إن (موريه) قد أخذ هذه الشهادة كما كشف (بيدرال) من كتيب مترجم بالعربية  نشر في باريس في عام 1666 . الرواية التي كشف عنها رواها الأقباط أنفسهم وهي الأكثر أهمية كونها تختلط بتلك الروايات التي توجد اليوم في غرب أفريقيا بين سكان ، داهومي ، توجو ، النيجر ، الخ .. إن (شانقو) و (أوروقان) هما آلهة نيجيريا وكامل خليج بنين عموما . (إيفي) هي المدينة التي أخذ (موريه) إسمها من النصوص القبطية دون أن يعلم أنها مدينة نيجيرية مقدسة ، مما يظهر العلاقة الوثيقة بين التاريخ المصري وتاريخ أفريقيا السوداء . يوحي إسم (أوروقان) إله الجنوب بأنه مشتق من كلمة أورقان (أي الإعصار) وهي كلمة من غربي الهند ، ربما لها أصل أفريقي أدخلها الفودو إلى جزر الأنتيل ، أما (ياكوتا) فهو إله الدمار . لاحظ أن الملك الموسي يطلق عليه حاليا إسم (نابا) وهو كذلك إسم الملك الذي كان يحكم جزء من بلاد النوبة (بيدرال ص 36 ) .


في عهد الملك (بسماتيك) وحينما أسيئت معاملة الجيش المصري ، إنتقل نحو 200.000 منهم بقيادة ضباطهم إلى السودان النوبي واضعين أنفسهم تحت إمرة الملك النوبي . لقد ذكر (هيرودتس) أن الملك النوبي إستوعب وأنزل كامل الجيش في أراض ليزرعها فيما ذابت في النهاية عناصره مع الشعب النوبي . لقد حدث ذلك في وقت كان عمر الحضارة النوبية فيه آلاف السنين . بناء على ذلك فإننا نندهش حينما نرى المؤرخين وهم يحاولون إستخدام هذه الحقيقة لتفسير الحضارة النوبية . في المقابل فإن كل الباحثين الأوائل الذين درسوا تاريخ بلاد النوبة ، حتى أؤلئك الذين ندين لهم بإكتشاف علم الآثار النوبي (مثل كيلايود) توصلوا إلى أسبقية النوبة في الحضارة .


لقد أشارت دراساتهم إلى أنّ الحضارة المصرية إنبثقت من الحضارة النوبية أي من  السودان . مثلما لاحظ (بيدرال) فإن (كيلايود) إرتكز في حجته على حقيقة أن كل أدوات العبادة في مصر (وبالتالي جوهر التقاليد المقدسة)  نوبية المنشأ . إفترض (كيلايود) عندئذ أن جذور الحضارة المصرية هي في بلاد النوبة (السودان) وأنها إنبثقت تدريجيا من وادي النيل . في هذا فإن (كيلايود) يعيد إكتشاف أو يؤكد لحد ما الرأي الإجماعي للقدماء ، الفلاسفة والكتّاب الذين قضوا وبشكل واضح بأسبقية بلاد النوبة في الحضارة . من جهته يذكر (ديودورس الصقلي) بأنه في كل عام كان يجري نقل تمثال (آمون) ملك طيبه في إتجاه بلاد النوبة لعدة أيام ثم يعاد ، كما لو أنّ ذلك يشير إلى أن الإله قد عاد من بلاد النوبة ووفقا لـ (ديودورس) فإن الحضارة المصرية إنبثقت من بلاد النوبة التي مركزها (مروي) . في الواقع وبتتبع البيانات التي قدمها كل من (ديودورس) و (هيرودتس) عن موقع تلك العاصمة السودانية ، فإن (كيلايود) إكتشف في حوالي عام 1820 أطلالا في مروي : (80) هرما ، العديد من المعابد المخصصة لـ (آمون) ، (رع) وهكذا . مقتبسا من الكهنة المصريين فإن (هيرودتس) ذكر أن من بين (300) فرعون مصري من (مينا) إلى الأسرة الحاكمة السابعة عشرة كان هناك (18) فرعونا من أصل سوداني . يعترف المصريون أنفسهم وبدون غموض أنّ أسلافهم جاءوا من بلاد النوبة ومن قلب أفريقيا ، أرض الأمام ( وهي تعني السلف بلغة الولوف) وقد أطلق المصريون على كامل إقليم كوش جنوب مصر (أرض الآلهة) . هناك وقائع أخرى ذكرت في هرم (أوناس) مثل الأمطار الجارفة والعاصفة والتي تجعلنا نفكر في المناطق الإستوائية أي قلب أفريقيا ، مثلما لاحظ ذلك (أميلينو) .


