الفصل الخامس

هل يمكن أن تكون الحضارة المصرية ذات منشأ آسيوي ؟


هنا ومثلما في كل ما سبق ، من المهم التمييز بين ما أستنتج من الفحص الدقيق للوثائق التاريخية وما زعم به خلاف تلك الوثائق ، أي ماهو متعارض مع إفاداتها . لإسناد الحضارة المصرية إلى منشأ أسيوي أو أي منشأ أجنبي أيّا كان ، فإن علينا إثبات الوجود السابق لمهد الحضارة خارج مصر . في المقابل فإننا لا نستطيع الإفراط في التشديد على الحقيقة التي مفادها أن هذا الشرط الضروري قد أستوفى . كتب (موريه) :
(( لم يحدث أن تعاطفت الظروف الطبيعية مع مجتمع إنساني مثل تلك التي تعاطفت مع مصر، مثلما لم نجد صنعة لها نظير من حيث الكمال الفني  المتعلق بصنعة النقش الحجري في أي مكان أخر ، وبعيدا عن أي مراحل لأي عصور غير مؤكدة في فلسطين فإنه لا يوجد أي أثر لإنسان في سوريا وبلاد النهرين قبل عام 4.000 ق.م . لذا فمن الحكمة أن ينسب هذا التطور المبكر إلى عبقرية سكان مصرالأوائل وإلى الظروف الإستثنائية لوادي النيل . لا شيء يثبت أن هذه الحضارة عائدة لتوغلات غرباء هم أكثر حضارة . إن وجود مثل ذلك الزعم أو على الأقل وجود حضارتهم في حاجة إلى إثبات )) .


إن هذه الملاحظات التي أبداها (موريه) تعذر دحضها حتى اليوم . لقد لمح المؤلف إلى التاريخ 4241 ق.م ( وهو تاريخ جرى تصحيحه على نحو طفيف إلى 4236 ق.م ) حينما إستخدم التقويم في مصر بشكل مؤكد . لذا فإننا وبيقين حسابي نواجه في مصر  أكثر تواريخ الإنسانية عراقة . ماذا وجدنا في بلاد ما بين النهرين ؟ لا شيء يمكن تحديد تاريخه بشكل مؤكد . لقد كانت مساكن بلاد ما بين النهرين لا تزال مبنية بالطوب المصنوع من الطين والمجفف بأشعة الشمس والذي سرعان مايتحول إلى كتلة من الطين عند هطول الأمطار . إن إهرامات مصر ، معابدها ، مسلاتها ووفرة أعمدتها في الأقصر والكرنك ، طرق كباشها ، مدرجات (مينون) ، نقوشها الصخرية ، معابدها التي تحت الأرض ذات الأعمدة القائمة على النمط الدوري ( دير البحري) في طيبه ، هو واقع أثري لا يزال ملموسا حتى اليوم ودليل تاريخي لا يمكن دحضه . في المقابل ماذا أنتجت إيران (عيلام) وبلاد مابين النهرين قبل القرن الثامن (حقبة الآشوريين) ؟ فقط  إستحكامات من الطين عديمة الشكل . هذه الإستحكامات كانت تنبيء عن حطام معابد وأبراج مهدمة يؤمل في ترميمها ، لذا فإن عالم الآثار البريطاني / سيتون لويد يقوم بترميم الأجزاء الداخلية من المعبد البابلي الإفتراضي من الألفية الثانية أو الثالثة والذي صوّره (بريستيد) . يتولى المعهد الشرقي لجامعة شيكاغو تنفيذ حفريات هذه الترميمات. إن هذه الترميمات التي تتضمن ترميم برج (بابل) ، هي ترميمات جادة للحد البعيد بالنسبة لتاريخ البشرية نظرا للأوهام التي تثيرها . (إن بقايا هذه المباني الخاصة بالبرج البابلي ضعيفة جدا وهناك إختلاف كثير في الرأي فيما يتعلق بالشكل المناسب لترميمها ) .


في مصر تعتمد دراسة التاريخ بشكل كبير على هذه الوثائق المكتوبة مثل حجر باليرمو ، ألواح أبيدوس الملكية ، بردى تورين الملكية ، حوليات مانيتو فإلى هذه الوثائق المعتمدة ، علينا أن نضيف جميع الأدلة التي أوردها الكتاب القدامى ، من (هيرودتس) إلى (ديودورس) ، لا سيما (نصوص الإهرامات) ، (كتاب الموتى) وألاف النقوش التي على الجبال . في بلاد ما بين النهرين كان من غير المجدي البحث عن شيء أخر مماثل . إنّ ألواح الحروف المسمارية لم تحمل شيئا سوى حسابات التجار والإيصالات والفواتير المكتوبة . لقد صمت القدماء عن الحديث عن ثقافة بلاد ما بين النهرين المزعومة في حقبة ما قبل الكلدانيين . لقد إعتبر القدماء الكلدانيون طائفة من الكهنة الفلكيين المصريين الذين كانوا زنوجا . وفقا للمصريين فإن (ديودورس) أورد أن الكلدانيين كانوا جالية لكهنتهم ، جلبهم (بلوز) عن طريق نهر الفرات وقام بتنظيمهم على غرار الطائفة الأم وأستمرت هذه الجالية في العناية بمعرفة النجوم وهي المعرفة التي جلبوها معهم من أرضهم . لذا فإن كلمة (كلداني) شكلت الأصل للكلمة الإغريقية (فلكي). ربما كان برج (بابل) ذو الهرم المدرج المشابه لبرج (سقاره) والذي كان يعرف أيضا بـ (برس – نيمرود) و (معبد بعل) مرصدا فلكيا للكلدانيين . إنّ ذلك يتوافق مع (نمرود) إبن كوش ، حفيد (حام) جد السود بحسب ما ورد في الكتاب المقدس ، رمز القوة العالمية ( لقد كان صيادا قويا أمام الرب ) . لقد كان إبتداء مملكته (بابل) ، (آراك) و (آكاد) وجميعها كانت في أرض (سينار) ومن ذلك الإقليم خرج آشور . إذن أليس من الطبيعي أن نجد إهرامات (سقاره) المدرجة في بابل (مدينة بعل الكوشية) ، في ساحل العاج (في هيئة مقادير برونزية) وفي المكسيك حيث شهد المؤلفون المكسيكيون وعلماء الآثار أنفسهم بهجرة الزنوج إليها عبر الأطلسي ؟؟


