في بداية الحضارة الغربية بدأ ملوك الفرنجة وبشكل تدريجي إكتساب عادة إعداد خلفائهم في السلطة مقدما ، مستبعدين في ذلك أي فكرة عامة عن النظام الأمومي . بالتالي فإن الحقوق السياسية كانت تنتقل من خلال الأب ، غير أن ذلك لا يعني أن البنت  لا يسمح لها بتلقي تلك الحقوق . على الجانب الأخر فإن النظام الأمومي الزنجي لا يزال حيا اليوم مثلما كان في العصور القديمة ففي المناطق التي لم يتغير فيها النظام الأمومي بفعل مؤثرات خارجية (الإسلام مثلا) فإن المرأة لا تزال تتولى نقل الحقوق السياسية . إنّ ذلك مستمد من  الفكرة العامة التي مفادها أن التوريث يكون فعّالا فقط  عن طريق النظام الأمومي . هناك وجه نموذجي أخر للنظام الأمومي ، وجه غالبا ما أسيء فهمه ألا وهو المهر الذي يدفعه الرجل للمرأة على عكس ما هو متعارف عليه  في الدول الأوربية . ما أسيء فهمه في أوروبا هو أن الأخرين إعتقدوا أنه وبهذا العرف فأنّ المرأة تباع في أفريقيا السوداء ، مثلما يقول الأفريقي في المقابل أن المرأة تشتري الرجل في أوروبا . في أفريقيا ومنذ أن حظيت المرأة بمكانة مميزة بفضل النظام الأمومي فإنها هي التي تتلقى ضمانا في شكل مهر في رباط يعرف بالزواج . ما يثبت أن ذلك لا يعني أن تشترى كعبدة هو أن ذلك المهر لا يقيدها ببيت الزوجية فإن كانت هناك منقصة على الزوج فإن الزواج ينقض خلال ساعات قليلة بسبب الضرر الذي وقع عليها وبعكس  ما يقال فإن الأعمال الأقل مشقة هي التي تقوم بها  النساء .


ماهو أصل النظام الأمومي ؟ إننا لا نعلم بشكل أكيد في الوقت الحاضر ، مع أن هناك رأي حالي يتمسك بالقول  أن النظام الأمومي مرتبط بالزراعة . إذا كانت الزراعة قد أكتشفت بواسطة النسـاء كما يعتقد في بعض الأحيان وإن كان صحيحا أنهن أول من فكرنّ في إختيار الأعشاب المغذية نظرا  لملازمتهن البيوت ، فيما كان الرجال ينخرطون في أعمال أكثر خطورة (الصيد ، الحروب ، الخ .. ) فإن هذا بجانب النظام الأمومي يفسر جانبا هاما  في الحياة الأفريقية لكنه غير ملاحظ  تقريبا وهو أنّ المرأة هي سيدة البيت بالمعنى الإقتصادي للكلمة فهي مسئولة عن كل أمور الطعام بحيث لا يستطيع الرجل مد يده إليه من غير موافقتها . وفقا لذلك فإنّ المرأة تمارس نوعا من السيطرة الإقتصادية على المجتمع الأفريقي ، الشيء الأكثر وضوحا كونه الأعم تطبيقا . إن فرضية أن المرأة إكتشفت الزراعة سوف تمكننا أيضا من فهم سبب عادة لا تزال قائمة وهي زرع النساء  لحديقة صغيرة حول مسكنهن تزودهن بالتوابل . ربما أفترض أن الزراعة قد ظهرت في كل مكان خلال نفس الفترة ، أي في حوالي الألفية الثامنة قبل الميلاد ، غير أنه نادرا ما نجد آثارا للحياة الزراعية في أي مكان عدا الصحراء بحيث يمكننا أن ننسبها إلى تلك الحقبة . من جهته يرى (ثيودور مونود) أن الزراعة قد مارسها الجنس ذو السلالة السوداء (شبه الزنجي) . يفترض أن تكون الزراعة قد إنتشرت مبكرا من الصحراء إلى الهند على إمتداد كامل المنطقة المدارية ، بينما بدت السهول اليوروآسيوية غير الصالحة تماما للحياة الزراعية والحضرية مهدا للبداوة . إن هذا هو السبب الذي جعل للهنود الأوربيين رؤى تتعارض تماما مع تلك الرؤى التي للسود بسبب بيئاتهم الجغرافية التي شكلتهم  .


