لقد كانت عظمة الإمبراطورية الغانية في كل جانب تماثل أو تتفوق على إمبراطورية مالي . هكذا إذن كانت الدول الأفريقية في الوقت الذي كانت فيه على وشك الدخول في إتصال مع العالم الغربي الحديث . في ذلك الوقت كانت هناك في الغرب ملكيات مطلقة فقط ، بينما في أفريقيا السوداء كانت الملكيات دستورية . كان الملك يعاونه مجلس الشعب يجري إختيار أعضائه من طبقات إجتماعية مختلفة . كان هذا النوع من التنظيم موجودا في كل من غانا ، مالي ، قاو ، ياتينقا . كايور ، الخ .. إن هذه لم تكن البداية بل الأصح أنها جاءت نتاج تطور طويل المدى ، ببداية يمكن إكتشافها فقط بالعودة إلى بلاد النوبة ومصر ، حيث لا سبيل أخر لإعادة تحديد إستمرارية تلك السلسلة من تاريخ أفريقيا ، من غير العودة إلى السودان المروي ومصر . حينما حدث الإتصال الثاني بين أوروبا وأفريقيا السوداء عبر الأطلسي تم ذلك عن طريق الأساطيل البحرية ذات الأسلحة بعيدة المدى والأسلحة النارية المتاحة في أوروبا وذلك بفضل التقدم الفني في شمالي المتوسط والذي كفل لأوروبا تفوقها . لقد تمكنوا من الهيمنة على القارة وتشويه الشخصية الزنجية . إن ذلك يبين كيف أن المسائل لا تزال عالقة وكيف أن ذلك تسبب في تغيير لاحق للتاريخ المتعلق بمنشأ الحضارة المصرية .

بجانب الوحدة السياسية فإن الوحدة الثقافية أكدت ذاتها فعلا داخل الإمبراطوريات المختلفة . لقد أصبحت لغات بعينها لغات رسمية لأن الإمبراطور كان يتحدث بها فخدمت كلغات إدارية قبل أن تبدأ في الهيمنة على اللغات الأخرى التي مالت لأن تصبح لهجات محلية مثلما أصبحت لغات كالبريتون ، الباسك لهجات عامية في فرنسا . بتحطيم هذه الروابط والروابط الثقافية الأخرى فإن الإستعمار إعاد اللهجات مرة أخرى إلى الظهور ، مفضلا تطوير فسيفساء لغوية . ربما حدثت نتائج مماثلة في فرنسا بعد قرون قليلة من الإحتلال الألماني لها ، مما شجع على بروز اللهجات المحلية سالفة الذكر وألحق ضررا باللغة الفرنسية التي كانت قد بلغت سلفا منزلة اللغة القومية . بناء على ذلك كان من الواضح أن هناك تدهورا حدث في القارة السوداء خاصة على مستوى الجماهير بسبب الإستعمار . إن ذلك قد فرض بالتأكيد إرتدادا  لقبائل معينة جرى تهجينها تدريجيا ودفع بها مرة أخرى إلى الغابة . لذا فإنه سيكون من الخطأ بشكل مضاعف أن نأخذ اليوم ظروف أؤلئك السكان الذين بدوا أكثر أو أقل بدائية كدليل على أن أفريقيا السوداء لم يكن لها أبدا حضارة أو ماض والقول بأن السود لهم عقلية بدائية غير ديكارتية ولهم عداء مع الحضارة وهكذا . إنّ هذا التراجع وحده يمكن أن يفسر السبب الذي جعل السكان في دول متخلفة نسبيا  يحتفظون بتقاليدهم ذلك أنه يكشف عن مرحلة من التنظيم الإجتماعي وتصور للعالم لم يعد يتوافق مع مستواهم الثقافي .


