الفصل العاشـر
التطور السياسي والإجتماعي لمصر القديمة

(أ) الدورة الأولى : المملكة القديمة :
لقد جاء أول توحيد سياسي لوادي النيل من الجنوب على يد مملكة (نخن) في مصر العليا . تستعرض لوحة (نعرمر) التي إكتشفها (كويبل) في (هيراكونبوليس) الوقائع المختلفة لذلك الحدث . لقد حدد (كابارت) ذلك على نحو صحيح ، إنه (نعرمر) والملك مينا الأسطوري المصّور على اللوحة (5) . كانت عاصمة المملكة الموحدة قد نقلت إلى (تينيس) بالقرب من (أيبدوس)  وأمتدت أول فترة لأسرتين حاكمتين من تلك العاصمة من (3000 – 2778) . بقدوم الأسرة الحاكمة الثالثة (2778 – 2723) إكتملت مركزية الدولة الملكية . لقد كانت كل العناصر التقنية والثقافية في المكان المناسب وكان فقط على تلك العناصر أن تدوم وتزدهر . لقد أدخل الفرعون (زوسر) لأول مرة في مصر الفن المعماري في الحجر المنحوت وأستطاع أن يهيمن بوجهه الصارم ذو الملامح المميزة على تلك الفترة (لوحة 6) . في الواقع فإن الفراعنة الأخرين لم يكونوا سوى شبه زنوج . لقد أكد (بيتريه) بأن هذه الأسرة الحاكمة التي كانت أول أسرة تمنح الحضارة المصرية ملامحها ونموها التام ، أسرة نوبية سودانية الأصل . لقد كان من السهل التعرف على الأصل الزنجي للمصريين عند تطابق الكشف الأولي لحضارتهم مع الأسر الحاكمة الزنجية بلا ريب . إن الملامح الزنجية لوجه ( تيرا نتير ) في ما قبل عصر الأسرات وتلك التي للملك الأول الذي وحّد الوادي ، تثبت أن تلك هي الفرضية الصحيحة الوحيدة (ص 4) . بالمثل فإن الملامح الزنجية لفراعنة الأسرة الحاكمة الرابعة ، بناة الإهرامات العظيمة تؤكد ذلك (اللوحة 7 – 10).


بدراسة الأشكال حسب الترتيب الزمني فإننا نرى صورا متجانسة عرقيا ، يمكن أن تدلنا على الأصل الحقيقي لقدماء المصريين ، ذلك أنه وفي ظل المملكة القديمة وقبل الإتصالات الواسعة مع سلالات البحر المتوسط ذات البشرة البيضاء ، لم يكن الجنس المصري الزنجي قد مسّه التهجين . يكتب (جاك بيرين) : (( مع المركزية الإدارية في عهد الأسرة الحاكمة الثالثة لم تعد هناك أي طبقة نبيلة أو ذات حظوة .  كان رجال الدين حرّاسا للمعتقد الديني ومن يثبتون حكم الملك ، يشكلون جماعة جيدة التنظيم ذات إستقلال نسبي . حتى ذلك الوقت مارست الجماعة وصايتها الروحية عند تتويج الملك في معبد (هليوبوليس) ولكن لجعل هذه السلطة مطلقة فإن الملك إصطدم مع رجال الدين ومن يومها عدل الملك عن تتويج (هليوبوليس) وأصبح يتوج نفسه في قصره بـ (مفيس) وأعلن قدرته على كل شيء من خلال الحق الإلهي ، مضيفا لقب (الإله العظيم) إلى ألقابه وأصبح متحررا من أي سيطرة بشرية . إن ظهور الأسرة الحاكمة الرابعة مع إهرامات الجيزة ، أبان أن الدولة الملكية قد وصلت ذروتها . بعد ذلك إتجه النظام مرة أخرى نحو الإقطاعية . تنشيء الدول أجهزة خاصة ذات مكانة تديرها بالوراثة ثم سرعان ما يتحول ذلك التوريث إلى حق . إن هذه الدورة التي وصفت تكررت أكثر من مرتين بشكل يكاد يكون متطابقا ، لذا كان على تاريخ مصر القديمة أن ينتهي من دون أي تطوير في جمهورية أو صياغة لفكر علماني حقيقي . إن النظام الإقطاعي الذي كانت له الغلبة مع الأسرة الحاكمة الخامسة وصل ذروته مع الأسرة الحاكمة السادسة . عندها أفرز هذا النظام ركودا عاما في الإقتصاد وإدارة الدولة في المناطق الحضرية والريفية وكان على الأسرة الحاكمة السادسة أن تنتهي بثورة شعبية هي الأولى في تاريخ مصر .