بما أنّ آسيا الغربية كانت مهدا للحضارة الهندو – أوربية وإن كانت هذه الحضارة القابلة للمقارنة بالحضارة المصرية قد إزدهرت قبل حقبة الكلدانيين فلماذا لم ينقل إلينا القدماء الذين شكلوا فرعا من أؤلئك الهنود الأوربيين شيئا عنها وإن كان مبهما ؟  علما  بأنهم الوحيدون الذين أمدونا بالشهادات المعززة عن الثقافة الزنجية المصرية . وفقا لتسلسل زمني قصير ، 3.200 سنة قبل الميلاد فإن مصركانت موحدة تحت ملك (مينا)  ، أما في غربي آسيا فلم يحدث شيء مماثل ، فبدلا من أن نجد مملكة موحدة قوية ، لا نجد سوى مدنا فقط : سوسا ، أور ، لاقش ، ماري ، سومر، دلت عليها أحيانا مدافن مجهولة خلع عليها لقب (مدافن ملكية) دون أي دليل وهكذا رفع أشخاص مزيفون أو أعيان بلدة أو قرية إلى مرتبة الملوك . اليوم في كل قرية في السنغال يمكن أن تجد عائلة تزعم بأنها مؤسسة لتلك القرية . إن أكبر أفراد تلك العائلة سنا غالبا ما يكون راعي تلك القرية ذات الصلة  ويجد إعتبارا مؤكدا من ساكنيها . بالرغم من ذلك فإنه سيكون من التناقض المنطقي منحه ولو بعد ألفي عام لقب الملك أو أن يكون متحدثا بإسم ملك كوكي جاد ، كوكي قاي ، كوكي ضهر وهكذا . عن أهمية ما يسمى بأ (المقابر الملكية) في أور يكتب
(جورج كونتينو) التالي :


((بوجود الجبانات الملكية ربما نتعجب عما إذا كان الملوك مدفونين حقا وعما إذا كان علينا أن نربط تلك المدافن بعبادة الخصوبة . في الواقع إن ما يدهشنا أن ساكني تلك المدافن مجهولي الهوية . يعتقد إم. إس. سميث أن هذه المدافن ربما لا تحتوي على ملوك حقيقيين ولكن ممثلين في دراما مقدسة كانت تقدم في المهرجانات ، حيث يتم التضحية ببطل الرواية الرئيسي . أما مكتشف المدافن سير (ليونارد وولي) فإنه ينكر ذلك ، مشيرا وعلى  ضوء الإكتشاف المثير للمدافن الملكية بأن السكوتيين قد طبقوا طقوسا مماثلة بعد ذلك بمدة طويلة . مع أن الحظ لم يحالفنا في  أن نعثر على مقبرة سليمة في بلاد ما بين النهرين سوى المدافن الملكية في (أور) ومع أننا لم نواجه أبدا بوثائق واضحة عن إستمرارية الطقس الجنائزي الذي كشفت عنه الحفريات في أور ، إلا أن القليل من الألواح سلطت  قليلا من الضوء على وجود ضعيف نوعا ما لتلك الممارسة . هناك رسالة يعود تاريخها إلى الحقبة الآشورية في ظل السرجونيين ، تفيدنا بأن إبن حاكم آكاد وأماكن أخرى قد لاقى مصيره مثل زوجته وأنهما دفنا معا )) . إنه لمن المؤسف أن يعود تاريخ تلك الوثائق المبهمة والمتاحة إلى عهد متأخر (القرن الثامن قبل الميلاد)  وإنه ليس أقل أسفا أن تقفز إلى الذهن وبشكل طبيعي المقارنة مع  عادات السكوتيين التي وصفها (هيرودتس) في القرن الخامس . في الواقع وعند الإشارة إلى نفس الأوصاف التي إقتبسها دكتور / كونتينو (1556) فإننا نتحقق من أنه من غير الممكن أن يكون هناك شعب أكثر وحشية وهمجية من السيكوتيين . بناء على ذلك فإننا  نجد أنفسنا بعيدين عن آثار حضارة يمكن الزعم بأنها أم الحضارة المصرية . إن تعبير (مبتدع) الذي ينطبق على السير/ ليونارد وولي لإكتشافه تلك المدافن ، يثبت أن كلمة (ملكية) لا يمكن تبريرها عدا كونها فرضية تحت الدراسة . في المقابل فإن أكثر ملوك (عيلام) كانوا سودا دون أدنى ريب ، تشهد بذلك الآثار التي نبشها (ديولافو) :