هناك واقعة مماثلة في أوروبا يمكن الإستشهاد بها وهي إنتكاسة السكان البيض الذين يقيمون اليوم في الأودية السويسرية المعزولين بفعل الجليد مثل أؤلئك الذين في  وادي (لوتشنثال) . إن هؤلاء البيض لا يزالون همجيون حتى اليوم ، بالمعنى الذي ترمي إليه كلمة البوشمن والهوتنتو ،  فهم يرتدون الأقنعة ذات الملامح التكشيرية وتلك التي يغلفها الألم ، مما يشير إلى رعب كوني لا نجد له مثيلا إلا عند الإسكيمو . يمتلك متحف جنيف مجموعة ممتازة من هذه الأقنعة . بالمقارنة يمكن للمرء أن يلاحظ صفاء الفن الزنجي الذي يعكس إعتدال المحيط الطبيعي وكذلك الإلفة الروحية على الأقل للقوى الكونية . عوضا عن الظاهرة التي تعذر تفسيرها والتي تخيف الخيال فإن هذه القوى تكاملت مسبقا في نظام عام لتفسير العالم بالنسبة لهم . بدراسة فترتها فإن هذا النظام كان معادلا للفلسفة . لقد هيمن الزنجي على الطبيعة جزئيا من خلال التقنية ، غير أنه في الأغلب الأحوال سيطر عليها  بروحه ، إذ لم تعد الطبيعة تخيفه . بنفس الرمز فإن الفن التعبيري الزنجي ( في ساحل العاج والكونغو) لم يكن يعكس التعذيب ، بل كان نوعا من الحركة التشكيلية .



* المشاكل التي يسببها الشعر المسترسل والملامح المنتظمة :
عند هذه النقطة علينا القول بأنه لا الشعر المسترسل ولا الملامح المنتظمة هي حكر على الجنس الأبيض . إن هناك سلالتين سود ذات تعريف جيد : إحداها لها بشرة سوداء وشعر أصوف ، الثانية لها أيضا بشرة سوداء لكنه في الغالب سواد إستثنائي مع شعر مسترسل ، أنف نسرية ، شفاه رقيقة ، زاوية حادة لعظام الخد . إننا نجد نموذجا لهذه السلالة في الهند ونقصد به الدرافيديون . كذلك من المعروف أنّ هناك نوبيون ينتمون إلى نفس هذا النوع الزنجي وقد أورد هذه الإفادة المؤرخ الإدريسي الذي أشار إلى (( أن النوبيين هم الأكثر وسامة في السود ولنسائهم شعر مسترسل وشفاه رقيقة )) .


لذا فمن الخطأ والمخالفة العلمية أن نقوم ببحث أنثربولوجي نواجه فيه سلالة  درافيدية ثم نتوصل إلى أن النوع الزنجي غير موجود . إن ذلك ما فعله دكتور ماسولار في الإبلاغ عن عمل الآنسة / ستويسجر عن جماجم تعود إلى الحقبة البدارية . إن هذا التناقض هو الأكثر فداحة لأن هذه الجماجم ذات بروز في الفكين والأسنان وهذه المميزات لا توجد إلا عند الزنوج أو شبه الزنوج : (( تختلف الجماجم البدارية قليلا جدا عن الجماجم الأقل قدما والتي سبقت فترة الأسرات فهي ذات فكين أكثر بروزا . تليها الجماجم الأكثر شبها بجماجم الهنود البدائيين : الدرافيديون والفيداس . إن هذه الجماجم تكشف عن تشابهات قليلة مع الزنوج والعائدة بلا شك إلى الإمتزاج الأكثر قدما بالدم الزنجي ))  ماسولار– ص 394 .


بهذه المعارضة الخيالية فإنه يمكن تبييض الجنس المصري الذي كان حتى في عصور ما قبل التاريخ – مثلما يظهر هذا النص – لا يزال أسودا ، بالرغم من المزاعم التي لا تستند على أساس علمي والتي تصر على أنّ المصريين كانوا بيضا أصلا أو القول وإن كان ذلك زائفا بأنهم إمتزجوا لاحقا مع الزنوج . إنه من المعتاد الإشارة إلى مومياءات ذات شعر مسترسل جرى إختيارها بعناية بحيث تكون هي الوحيدة المتواجدة  في المتاحف ، للتأكيد على أنها النمط النموذجي للجنس الأبيض  بالرغم من بروز الفكين . تعرض هذه المومياءات بشكل لافت في محاولة لإثبات بياض المصريين ، غير إن خشونة شعورها لا يسمح بقبول تلك العلاقة . حينما يتواجد مثل هذا الشعر على رأس مومياء فإنه يشير إلى النوع الدرافيدي ، بينما بروز الفكين وسواد البشرة – تستبعد فكرة الجنس الأبيض . إن عملية الإختيار المتحذلقة التي إتبعوها ، تستبعد أي إمكانية لجعل هذه المومياءات نمطا نموذجيا . في الواقع فإن (هيرودتس) أخبرنا بعد أن رأى المصريين بأن لهم شعر أصوف . كما لاحظنا سابقا فإن المرء قد يتعجب بأن لا تعرض مومياءات بمثل هذه الصفات . هناك ملاحظة يمكن أن تبرهن إفادة (هيرودتس) عن شعر المصريين الأصوف وهي تمشيطات الشعر الصناعية التي لا تزال نساء أفريقيا السوداء يرتدينها . لماذا على إمرأة بيضاء ذات شعر جميل طبيعي أن تخفيه تحت شعر المصريين المستعار الخشن ؟ إن علينا أن ننظر لذلك كمظهر للقلق الدائم للنساء السود فيما يخص مشكلة الشعر . على أي حال فإنه من الواضح أنه لا يمكننا أن نعتمد على نوعية الشعر لضمان بياض الجنس .