لقد تميزت الحقبة الإيجية برفض النظام الأمومي الزنجي ، مع أن الهنود الأوربيين تأثروا به إلى حد ما . بما أن النظام الأمومي سمة أساسية للحضارة الزراعية الزنجية ، فإنه من السخف أن يتوقع منه أن ينظم توارثا للحكم في حكومة أقامها البيض . لذا من الصعب قبول هذه الفرضية . إن هناك الكثير من المسلمين يعدلون شجرة أنسابهم بأضافة فروع ليكونوا من سلالة النبي (محمد) وبذلك زعم أسلاف المغاربة . إن هذا الميل نجده عند أمراء الـ (سارا) في غانا القديمة عندما أصبحوا (سارا كوله)  حينما تميزت الأسر الحاكمة الغانية بإمتزاجها مع الدم العربي مع دخول الإسلام . بفضل كتابات المؤرخين العرب في العصور الوسطى ، علمنا أن حكام غانا السود حكموا البربر – الطوارق في (وادوقوست) الذين كانوا يدفعون الجزية . لقد لفت إنتباه (إبن بطوطه) الذي زار السودان في العصور الوسطى النظام الأمومي الزنجي  ذاكرا بأنه واجه ظاهرة مماثلة فقط لتلك في الهند عند شعوب سوداء أخرى : ((إنهم ينتسبون إلى خيلانهم وليس إلى أعمامهم فالأبناء لا يرثون من جهة أبائهم بل الأصح أبناء الأخ وأبناء الأخت ، أبناء أخت الأب . إنني لم أجد هذا العرف إلا عند كفار مالابار في الهند )) .


يجب علينا أن لا نخلط بين النظام الأمومي مع حكم الأمازونيين الأفارقة أو حكم الجورجون . إن هذه أنظمة أسطورية يزعم فيها أن النساء اللائي يسيطرن على الرجال ، يتميزن بأساليب تحط من قدر الرجال ففي التعليم يتجنبن تكليفه بمهام تعمل على تنمية شجاعته أو إحياء كرامته . كان على الرجال كذلك أن يعملوا كمرضعات محل النساء اللائي كن يدافعن عن المجتمع للدرجة التي يعملن فيها على إزالة أثدائهن لتحسين أدائهن في الرمي بالسهام . مع إننا قليلا ما نثق في هذه الاسطورة ، إلا أننا قد نكون مجبرين على إفتراض هيمنة مبكرة شرسة من الرجال على النساء ، ربما في حقبة (النظام الأبوي) التي أعقبها تحرير النساء وفترة الإنتقام للأمازونيات . إن ثورة ونصر النساء هذه على الرجال يفترض أن تكون جزئية ، حيث يزعم أن هناك أمتين للأمازون والجورجون في العصور القديمة السالفة . إن الحقيقة التي مفادها أن الأمازونيات كن فارسات مقدامات يجعلنا نميل للإعتقاد بأنهن جئن من السهول اليوروآسيوية إن كانت تلك المنطقة حقا  موطنا أصليا للجياد كما زعم . يتميز النظام الأمومي بالتعاون والإزدهار المتجانس لكلا الجنسين وبتفوق أكيد  للمرأة وهو تفوق عائد بشكل أساسي للظروف الإقتصادية ، يتقبله الرجل بل يدافع عنه .


* القرابة بين السودان المروي ومصر :
إذا ما وضعنا في الإعتبار أنّ أثيوبيا اليوم ليست إثيوبيا القديمة والتي تعني أساسا حضارة سنار السودانية ، فإن علينا أن نعترض على المصطلح الحديث المضلل الذي يحيل إثيوبيا القديمة وبلاوعي إلى جهة الشرق أي إلى أديس أبابا . إنّ الملوك الذين أزاحوا الليبيين المغتصبين عن عرش مصر تحت حكم الأسرة الخامسة والعشرين حوالي عام 750 ق.م كانوا في الواقع سودانيين . في عام 712 إعتلى (شاباكا) عرش مصر بعد أن دحر الغاصب (بوخوريس) وتلقى ترحيبا حارا من الشعب المصري الذي رأه كمجدد للتقاليد القديمة ، ليشهد ذلك مرة أخرى على القرابة الأصيلة بين المصريين والإثيوبيين الزنوج . لقد أعتبر المصريون أثيوبيا والأجزاء الداخلية من أفريقيا على الدوام كأرض مقدسة جاء منها الأسلاف . إنّ هذه الفقرة من (شيروبيني) تشير إلى تفاعل المصريين مع قدوم الأسرة الحاكمة السوداء من أرض كوش (السودان ) :