لقد كان من الواضح أن تقسيم العمل على أساس الحرفية المهنية كان موجودا . بلا شك فإن المدن كانت مراكز تجارية نشطة مع شرقي البحر المتوسط . لقد كان للفقر والبطالة التي عانت منها الجماهير دورا فاعلا في الثورة . إن أعراف النبالة أوجدت طبقة خاصة من الرجال : عاملين يجري التعاقد معهم لتولي مناصب مختلفة . إن النص الذي يصف هذه الأحداث يبين أن البلاد قد إنغمست في الفوضى ويظهرسلطة متزعزعة خاصة في الدلتا مع غارات الآسيويين فقد إحتكر الأخيرون الوظائف المخصصة للمصريين في ورش العمل المختلفة وفي ساحات البناء الحضرية . إنّ بؤس (مفيس) العاصمة والحرم المقدس للملكية ، أدى إلى نهبها وسلب أغنيائها وإقتيادهم في الشوارع وسرعان ما إنتشرت الثورة إلى المدن الأخرى . كانت (سايس) تحكم بواسطة مجموعة تتكون من عشرة رجال مرموقين . جرى وصف الوضع في أنحاء المدينة على نحو لاذع في هذا النص :


(( لقد أصبح اللصوص أصحاب أملاك فيما سلب الأغنياء السابقين فقد ضرب أؤلئك الذين يرتدون الثياب الجميلة وقدر على النساء اللائي لم يخرجنّ قط أن يخرجنّ الآن. أما أطفال النبلاء فقد قذفوا تجاه الجدران . هجرت المدن وأشعلت النيران في الأبواب والأعمدة والجدران وقذف أبناء الكبار في الشوارع . أصبح النبلاء جوعى وفي كرب ، فيما فرّ الخدام الذين كانوا يعملون لدى السيدات النبيلات . أما أطفالهم فقد إنكمشوا خشية  الموت وعمّ البلاد السخط . إرتدى المزارعون الدروع في الحقول وأصبح الأخ يذبح أخيه فيما أصبحت الطرق شراك منصوبة . أصبح المواطنون يكمنون للمزارعين عند عودتهم في المساء فيسرقون ما يحملونه ويضربونهم بالهراوات ويقتلونهم بلا خجل فيما يتجول قطيع الماشية ويستطيع أي رجل أن يقود بعيدا أي حيوانات يعمل على تمييزها . في كل مكان فسدت المحاصيل وعانى الناس النقص في الملابس ، البهارات ، الزيت . عمّت القذارة الأرض . نهبت مخازن الدولة وقتل حراسها . أكل الناس العشب وشربوا الماء ومن شدة جوعهم أكلوا الأكل المخصص للخنازير . قذف بالجثث في النهر وأصبح النيل مثوى للموتى ولم تعد هناك سرية في السجلات الحكومية )) .


يبدو أن هناك محاولة جرت في ذات الوقت لإنتهاك النصوص المقدسة ، غير أنه من الصعب تأكيد ذلك . هكذا فإن الدورة الأولى من التاريخ المصري إنتهت بإنهيار المملكة القديمة . لقد بدأت بالإقطاعية التي سبقت التوحيد السياسي الأول وأنتهت بالفوضى والإقطاعية . لقد غرقت الملكية في الإقطاعية دون أن تتعرض للهجوم بشكل مباشر . في الواقع فإن مبدأ الملكية لم يجري تهديده بشكل فادح. ربما كانت هناك محاولات قليلة للحكم الذاتي في مدن الدلتا كما في (سايس) ، غير أن ذلك ربما كان حلا مؤقتا ، فرضته فجائية الأزمة وضعف السلطة الرسمية التي أعقبت غزو الدلتا من قبل الآسيويين . لقد أجبرت المدن التي على طريق الغزو على تأمين سلامتها بينما هي تواجه عدوا مشترك . مواجهين بهذا الموقف فإن الحكام الإقليميين السابقين في كل من مصر العليا والوسطى أعلنوا أنفسهم سادة إقطاع مستقلين ، متحررين منذ ذلك الوقت من أي وصاية ملكية ، غير أنهم لم يتشككوا أبدا في مبدأ الملكية ذاتها . من جهتهم حاول كل واحد منهم أن يصبح ملكا على طريقته فسمّوا أنفسهم ملوكا على أقاليمهم . إن الأجهزة الإدارية التي كانت عبئا ثقيلا على الفقراء بجانب الإستبداد الملكي كانت الهدف الرئيسي . بعد تلك الثورة أصبح لكل المصريين حق (الموت الأوزيرسي) الذي يمنح حظوة البقاء في المستقبل والذي كان مدخرا في السابق للفرعون وحده الذي له أن يكون مع (كا) الروح التي في السماء .


