    تمكنت مصر من تحقيق عدد من الإنجازات العلمية والبحثية في مجالات استخدام الطاقة النووية لمقاومة الآفات الزراعية. كما تمكنت من استخدام النظائر المُشعة في عدد من الصناعات المهمة لتحسين جودة الإنتاج خصوصاً في مجال صناعة الصلب. فضلاً عن ذلك استطاعت مصر أن تحصر إمكاناتها المحلية للمساهمة في تصنيع  محطة نووية من خلال مسح شامل لأكثر من 43 مؤسسة صناعية مصرية. كما استطاعت مصر من عقد اتفاقيات كثيرة مع دول العالم المتقدم في توريد اليورانيوم المخصب اللازم لدورة الوقود النووي في محطة سيدي كرير والضبعة ولا يزال سارياً حتي الآن وبالتعاون مع وكالة الطاقة الذرية. وتم تجهيز أجزاء مهمة من البنية الأساسية للمكان.
خ‌-    تواجه عملية إحياء البرنامج النووي المصري مشاكل كثيرة تتعلق بالتدخل الدولي المتزايد  في الداخل المصري  بدعوي الرقابة علي أنشطتها النووية، أو بدعوي ضمانات التمويل التي يحتاجها مشروع ضخم تصل فيه تكلفة المحطة الواحدة إلي ما يجاوز المليارين دولار. وبالنظر لفترة المخاض التي تعيشها مصر الآن من خلافات سياسية أدت الى تصدع الدولة والشعب وسط الخلافات الدينية والسياسية ، إلا أنه  تبدو في الأفق  ميلاد دولة جديدة  تعيد لمصر وضعها الطبيعي  وأهمية إنشاء المفاعلات النووية للأغراض السلمية مع اقتناع العالم بذلك واحتياجات مصر لها. مع التطور في هذا المجال .

5-    إن بناء سد النهضة أصبح حقيقة واضحة بعد أن شرعت الدولة الأثيوبية في التشييد والبناء وجعلته هدفاً لمستقبلها وحياة شعبها ، ومن المهم ضمان سريان المياه لدولتي  المصب  مصر والسودان والحفاظ على حصصها التي أقرتها المواثيق الدولية  ، والموافقة الاختيارية بين الدول الأربعة ( أثيوبيا  ،جنوب السودان ، السودان  ومصر  ) وفي نفس الوقت البحث عن البدائل  للمياه والطاقة الكهربائية ،  ولعل البديل الأمثل متوفر لدولتي المصب  مصر والسودان لتوفر مياه البحار بمشاريع التحلية ووفرة العلماء والمتخصصين  في مجال المياه والطاقة الكهربائية والنووية  .

6-    أما السودان  فعلى الرغم من وفرة الخبراء ،  إلا أن معظمهم  اضطرته  الهجرة الى الخارج بعد أن  ضاقت بهم  سبل العيش والعمل بحرية وبعد إحلال مبدأ  الولاء قبل الخبرة والمؤهل   ، حتى في المجالات التقنية والعلمية المتخصصة إلا أن هؤلاء  بولائهم الوطني على استعداد للعودة متى زالت العوائق السياسية التي تعيق أعمالهم وطموحاتهم .

7-    وماالذي يمنع من التوقيع  على اتفاقية حظر الانتشار النووي طالما أن المشاريع تهدف للطاقة النووية السلمية ، والاصرار على عدم التوقيع سوف يكون  الخاسر أولاً وأخيراً دولنا وشعوبنا  وإدمان السياسيون في الحروب الأهلية والخلافات السياسية ، عليه فقد آن الأوان  اليوم قبل الغد  ،  أن تخطو دول المصب  السودان ومصر  خطوات عملية لبناء مفاعلاتها النووية  ذات الأغراض السلمية  ،  وتبحث عن مصادر التمويل  والاعداد الفعلي للكوادر البشرية ،خاصةً وأنها سوف تخدم غرضين تحلية المياه وتوليد الطاقة الكهربائية  وحبذا لو كانت مشاريع مشتركة بين دولتين مثلاً مصر والسودان خاصةً وأن  الأسبقية يصعب اختيارها أمام حاجة الشعوب للمياه والطاقة في نفس الوقت.

والى الحلقة التالية
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.