الفصل الرابع
هل هناك إحتمال بنشأة الحضارة المصرية في الدلتا (مصر السفلى) ؟


لتفسير سبب إستقرار مصر وحضارتها يقدم المتخصصون أربعة فرضيات تتطابق مع الجهات الجغرافية الأربعة . الفرضية الأكثر طبيعية والتي تقول بأنها حضارة محلية المنشأ هي الفرضية التي قوبلت بتحديات أكبر . هذه الفرضية الأخيرة  تتمحور حول مكانين مختلفين : مصر العليا ومصر السفلى . في حالة مصر السفلى يبدوالأمر متعلقا بمسألة تسمى اليوم بـ (أرجحية الدلتا) . لماذا يحاول جاهدا عالم بالآثار المصرية  يدعم نظرية المنشأ المحلي ، أن يثبت (أرجحية الدلتا) ، بالرغم من غياب أي دليل تاريخي ، إن لم يكن ذلك إلتفاف لتأسيس منشأ أوسطي أبيض للحضارة المصرية ؟ في هذا السياق نجد أن (الكسندر موريه) يشارك الرأي القائل عموما بأن منشأ الحضارة المصرية كانت خارج مصر – آسيا أو أوروبا – مع أنه ظاهريا يؤيد منشأ محليا لكن على أساس أبيض . بالنسبة للرأي الأول فإنه يبدو منطقيا لحد ما في سبيل إيجاد تفسير مناسب ، غير أنه تأكيد يضاف إلى أخر كونه مجرد كذلك من الأساس التاريخي . إذا كان رواد الحضارة قد جاءوا من الخارج وإن كانت الجغرافيا قد أجبرتهم على عبور الدلتا  ، فمن المنطقي الإفتراض بأن الدلتا قد تحضّرت قبل مصر العليا وأنّ الحضارة قد شعّت من هناك . إذا كان مؤيدو فرضية المنشأ الخارجي  قادرين على إثبات زعم الدلتا السابق بدعم من الحجج الصحيحة ، فإن فرضيتهم تكون قد تقدمت بشكل كبير وعلى الأقل فإن ذلك سيقدم شكلا من الحقيقة المتعلقة بالأفكار المتناقضة التي طرحوها .


في الواقع فإنه ليس من الممكن فقط عدم إثبات تلك النظرية ، بل حتى إيجاد وثائق تاريخية صحيحة لدعمها ، حيث لا يوجد وثيقة توحي بتلك الأسبقية . إنها مصر العليا حيث الدليل المادي يشهد بالمراحل المتتالية للحضارة منذ العصر الحجري القديم وحتى الحاضر : حضارة دير تاسا ، البدارية (حوالي 7471 ق.م) ، العمرية (حوالي 6500 ق.م) ، حضارات عصر ما قبل الأسرات . بالمقارنة بمصر العليا فإنه لا توجد آثار لتطور مستمر في الدلتا . إنّ التماثيل العاجية الصغيرة ذات الرؤوس المثلثية التي عثر عليها وتعود إلى حقبة تدعى (جرزة – حوالي 5500 ق.م) ، تماثل تلك التي عثر عليها في (كريت) في عصر (مينا) . إن هذه التماثيل الصغيرة لا يمكن أن تكون سابقة  لحقبة  الهيراكونبوليس الذين نسبهم (كابارت) إلى العصر العمري . يزعم أنّ الحضارة الجرزية كانت قائمة في مصر العليا بحسب الترتيب الزمني للآثار ما بين الرقمين (39) و (79) :


(( على أي حال فإن مصر السفلى أصبحت أخيرا مركزا لحضارة راقية ذات تشابهات آسيوية مؤكدة ، تتعارض مع التشابهات الأفريقية وقد هيمنت هذه الحضارة بشكل مطلق على مصر العليا كذلك . في الواقع فإنها كانت معروفة فقط من الإقليم الأخير ، مع أن وجودها في الشمال ربما أستنتج بشكل مؤكد . في مصر العليا لم يكن هناك إنقطاع حاد بين الحضارة العمرية والحضارة الجزرية ، إذ أن الأخيرة تغلغلت تدريجيا وأمتزجت مع العناصر القديمة لتلك الحضارة بل وهيمنت عليها . إن الأنواع الجديدة من المزهريات والأسلحة ذات الزخارف قد أدخلت في عدد كبير من الأدوات بل وحلت محل القديم منها بشكل كلي . لقد جرى الإتفاق بشكل عام على أنّ العناصر الجديدة التي تميّز ثقافة مصر العليا في المرحلة الوسيطة لما قبل عصر الأسرات لم يكن مضّمن فيها الشمال والشمال الشرقي ومن المؤكد تقريبا أنّ مبتدعي هذه الإبتكارات قد عاشوا في تواصل مع مصر العليا لفترة طويلة قبل الفترة الزمنية للأثر رقم (39) ، أي أن تلك المزهريات المزخرفة  وجدت طريقها إلى مصر العليا قبل ذلك التاريخ )).