هناك حقيقتين يجب ملاحظتهما . لقد كان السخط قويا بما يكفي لتمزيق المجتمع المصري بشكل تام في كامل البلاد ، غير أن ذلك السخط كان يعوزه التوجيه والتنسيق وقوة التحركات الحديثة . لقد كان ذلك يقتضي مستوى من التربية الشعبية التي لا تتوافق مع إمكانيات وأشكال التربية في ذلك الوقت . علاوة على ذلك فإن إتساع البلاد تغلب على المتمردين . لقد توحدت البلاد مسبقا وأستطاعت الملكية أن تجد لها ملاذا مؤقتا في الأقاليم المجاورة ولو في مظهر الإقطاعية في مرحلتها الأولى . إن عزل (مفيس) يظهر أن الملكية كان يمكن أن تهزم بشكل حاسم وتبعد إذا ما تقلصت المملكة المصرية إلى مدينة واحدة ، مقارنة بالمدينة الدولة في اليونان . على إمتداد التاريخ وحتى التقدم الفني والتعليمي الذي مهّد الطريق لتنسيق أفضل للنشاط المتعلق بالعصيان (1789) فإن الشعوب كانت تقهر دائما بحجم الممالك التي رغبت أنظمتها الإجتماعية في التحول . إن دراسة الأسلوب الآسيوي في الإنتاج يقود إلى تحليل العوامل التاريخية – الإقتصادية التي أفضت إلى التوحيد المبكر في مصر ومعارضته في اليونان .


إن المقارنة بين المجتمعين تكشف عن عامل متبقي  مرتبط بمرحلة سابقة من الحياة البدوية بين الأغاريق . إنه من المعقول الإفتراض بأن كل الشعوب بما فيهم المصريين قد عايشوا فترة من البداوة قبل أن يستقروا ، غير أنه لا يوجد أي مكان أخر تعمّقت فيه الحياة البدوية مثل تلك التي سادت بين الهنود – الآريين في السهول اليورو آسيوية . لقد ظلت حضارتهم مميزة بذلك النمط من الحياة حتى أيامنا ، فيما بقيت الكثير من ممارسات الدول المتحضرة اليوم في أوروبا مرتبطة عرقيا بتلك الحقبة ، مثلا حرق الموتى ، العائلة الأبوية وهكذا . حينما نتأمل إخفاق ثورة في العصور السالفة فإنه من الواضح أنّ الطبيعة غير الثورية للتركيبة الإجتماعية كانت أقل أهمية من عامل الحجم . في الواقع فإنه أيّا كانت (مناقب) التنظيم الإجتماعي المصري فإن هذا التنظيم قد أفرز مثل نظيره الإغريقي إمتهانات لا تحتمل وقلاقل قاسية مثل تلك التي طبعت الثورات اليونانية – اللاتينية . إنّ هذه الثورات في مصر كان يمكن الإحتفاء بها بالتأكيد إذا كانت الأبعاد الإقليمية هي بالمثل . إن حجم المملكة أجهض الثورات مقدما . خلال فترة الفوضى فإن معظم المدن المصرية تقريبا كان لها حكومات مستقلة ، غير أنها تلاشت مع إنبعاث الملكية .

(ب) الدورة الثانية : المملكة الوسطى :
تشمل الدورة الثانية من التاريخ المصري الفترة الممتدة من الاسرة الحاكمة السادسة إلى الأسرة الثانية عشرة . في فترة الأسرة الحاكمة السادسة جرى عزل العاصمة (مفيس) بواسطة الثوار . بعد تلك الأسرة لاذت الملكية بشكل تدريجي بموطنها الجنوبي الأقل قابلية للوصول . لقد حدث ذلك بشكل متكرر في الأحداث التاريخية المصرية . متى ما كانت الدولة مهددة بواسطة غزو البيض من آسيا أو أوروبا عبر المتوسط ومتى ما أوقعت هذه الغزوات الفوضى في الحياة القومية فإن السلطة السياسية كانت تهاجر إلى الجنوب حيث موطن الأسلاف . بمعنى أخر فإن النجاة ، إعادة غلبة السلطة السياسية ، إعادة التوحيد ، الإحياء القومي كانت تتحقق من خلال مجهودات الأسر الحاكمة الشرعية السوداء المنتمية إلى الجنوب . في الدلتا تمركز كل الرقيق الأبيض الموسّم الذي هو ثمار إنتصارات (ميرنبتاح) و (رمسيس الثاني) على القبائل الهندو – أوربية .