ما هو ذا  مغزى هو أن الحفريات في منطقة أثيوبيا القديمة كشفت عن وثائق بجدارة حمل بلاد النوبة فقط لإسم إثيوبيا وليس أثيوبيا الحالية . في الواقع فإنه في بلاد النوبة عثرنا على إهرامات مشابهة لتلك التي في مصر ، معابد تحت الأرض ، الكتابة المروية التي لم تفك شفرتها بعد ، مع أنها قريبة الصلة بالكتابة المصرية . مع أنّ هذه النقطة لم يشدد عليها ومع أنها غريبة بما يكفي ، فإن الكتابة المروية أكثر تطورا من الكتابة المصرية . بينما نجد أن الكتابة المصرية حتى في مراحلها الهيراطيقية والديموطيقية ، لم تستبعد تماما جملها الهيروغلوفية ، فإننا نجد أن للكتابة النوبية حروفها الأبجدية . بالطبع فإن المرء يتوقع وبيقين أن هناك محاولات ستجرى لتجديد شباب الحضارة النوبية وتفسيرها من خلال مصر . إن ذلك ما يعتقد عالم الآثار الأمريكي جورج أندرو ريزنر( 1867 – 1942)   أنه أنجزه في دراسة لم تتعدى أكثر من الحقبة الآشورية أو الألفية الأولى للتاريخ النوبي   . لقد زعم (ريزنر) أن بلاد النوبة قد حكمت سابقا بواسطة الأسر الحاكمة الليبية وأن الأسر الحاكمة السوداء كانت إمتدادا لها . مرة أخرى فإن البيض الأسطوريون صنعوا حضارة ثم إنسحبوا بشكل إعجازي ، تاركين المكان للسـود . لقد أصبحت كل الممالك الزنجية في أفريقيا السوداء – من مصر ، بلاد النوبة ، غانا ، سوناغي ، إلى مملكة بنين مرورا برواندا – أوراندي – ضحية لهذه المحاولات المثبطة عموما والتي أصبحت في النهاية مملة بحيث لا تثير الإهتمام . إن (ريزنر) ما كان له أن يفشل في أن يعرف أنّ الحضارة النوبية يعود تاريخها إلى  ما قبل ظهور الليبي اليافثي الأبيض في أفريقيا . بناء على ذلك فإن المشكلة ليست في البحث عن ليبيين في التاريخ النوبي الحديث ، لكن في العثور على بعض منهم عند بداية تلك الحضارة أي منذ حوالي 5000 عام قبل الميلاد . إن هذه المهمة لم يكن (ريزنر) محتاطا للقيام بها .