(( إن الكثير من العجائب الأخرى في الطريق للكشف عنها بينما نتنقل من عجيبة مدهشة لأخرى . عند هدم جدار ساساني جرى تشييده  بأكثر المواد قدما ومتاحة محليا ، عثر على آثار يعود تاريخها إلى العهد العيلامي من تاريخ سوزا ، بكلمات أخرى : هي سابقة للتاريخ الذي إستولى فيه آشوربانيبال على هذه القلعة . لكن علينا هنا أن نتيح المساحة لـ (ديولافو) : ((عند إزاحة المدفنة الواقعة عبر الجدار المصفوف بالطوب والذي هو جزء من تحصينات البوابة العيلامية ، كشف العمال عن جرة جنائزية . كانت الجرة داخل غطاء بنائي مؤلف من آجر مطلي . جاءت هذه القراميد من لوح يصّور شخصية مهيبة ، ترتدي ثوبا أخضرا مع زركشة صفراء ، زرقاء ، بيضاء . كان الرجل يرتدي جلد نمر ويحمل خيزرانه أو رمح ذهبي . ما هو أكثر دهشة من كل هذا هو أنّ ذلك الشخص ذو الفك المنخفض ، اللحية ، العنق واليد ، كان أسودا . أما شفتاه فقد كانتا رقيقتان ، لحيته كثيفة ، أما الزركشة ذات النمط القديم فيبدو أنها من عمل الحرفيين البابليين)) . في جدر ساسانية أخرى بنيت من مواد قديمة ، عثر على آجر مصقولة تكشف عن قدمين في نعلين من الذهب ، يد رسمت بعناية ، معصم مغطى بالأساور ، فيما تمسك الأصابع بواحدة من تلك الخيزرانات الطويلة والتي أصبحت شعار السلطة الملكية في ظل الأخمنديين . هناك قطعة من الثوب تحمل شعار (سوزا) ، مخفي جزئيا تحت جلد نمر . أخيرا هناك إفريز موشى بالزهورعلى خلفية بنية . كانت الرأس والأقدام سوداء ويظهر جليا أن كامل الزخرفة قد صممت لتنسجم مع البشرة الداكنة للوجه .  للشخصيات المؤثرة فقط الحق في حمل عصا الخيزرانات الطويلة وإرتداء الأسوار، بينما يحق  لحاكم الموقع الحصين فقط  أن يزين ثوبه بصورته المزخرفة . فوق ذلك فإن مالك الخيزرانة وسيد القلعة كانوا سودا . بناء عليه هناك إحتمال كبير بأن تكون عيلام قد حكمت بواسطة أسرة حاكمة سوداء  ومن ملامح الوجه التي وصفت سابقا يمكن الحكم عليها بأنها كانت أسرة أثيوبية )).


بعد نصف قرن أيّدت نتائج دكتور / كونتينو إستنتاجات (ديولافو) عن الدور الذي لعبه العرق الأسود في غربي آسيا . أولا يعيد إلى الأذهان رأي (كاترفاج) و (هامي) عن الأنماط العرقية المجسدة في الآثار الأشورية ، فالسوزي على وجه الخصوص (الناتج المحتمل لخليط ما من الكوشيين والزنوج بأنفه المفلطحة نسبيا ، المناخير الموسعة ، عظام الخدود البارزة ، الشفاه الغليظة ، هو نمط عرقي جرى ملاحظته وتصويره بشكل جيد . ثانيا أورد تصنيف (هوساي) للسكان الحاليين والذي ربما تألف من ثلاثة طبقات ، أحدها وصف على النحو التالي : (( يتطابق الآريون – شبه الزنوج مع السوزيين القدامى الذين هم معظمهم سودا ، سلالة من الزنوج القصار ذات سعة ضئيلة للجمجمة . إن الآريون -  شبه الزنوج كانوا عريضو الجبهة وليسوا مستطيلي الرأس مثل الزنوج العظام ويمكن أن نجدهم في اليابان ، جزر ماليزيا ، الفلبين ، غينيا الجديدة . مع أنّ هذا التصنيف قد تدخل عليه  التعديلات ، إلا أن المكان الذي نسب إليه الزنوج يظل باقيا . بوجودهم يمكننا أن نفسر وجود هؤلاء بين الأقواس الفارسية التي صّورت المحاربين السود بالآجر الملون وليست بهم السمات العرقية للزنوج . من دون المبالغة في أهمية هذا العنصر فإن وجودهم في عيلام القديمة لم يكن موضع شك )) .


إن الخلفية الزنجية المبكرة  لعيلام القديمة تسلط  ضوء جديدا على خلفية أبيات معينة من الشعر في ملحمة (جلجامش) ، قصيدة بابلية (كوشية) : يا إنليل الأب .. يا سيد البلاد .. يا إنليل الأب .. يا سيد الكلمة الصادقة .. يا إنليل الأب .. ياراع السـود . في هذه الملحمة فإن (أنو) الإله الأصلي ، أب عشتار له نفس الإسم الزنجي مثل أوزيرس (أون) . في الأبيات 92-93 (أخذت الإلهه عشتارالكلمة وتحدثت هكذا إلى أبيها الإله أنو ) . وفقا لـ (اميلينو) فإننا عرفنا أن الـ (أنو) كانوا السود الأوائل الذين سكنوا مصر ، فيما ظل عدد منهم في شبه الجزيرة العربية على إمتداد التاريخ المصري . بالتالي فإن الزنوج الـ (أنو) حقيقة تاريخية وليست تصورا ذهنيا أو فرضية قيد الدراسة . كذلك يمكننا أن نذكر وحتى في أيامنا هذه شعب الأني (أقنو) في ساحل العاج ، حيث لوحظ مبكرا أن لقب (آمون) يسبق أسماء ملوكهم . يعيد (فيكتور كريستيان) في تسلسله الزمني  الذي إعتمد على الحسابات الفلكية لـ (كوجلر) ، بداية تاريخ الأسرة الحاكمة الأولى لـ (أور) إلى الفترة ما بين 2600 – 2580 وهو التاريخ الذي تعود إليه ما يعرف بـ (المدافن الملكية) . يتراوح التاريخ الرسمي المتبنى حتى اليوم بدون سبب خاص بين 3100 – 3000 . في الواقع فإن إختيار 3100 ليس ناجم من ضرورة سوى التوافق بين  التقويم المصري وتقويم بلاد ما بين النهرين ولأن التاريخ المصري ووفقا لأكثر التقديرات إعتدالا يبدأ في 3200 فإنه أصبح لا مناص أن يبدأ تاريخ بلاد ما بين النهرين في ذات الوقت ، حتى وإن أعدت كل الوقائع التاريخية المعلومة في فترة زمنية أقصر بكثير. ملمحا إلى تقدير (كريستيان) يكتب (كونتينو) : ( ماذا علينا أن نعتقد بهذه الأرقام الجديدة ؟ في ذاتها فإنها تتيح وقتا كافيا للأحداث التاريخية ) . بالرغم من ذلك فقد كان حريصا على أن لا يتبنى ذلك التسلسل الزمني لسببين :