لقد لعبت مدينة (هيراكلوبوليس) في مصر الوسطى دور العاصمة مؤقتا أثناء عهد الأسرتين التاسعة والعاشرة . لقد كان حكميهما متماثلين على إمتداد تلك الفترة من الفوضى . في مصر العليا لم تخفق مدينة (طيبه) أبدا في لعب دور القيّم على التقاليد والشرعية فقد أسس أمرائها الأسرة الحاكمة الحادية عشرة والتي سرعان ما تولت عملية إعادة البناء القومي . مع ذلك فإن الأمر إحتاج إلى ما لا يقل عن قرنين من الكفاح والجهد لإعادة توحيد مصر في عام 2065 قبل الميلاد . لقد كان هذا هو التوحيد الثاني الذي قام به الملوك الجنوبيين . من جانبها أحيت الأسرة الحاكمة الحادية عشرة المركزية الإدارية للأسرة الحاكمة الثالثة بكل مظاهرها اللازمة . لإضعاف السادة الكبار إعتمد العرش على القليل من الأشخاص لا سيما التجار . وفقا لـ (بيريني) فإن المركزية الإدارية أحدثت إلغاء لعدم قابلية تحويل ملكية الأراضي التي ربما تشارك فيها ذرية المالك . لقد مزّق ذلك من ترابط العائلة مرة ثانية . من جانبها فقد رسّخت الأسرة الحاكمة الثانية عشرة تماما إنتصار المركزية الإدارية .

في الفترة من (1730 – 1580) تعرضت مصر فجأة للغزو من جانب قبائل آسيوية جديدة هي الهكسوس . لقد أدخلوا المركبات الحربية والجياد إلى البلاد . في الواقع إنهم إحتلوا فقط الإقليم الشرقي من الدلتا مع (أفاريس) التي تبنوها عاصمة لهم . لقد كانت همجيتهم لا توصف . أما ملوك (طيبه) فقد إستمروا في حكم مصر العليا حيث وجدت الملكية مرة أخرى ملاذا لها . خلال حكم (أبوفيس) الحاكم الهكسوسي إندلعت العداوات بين الغزاة الساميين – الآريين والأسرة السوداء الحاكمة لمصر العليا والتي جسّدت تصميم الشعب المصري على تحرير الأمة . بإحداثها تعبئة في البلاد تحت سلطتها  إستطاعت هذه الأسرة طرد الهكسوس عام 1580 قبل الميلاد وإعادة توحيد مصر للمرة الثالثة وتأسيس الأسرة الحاكمة الثامنة العاشرة المجيدة تحت حكم الملكة (حتشبسوت) التي جسّدت الشرعية الملكية . عند وفاة الملكة (حتشبسوت) بدأ الحكم العظيم للأسرة الحاكمة الثامنة عشرة تحت الملك (تحتمس الثالث) ، ملك جنوبي مرموق أخر ، كانت أمه نوبية سودانية . لقد بسط سلطته على كل دول غربي آسيا وجزر شرقي المتوسط ، جاعلا أهلها تابعين مرغمين على دفع جزية سنوية . لقد كانت تلك هي الحالة مع كل من (ميتاني – دولة هندو أوربية في الفرات الأعلى) ، بابلونيا ، صقلية ، الدولة الحيثية ، قبرص ، كريت ، الخ .. ، بينما أدمجت سوريا وفلسطين في المملكة المصرية . وفقا لـ (هيرودتس) فإن الحامية العسكرية التي يفترض أن تكون كولخيسية في ذلك الوقت ، تمركزت على شواطيء البحر الأسود ، غير أن ذلك يبدو موضع شك .

على أي حال فإن مصر كانت يومها القوة الأولى في العالم فنيا ، عسكريا وإمبراطوريا . كان الحكام الأجانب الذين كانوا في موقع التابعين لمصر يتنافسون مع بعضهم في إظهار الخنوع لملوك مصر ، كل يحاول إبداء صيغته الأكثر تذللا في مخاطبته للفرعون  فمثلا كتب تابع سوري لـ (أمينوفيس الرابع) : (( أنا مسند قدميك ، ألعق الغبار من حذائك فأنت شمسي )) . بعد الأسرة الحاكمة الثامنة عشرة إكتسب المصريون عادة الإحتفاظ بابناء حكام آسيا والبحر المتوسط التابعين كرهائن وتدريبهم في بلاط الفرعون على أمل أن يحكموا بلادهم لاحقا كتابعين خيرين . لقد كانت هذه واحدة من الأسباب العديدة للتأثير المصري العميق والواسع على غربي آسيا والمتوسط . عملت الأسرة الحاكمة الثامنة عشرة شأنها في ذلك شأن الأسرة الثالثة على تعزيز المركزية الإدارية وأوقفت مرة أخرى الوظائف الإدارية من أن تكون وراثية . وفقا لـ (بيريني) فإنه حتى في المجال الكهنوتي فإن الملكية أصبحت مرة أخرى قابلة للتحويل وأفتكت العائلة مرة أخرى من حق الإبن الأكبر ، سلطة الزوج والسلطة الأبوية .
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.