مهد الحضارات في قلب البلاد الزنجية

ليس هناك ما يقل مفارقة من تلك الحقيقة التي مفادها أنّ الهنود الأوربيون لم يؤسسوا أبدا حضارة في بلادهم أي في السهول اليوروآسيوية . إن الحضارات التي نسبت إليهم تقع وبشكل حتمي في قلب البلاد الزنجية في الجزء الجنوبي من النصف الشمالي للكرة الأرضية : مصر ، الجزيرة العربية ، فينيقيا ، بلاد ما بين النهرين ، عيلام ، الهند . في كل تلك البلاد كانت هناك أصلا حضارات زنجية حينما قدم الهنود الأوربيون كبدو غير متحضرين خلال الألفية الثانية . الطريقة النموذجية التي أتبعت هي إثبات أن هؤلاء الشعوب المتوحشة جلبوا معهم كل عناصر الحضارة حيثما ذهبوا . السؤال الذي يتبادر للذهن عندئذ : لماذا تظهرالكثير من  القدرات الإبداعية فقط عندما يكون هناك إتصال بالسود ؟ وليس في الموطن الأصلي للسهوب اليورو آسيوية ؟  لماذا لم تصنع تلك الشعوب حضارة في موطنها قبل الهجرة ؟ إذا ما إختفى العالم الحديث فإن المرء يستطيع أن يكتشف بسهولة وبفضل آثارالحضارة في أوروبا ،  أن هذا هو المركز الذي إنتشرت منه الحضارة الحديثة إلى العالم . إذا ما أشرنا إلى أكثر العصور السحيقة قدما ، فإن الدليل سوف يجبرنا على أن نبدأ من الدول السـوداء لتفسير كل الظواهر الحضارية.


إنه من الخطأ القول بأن الحضارة قد نشأت من هجين عرقي ، ذلك لأن هناك دليل بأنها كانت قائمة في البلاد السوداء قبل أي إتصال تاريخي مع الهنود الأوربيين . لقد صنعت الشعوب الزنجية المتجانسة عرقيا كل عناصر الحضارة بالتكيف مع الظروف الجغرافية المواتية في مواطنهم الأولى . منذ ذلك الوقت فصاعدا فإن بلادهم أصبحت أشبه بالمغناطيس الذي جذب شعوب البلاد المجاورة المتخلفة والتي سعت للتحرك لتحسين وجودها . بالتالي فإن التهجين الذي نجم عن هذا الإتصال ، كان نتيجة للحضارة التي صنعها السود مسبقا أو الأصح كانوا سببا فيها . لذات السبب فإن أوروبا عموما – وباريس ولندن على وجه الخصوص – هي مراكز إستقطاب حيث تتقابل فيها كل أعراق العالم وتختلط كل يوم ، غير أنه سيكون من الخطأ تفسير الحضارة الأوربية بعد ألفي عام من الآن بأن القارة كانت يومها مشبعة بمستعمرات ساهمت كل واحدة منها بحصتها من العبقرية . بالعكس فإننا يمكن أن نرى أن كل العناصر الأجنبية التي تجاوزتها الحضارة ، تحتاج إلى مدة معينة من الزمن للحاق بها وحتى الوقت الطويل لا يسمح لها بأن تقدم مساهمة مقدرة في التقدم الفني .


إنه الأمر ذاته في العصور السالفة : لقد كانت كل عناصر الحضارة المصرية موجودة منذ البداية ثم تحللت في الغالب عند إتصالها بالأجنبي . إننا على علم تام  بالغزوات البيضاء لمصر خلال العصور التاريخية : الهكسوس ، الليبيين ، الآشوريين ، الفرس . إن أي أحد من هؤلاء الغزاة لم يجلب معه أي تطور جديد في الرياضيات ، الفلك ، الفيزياء ، الكيمياء ، الطب ، الفلسفة ، الفنون ، أو التنظيم السياسي . إن ما جاء سابقا يتيح لنا رفض التفسيرات اللاحقة التي تستنتج من أن الوضع في العالم الحديث  يقضي بأن المنطقة المعتدلة هي المنطقة الملائمة دائما لإزدهار الجضارات ، إذ  أن الوثائق التاريخية تثبت العكس : ذلك أنه في الوقت الذي تحدد فيه  سلفا مناخ الأرض ، كانت الحضارات الأولى موجودة خارج تلك المنطقة .
//////////