(1) الأول هو أن التقدير سالف الذكر للظاهرة الفلكية والذي يفترض أن يكون معيارا ثابتا ، يخضع إلى الإختلافات .
(2) أما السبب الثاني هو أن التسلسل الزمني القصير للغاية لم يأخذ في الإعتبار الحضارات المجاورة ، إذ بصبح من الصعب تفسير أن تكون الحضارة المصرية التي بدأت بحسب أكثر تقديرات علماء الآثار المصرية إعتدالا في العام 3100 ق.م ، أن تكون قد سبقت حضارة بلاد ما بين النهرين بـ (600) سنة .
إنّ العلاقات القائمة بين آسيا ومصرفي الحقب التاريخية الأولية هي حقيقة ثابتة وهو أمر لا يمكن تفسيره عند تقديم الحضارة المينوية ،  إذا ما إعتمدت تلك الأرقام الجديدة . يبدو المقترح صعب القبول . إنني أعتقد أن دراسة السيد / كريستيان المثيرة للإهتمام يمكن أن تقود إلى إستنتاج مقبول ، فقط إذا أحدثت دراسة مماثلة إختزالا مشابها في تاريخ إبتداء الجضارات المصرية والإيجية (نسبة إلى بحر إيجه) .


في عمل أخر نشر عام 1934 يشدّد دكتور كونتينو على أنه ((يجب أن يوضع في الحسبان التضامن العام الذي كان قائما فالحقب التاريخية بدأ تدوينها في ذات الوقت تقريبا في كل من مصر وبلاد ما بين النهرين وبالرغم من ذلك فإن علماء الآثار المصرية يرفضون عموما تحديد تاريخ (مينا) مؤسس الأسرة الحاكمة الأولى بأقل من  العام 3200 ق.م)) . من الواضح من النصوص أن التزامن في تاريخ مصر وتاريخ بلاد ما بين النهرين هو حاجة نبعت من الأفكار وليست من الحقائق . تتمثل الفكرة الدافعة لذلك في تفسير حضارة مصر عن طريق حضارة بلاد ما بين الهرين أي غربي آسيا حيث الموطن الأصلي للهندو- أوربيين . إذا ما بقينا داخل إطار الحقائق المعتمدة فإننا نجد أنفسنا مضطرين للنظر إلى حضارة مابين النهرين بأنها إبنة للحضارة المصرية   ولدت متأخرا . إنّ علاقات التاريخ القديم لا تلمح بالضرورة إلى تزامن تاريخ البلدين . لنختم هذا الجزء علينا أن نتأمل هذه الفقرة التي أوردها (مارسيل بريون) إقتباسا من (لوفات ديكسون) (( قبل ثلاثون عاما لم يكن الإسم سومر يعني شيئا للعامة . اليوم هناك شيء يسمى – المشكلة السومرية – أصبح موضوعا مثيرا للجدل وللتفكير المتواصل بين علماء الآثار)) . بالإشارة إلى الآثار الفارسية يفيدنا (ديودورس) بأنها بنيت بواسطة عمال مصريين إختطفهم (قمبيز) المخرب قسرا . لقد أشعل (قمبيز) النار في كل المعابد في مصر وذلك حينما نقل الفرس كل الكنوز إلى آسيا وأختطفوا بعضا من عمال البناء المصريين وبنوا القصور الشهيرة في برسيبوليس ، سوزا ، والعديد من المدن الأخرى في ميديا)) . وفقا لإسترابو فإن تيثون الزنجي ملك أثيوبيا ووالد مينون هو من أسس مدينة (سوزا) . (( في الواقع يزعم أن سوزا أسسها تيثون أي مينون وأن قلعته حملت إسم مينوميوم . السوزيون يسمون كذلك سيزيين ، أما أسكيلوس فتسمى سيسيا والدة مينون)) . إن إسم سيسيا يذكرنا بسيسي وهو إسم عائلة أفريقية .


فينيقيا :
إن الإنسان الذي عثر عليه في أرض كنعان والعائد إلى عصور ما قبل التاريخ والذي يعرف بالـ (ناتوفي) كان شبه زنجي . إن صناعة الأدوات القبصية – نسبة إلى قفصة بتونس – والتي جاءت بلا شك من شمال إفريقيا إلى هذا الإقليم ، كانت ذات أصل شبه زنجي . في الكتاب المقدس وحينما وصلت السلالات البيضاء الأولى إلى المكان وجدوا سلالة سوداء هناك ، الكنعانيون وهم ذرية كنعان أخ مصريم المصري وكوش الإثيوبي أبناء حام :
((قال الرب لإبرام : أترك أرضك ، عشيرتك ، بيت أبيك إلى الأرض التي سأريك لها .. ذهب إبرام بعيدا مثلما آمره الرب وأخذ معه زوجته ساراي وفي معيته إبن أخيه لوط وكل المقتنيات والنفوس التي إكتسبوها في حاران وغادروا إلى أرض كنعان وأجتاز إبرام الأرض إلى المكان المقدس عند شكيم بالقرب من سهل موره حيث كان الكنعانيون يومها متواجدين في الأرض )) .