* الجنس الأسود المسترق :
تحاول كتب معينة نشر فكرة مفادها أن الجنس الأسود المسترق عاش على إمتداد العصور القديمة بجانب الجنس الأبيض مما أدى إلى تغيير صفات ذلك الجنس بشكل بطيء . إنّ الإتصالات بين هذين الجنسين منذ عصور ما قبل التاريخ هي حقيقة مؤكدة ، من دون أن نقرر أهمية تلك الإتصالات في المناطق المختلفة التي جرت فيها ، لكن دراستنا الموضوعية للوثائق المتاحة عن تلك العهود القديمة تجبرنا على عكس العلاقات التي أقيمت أولا بين الجنسين من عيلام إلى مصر . إنّ حفريات (ديلافوسي) تكشف عن أن أول أسرة حاكمة في (عيلام) تنتمي إلى الجنس الأسود . تظهر لنا سلسلة التماثيل التي تعود إلى العصر العمري أسيرا أبيضا في مصر وعلى الجانب أسود يتجول بحرية . إنّ الجنس الأبيض لم يتحرر تماما حتى نهاية الحقبة الإيجية وهي الفترة التي تميزت بظهور لشمالي المتوسط على المشهد .


* اللون الأسمر المحمّر للمصريين :
ربما ساعد تغلغل الجنس الأبيض إلى مصر في عصور ما قبل التاريخ ، والذي يعكسه صورة ذلك الأسير المهزوم في تلك التماثيل ، على تبييض بشرة المصريين . بمعنى أخر ربما ظهرت الأقلية البيضاء لاحقا لتهجّن جنسها بالأساس الزنجي وذلك لأن الوادي كان جاذبا للرعاة الآريين والساميين . لكن ما هو مؤكد هو غلبة العنصر الأسود  منذ بداية التاريخ المصري وحتى نهايته ، بل حتى أن التهجين المكثف في العصور الأدنى لم تفلح في إقصاء الصفات الزنجية للجنس المصري . إنّ هذا الخليط الزنجي المصري والسامي أو الآري جاء عقب تطور في مجرى التاريخ المصري نتيجة للتوجهات التجارية . خلال الحقبة الإيجية إنعكس ذلك في إختطاف (إيو) بواسطة الفينقيين . في الواقع فإن الفينقيين  شعب شبه زنجي وهم أبناء عمومة المصريين بشكل أقرب أو أبعد وقد خدموهم كبحارة على إمتداد تلك الفترة . من بين التبادلات التجارية الأخرى بين مصر المتحضرة وأوروبا التي كانت يومها بربرية ، إنخرط الفينيقيون في تجارة الرقيق الأبيض . كما ذكرنا فإن (إيو) قد خطفت من اليونان وبيعت للفرعون بثمن غال ، بسبب لون بشرتها البيضاء الذي كان نادرا ، واقعة ترمز إلى تلك التجارة التي من الصعب للحد البعيد إنكارها أو التقليل من مداها .


