الفصل التاسع
إعمار أفريقيا بالسـكان من وادي النيل


إن الحجج المقدمة للدفاع عن النظرية التي مفادها أن أفريقيا السوداء قد عمّرت سكانيا من أوقيانسيا عبر المحيط الهندي هي حجج لا تستند إلى أساس . في الواقع لا توجد حقيقة أثرية أو غيرها تخوّل لنا البحث عن موطن أصلي للزنوج خارج أفريقيا . هناك أساطير من غرب أفريقيا تفيد بأن السود هاجروا من الشرق من منطقة (المياه العظيمة) وهي المنطقة التي حددها (ديلافوسي) ومن دون تقديم أي دليل إضافي بأنها المحيط الهندي ، مفترضا بعد ذلك بأن مهد الحضارة كان في آسيا ، نظرا لإكتشاف إنسان جاوا وإنسان الصين وبسبب ما ورد في الكتاب المقدس عن (آدم وحواء) . ما نعلمه عن علم الآثار في جنوب أفريقيا التي يبدو أن البشرية كان مولدها فيها وما نعلمه عن الحضارة النوبية التي من المرجح أن تكون الأقدم  بين كل الحضارات وما نعلمه عن عصور ما قبل التاريخ في وادي النيل ، يجعلنا نفترض وبشكل شرعي بأن (المياه العظيمة) ليست سوى نهر النيل .


أيّا كانت الأساطير التي تحدثت عن نشأة الشعب الأفريقي الأسود  فأن الذين لا يزالون يتذكرون أصلهم يقولون أنهم جاءوا من الشرق وأن أسلافهم وجدوا الأقزام في البلاد . إن أساطير الـ (دوجون) والـ (يوروبا) تفيد بأنهم جاءوا من الشرق ، بينما تشير أساطير الـ (فانق) الذين لم يكونوا قد وصلوا بعد إلى ساحل الأطلسي في القرن التاسع عشر إلى أنهم جاءوا من الشمال الشرقي . أما أساطير الـ (باكوبا) فتشير إلى أن الشمال هو أصلهم . أما بالنسبة للشعوب التي تعيش جنوب النيل فإن تقاليدها توحي بأنهم جاؤا من الشمال . إن ذلك صحيح بالنسبة للباتوستي في رواندا – أورندي . حينما وصل البحارة الأوائل إلى جنوب أفريقيا وحطوا في الكاب قبل قرون عديدة ، لم يكن (الزولو) الذين هاجروا من الشمال إلى الجنوب قد وصلوا إلى الكاب بعد . تتوافق هذه الفرضية مع حقيقة أن تقاليد السود في وادي النيل تشير إلى أنها محلية المنشأ . على إمتداد العصور القديمة فإن النوبيين والأثيوبيين لم يزعموا أنهم ينتمون إلى جهة سوى الجنوب الأبعد . إن هذا يلخص الأساطير القديمة التي أوردها (دافزاك) بسخرية ، غير أن ذلك لا يقلل من أهميتها :


(( هناك أخرون من الحالمين ذوي المعرفة الواسعة ، والمتخصصين البارعين في علم الوظائف ، بدلا من البحث عن تاريخ مبكر للأفارقة في التراث الذي فقدوه اليوم تقريبا ، فضلوا الخوض في فرضيات ذات مخاطرة ، فيما تقدم رواياتهم التخمينية الإنسان الأسود على أنه أقدم إنسان مخلوق ، إبن الأرض والصدفة الذي ولد في الجبال الثلجية للقمر (في أفريقيا الوسطى) والتي أصبحت لاحقا مهد الإنسان الذي هبط منها إلى (سنار) وأنجب المصريين والعرب وشعوب الأطلسي . لقد كان الجنس الأسود ولفترة طويلة الأكثر عددا فتفوق على الجنس الأبيض وهيمّن عليه ، غير أن البيض تكاثروا تدريجيا وتخلصوا من إسترقاق أسيادهم . لقد أصبح العبيد السابقين سادة بدورهم وقضي على السود أن يرسفوا في الأغلال التي حطمها البيض . لقد مرت قرون على ذلك غير أن غضب البيض لم يهدأ بعد )) .


