سد النهضة الأثيوبي أحقية دول المصب من المياه والطاقة وأحقية إثيوبيا للتطور والنماء

Grand  Ethiopian  Renaissance   Dam

إسماعيل عبدالحميد شمس الدين – مقيم في قطر

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الحلقة الأولى
عزمت  جمهورية أثيوبيا على بناء سد الألفية ( سد النهر العظيم ) ،  ونظراً  لما شاب هذا المشروع من ضجيج اعلامي وسياسي فكان  لا بد من وضعه في مكانه الطبيعي وسط نقاش علمي وموضوعي  ، لاستنباط أثاره على شعبي وادي النيل السودان ومصر ومزاياه  على دولة وشعب أثيوبيا بعيداً عن التشنج  الذي صاحب الفترة الماضية وتهميش دور وأراء علماء المياه  ، بعد أن أصبح  هذا السد حقيقة واقعة .        وسوف نحاول هذه المقالات التي لا نسميها دراسة إلقاء الضوء على كافة الآراء المختلفة واخضعها للبحث والمقارنة بهدف الوصول  لأماني الشعوب الثلاثة في وفرة المياه والطاقة   ، والتطور لدولة إثيوبيا  بعد أن هدأت العواصف وبدأ ظهور صوت العلماء يعلو من النفق المظلم من خلال حلقات متتالية .
قال تعالى ( وجعلنا  من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون ) نعم أمنا وشهدنا بأننا مسلمون ، والماء مقدس في جميع الأديان السماوية ،وهو مصدر حياتنا، وقد أنعم الله  علينا بنعمته بنيل جارى عبر المسافات البعيدة  من بحيرة  فكتوريا على حدود  كل من أوغندا وتنزانيا وكينا  ، مروراً بدول المنبع التي تشترك فيها  الكنغو الديمقراطية  وروندا وبورندي  وأرتيريا  وأثيوبيا وجنوب السودان ،  ليعانق  جريان النيل من بحيرة تانا  من أثيوبيا  النيل الأبيض من بحيرة فكتوريا  ،  ثم يتعانق المجريان ( النيل الأبيض والنيل الأزرق ) بقدرة الله  في مقرن الخرطوم وليكونا النيل الرئيسي عبر أراضي السودان ومصر وحتى المصب في البحر الأبيض المتوسط مع وجود منابع ومصبات وأراضي  جميعها تحكي عن عظمة الخالق الجبار.
وان من أهم  عوامل الحفاظ على المياه العذبة الحفاظ عليها من الهدر والتلوث يكمن في  بناء السدود  ،ويحدثنا التاريخ عن المشاريع الضخمة التي قام بها بنو البشر للحفاظ على المياه العذبة عن طريق بناء السدود والخزانات وقد تميزت بها منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا .
أما عن التقاء النيلين في العاصمة الخرطوم النيل الأبيض والأزرق وفي انسجام  تام  بقدرة الخالق سبحانه وتعالى  ، معانقان جزيرة توتي العريقة  بأرضها وسكانها الطيبين  في رحلة العطاء عبر أراضي السودان  والى مصر ،ولمنطقة المصب في الإسكندرية فهي رحلة مباركة  لا يملك  المشاهد الا أن يقول سبحان الله . ولعل كلمات الشاعر السوداني الراحل المقيم التيجاني يوسف بشير في قصيدته الخالدة (وفي ديون اشراقة ) تظل أجمل تعبير عن  رحلة العطاء لنيلنا العظيم  فيأبيات  نسطر منها:-
أَنتَ يا نَيل يا سَليل الفَراديس
نَبيل مُوَفق في مَسابك
ملء وأفاضك الجَلال فَمَرحى
بِالجَلال المفضي مِن أَنسابك
حَضَنتك الأَملاك في جَنة الخُ
لد وَرقت عَلى وَضيء عبابك
وَأَمدت عَلَيك أَجنِحَة خَُضرا
ء وَأَضفَت ثِيابَها في رِحابك
فَتَحدرت في الزَمان وَأَفرَغَت
عَلى الشَرق جَنة مِن رِضابك
الي آخر القصيدة في ديون اشراقه للتيجاني يوسف بشير.