(( على أي حال فإنه لجدير بالملاحظة أن سلطة ملك إثيوبيا بدا أنها سلطة معترف بها في مصر، أقل من أن تكون حكم عدو فارض سلطته بالقوة أو من وصاية دعا لها المبتهلون في بلد عانى طويلا وأبتلي بالفوضى عند حدوده وبضعف  في الخارج , بهذا الملك وجدت مصر مجسدا لأفكارها ومعتقداتها ومجددا متحمسا لمؤسساتها وحاميا قويا  لإستقلالها . لقد بقي حكم (شاباكا) في الذاكرة المصرية كواحد من أسعد العهود ، فيما أحتلت أسرته التي جرى تبنيها في أرض الفراعنة الترتيب الخامس والعشرين في الأسر القومية الحاكمة التي إعتلت العرش )) .


إن هذه العلاقة بين مصر وبلاد النوبة ، مصرايم وكوش وكلاهما أبناء حام ، تكشف عنها الكثير من الأحداث في التاريخ المصري – النوبي . بعد (شيروبيني) جاء دور (بودج) ليلاحظ التالي : (( لاحظت في – سيما – أن معبد (تي – راكا) قد خصصه هذا الملك لروح (أوسارتاسون الثالث) معتبرا إياه كأب إلهي . عبّر (بودج) عن رأيه بالقول بأن الملوك الإثيوبيين كانوا يعتبرون الفاتحين المصريين كأسلافهم . بالرغم من ذلك فإن (بودج) أخذ في الإعتبار إقتناع المصريين بأنهم قد توحّدوا بفضل الروابط الوثيقة مع شعب (بونت) التي هي إثيوبيا اليوم . لقد لاحظ أخيرا أنّ سكان بونت  في تلك الحقبة البعيدة أي في عصر الملكة (حتشبسوت) قد وصفوا بأن لهم لحية مجدولة بشكل غريب ، تزين بها وجوه الآلهة في كل النقوش المصرية )) .


إن هذا الإقتباس بالكاد يحتاج إلى تعليق فالعنصر الأخير الذي ذكر أي اللحية المجدولة لا تزال موجودة في أفريقيا السوداء . لم يكن المصريون مقتنعون فقط بالروابط الوثيقة بين الشعبين ، بل كذلك بالقرابة البيولوجية الأصيلة ، ذلك كونهم ينحدرون من نفس السلف الذي للسود الذين سكنوا لاحقا أرض بونت . إنّ ذلك هو الجد الأعلى المشترك للمصريين والنوبيين الذين عبدوا الإله (آمون) والذي كما رأينا هو إله كل أفريقيا السوداء اليوم . حتى نهاية الإمبراطورية المصرية كان  ملوك بلاد النوبة (السودان) يحملون نفس لقب الفراعنة المصريين أي (صقر بلاد النوبة ) . لقد جرى تصوير آمون وأوزيريس باللون الأسود الفاحم ، أما إيزيس فهي الإلهة السوداء .  كان المواطن القومي أو الأسود فقط هو الذي يحظى بالخدمة في عبادة الإله (مين) . إنّ الكاهنة التي لدى الإله آمون في ذلك المكان المقدس لم تكن سوى سودانية مروية . إن هذه الحقائق أساسية وغير قابلة للعبث بها . لقد سعى خيال الباحثين بلا جدوى لإيحاد تفسير يتوافق مع فكرة الجنس المصري الأبيض .


(( لقد كان للإله كوش محراب في مفيس ، طيبه ، مروي تحت الإسم خونس ، إله السموات بالنسبة للإثيوبيين ، هرقل بالنسبة للمصريين )) – بيدرال ص 29 . لدى (الولوف) فإن (خونس) يعني (قوس قزح) . كذلك هناك أرض في النيل الأعلى تعرف بإسم خونس )) . وفقا لذلك فإن بلاد النوبة تبدو قريبة الشبه بمصر وأفريقيا السوداء ، إذ تبدو أنها بمثابة نقطة الإنطلاق بالنسبة للحضارتين . لذا فإننا لا نندهش اليوم أن نجد سمات حضارية مشتركة مع بلاد النوبة التي إستمرت مملكتها حتى الإحتلال البريطاني وبقية أفريقيا السوداء . مباشرة وبعد إنتهاء التاريخ المصري – النوبي القديم ، صعد نجم إمبراطورية غانا كالشهب فيما بين منبعي نهري النيجر والسنغال في حوالي القرن الثالث بعد الميلاد . بالنظر إلى التاريخ الأفريقي من هذا المنظور فإن هذا التاريخ تواصل من دون إنقطاع . لقد خلفت الأسر المصرية الحاكمة الأسر النوبية الحاكمة الأولى في الحكم ، حتى إحتلال مصر من قبل الهنود الأوربيين إبتداء من القرن الخامس قبل الميلاد . لقد ظلت بلاد النوبة المصدر الوحيد للثقافة والحضارة حتى حوالي القرن السادس بعد الميلاد ، ثم حملت غانا الشعلة منذ القرن السادس حتى عام 1240 م حينما دمرت عاصمتها على يد (سوندياتا كيتا) . لقد كان ذلك نذيرا بتدشين إمبراطورية ماندينقو (عاصمة : مالي ) التي كتب عنها (ديلافوسي) :