إنّ هذه الحضارة الجرزية التي قيل أنها أسيوية قد عرفت فقط من خلال تلك الآثار التي عثر عليها في مصر العليا . كم يبدو الأمر متناقضا إفتراض أن الحضارة نشأت في مصر السفلى ! (علاوة على ذلك فإنّ هذه الآثار مطابقة لتلك العائدة للحضارة العمرية التي تطورت من الحضارة البدارية والتي هي بدورها نتاج لحضارة دير تاسا) . بالرغم من ذلك ومع أنه لم يتم العثور على أي آثار للحضارة الجزرية ومع أنها عرفت فقط من خلال آثار مصر العليا فإن (وجودها في الشمال يستنتج منه وبثقة) وجودها في الدلتا . بتعابير أكثر وضوحا فإن ذلك يعادل القول ( إن كل ما وجدته هنا في مصر العليا أتى من حيث لم أجد شيئا – مصر السفلى – مع أنني لا أستطيع أن أثبت ذلك وليس لدي أمل في أن أرى مايثبت ذلك فإنني أحكم بهذا) . لقد زعم أن الدلتا إقليم رطب وبالتالي هناك صعوبة في حفظ الوثائق فإذا كانت الرطوبة لم تساعد في حفظ الوثائق ، ألم يكن هناك أي أثر لها  أو حتى كتل مشوهة الشكل تحللت كيميائيا بفعل الرطوبة . في الواقع فإن تربة مصر السفلى قد أنهكت بفعل كافة الأعمال التي أسندت إليها مثل أعمال الخشب المتعلقة بالمملكة القديمة بعد الأسرة الحاكمة الثالثة ، فإذا لم تقدم الدلتا المزيد من الوثائق القديمة فإن علينا أن نفترض منطقيا أنها لم تحتوي على أيّ منها قط . إن كانت الدلتا قد لعبت فعلا دورا يحاولون جاهدين أن ينسبوا الحضارة المصرية إليها ، فإنه من الممكن التعرف على ذلك بطرق أخرى . يقال أن تاريخ مصر العليا سوف تظهر به ثغرات إذا  ما تم تناوله مستقلا عن الدلتا مع أن تلك ليست القضية . إن تاريخ مصر العليا (أي التاريخ المصري) لا يقدم مصاعب لا يمكن تجاوزها ، فالتفسير التاريخي لا يصبح بعيد الإحتمال إلا حينما يكابر أحد وبدون وجود دليل تاريخي بأن ينسب إلى الدلتا دورا لم تلعبه أبدا . إن هذه هي الحالة كما تبدو مع (موريه) حينما كتب :


(( إننا لا نعلم شيئا عن تاريخ تلك الممالك القديمة ، غير أن الروايات تزعم بأن ملوك الشمال كانت لهم الهيمنة على باقي مصر في بداية العصور . لا يوجد نص يمكننا من تحديد منطقة نفوذهم ، غير أن ديانة الفترة الأخيرة تشير إلى أن هذا النفوذ كان عميقا . إن ذلك تفسره الخصوبة الإستثنائية للدلتا ، فحالما أصبحت الدلتا مهيئة للزراعة بإقامة السدود وقنوات الري والصرف ، فإن ذلك  وسّع  من رقعة الأرض التي كان يعاد تجديدها بشكل متكرر بفضل غرين النيل ، مما جعلها تربة أكثر إنتاجية وقابلية لنمو السلالات الزراعية المثمرة من الوادي الضيق لمصر العليا . لقد كانت النتيجة أن تحقق إزدهار مادي مبكر وتطور فكري ، تسنده الحقيقة التي مفادها أن آلهة الدلتا العظمى فرضت سلطتها لاحقا على باقي مصر . لقد كان إله الشمس (رع) أول من عبد في هليوبوليس ، أما (أوزيريس) ، (إيزيس) ، (حورس) فقد كانوا آلهة (بوزيريس) ، (منيديس) ، (بوتو) . إن التوسع في عبادة الآلهة على إمتداد كامل الوادي في تلك العصور المبكرة جدا ، يشير إلى تأثير سياسي مماثل من الدلتا )) .