الا أننا  نسمع صوتاً من جانب المنبع الذي يُغذي النيل الرئيسي  بنسبة 86% من أرض أثيوبيا هو صوت  الشاعر هايلو يوهانسيقول مخاطباً النيل الأزرق بعبارات  مختلفة وممزوجة بمعاناة شعبه:
لو أن لديك عيوناً ترى
يا نهر أبباي يا أيها الخامل
لكنت رأيت ولو للحظة
ذلك الرجل يكاد يحترق من العطش
لكنك هجرته  وذهبت الى أماكن أخرى
وهي ترجمة صادقة عن حال  الأثيوبيين الذين عانوا من الجفاف والجوع والتشريد والمياه نابعة من أراضيهم وتتدفق هدراً عطاءاً لدول المصب.
والدولة الإثيوبية بهذه العراقة والتاريخ  الحافل وعلى الرغم من أنها دولة غير منتجة للنفط ولكنها تعتبر من أسرع الدول نمواً في أفريقيا ، ولكن الناتج المحلي الإجمالي  يعتبر الأقل عالمياً  ،   فكان  لابد أن تدق ناقوس الخطر لانتشال شعبها من الضياع والتشريد والفقر والمجاعات والجفاف  ، و أن تزيح عن أبناء شعبها نساءً ، ورجالاً  العمالة المهينة في دول الجوار ودول الخليج وبعض دول العالم   ،، والتألق في ثبات نحو نهضة عمرانية ،   وكما هو معلوم فإن  من أهم الأمور المتميزة في إظهار  مقدار التطور والرُقي في مجال المياه  وسبل استغلالها هي بناء السدود  وخزانات المياه ،  فكان مشروع سد النهضة الأثيوبي كواحد من هذه الانجازات المتوقعة بعد  ضمان حصولها على العائد من بناء هذا السد وبعد وضع التحوطات لضمان حصص المياه لدول المصب .
وسد النهضة الأثيوبي يتم تشييده في منطقة بني سنقول، قماز –  وعلى بعد 20 كم  من الحدود السودانية ،،  وعلى المجرى المائي للنيل الأزرق ويهدف إلى زيادة الطاقة الانتاجية الكهربائية  وبتكلفة 8و4 مليار دولار أمريكي  ،  وهو ثقلي خرصاني وارتفاع الحاجز(145متر) وطول الحاجز (1800متر)  ، والطاقة الانتاجية 6آلاف ميجا واط وانتاجه السنوي 15 مليار كيلو واط ولا يزال قيد البناء  ، ومن المتوقع أن ينتهي التشييد خلال (44 شهراً  ) من تاريخ وضع حجر الأساس في أبريل 2011 .                                 
ومشروع بهذا الحجم سوف ينتشل الدولة  الأثيوبية من التخلف لمرحة متقدمة من التطور وسوف  يكون دافعا لوحدة الشعب الأثيوبي  ويدر عطائه على دول الجوار خاصةً  في توفير  الطاقة الكهربائية من توفيرها  لشعبي دول المصب  ،، حسب توقعات الخبراء،  وكان من المفترض  أن تبارك  دولتا المصب السودان ومصر المشروع ، ومن ثم تبحث مع الدولة الأثيوبية الآثار السلبية  على كل دولة  بعد الحصول على الضمانات لوصول حصة المياه ، ولكننا وللأسفوجدنا ضجيجاً إعلامياً محموماً  بعيداً عن المؤسسية فانبرى المبادرون في دولتي المصب من الاعلاميين والسياسيين يطلقون التصريحات التي لا تُغني عن جوع  وكلٌ يغرد خارج السرب بعيداً عن مزايا هذا المشروع  وعائده للدولتين ، وبالطبع ارتفعت الأصوات لاتهام  إسرائيل بقيام سد النهضة الأثيوبي  ، إلا أن الأمر  يتطلب التفاكُر في عقلانية وهدوء من خلال النقاط التالية:-
1-بناء السدود ليست  بدعة أثيوبية فالتاريخ  يحدثنا عن   سدود  شعب الرافدين  قبل الميلاد وسد مأرب الذي جاء ذكره في القرآن الكريم  ، وتطوير وسائل الإرواء على نهر الفرات ( النهروان) وإبداعات العرب في الأندلس وحالياً  في دول المصب  ففي مصر السد العالي  والقناطر الخيرية ، وفي السودان (سد مروي  وسد نهر عطبرة وستيت  والروصيرص   وخزان جبا الأولياء – وخزان سنار  وخزان خشم القربة)  ، فما الذي يحرم أثيوبيا من بناء السدود ؟وقالها شاعر النيل  أحمد شوقي الذي أرتوي  من الأزرق والأبيض                                                                      
أحرام على بلابله الدوح    خلال   للطير من كل جنس.