إنّ ذلك يمكن أن يفسر اللون الأسمر المحمّر لبشرة المصريين ، مع أنهم ظلوا يحملون (شفاها غليظة مرتدة بالتساوي) ، (فم واسع لحد ما) ، (أنف مكتنزة) مثلما يورد ماسبيرو . من الواضح أنّ المصريين لم يتوقفوا أبدا من أن يكونوا زنوجا . إنّ اللون المميز الذي ينسب إليهم ، يمكن أن نراه اليوم بين ملايين الزنوج في كل أنحاء أفريقيا السوداء . إنه من الشائع إيراد ذكر المصطبة أو رسومات المدافن المصرية كمكان لتمييز (النحاسي) من (الروميتو) أي السود عن ما يسمى بالمصريين . إن ذلك معادل لتمييز الوولف عن البامبرا ، الموسي من التوكولور وهم في ذلك مخطئين في نسب الأخير للمصريين أو لجنس أخر مختلف عن الجنس الأسود الذي يمثله الوولف . بالنسبة للأفريقي فإن هذا تقييم دقيق للتمييزات التي تجرى عادة على أساس الرسومات المصرية . إضافة إلى ذلك فإن كل رسومات المصطبة كانت معروفة قبل (شامبليون) كما لوحظت درجات تلك الألون من قبل . لقد جرى التأكيد على أنّ الأنماط التي جرى تصويرها كانت زنجية ، لأنه حتى ذلك الوقت عرف عن مصر أنها بلد زنجي ، بل أنّ الفن المصري نفسه أعتبر فن زنجي لذا  فهو لا يثير الإهتمام . إنّ هذا الرأي لم يتغير حتى اليوم الذي جرى فيه الإعتراف بشكل مدهش أنّ مصر هي أم  كل الحضارات ، ثم تغيرت الرؤية بحيث إمكن تمييز الزنوج على الرسومات وتدرجات الألوان (سلالة بيضاء ببشرة حمراء) ، (سلالة بيضاء ببشرة حمراء داكنة) ، (سلالة بيضاء ببشرة سوداء) ، لكنهم لم يميّزوا أبدا المصريين كجنس أبيض ببشرة بيضاء .


* النقوش على مسـلة (فيله) :
بسبب هذه النقوش التي ميّزت الحدود بين السودان البمروي ومصر بعد الإضطرابات التي حدثت إبان عهد الأسرة الحاكمة الثانية عشرة فقد جرى التوصل غالبا إلى أن ذلك فصّل جنسين مختلفين ، بحيث حظرت المسلة دخول السود إلى مصر . إن هذا الإستنتاج هو خطأ محزن ، حبث أن تعبير (أسود) لم يستخدم أبدا من قبل المصريين لتمييز السودانيين المرويين عن أنفسهم  فقد كانوا يشيرون إلى بعضهم بأسماء القبائل أو المناطق التي ينتمون إليها  ولكن ليس أبدا بالنعوت التي تتعلق باللون ، مثلما  في الحالات التي تقتضي الإتصال بين جنس أبيض وجنس أسود . إذا كان على الحضارة الحديثة أن تختفي اليوم وأن تبقى المكتبات سليمة ، فإن الناجين يمكن أن يطلعوا على أي كتاب ويلاحظوا فورا أن السكان الذين يعيشون جنوب الصحراء كان يشار إليهم بالسود . إنّ تعبير (أفريقيا السوداء) كاف للإشارة إلى أن سكانها من الجنس الأسود . في المقابل فإننا لا نجد شيئا مماثلا في النصوص المصرية فمتى ما إستخدم المصريون كلمة أسود (كيم) إنما كانوا يشيرون بها إلى أنفسهم أو بلادهم : (كيميت) أرض السـود .


في الواقع فإننا لا نجد واحدا من الكتب الحديثة الموثوقة تذكر تعبير (السود) كما لو إستخدمه المصريون لتمييز أنفسهم عن السود فحيثما ورد ذلك فإنه لا يعدو كونه تحريف فهم يترجمون كلمة (نحاسي) إلى (سود) لتخدم تبريراتهم . إنّ ما هو غريب بما يكقي هو أن كلمة (كوشيين) أصبحت تتعارض مع فكرة (السود)  حالما يشار إلى السكان الأوائل الذين حضّروا الجزيرة العربية قبل (النبي محمد) ، أرض كنعان قبل اليهود (فينيقيا) ، بلاد ما بين النهرين قبل الآشوريين (حقبة الكلدانيين) ، عيلام ، الهند قبل الآريين . إنّ هذه واحدة من المتناقضات الكثيرة التي تظهر خوف المتخصصين من الكشف عن الحقائق التي إكتشفوها . إن عملياتهم الإستدلالية يمكن وصفها على النحو التالي : مع التسليم بالأفكار التي درست عن الزنوج فإنه حتى إذا أثبت الدليل بشكل موضوعي أن الحضارة قد صنّعها هؤلاء الزنوج ( الكوشيين ، الكنعانيين ، المصريين ، الخ .. ) فإن ذلك يحب أن يكون خطأ . بالبحث الجاد فإن علينا أن نعثر على المقابل . لذا فإن الطريقة التي لا غنى عنها لإكتشاف الحقيقة المضّمنة في هذه الوثائق بالرغم من وضوحها ، تعتمد على تفسير هذه التعابير : كوشي ، كنعاني ، الخ ..