حتى هذه النقطة فإن (موريه) كان متفقا مع (ماسبيرو) ، غير أنه إختلف معه في الطريق الذي سلكه الـ (شمسو – حور وهم أسلاف مينا) حتى يكون منسجما في دفاعة عن هيمنة الدلتا . في كتابه (النيل والحضارة المصرية – ص 118) وخلافا لما ذهب إليه (ماسبيرو) من أن (الشمسو – حور) هم (حدادون زنوج) قهروا سكان الوادي وأقاموا محلات لطرق الحديد حتى الدلتا ، فإن (موريه) يزعم أن الـ (شمسو – حور) قدموا من الدلتا . لقد أورد (موريه) بأن هناك تحولا كبيرا قد حدث في الحقبة التي سبقت (مينا) ، تميزت فيه بظهور الذهب ، النحاس والكتابة على وجه الخصوص . حيث أنّ هذا التحول كان واضحا في مصر فإن (موريه) يطرح السؤال التالي : ( إذا لم تكن مصر العليا قد تأثرت بالسفلى فبمن تكون تأثرت .. ؟ ) إنه يستشهد بإبتداع التقويم كما هو أمر واقع الإحتمال في إقليم مفيس وفي مكان أخر زعم (موريه)  أن الآلهة المصرية (اوزيريس) ، (إيزيس) ، (حورس) قد نشأوا من الدلتا . لذا فإنه يستخدم هذه الحجة التي يراها صحيحة في التركيز على هذه النقطة :

(( هناك حقيقة أخرى سوف تدعم هذه الحجة . على إمتداد العصور القديمة كانت أيام السنة الكبيسة  مخصصة لتلك الآلهة التي ولدت في الخمسة ايام الإضافية التي وضعت في بداية السنة (مقارنة : بلوتارك). إن النصوص المصرية والإغريقية تتفق في تسمية هذه الآلهة : أوزيريس ، أيزيس ، سيت ، نيفثيس ، حورس . تبدأ السنة بظهور متزامن لسوثيس ، رع ، النيل ، فيما يختار أوزيريس آله النيل والخضرة راعيا . يعتقد أن (أوزيريس) قد ولد في أول يوم من الأيام الخمسة أيام الإضافية . يمكننا أن نستنتج أن عبادة (أوزيريس) كانت مؤثرة في (هليوبوليس) حتى في عصر علمائها الفلكيين الذين إبتدعوا التقويم . عليه : فإنه ومع التقويم فرضت مصر السفلى سلطة (أوزيريس) و (رع) ، سطوة النيل والشمس على مصر السفلى ، الدلتا المتحضرة التي قهرت مصر العليا )) .


حينما يجد المرء مثل هذه الأفكار الهامة التي جرى التعبير عنها بواسطة مرجع ، فإنه يميل للإعتقاد بأنه جرى تأكيدها بواسطة وثائق حاسمة ، غير أن ذلك ليس صحيحا حينما نستقصي تلك الإفادات بشكل كامل . لقد طرح المؤلف المنشأ الشمالي للآلهة المصرية كي تنسجم مع التراث المصري . بمعنى أخر فأن أوزيريس ، إيزيس ، حورس ، كلهم آلهة الدلتا . من هنا إستنتج النتائج الهامة التي ذكرت أعلاه ، ذات الصلة بإبتداع التقويم ومنشأ الحضارة المصرية عموما . ما هو بدقة ما تعلمناه من التراث المصري فإذا ما أعتبرناه من أكثر الحقب عراقة فإلى حقبة نشير ؟ إن هذه التراث الذي جرى التعبير عنه في (كتاب الموتى) الذي عقيدته سابقة لأي تاريخ مكتوب لمصر ، يعرّفنا بأن (إيزيس) إمرأة سوداء وأن (أوزيريس) رجل زنجي أي (أونو) . لذا فإن إسمه في النصوص المصرية القديمة مصحوب بتوصيف عرقي يشير إلى أصله النوبي . لقد عرفنا ذلك عن طريق (أميلينو) . علاوة على ذلك فقد أخبرنا (أميلينو) بأنه لا يوجد نص مصري يورد أن (أوزيريس) و (إيزيس) قد ولدا في الدلتا . بناء على ذلك فإن (موريه) حينما يؤكد ذلك فإنه لا يستند على أي وثيقة . من الممكن أن نضيف بأن الأسطورة تحدد مكان ميلاد (أوزيريس) و (إيزيس) : أوزيريس ولد في (طيبه) وإيزيس ولدت في (دندره) . أحداث الأسطورة تقع كذلك في بلاد النوبة حيث المكان الأول الذي جرى فيه الصراع بين (سيت) و (حورس) . في رأي (أميلينو) فإن :