بعد الكثير من الأحداث إمتزج الكنعانيون والقبائل البيضاء التي مثّلها إبرام ونسله (ذرية إسحق) ليكونوا بمرور الزمن الشعب اليهودي الماثل اليوم . (( ذهب حيمور وإبنه شكيم إلى بوابة مدينتهما وتحدثا إلى مواطنيهم قائلين (هؤلاء الرجال مسالمون ، دعوهم يسكنوا معنا ويتاجروا في أرضنا فهناك متسع من المساحة لهم . دعونا نتزوج بناتهم ونزوجهم بناتنا )) . من هذه السطور القليلة التي تبدو خادعة تظهر الضرورات الإقتصادية التي كانت تحكم العلاقات بين الغزاة والكنعانيين السود في ذلك الزمان . عليه فإن التاريخ الفينيقي لا يمكن فهمه إذا ما تجاهلنا إفادات الكتاب المقدس التي بحسبها فإن الفينيقيين أو الكنعانيين هم في الأصل أشباه زنوج ، كانوا متحضرين سلفا وأمتزجوا لاحقا مع القبائل البدوية البيضاء غير المثقفة . إن تعبير (لوكو- سوريين) الذي أطلق منذ ذلك الوقت على السكان البيض لذلك الإقليم ، كان تأكيدا لإفادات الكتاب المقدس ولا يحمل تناقضا كما يعتقد (هوفر) : (( يبدو أن إسم سوري قد جاء من بابل إلى خليج إيسوس ومن الخليج وصل إلى البحر الأسود ولا زال الكاباديسيون القاطنون في (طورس) بالأضافة إلى أؤلئك الذين على البحر الأسود يحملون إسم (لوكو – سوريين) – السوريون البيض – كما لو أنهم سوريون سود )) . إن هذا يفسر التحالفات الطويلة الأمد بين المصريين والفينيقيين وحتى في الفترات التي كانت تسودها الفلاقل والمحن العظيمة كانت مصر تعتمد على فينقيا مثلما يعتمد الأخ على أخيه .


((من بين الروايات الأثرية التي نقشت على جدران المعابد المصرية والتي تشير إلى حركات التمرد الكبيرة التي إندلعت في سوريا ضد الهيمنة الأثيوبية ، لم نرى أبدا في قائمة المتمردين أسماء أهالي صيدا ، أو بعاصمتهم ، أو أيّ من مدنهم . إن أشد تلك القلاقل كانت رعبا هي تلك التي سحقها تحتمس الثالث ، سيتي الأول ، رمسيس الثاني ورمسيس الثالث والتي كانت بتحريض من الأشوريين أو الحيثيين الشماليين . في المتحف البريطاني هناك بردية لا تقدر بثمن تحتوي على رواية قصصية عن زيارة لسوريا قام بها موظف مصري في نهاية عهد حكم رمسيس الثاني ، بعد إبرام إتفاقية سلام مع الحيثيين . على إمتداد سوريا كان المسافر يسير داخل التراب المصري . ويتجول بحرية وأمان مثلما يفعل في وادي النيل ، بل وبفضل وظيفته كان يتمتع بشيء من السلطة)) .


إنّ علينا أن لا نقلل من دور العلاقات الإقتصادية بين مصر وفينيقيا لتفسير الولاء الذي كان قائما بين البلدين . يمكن للمرء أن يفهم أن الديانة والمعتقدات الفينيقية هي نسخة من الديانة والمعتقدات المصرية . تكشف مقاطع من (سانشرنياسيون) التي ترجمها (فيلو الجبيلي) وتقلها عنه (أوزيبيوس) عن نشأة الكون الفينيقية . وفقا لهذه النصوص  كانت هناك مادة لم تخلق في حالة من الفوضى ، هي في حالة إضطراب دائم (بوهو) ، فيما حلقت الروح فوق الفوضى وسميت وحدة هذين العنصرين (شيفتس) الرغبة التي هي اصل كل الخلق . إن ما يخلف إنطباعا فينا هنا هو هذا التشابه بين هذا الثالوث الكوني وذلك الذي وجد في مصر كما أورد (أميلينو) في مؤلفه (تمهيدات لدراسة الديانة المصرية) : في نظرية نشأة الكون المصرية هناك أيضا المادة التي لم تخلق وهي في حالة فوضى التي تعرف بـ (نون) الأولية والتي تحتوي على كل الكائنات المحتملة وإله التطور الكامن (خيفرو) . حالما خلق (لرع) من حالة الفوضى الأصلية ، إنتهى دور خالق الشر . من ثّم تتابع النسب بلا إنقطاع حتى قدوم  (أوزيريس) ، (إيزيس) ، (حورس) أسلاف المصريين ، ثم إنتقل الثالوث من مجال الكون إلى المجال المتعلق بالبشر كما ظهر ذلك في المسيحية لاحقا .


من خلال أجيال تعاقبت على نظرية نشأة الكون الفينيقية ، توصلنا إلى (ميسور) سلف المصريين الذي أنجب (توت) مبتدع العلوم والآداب والذي هو (تحوت) عند المصريين . في نفس النظرية توصلنا إلى (أوزيريس) و (كنعان) سلف الفينيقيين (لينورمان – المرجع السابق ص 583) . مرة أخرى تكشف نظرية نشأة الكون الفينيقية عن قرابة المصريين والفينيقيين وكلاهما ذو أصل كوشي (زنجي) . لقد تأكدت هذه القرابة بفضل نصوص (رأس شمرا) التي عثر عليها على الساحل السوري  والتي كشفت عن أن الموطن الأصلي لأبطال الفينيقيين هو في الجنوب عند الحدود مع مصر . (( لقد أتاحت لنا نصوص (رأس شمرا) الفرصة لإعادة التقصي في أصل الفينيقيين . بينما وضعت اللوحات التي صّورت الحياة اليومية في الحسبان العناصرالأجنبية المختلفة التي كانت تشارك في العمل الروتيني اليومي ، إلا أنها تشير إلى أساطير كان لها ماض مختلف تماما ومع أنهم إهتموا بمدينة في أقصى الشمال الفينيقي ، إلا أنهم تبنوا (النقب) في أقصى الجنوب حيث مسرح الأحداث التي وصفت . بالنسبة للأبطال القوميين والأسلاف فإنهم حددوا موطنهم مابين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر وهو أمر أكده هيرودتس (في القرن الخامس) ومن قبله صوفنيا في القرن السابع)) .