2- سد النهضة الأثيوبي  ليس وليد الساعة فعودة إلى الوراء لتقرير دائرة الاصلاح الأمريكية للدارسة الخاصة بالنيل الأزرق خلال الأعوام 1956 – 1964  ، إذ  اقترحت الدراسة  الأمريكية بناء هذا السد   .    فأين كان خُبراء المياه طوال هذه الفترة عندما وُلد  السد مشروعاً فقط ؟
فقامت الحكومة الأثيوبية بالمسح عام 2009 وفي نوفمبر 2010 تم الفراغ من التصميم النهائي وفي مارس2011 تم الاعلان رسمياً عن المشروع حيث كان يُسمى أنداك (   X) خوفاً من الضجيج ، وفي أبريل 2011   ، وتم وضع حجر الأساس فأين كان المنادون بإيقاف التنفيذ بعد أن وصل مرحلة متقدمة من التنفيذ   ، بل تمادوا  بالتهديد لضربه إذا قام؟



3- أعلنت الحكومة الأثيوبية بأنها سوف تتكفل  بالتمويل وتهافتت الدول -عدا دول المصب للمشاركة في العطاءات ، واللتان  كانتا من الممكن أن تشاركا بالخبراء والعمالة المؤهلة وشحنات الإسمنت والحديد وغيرها من المواد الخام والاستفادة من العملات الصعبة ،  فدخلت البنوك الصينية بتمويل  المعدات الكهربائية بمبلغ 8و1 مليار دولار أمريكي وفازت شركة (Saline ) الايطالية بالنصيب الأكبر من التنفيذ والمساعدة في توريد الحديد والإسمنت.    
4- أن الخلاف الجوهري لدول المصب  وخاصةً مصر  الخوف من قلة المياه  على مجرى النهر من أسوان حتى نهايته ، وهو تخوف مشروع لحق الدولتين في وفرة المياه،  ولكن وحسب التقارير الواردة من الحكومة الأثيوبية فإن الكميات إذا قلت فإن ذلك سوف يتم خلال سنوات قادمة  ومن المتوقع أن  تكون  سعة الخزان ( سد النهضة ) 5و65 متر مكعب  ، وأن نسبة مساوية لهذه الكمية تتعرض للتبخير  ، فلماذا  لا يبحث الخبراء للمعالجة العلمية لهذا التبخر  بعيداً عن الضجيج الاعلامي ؟
5-  من المتوقع أن تقل نسبة الطمي في مجرى النهر لدول المصب ولكن حسب التقارير الواردة فإن أثيوبيا نفسها سوف تتأثر بذلك  والبحث عن حلول علمية وعملية  هو المخرج
6- إن ربط كل الأمور بالمؤامرة أصبحت أكذوبة  ملتها  وكرهتها الشعوب المغلوب على أمرها ووضع إسرائيل  على قائمة الاتهام  ، فأثيوبيا دولة مستقلة ذات سيادة ولها علاقات مع اسرائيل والدولة الصهيونية تنافس مع الآخرين لتأخذ نصيبها  من العطاءات  وهذا أمر مشروع وليست الدولة الصهيونية هي صاحبة التخطيط والتنفيذ  كما أسلفنا  ،  فالمشروع أمريكي من ناحية التخطيط الاستراتيجي  كما أن التنفيذ من الدولة الأثيوبية وكذلك المشاركون من  ايطاليا والصين والباب  لايزال  باب  المنافسة مفتوحا.
7- إن الخوض في معارك جانبية بين مؤيد ومعارض هو شغل سياسة وليس شغل فهم  وعلم وإدراك بالمشروع ، ولا بد من فتح الباب للعلماء ليقولوا كلمتهم ومشورتهم  وأطال الله عمر  علماء وخبراء  السودان الذين وصلوا لدرجة العالمية  وأهمية الاستفادة بارئاهم  ، ليقولو كلماتهم  التي سوف تكون درساً علمياً للجميع  ،والنخبة من علماء المياه  السودانيون والأثيوبيون  وحتى علماء المياه المصريين  الذين وصلوا لدرجة عالية من علوم المياه والطاقة من غير السياسيين.
8- لقد وضح جلياً أن السودان سوف يستفيد من كهرباء سد النهضة  ، الأمر الذي يتطلب الاستعداد من الآن ببناء البنية التحتية لتوصيل الكهرباء. وينطبق الحال على مصر إذا ثبتت استفادتها من الطاقة الكهربائية.
والى الحلقة التالية .