(( أجزاء الأسطورة التي تتصل بالدلتا قد جرى إضافتها بشكل واضح إلى النسخة الأصلية ، عدا مكوث مؤقت في (بوتو) . في رأيي فإنه مجرد تأويل لمنشأ إغريقي أو شبه إغريقي لتفسير تبني عبادة (أوزيريس) في بيبلوس أو بالأصح الأساطير التي تشابه بعض الآلهة المحلية . إضافة إلى ذلك فإن الوثائق المصرية لا تشير قط إلى نقطة واحدة من هذه . كذلك فإن رواية تابوت (أوزيريس) الذي جلبه النيل إلى البحر ، تبدو لي واحدة من تلك المستحيلات الجلية وأشك بشكل جدي في أن المصريين يقبلونها ، لأن الوثائق المصرية لم تذكرها أبدا . إن علينا إلا ننسى بإستثناء الأجزاء المتعلقة بالدلتا وآسيا الصغرى فإن أسطورة (أوزيريس) قد توطدت بشكل راسخ قبل عصر (مينا) . من ثمّ فإنه من الصعب فهم كيف أن أسطورة ولدت في الدلتا ، تمركزت تقريبا في مصر العليا ، لا توجد فيها إشارات ظاهرة للدلتا ، عدا في فقرات معينة تمت إضافتها لاحقا بشكل واضح . بالمثل إذا ما ولد (أوزيريس) و (إيزيس) في الدلتا فإنه سيكون من الصعب فهم العثور على جميع آثارهما في مصر العليا . لقد حصلت مدن مصر العليا على كامل هيكل (أوزيريس) ، فيما لم يخلف شيئا من ذلك في مدن مصر السفلى . عند هذه النقطة يشير (أميلينو) إلى مؤلف بروقش (القاموس الجغرافي) . إن التنافس بين المدن على  إنتساب الآثار إليها قد أوقع إرباكا كبيرا  ، لأنه كان من الصعب بداية تحديد أيّ من المدن تمتلك تلك الآثار ، كما أن هناك اليوم مدن عديدة أخرى تزعم ذلك . يرى (أميلينو) أن التنافس بين مدن مصر العليا والسفلى يصب في صالح مصر العليا (أعتقد أن هناك حقيقة واحدة تميل الموازين لصالح مصر العليا : إنتساب رأس أوزيريس مصر العليا  ، إلى مدينة أبيدوس)) .


إن هذه الحقيقة ربما لم تكن هامة إذا لم يكتشف (أميلينو) مقبرة أوزيريس ورأس السلف المقدس في جرة . إننا قد نشك في صدقية ذلك الإكتشاف ، بالرغم من أن أميلينو قال :
(لقد وجدت بنفسي مدافن أخرى أثناء التنقيبات الأولية والتي بلغت ذروتها في المقابر الملكية قبل الكشف عن المقبرة حيث جمجة الآله التي  وجدتها محفوظة) ، ثم أشار إلى ورق البردي في متحف (ليد) مستشهدا بـ (بروقش) . إنه يذكر بشكل صريح أن رأس (أوزيريس) كان محفوظا في (أبيدوس) ، حيث جرى تحديد المكان على ورق البردي بإسم يشير إلى  (مقابر أبيدوس) . لقد سعى (أميلينو) إلى التأكد من صدقية الوثيقة من (يوجين ريفيللو) والتي كتبت بالخط الديموطيقي . لقد تلقى تأكيدا بأن رأس (أوزيريس) يقع في (أوبيدس) ، كما أن تأكيدا أخر جاء في النص الجغرافي  الوارد في كتاب بروقش (القاموس) عام 1898 ( لقد ذكر أن رأس الآله كان في رفات موتى أبيدوس) .


يلاحظ (أميلينو) أنه (( النص قد إختفى منذ أن أخذ (بروقش) نسخة منه ، فإذا كان على المرء أن يصدق أن النشر عن معبد إدفو قد بدأ في مذكرات بعثة القاهرة ، فإنه سيكون من الملفت للنظر التحقق عما إذا كان ذلك النقش المكتوب قد إختفى تماما )) . أخيرا يورد (أميلينو) حقيقة هامة أخرى وهي : أنه في ( نصوص الإهرامات) فإن عرش (أوزيريس) قد وصفه أميلينو تماما مثلما وجده في السرير الجنائزي الموضوع في المقبرة في (أبيدوس) . إن (أميلينو) يتعجب عن سبب إمتلاك مدن مصر العليا أكثر الأجزاء أهمية من جسد أوزيريس ، إن كان قد ولد في الدلتا ، حكم في الدلتا ، مات في الدلتا وكان إلها محليا في مقاطعة صغيرة في الدلتا ، فهو لا يرى سببا لذلك . إن كان (أميلينو) إكتشف حقيقة المقبرة أم لا وأن رأس أوزيريس غير ذي أهمية ، فإن الحقيقة الجوهرية هي أن النصوص ذكرت أن هذه قد عثر عليها في (أبيدوس) .