من الناحية الجغرافية فإن أساس الأرض الواقعة بين البحر المتوسط والبحر الأحمر هي برزخ السويس والتي يمكن أن نقول أنها بتراء العرب أي أرض (الأونو السود) الذين أسسوا أون الشمالية (هوليوبوليس) في العصور التاريخية . في منتصف الألفية الثانية تقريبا (1.450 ق.م) وتحت الضغط المتزايد للقبائل البيضاء التي إحتلت المناطق النائية ودفعت بالفينيقيين تجاه الساحل ، أسس أهالي (صيدا) أولى المستعمرات الفينيقية في (بيوثيا) حيث إستقر المزيد من السكان هناك . إن إسم (طيبه) يؤكد مرة أخرى القرابة العرقية بين المصريين والفينيقين . إننا نعلم أنّ (طيبه) هي العاصمة المقدسة لمصر العليا التي أخذ منها الفينيقيون المرأتين السوداوين اللتين أقامتا وسطاء للوحي في كل من (دودونا) في اليونان و(أمون) في ليبيا . خلال نفس تلك الفترة إستقر الليبيون في أفريقيا حول بحيرة (تريتون) وفق ما تم الإشارة إليه في دراسة عن الآثار التاريخية لـ (سيتي 1) . من جهته نجد أن (كادموس الفينيقي) يجسّد  فترة (صيدا) والمساهمة الفينيقية في اليونان . يقول الأغاريق أن (كادموس) هو من أدخل الكتابة ، مثلما نقول أن الجمهورية الفرنسية هي التي أدخلت السكك الحديدية إلى غرب أفريقيا الفرنسية . وفقا للروايات الإغريقية فإن المستعمرات المصرية في اليونان نشأت في ذات الوقت تقريبا : (كيكروبس) إستقر في (أتيكه) ، (داناوس) أخ (إيجيبتوس) إستقر في (أرجوليس)  وعلّم الإغريق الزراعة وطرق المعادن (الحديد) . 


خلال هذه الحقبة الصيداوية (نسبة إلى صيدا) كانت عناصر الحضارة المصرية – الفينيقية قد عبرت إلى اليونان . في البدء كانت للمستعمرة الفينيقية اليد الطولى ، لكن سرعان ما بدأ الأغاريق في المقاومة من أجل التحرر من الفينيقيين الذين إمتلكوا السطوة على البحار وكان لهم التفوق الفني في  الفترة التي سبقت الأرجونوتيين. لقد رمز إلى هذا الصراع بالقتال بين كادموس (الفينيقي) والثعبان بن مارس (اليوناني) والتي إستمرت ثلاثة قرون : (( لقد جسّدت الخرافة الأسطورية الشقاق الذي نشأ بين السكان الأصليين عند قدوم المستوطنين الكنعانيين  من خلال القتال الذي شنه (كادموس) والإسبارطيون . منذ ذلك الوقت فصاعدا فإن الإسبارطيين الذي أبقتهم الخرافة أحياء وأصبحوا رفاقا لـ (كادموس) ، مثلوا العائلات العونية الرئيسية التي قبلت الهيمنة الأجنبية . لم ينعم (كادموس) بحكم إمبراطوريته طويلا ، إذ سرعان ما أبعد وأجبر على التنحي من السلطة بين الأنشيليين . لقد إستعادت العناصر المحلية الحكم بعد أن قبلت بسلطة الفينيقيين وتلقت منهم ثمار الحضارة . لقد ثاروا ضدهم وحاولوا طردهم . كل ما نسنطيع أن نلمحه في هذا الجزء من الرواية المتعلقة بالكادميين هو ذلك الرعب الذي لا تزال تصبغ به سلالتهم وديانتهم ، من خلال الهمجية والفحش الصارخ التي أستثير بها فقراء وكبراء الأغاريق على الذين علموهم . في التراث الإغريقي يلحق الرعب الخرافي بذاكرة الملوك الذين ينحدرون من سلالة كادموسية . لقد زودوا التراجيديا القديمة بمعظم مواضيعها )) .


عند هذه النقطة نكون قد وصلنا فعلا إلى مرحلة فاصلة حينما تحرر العالم الهندو- أوروبي من هيمنة العالم الإفريقي – الفينيقي الأسود . إنّ الصراع الإقتصادي والسياسي الذي يشبه ما تخوضه اليوم الدول المستعمرة ضد ألإمبريالية الحديثة ، قد جرى دعمه – كما هو الحال اليوم – من خلال ردة الفعل الثقافي الذي تسببت فيه ذات الأسباب . لفهم ثلاثية (أوريستيس) الدرامية وملحمة (إينيد) لفيرجيل ، فإن علينا أن ننظر عليها في سياق الكبت الثقافي . بدلا من تفسير الإنتقال الكامل من النظام الأمومي إلى النظام الأبوي – كما رأى باشوفين وأخرين – فإن هذه الأعمال ترمز إلى مواجهة وصراع مفهومين مختلفين : أحدهما له جذور عميقة في السهول الأوربية الآسيوية ، أما المفهوم الأخر فمغروس في قلب أفريقيا . في البداية فإن النظام الأمومي هيمن وإنتشر على إمتداد المتوسط الإيجي ، بفضل الإستعمار المصري الفينيقي لشعوب تلك المنطقة بما فيهم السكان البيض أحيانا ، عدا ممن لهم ثقافة مختلفة لم يكن لها تأثير إيجابي في ذلك الزمن . ربما كان ذلك صحيحا بالنسبة للوكيين والمجموعات الإيجية الأخرى ، غير أن الكتاب القدامي  أفادوا بشكل إجماعي  أن هذه الأفكار لم تتغلغل فعليا في العالم الأبيض لشمالي أوروبا الذي رفضها حالما أتيح له ذلك ، حيث أن تلك الأفكار كانت غريبة بالنسبة لمفاهيمهم الثقافية . إن هذا هو معنى الإينيد . إن الإمبريالية الثقافية المصرية – الفينيقية كانت في معظمها غريبة للعقلية الشمالية ، مما صعّب من بقاء الإمبريالية الإقتصادية .