كذلك يحدث تزوير مماثل عند إستدعاء شهادات مؤلفين قدامى أمثال (هيرودتس) ، (ديودرس) أو الرحالة القرطاجنيين الأوائل ، إذ كان علينا أن نصدق بأن هؤلاء المؤلفين ميّزوا بين المصريين والسود وينطبق ذلك على (ديلافوسي) كمثال حينما كتب في كتابه (زنوج أفريقيا) على ص 20 – ص 21 :
(( هناك فقرة في كتاب (التاريخ) لهيرودتس مفيدة في هذا الخصوص . في الكتاب الثاني – الفقرة (29) (30) – حدد لنا المؤلف الأغريقي الحدود الشمالية التي بلغها  الزنوج في أيامه في وادي النيل والذين سمّاهم (الإثيوبيين) . إن هذه الحدود متطابقة تقريبا مع الحدود التي وصلوا إليها في أيامنا هذه . يخبرنا هيرودتس بأنه وجد السود بالفعل في أعلى (أسوان) ، أي أعلى النهر من الشلال الأول ، بعضهم مستقرون وبعضهم رحل ، يعيشون جنبا إلى جنب مع المصريين )) . بفحص هذه الإفادة مع الفقرة الأصلية يمكننا ملاحظة التحريف . إن ما أورده (ديلافوسي) يقودنا للإعتقاد أنّ السود والمصريين كانوا مختلفين بحسب (هيرودتس) . إنّ الكتاب الثاني لـ (هيرودتس) الذي إقتبس منه (ديلافوسي) يخبرنا بأن المصريين كانت لهم بشرة سوداء وشعر أصوف . إن هذه هي الوسيلة التي يعمدون إليها في تحريف ما دونه الكتاب القدامى ، فيما تمر في صمت شهاداتهم المربكة . إنّ هذه الإقتباسات المزورة والمعدّلة خطيرة للغاية للدرجة التي يمكن أن تعطي العامة إنطباعا بالمصداقية .


تشير الوثائق المصرية أنه منذ 4.000 عام قبل الميلاد كان السودان المروي  بلدا مزدهرا له روابط تجارية مع مصر . كان الذهب متوفرا وربما نقل السودان المروي في ذلك الوقت إلى مصر الرموز الهيروغلوفية الإثنا عشر التي كانت النواة الأولى للأبجدية . يعد محاولات عديدة للغزو تحالف السودانيون والمصريون ودمجوا قواتهم وسيروا بها حملات إلى البحر الأحمر والتي قادها بيبي الأول (الأسرة الحاكمة السادسة) . عندئذ حكمت بلاد النوبة بواسطة ملك إسمه (أونا) والذي أصبح حاكما لمصر العليا في عهد الحلف (بيبي الأول) . إستمر هذا التحالف حتى الأسرة الحاكمة الثانية عشرة على أقل تقدير ، ثم فرض (سنوسرت الأول) الوصاية بنجاج على بلاد النوبة :


(( غير أنه تم التخلص من العبودية في عهد (سنوسرت الثاني) في ظروف جعلت مصر نفسها تخاف من الغزو . لذا فقد أنشئت الإستحكامات والقلاع بين الشلال الأول والثاني لإيقاف النوبيين . لقد كان من الصعب لمصر أن تستدعي القبائل البدوية التي يقودها أبشاي من سوريا ، غير أن (سنوسرت الثالث) إستطاع عبر أربعة حملات عسكرية أن يضع حدا لذلك التهديد . تم إستعادة الحدود أعلى النهر حيث بنيت قلاع جديدة ، في نفس الوقت الذي أقيمت فيه مسلة جديدة تحظر مرور السود )) بيدرال – ص 45 . بإستثناء الإستخدام الخاطيء لتعبير (السود) الذي إنتهى به الإقتباس فإن هذه الفقرة تكشف عن طبيعة الوقائع التي عجّلت بقيام مسلة (فيله) . إن هذه الأحداث تظهر أن الحليف السوداني كان على وشك فتح مصر التي عملت على تنظيم دفاعاتها ومن ثّم إقامة مسلة (فيله) . عليه فإنه لا يمكن تفسير إقامة المسلة بالمعنى الذي أراده أخرون .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.