عليه وخلافا لتأكيد (موريه) فإن التراث المصري القديم المعتمد والمكتوب في (نصوص الإهرامات) و (كتاب الموتي) يفيدنا وبتعابير صريحة أنّ الآلهه المصرية تنتسب إلى العرق الأسود وأنها ظهرت في الجنوب . علاوة على ذلك فإن أسطورة (إيزيس) و (أوزيريس) تشير إلى ميزة ذات مسحة ثقافية لأفريقيا السـوداء ألا وهي عبادة الأسلاف التي هي أساس الحياة الدينية الزنجية  وأساس الحياة الدينية المصرية مثلما أورد (أميلينو) . لقد أصبح كل سلف ميت هدفا للعبادة . لقد أثبت الأسلاف الأكثر قدما  فعالية تعاليمهم  في مضمار الحياة الإجتماعية ولنقل المجال الحضاري ، مما جعلهم يتحولون تدريجيا ليصبحوا آلهة فعلية ( الأسلاف الأسطوريون أشار إليهم ( ليفي – برول ) . لقد جرى فصل أؤلئك الأسلاف تماما عن مصاف البشر  وإن كان ذلك لا يعني أنهم لم يعيشوا أبدا . بتحويلهم إلى آلهة فإنهم قد وضعوا في مستوى مختلف عن ذلك المستوى العائد للبطل الإغريقي . إن ذلك ما جعل (هيرودتس) يعتقد أن المصريين ليس لديهم أبطال .


إنه من الواضح أن حجة (موريه) المتعلقة بإبتداع التقويم في (مفيس) هي حجة منحرفة عند إخضاعها للبحث الدقيق على نحو خطير . يحدد المؤلف بأنه في (مفيس) فقط يمكن ملاحظة الطلوع الشمسي لـ (الشعرى) . لقد توصل إلى أنه وبناء على دورة ذلك النجم (الشعرى اليمانية) الذي يتزامن طلوعه مع طلوع الشمس كل 1.461 سنة ، فإن التقويم المصري قد أبتدع في (مفيس) ، غير أنّ التقويم كان مستخدما قبل 4.236 سنة وهو بالتأكيد أقدم تاريخ معلوم في تاريخ البشرية . إضافة إلى ذلك فإن (هيرودتس) يخبرنا أن (مفيس) أنشأها (مينا) بعد أن حوّل مجرى النهر وجعل مصر السفلى التي كانت مليئة بالوحل منطقة قابلة للسكن وبالإستشهاد -  بالصفحة 113 -  فإننا نجد أن مينا هو أول ملك غيّر مجرى النهر وجعل مجراه أرضا يابسة ، قاصدا بذلك في المقام الأول بناء مدينة يطلق عليها حاليا مفيس . بناء عليه فإن (مفيس) كانت تحت الماء قبل قدوم (مينا) ، أي أن تلك المدينة لم تكن موجودة عند إبتداع التقويم .


في المقابل إن كان بالإمكان ملاحظة الطلوع الشمسي لـ (الشعرى) من إقليم (هوليوبوليس) وليس من إقليم (مفيس) فإن ذلك قد يساعد مؤيدي أسبقية الدلتا في فرضيتهم ، كون (هوليوبوليس) هي مدينة (رع) التي يزعم نفس هؤلاء المنظرين مولد علم الفلك والتنجيم فيها . مع ذلك فإنه يبدو أن (هوليوبوليس) أو (أون الشمالية) قد أسسها الـ (أونو) التي تحمل إسمهم . هنالك تعليقات مماثلة طرحت عن الحجة التي مفادها أنّ مصر قد تحضّرت بفعل الغزاة القادمين من الشمال . في اللغة المصرية كان الغرب يشار إليه باليمين والشرق باليسار ومن هذه الحقيقة يمكن للمرء أن يستنتج دليلا على التطلع إلى الجنوب . بداية هناك عدة طرق للإشارة إلى الشرق والغرب في اللغة المصرية . علاوة على ذلك فإن الفن المقدس قاد إلى تقسيم السماء إلى أقسام من أجل الرصد . نتيجة لذلك فإن توجه خاصا جعل نقطة رئيسية معلومة تتطابق مع اليمين أو الشمال . لقد كان ذلك مطبقا في مصر وعلى إمتداد المتوسط الإيجي (بحر إيجه) الذي وقع تحت التأثير المصري خاصة في أتروريا . لقد كان تفسير ( إدوارد نافيل ) أكثر تنويرا :