إن تلك الأسطورة تختصر تاريخ البشرية في سطور قليلة ، غير أنّ  ما هو جدير بالملاحظة هنا هو الأصل الجنوبي لسكان وادي النيل الذي طالما أكّده النوبيون والمصريون . ما هو ملاحظ  أيضا الوصول المبكر للإنسان الزنجي إلى طريق الحضارة والوضع العكسي اليوم . إنه الإنسان الذي هبط إلى سنار التي هي بلا شك السهل الذي يقع بين النيل الأبيض والنيل الأزرق ، نقطة الإنطلاق للحضارة المروية . إن تسمية (سنار) تطلق أيضا على سهل في بلاد ما بين النهرين وهو يقع بين دجله والفرات : فأي التسميتين أصحّ وأوثق ؟ يبدو أن الثانية منقولة من الأولى . إن تصحيح هذا الخطأ سوف يعكس إتجاه التاريخ مرة أخرى . عندها سوف يصبح من الطبيعي أن يكون إعمار مصر سكانيا قد تم من سهل سنار وبذا فإن الأسطورة سوف تتوافق مع التاريخ .


بجانب الأساطير الحالية للشعوب الأفريقية وكل ما ذكر تقريبا عن حوض النيل والأقزام الذين سكنوا الأجزاء الداخلية من القارة قبل إنتشار السود ، دعنا نستشهد بفقرتين لـ (هيرودتس) تؤكد ذلك : (( إذن فقد أرسل الشباب في مهمة من قبل زملائهم ، مزودين بقدر وافر من الماء والمؤن ، سافروا أولا عبر منطقة مأهولة بالسكان ثم ببقعة بها وحوش ضارية وأخيرا دخلوا على الصحراء التي عبروها من الشرق إلى الغرب . بعد السفر لأيام طويلة على أرض رملية واسعة ، وصلوا في النهاية إلى سهل لاحظوا فيه أشجار نامية وعندما إقتربوا منها رأوا الثمار عليها وشرعوا في جمعها ثم أكلها . عندها هجم عليهم بعض الأقزام الذين قبضوا عليهم وأقتادوهم عبر مستنقعات واسعة إلى بلدة سكانها جميعهم من الأقزام ذوي البشرة السوداء . لم يكن للأقزام معرفة بأي لغة . كان هناك نهر كبير يتدفق بجانب البلدة من ناحية الشرق إلى الغرب يحتوي على تماسيح )) .


ربما كان النهر مثار التساؤل هو نهر النيجر ، لأننا نعرف وخلاف ما يعتقد (هيرودتس) فإن النيل بعد عبوره أفريقيا من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي ، لا ينحني ليتدفق من الجنوب إلى الشمال فيما بعد إثيوبيا . أما الفقرة الثانية فتشير إلى رحلة (ساتاسبس) بن (تيسبيس) الذي نال العفو من (قورش) بفضل إلتماس من أمه بعد أن كان على وشك الصلب فغادر بلده عابرا مضيق طارق مبحرا نحو الجنوب . مع أنه لم يكمل الرحلة إلا إنه إستطاع تدوين الملاحظات التالية عن الساحل الأطلسي لأفريقيا : (( لقد نقل إلى قورش بأنه عند أقصى نقطة وصل إليها ، وجد أن الساحل مأهولا بالأقزام الذين كانوا يرتدون ملابس من شجر النخيل ، مضيفا بأنه حيثما حطّ فإن هؤلاء الأقزام كانوا يتركون بلداتهم ويفرون إلى الجبال ، غير أن رجاله لم يمسوهم بأذى ، فقط كانوا يأخذون بعضا من ماشيتهم عند دخولهم بلداتهم )) . بإختصار فإن هناك توافق بين الأساطير الزنجية الحالية والوقائع التي أوردها (هيرودتس) قبل 2.500 عام . بالتالي فإنه ربما كان الأقزام أول من سكن الأجزاء الداخلية للقارة ، على الأقل في فترة معينة . لقد إستقروا هناك قبل قدوم السود الطوال وبذا يمكننا الإفتراض بأن الجنس الأخير أي السود شكّلوا نوعا من التجمعات حول وادي النيل وفي دورة من الزمن إنتشروا في كل الإتجاهات نتيجة النمو السكاني والتقلبات التي تحدث أثناء تاريخ الشعوب .


إن هذا ليس مجرد تصور ذهني أو فرضية بسيطة قيد الدراسة . إن معرفتنا بعلم نشوء الأعراق الأفريقي يمكننا من التمييز بين فرضية وحقيقة تاريخية مؤكدة . إن الأساس الثقافي المشترك لكل السود الأفارقة خاصة الأساس اللغوي المشترك يبرر الفكرة . علاوة على ذلك فإن هناك أسماء طوطمية لعشائر أفريقية يحملها كل الأفارقة بشكل جماعي أو فردي وفقا لمدى إنتشارها . إن تحليل هذه الأسماء مع البحث اللغوي السليم ، يمكننا من التقدم من درجة الإحتمالية إلى مستوى اليقين .
////////////