(( لقد كانت هذه القرية الصغيرة في النيجر الأعلى لسنوات عديدة العاصمة الرئيسية لأكبر إمبراطورية عرفت في أفريقيا السـوداء وواحدة من أكثر الإمبراطوريات أهمية في العالم )) .


ثم جاءت من بعد ذلك إمبراطورية قاو ، إمبراطورية ياتينقا ( أو موسى والتي لا تزال قائمة ) ، ممالك جولوف وكايور في السنغال التي دمرها (فيدهرب) في ظل حكم نابوليون الثالث . في سردنا لهذا التسلسل الزمني فإننا نود أن نظهر أنه ليس هناك إنقطاع في التاريخ الأفريقي . إن هذا هو المنظور الذي يجب أن ينظر به إلى ماضي أفريقيا وطالما جرى تفادي ذلك الماضي فإن التفسيرات الأكثر دراسة سوف يكون مآلها الفشل ، حيث لا توجد تفسيرات مثمرة خارج الواقع . إن علم الآثار المصرية سوف يرتكز فقط على أرضية صلبة حينما يعترف رسميا بأساسه الزنجي – الأفريقي . بناء على قوة الحقائق أعلاه وتلك التي يحب أن تتبع ، فإنه يمكننا أن نؤكد وبإطمئنان بأنه طالما تجنب علم الآثار المصرية الأساس الزنجي للحضارة وطالما ظل يغازل مضمونه كما لو أنه يريد إثبات نزاهته فسيجد نفسه أمام طريق مسدود . ما هو أكثر طبيعية من أن نعثر على البانثيون المصري – النوبي سليما بأكمله تقريبا في أفريقيا ؟ ينقل لنا (بيدرال) مقتبسا من (موريه) رواية قبطية عن ملكين أحدهما غير معلوم ، أما الثاني فهو الملك (شانقو) ، (ياكوتا) ، أو (خفيوسو) – حسب لغة الحوار . لقد عبد هذا الحاكم على إمتداد ساحل العبيد (غينيا) تحت هذه الأسماء المختلفة كإله للرعد والدمار والذي هو  وفقا للقصص التي رواها السود ملك كوش ولقبه أوباتو – كوسو ، شانقو . كان يحب الحرب والصيد بشغف ولقد فادته فتوحاته حتى داهومي . أما الملكان بيري (إله الظلام) و أيدو – خويتو (إله قوس قزح) فقد كانا من عبيده .


(( مثلما ذكر ذلك موريه فإن أوبا – كوسو قد ولد في (إيفي) وهو موقع يجهله المؤلف تماما . مزينا باللقب (أول مولود للإله الأعظم) فإنه كان نتاج للعلاقة الآثمة مع المحارم لـ (أورجان) إله الجنوب و (يماديا) والدة (أورجان) التي هي نفسها شقيقة (أجانجدو) إله الفضاء . أما إخوة شانقو – أوبا – كوسو فهم (دادا) إله الطبيعة ، (أوقون) إله الصيادين والحدادين . إن له ثلاثة زوجات أويا ، أوسون ، أوبا . إنه من الواضح تماما أن أوسون تشبه أسون زوجة تويوم – ست – تيفون التي نزوجت لاحقا حورس إبن مصرايم – أوزيريس ، أما (دادا) فهو يشبه (ديدان) إبن كوش في رواية ورياما في رواية أخرى . أخيرا فإن الإثيوبيين يزعمون أن كوش تزوج ثلاثة نساء هن أخواته . إن شهادة (موريه) تلخص جزء أساسيا من التقاليد المشتركة الواقعة على خليج بنين (توجو ، داهومي ، نيجريا) إلى إيوي ، قوين ، فون ، يوروبا  وكانت الأخيرة تدعى مدينتهم المقدسة إيفي )) بيدرال ص 30 – 31 .



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////