(( من أي بلد جاء الفاتحون ؟ يبدو ليّ وبلا شك أنهم جاءوا من الجنوب . إذا راجعنا الأسطورة كما حفظت في سلسلة من الرسومات الضخمة التي زينت واحدا من دهاليز معبد إدفو وتعود إلى عهد البطالسة ، سوف نرى أن الإله (هارميشي) قد كانت له السيادة في بلاد النوبة جنوب مصر . لقد بقي هناك مع إبنه حورس الآله المحارب الذي أخضع كامل البلاد إليه ، حتى وصل مدينة (زار) التي تعرف اليوم بإسم (القنطرة) ، حيث أقيمت قلعة في أقصى الفرع الشرقي للنيل وهو ما يعرف بالفرع البيلوزي والتي شكلت حاجزا أمام أي قدوم من جهة شبه جزيرة سيناء وفلسطين . في المدن المصرية الرئيسية كان المنتصرون يحكمون كيفما إتفق مع الديانة . في العديد من المناطق إستقر رفاق حورس حيث كانوا يسمون الحدادون . لذا فقد إرتبط إدخال العمل المعدني مع الإنتصار في الأسطورة . إنّ هذه الأسطورة التي يجب أن تنسب إلى إرث عريق يبدو ليّ جديرة بالإهتمام . إنها تنسجم تماما مع ما أخبرنا به المؤرخون الأغاريق ، تحديدا من أن مصر كانت مستعمرة لإثيوبيا . بالتالي فإن المصريين ، على الأقل أؤلئك الذين أصبحوا مصريين فراعنة ، ربما إتبعوا مجرى النهر العظيم . إن ذلك تؤيده سمات معينة من ديانتهم أو أعرافهم ، فالمصري يحدد وجهته بالنظر إلى الجنوب ، حيث الغرب على اليمين والشرق على اليسار ، غير أن ذلك لا يعني أنه يريد التوجه نحو الجنوب ، بل الأحرى أنه  يتجه إلى بلده الأصل إذ  يتطلع إلى الإتجاه الذي جاء منه حيث يتوقع المدد ، فمن هناك جاءت القوى الفاتحة  ومن هناك أيضا تأتي مياه النيل الخيرة حاملة الخصوبة والثراء . بجانب ذلك فقد كانت للجنوب دائما الأسبقية على الشمال ، فكلمة ملك عنت أولا ملك مصر العليا وقد أظهرت لنا آلهتهم الطريق الذي سلكوه . لقد قادهم الإله (أوبواتو) الذي كان يسير أمامهم في شكل إبن آوى أو كلب يدلهم على الطريق )) .


في التحليل النهائي ولمواجهة محاولات تقديم الدلتا كونها أكثر ملائمة لإزدهار الحضارة من مصر العليا ، فمن المهم الإجابة عما يعرف حقيقة عن الدلتا . لقد عرف بشكل عام  أن الدلتا كانت موطنا دائما لآفة الطاعون في الشرق الأدنى  وبأنها نقطة إنطلاق لكل وبائيات الطاعون التي عصفت بتلك المنطقة على إمتداد التاريخ . من دون مبالغة يمكننا أن نمضي بعيدا بالقول بأن الدلتا لم تكن موجودة حتى في عصر مينا ، لأن (مفيس) كانت على حافة البحر . لقد كانت مصر السفلى في ذلك الوقت غير صحية بالكامل وغير قابلة للسكن تقريبا ، غير أنه بعد الأعمال المدنية التي بدأها (مينا) أصبحت أقل خطورة من الناحية الصحية . بالنسبة للدلتا الغربية يمكن للمرء أن يتعجب
عما كان عليه الوضع قبل (مينا) ، لأننا نعرف أن مجرى النهر لم يكن هو ذاته مثلما هو اليوم وأنّ الفرعون الأول هو الذي منحه الإتجاه الحالي من خلال بناء السدود والردم بالتراب . لقد كان النهر ينساب في السابق في إتجاه الغرب :


(( كان النهر ينساب بالكامل على إمتداد الحافة الرملية للتلال التي كانت تحد مصر من جانب ليبيا . بردمه المنحنى الذي يشكل حوالي مئة ميل جنوب (مفيس) ، فإن (مينا) جعل النهر القديم جافا ، بينما حفر مجرى جديد للجريان بين سلسلتين من التلال . حتى اليوم فإن المنعطف الذي يشكله النيل عند ذلك الموضع ، حيث أجبر فيه على التدفق في مجرى جديد ،  يلقي إهتماما عظيما من الفرس ، حيث كان يتم تحصينه كل عام ، لأن النهر إذا فاض في ذلك الموضع وأندفع فوق المتراس ، فإنه سوف يشكل خطرا على (مفيس) بغمرها بمياه الفيضان تماما )) . إذا ما إنهارت السدود فإن (مفيس) سوف تغرق بمياه النيل . لقد كانت عاصمة الملك المصري الأول في (طيبه) في الجنوب ، بينما أنشئت (مفيس) لأغراض عسكرية بالأساس . لقد كانت موضعا حصينا عند مفترق الطرق التي يتسلل منها الرعاة الآسيويون من الشرق والبدو من الغرب الذين كان المصريون يسمونهم (ريبو) أو (ليبو) ومن بعد حملوا إسم ليبيين (الأسرة الحاكمة الثامنة عشرة) . لأكثر من مرة حاول هؤلاء البرابرة إختراق مصر بالقوة طمعا في ثروتها ، غير أنهم في كل مرة تقريبا كانوا يدحرون ويدفعون إلى ما وراء الحدود بعد قتال عنيف . إنّ طبيعة هذه التحالفات بين شعوب الشمال والشرق في منطقة الدلتا ، تبرر إنشاء  (مفيس) كقلعة متقدمة . بالرغم من ذلك فإن علينا أن لا نرتبك حيال السلالات العرقية التي كانت تواجه بعضها البعض هناك . كما تشير هذه الفقرة من (موريه) فإن تحالفا حقيقيا للبيض نشأ ضد العرق الزنجي في مصر :