إن تاريخ الإنسانية سوف يبقى مشوشا طالما أخفقنا في التمييز بين أول مهدين للحضارة ، صاغت فيهما الطبيعة الغرائز ، المزاج ، الطباع ، المفاهيم الأخلاقية لمجموعتين قبل أن تلتقيا بعد إنفصال طويل يعود إلى عصور ما قبل التاريخ . أول هذين المهدين – كما سنرى في الفصل الذي يتناول مساهمة مصر – هو في وادي النيل من البحيرات العظمى إلى الدلتا عبرما سمي بالسودان (الأنجلو – مصري) . إن وفرة الموارد الحيوية ، الطبيعة الزراعية المستقرة ، الظروف النوعية للوادي ، تولد عنها إنسانها الزنجي المهذب ، المثالي ، ذو الطبيعة المسالمة ، المفعم  بروح العدالة والمرح . إن هذه المزايا ضرورية بصورة أقل أو أكثر بالنسبة للتعايش اليومي . بسبب متطلبات الحياة الزراعية فإن مفاهيم مثل النظام الأمومي ، الطوطمية (عبادة الوثن) ، التنظيم الإجتماعي الأكثر مثالية ، ديانه التوحيد ، ظهرت إلى حيز الوجود وقد نتجت عن هذه المفاهيم  مفاهيم أخرى فالختان جاء من التوحيد ، أما مفهوم الخنثوية فقد جاء من فكرة الآله (آمون) الخالق الذي أوجد كل الأشياء . بما أنّ (آمون) لم يخلق وبما أنه أصل كل الخلق فقد كان هناك وقت كان فيه وحيدا . بالنسبة لعقلية الأقدمين فإن (أمون) قد إحتوى ضمن ذاته كل مقومات الذكورة والأنونة اللازمة للإنجاب. عليه كإن على آمون الإله الزنجي الأعظم في السودان (بلاد النوبة) وباقي أفريقيا السوداء أن يظهر في الأساطير السودانية كخنثي . إن ذلك نجم عنه ختان الذكور والإناث في العالم الأسود . بإستخدام الظروف المادية لوادي النيل كنقطة فارقة يمكن للمرء أن يفسر كل السمات الأساسية للروح والحضارة الزنجية .


في المقابل فإن قساوة السهوب الأوربية الآسيوية ، جدب تلك المناطق ومجمل الظروف المادية فيها ، عمل على إيجاد الغرائز الضرورية للبقاء في مثل هذه البيئة . هنا فإن الطبيعة لا تدع مجالا لتخيل العطف أو الإهتمام فعلى المرء أنّ يحصل على خبزه من عرق جبينه . إضافة إلى ذلك فإن عليه على إمتداد عيشه الطويل القاسي أن يعتمد على نفسه فقط  وعلى إمكانياته فهو لا يستطيع أن يطلق العنان في الإعتقاد بإله  يغدق عليه بالعطايا في حياته . بدلا من ذلك فإنه يستحضر الآلهة الشريرة ، الخاقدة والحاسدة : (زيوس) ، (ياهو) بين آلهة أخريات . في ظل هذا النشاط  الذي فرضته البيئة المادية على الإنسان ، كانت هناك سلفا المادية مضمنّة والتجسيد وكذا الروح العلمانية . إنّ هذا هو السبب الذي جعل البيئة تصوغ هذه الغرائز تدريجيا لدى سكان تلك المناطق وعلى وجه الخصوص الهندو – أوربيين . لقد كانت كل شعوب تلك المنطقة بيضا أو صفرا  تميل غريزيا لحب الغزو والقتال وذلك للرغبة في النجاة من تلك البيئات العدائية ، فالبيئة التي حولهم تطاردهم فإما أن يغادروها ، يستسلموا ، أو أن يحاولوا الإستيلاء على أرض تتوافر فيها عناصر طبيعية أفضل . إن الغزوات لن تتوقف طالما عرفت هذه الشعوب  منذ  الإتصال الأول مع العالم الأسود إلى الجنوب أن هناك أرضا تتوفر فيها سبل العيش ، تتوافر فيها الثروات وتزدهر فيها التقنيات . لذا ومنذ عام 1450 ق.م وحتى (هتلر) ومنذ برابرة القرنين الرابع والخامس إلى (جنكيز خان) والأتراك فإن تلك الغزوات من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب لم تتوقف .


لقد ظل الإنسان بدويا وقاسيا في تلك المناطق ردحا طويلا من الزمان . لقد أفرز المناخ البارد عبادة النار لتظل متقدة منذ نار (ميترا) إلى شعلة الجندي المجهول تحت قوس النصر ومشاعل الألعاب الأولمبية القديمة والحديثة . تتحمل حياة البداوة والترحال المسئولية عن حرق جثث الموتى بحيث يمكن نقل رماد الأسلاف  في جرار صغيرة وقد إستمر هذا التقليد عند الإغريق ، فيما أدخله الآريون إلى الهند بعد عام 1450 وذلك يفسر حرق جثمان يوليوس قيصر وغاندي في عصرنا . لقد كان الإنسان بشكل واضح عماد ذلك النوع من الحياة . لقد كان الدور الإقتصادي للمرأة في ذلك المجتمع أقل أهمية بكثير من ذلك الذي للمرأة في المجتمعات الزراعية السـوداء . بناء على ذلك فإن العائلة الأبوية البدوية كانت بمثابة الجنين الوحيد للتنظيم الإجتماعي . إن مبدأ النظام الأبوي سوف يحكم كامل الحياة لدى الهنود – الأوربيين ، من الأغاريق والرومان حتى قوانين نابوليون إلى يومنا هذا . إن ذلك سبب تأخر مشاركة المرأة في الحياة العامة في المجتمعات الأوربية مقارنة بالمجتمعات الزنجية ، فإن كان العكس يبدو صحيحا اليوم في بعض أجزاء القارة السوداء فإن ذلك يمكن أن يعزى إلى التأثير الإسلامي .