(( في شهر أبريل من عام 1229 ق.م علم (ميرنبتاح) في (مفيس) أن (ميريري) ملك الليبيين ، قادم من أرض (تيهينو) ومعه رماة السهام وتحالف لشعوب الشمال مؤلف من الـ (ساردان) ، (سيكول) ، (أخيين) ، (ليسيين) ، (أتروسك) ، يمثلون النخب المحاربة لكل بلد . كان هدف الملك الليبي مهاجمة الجبهة الغربية لمصر عند سهول (بيرير) . كان الخطر عصيبا لأن فلسطين نفسها كانت متأثرة بالقلاقل . في الواقع يبدو أن الحيثيين قد تورطوا في تلك الإضطرابات ، مع أنّ (ميرنبتاح) كان يساعدهم فيرسل إليهم في أوقات الجفاف القمح على سفنه لمساعدة بلاد (خاتي) على البقاء )) . بعد معركة عنيفة إستمرت ست ساعات إستطاع المصريون أن يدحروا بشكل كامل ذلك التحالف من  الحشود البربرية . أما الناجون فقد علقت تلك المعركة بذاكرتهم فترة طويلة قبل أن تتناقلها الأجيال بعد ذلك : (( لقد فر (ميريري) بأقصى سرعة ، تاركا وراءه سلاحه ، كنوزه ونسائه ونقل الرسام المصور من ضحايا المذبحة 6.359 ليبي ، 222 من السيكول ، 742 من الأتروسك ، والألأف من الساردان والأخيين وجرى الإستيلاء على غنائم كثيرة من أرض المعركة من بينها أكثر من 9.000 سيف ومن قطع الدروع . لقد نقش (ميرنبتاح) أنشودة النصر على جدران معبده الجنائزي في (طيبه) ، حيث وصف الذعر الذي حلّ بين أعدائه ، فقد قال الليبيون الشباب عن تلك الإنتصارات بأنهم لم تمر عليهم مثل تلك الأيام منذ (رع) ، بينما يقول الرجل المسن لإبنه (ياللحسرة ! ليبيا العاجزة) . لقد قضي على الـ (تيهينو) في سنة واحدة ، فيما أجبرت الأقاليم التي خارج مصر على إبداء الطاعة . دمر الـ (تيهينو) ، هادنت (خاتي) ، نهبت (كنعان) ، سلبت (عسقلان) ، أحتلت (جاذر) ، دمرت (ينوعام) ، خربت إسرائيل ولم تعد لها محاصيل ، فيما أصبحت (خارو) مثل أرملة بدون سند قبالة مصر . لقد تم توحيد كل الدول وأذعنت )) .

ما أهم من يلاحظ  في هذا الإقتباس هو أن نصر (ميرنبتاح) قد تم في (مفيس) ، فيما جرى الإجتفاء به في (طيبه) حيث المعبد الجنائزي لـ (ميرنبتاح) . إنّ ذلك يؤيد ما قيل سابقا وهي : أن الفرعون (ميرنبتاح) قد أقام في (مفيس) بسبب الضرورة العسكرية ، غير أنه ومثل كل الملوك الفراعنة تقريبا ، كان عليه أن يدفن في (طيبه) ، فقد جرت العادة على أنه حتى إذا مات الفرعون في مفيس بمصر السفلى ، تتم نقل جثته إلى مصر السفلى حيث يدفن في مدن طيبه المقدسة : أبيدوس ، طيبه ، الكرنك . في تلك المدن كانت للفراعنة مدافنهم بجوار مدافن أسلافهم ، حيث كانوا يرسلون إليهم القرابين حتى وإن أقاموا في (مفيس) . بعد الثورة التي أنهت المملكة القديمة حينما حصل الشعب على حظوة الموت الأوزيريسي  أي إمكانية التمتع بالحياة الأبدية في السماء ، فإن كل الطبقات الإجتماعية دفنت بشكل رمزي في منطقة طيبه ، بعد إقامة مسلة بإسم الموتى . لذا فإن المنطقة المقدسة لكل المصريين بلا إستثناء ، كانت منطقة طيبه بلا إستثناء . إن ذلك كان سيكون بمثابة إنتهاك للحرمات بالنسبة للمصريين إذا ما كانت حضارتهم وتقاليدهم الدينية قد ولدت في الدلتا . في هذه الحالة فإنه يتعين أن تكون المدن المقدسة ، مدافن الأسلاف ، المدن الرئيسية للعبادة والحج في الدلتا .


لم يكن تحالف الشعوب من الشمال والشرق في عصر (ميرنبتاح) سوى فصل من تاريخ مصر . على إمتداد ذلك التاريخ كانت هناك حروب مماثلة في ذات الإقليم بشكل أكثر أو أقل أهمية ، غير أن ما هو إستثناء خلال الفترة الأدني هو أنّ زنوج وادي النيل كانت لهم على الدوام اليد العليا على البرابرة . للتدليل على ذلك يمكن الإستشهاد بالعديد من الرسومات الصخرية التي تصور الأسرى من هضاب سيناء حتى معابد هابو وطيبه ، بمعنى أخر منذ عهد ما قبل الأسرات حتى الأسرة الحاكمة التاسعة عشرة . بشهادة الليبيين أنفسهم وإذا كان علينا أن نصدق النصوص المصرية فإنهم لم يحققوا نصرا منذ بداية العصور أي منذ أيام الإله (رع) . في المقابل لا توجد حقيقة ، دليل ، أو نص يدحض هذه الإفادة ، فقد كتب (موريه) نفسه الآتي : (( على خلفية خصوبة تربة وادي النيل بدأ هؤلاء الليبيون وسكان الكهوف متلهفين كونهم معدمين ونهابين ، يتحينون دائما الفرص للإغارة على الفلاحين المسالمين والمنخرطين في مهام الزراعة . في الواقع لم يكونوا مصدر خطر حقيقي بالنسبة للمصريين ، إذ لم تكن لديهم الدواب السريعة القادرة على حمل الأحمال ، فالحمار وهو حيوانهم الوحيد لا يستطيع أن يعدو سريعا أو أن يحمل أحمالا ثقيلة ، فيما لم يعرف الجمل يومها الذي أصبح لاحقا وسيلة للتنقل لقبائل الصحراء في عصر الإسلام . مواجهة بمثل هؤلاء البدو فقد ظلت مصر متيقظة لهم ومبقية على عملياتها العسكرية ، موظفة في ذلك  الليبيين أنفسهم . لقد دخلت العديد من القبائل في خدمة مصر كمرتزقة مثل قبيلة المشاواشا . بذات الطريقة جندت مصر قوات ممتازة من (المازوي) . لقد وجد الفرعون ذلك مناسبا لتأمين نفسه ضد السرقة بدفع المكافأت لقطاع الطرق هؤلاء ، في شكل أجور . فقط في الأيام الأخيرة لإمبراطورية طيبه شكل الليبيون خطرا محدقا لمصر حينما تجمعوا في شكل إتحاد وساروا في تحرك للشعوب المهاجرة ، وقتها لم تكن مصر تملك الوسائل المتاحة لوقف تلك الهجرة )) .


إن هذه الإفادة تلخص لنا كل شيء عن الليبيين بشكل واقعي وملموس . التاريخ يفيدنا بأنهم كانوا نهابين نصف جائعين ، عاشوا على تخوم مصر ، في الجزء الغربي من الدلتا ، عملوا كمرتزقة وأستقروا في الدلتا أثناء العصر المتأخر. كانوا بيضا عدا الـ (تيهنو) وقد قاوموا التحول إلى التحضر في الوقت الذي كان فيه العالم الأسود متحضرا سلفا . ذلك ما أخبرتنا به الوثائق التاريخية عن الليبيين بجانب التوزيع الجغرافي في الساحل الشمالي لأفريقيا كما أورد ذلك (هيرودتس) . ربما يجعلنا ذلك نتعجب عن أي نوع من التزوير هذا الذي قاد إلى نسب نشأة الحضارة المصرية إلى هذه الشعوب المختلفة عن المصريين في كل وجه ، وكتتويج لهذا التناقض فإنهم قدموا المصريين على أنهم أبناء العمومة المتوحشين الأقل ثقاقة . لقد قدم هؤلاء الليبيبون إلى الدلتا كمرتزقة ومنحوا قطعا من الأراضي من قبل الفرعون ويومئذ تشبعت مصر بالسكان الأجانب ومن هذا التمازج جاءت لون البشرة الفاتحة نسبيا للأقباط . لذا فإن الدلتا لم يرد ذكرها في التاريخ المصري إلا في العصر المتأخر . إن مصر لم تكن أبدا قوة بحرية وذلك يمكن أن تفسره الحقيقة التي مفادها أن حضارتها نشأت في داخل القارة بخلاف حضارات الشعوب الأخرى الواقعة  في محيط البحر المتوسط . وفقا لما كتبه (بلوتارك) في (إيزيس وأوزيريس)  فإن المصريين إعتبروا البحر (إفرازا فاسدا) وهذا التصور يتعارض مع  فكرة المنشأ البحري للحضارة .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.