لقد تصادم هذين النوعين من المفاهيم الإجتماعية وتداخلا في حوض البحر المتوسط . على إمتداد كامل الحقبة الإيجية (نسبة إلى بحر إيجه) فإن التأثير الزنجي كان سابقا للتأثير الهندو – أوروبي . لقد كان سكان حوض المتوسط في ذلك الوقت إما زنوجا أو شبه زنوج : مصريين ، فينيقيين ومتى ما جاء البيض كانوا تحت التأثير الإقتصادي والثقافي المصري – الفينيقي : اليونان في حقبة البيوثيين ، آسيا الصغرى وطروادة ، الحيثيين والتحالف مع مصر ، الإتروسك في شمالي إيطاليا حلفاء الفينيقيين مع تأثير مصري قوي ، بلاد الغال التي مرت بها القوافل الفينيقية في ظل التأثير المباشر لمصر . لقد إمتد هذا النفوذ الزنجي ليصل إلى قبائل جرمانية بعينها ، عبدت (إيزيس) الآلهة الزنجية : (( في الواقع فقد عثر على نقوش إرتبطت فيها (إيزيس) بمدينة نوريا وهي  اليوم في النمسا . كذلك هناك محاريب لـ (إيزيس) ، (أوزيريس) ، (سيرابيس) ، (أنوبيس) في كل من : فريجوس ، نيم ، أرل ، ريز (جبال الألب السفلى) ، باريزيت (إيزيز) ، ماندويل (جار) ، بولونيا (جارون العليا) ، ليون ، بيزانسون ، لانجر ، سويسون . لقد جرى تبجيل (إيزيس) في مولان ، في يورك وبروقهام كاسل وفي بانونيا ونوريك )) . ربما بدأت عبادة (العذروات السوداوات) في نفس تلك الفترة . إن هذه العبادة لا تزال باقية في فرنسا ( عذراء شارترز السوداء) . لقد بقيت حية للدرجة التي قامت فيها الكنيسة الكاثوليكية الرومانية أخيرا بترسيمها ، بل ربما كان إسم العاصمة الفرنسية (باريس) تفسيرا لعبادة (إيزيس) . إن الكلمة (باريسي) يمكن أن تعني تماما (معبد إيزيس) لأن هناك مدينة بهذا الإسم على ضفاف النيل ، فيما يمثل المقطع الهيروغلوفي (بير) سور المعبد في (أويز) . لقد أشار الكاتب إلى الحقيقة التي مفادها أنّ أول من سكنوا موقع (باريس) الحالي وقاتلوا ضد القيصر ، كانوا يحملون إسم (باريسي) لسبب ما غير معلوم حتى اليوم . لقد كان من الواضح تماما أن عبادة (إيزيس) كانت واسعة الإنتشار في فرنسا ، خاصة في الحوض الباريسي حيث كانت توجد معابد (إيزيس) في كل مكان أو بشكل أكثر دقة (دور إيزيس) حيث أن المعابد كانت تسمى في اللغة المصرية القديمة ولغة الوولف الحالية بـ (بير) وهي تعني السور الذي يحيط بالبيت أو الدار . إن إسم (باريس) يمكن أن يكون قد نتج من جمع الكلمتين (بير – إيزيس) وهو إسم سميت به مدن بعينها في مصر بحسب (هوباك) مقتبسا من (ماسبيرو) . بناء على ذلك فإن جذر إسم العاصمة الفرنسية ربما أشتق بشكل أساسي من لغة (الوولف) . إن هذا يشير إلى أي مدى جرى عكس الوضع .


إن هناك ملامح ثقافية أخرى مشتركة بين الغرب وأفريقيا السوداء ففي الكلمات نجد       أن كلمة ( كير) تعني دار بالمصرية ولغة الوولف والبريتون ، أما كلمة (دانق) فتعني مقام في لغة الوولف واللغة الأيرلندية ، في حين أن كلمة (دون) تعني جزيرة بلغة الوولف فيما تعني المكان المنعزل المغلق (على الأرض) باللغة الكلتية والأيرلندية . لذلك عرفنا أسماء مثل فير – دون ، شاتو – دون ، لوج – دون – أوم (ليون) وهكذا . إنه من المهم تسليط الضوء على العلاقات بين تبادلات الحروف الساكنة في لغات بريطانيا وأفريقيا وأن علينا أن ننسب ذات التأثير إلى  وجود الإله (أني) بين الأيرلنديين والأتروسك . إن تأثير المصري – الفينيقي على الأتروسكيين كان واضحا تماما مثلما هو على السابيين الذي يشي أسمهم وعاداتهم بالحضارات الزنجية الجنوبية . إن التمييز  بين مهدي الحضارة الذي وضع أخيرا ، يمكننا من تفادي الإرتباك والغموض المتعلق بأصول الشعوب التي إلتقت في شبه الجزيرة الإيطالية . كان السابيين والأتروسك يدفنون موتاهم . بالنسبة للأتروسك فقد كانوا يعرفون التابوت المصري ويستخدمونه .  لقد كان هؤلاء السكان زراعيين ويحكم حياتهم النظام الأمومي . لقد نقل الأتروسك كل عناصر الحضارة المصرية إلى شبه الحزيرة الإيطالية : الزراعة ، الديانة ، الآداب بما في ذلك الأدب الديني . حينما دمر الرومان الأتروسك إستوعبوا جوهر تلك الحضارة ، بينما إستبعدوا تلك الجوانب الأكثر غرابة بالنسبة لمفهومهم الأورو- أسيوي  للنظام الأبوي . بهذه الطريقة وبعد فترة إنتقالية لـ (التاركان) أخر ملوك الأتروسك ، جرى التخلص بشكل تام من النظام الأمومي الأسود .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.