الفصل (1)

من هم المصريون ؟


لم يحدث أن طرح مثل هذا التساؤل أبدا في سياق الأوصاف المعاصرة للمصريين القدماء . إن شهود تلك الفترة يؤكدون على أن المصريين كانوا سودا . في مناسبات عديدة أصر (هيرودتس) على الشخصية الزنجية للمصريين ، بل وأستخدم ذلك في إثباتات غير مباشرة . مثلا لإثبات أن فيضان النيل لا يمكن أن يكون ناتجا بسبب ذوبان الجليد فقد إستشهد من بين أسباب أخرى يعتبرها صحيحة بالملاحظة التالية : ( من المؤكد أن مواطني البلاد سودا بفعل الحرارة .. ) . لإثبات أن الإلهام الإغريقي مصري المنشأ فإن (هيرودتس) قدم حجة أخرى (أخيرا وبوصفهم اليمامة بأنها سوداء فإن الدودونيين  - نسبة لدودونا المدينة اليونانية القديمة -  أشاروا إلى أن المرأة كانت مصرية ). إن اليمامة ذات الصلة ترمز إلى إمرأتين مصريتين زعم أنه جرى إختطافهما من (طيبه) لإيجاد وسطاء للوحي لـدودونا وليبيا . لإظهار أن سكان (الكولخيس – قوم سكنوا شرق البحر الأسود) كانوا مصرييّ الأصل وإعتبارهم جزء من قوات (سيسوستريس) الذين إستقروا في ذلك الإقليم فإن (هيرودتس) قال بـ  ( أن المصريين يعتقدون أن (الكولخيسين) ينحدرون من جيش (سيسوستريس) وهذا يتوافق مع حدسي بناء على الحقيقة التي مفادها أنهم كانوا سود البشرة ولهم شعر يشابه الصوف ) . أخيرا فيما يخص سكان الهند فإن هيرودتس يميّز بين الباديين – قبيلة هندية - والهنود الأخرين ، واصفا أياهم على النحو التالي : ( إنهم كذلك لديهم نفس مسحة البشرة التي تقترب من بشرة الإثيوبيين) .


كتب (ديودوروس) الصقلي :

((يقول الأثيوبيون أن المصريين هم احد سكان مستعمراتهم الذين جلبهم أوزيرس إلى مصر ويدّعون كذلك أن هذا البلد (أي مصر) كان تحت الماء ، غير أن النيل وهو في إنسيابه من أثيوبيا كان يحمل معه الكثير من الطمي ، مما جعل تلك الرقعة تمتليء به وتصبح جزءا يابسا من القارة ويضيفون كذلك بأن المصريين قد أخذوا عنهم - مثلما قال بذلك مؤلفون وأسلاف –  معظم قوانينهم  ويضيفون بأن المصريين تعلموا كذلك منهم كيف يبجلون الملوك كالآلهة وكيف يدفنونهم بهذا البهاء ، كما أنهم أخترعوا النحت والكتابة . يستشهد الأثيوبيون بالدليل الذي مفاده أنهم أكثر عراقة من المصريين ، غير أنه من غير المفيد إيراد ذلك هنا )) . إذا لم يكن المصريون والأثيوبيون من ذات السلالة فإن (ديودورس) قد شدد على إستحالة إعتبار أن المصريين كانوا أحد سكان المستعمرات الإثيوبية (أي جزء صغير منهم) وإستحالة النظر إليهم كأجداد للمصريين . في موسوعته (الجغرافيا) أورد (سترابو) أهمية الهجرات في التاريخ ، معتقدا بأن هذه الهجرة المحددة قد بدأت من مصر إلى أثيوبيا ، موردا هذه الملاحظة : (إحتل المصريون إثيوبيا وكولخيس ) . مرة أخرى إنهم الإغريق الذين أخبرونا رغم شوفينيتهم بأنّ المصريين  والإثيوبيين والكولخيسيين ينتسبون إلى ذات السلالة وبالتالي يؤكدون ما قاله (هيرودتس) عن الكولخيسيين . إن كل أراء الكتاب القدامى عن سلالة المصريين قد لخصه قاستون ماسبيرو( 1846 – 1916) بإسهاب أو إيجاز (بشهادة شبه إجماعية للمؤرخين القدامى فإنهم ينتسبون إلى السلالة الأفريقية - تقرأ زنجية ) الذين أستوطنوا أولا في إثيوبيا عند النيل الأوسط ، ثم أتبعوا مجرى النيل حتى وصلوا تدريجيا إلى البحر .علاوة على ذلك فإن الإنجيل ذكر أن مصريم بن حام أخ كوش الإثيوبي وأخ كنعان ، جاء من من بلاد ما بين النهرين للإستقرار مع أبنائهم على ضفاف النيل )) .


وفقا للإنجيل فإن مصر قد سكنتها ذرية حام الجد الأعلى للسـود (( إن أبناء حام هم كوش ، مصريم ، فوط  وكنعان ، أما أبناء كوش فهم سبا ، حويله ، سبتا ، ريقما ، ساباتا .. كان كوش هو أب نمرود أول منتصر في الأرض .. أما مصريم فأصبح أبا لكل من : لوديم ، أناميم ، لابيم ، نيفثيم ، فيثروسيم ، شاسلويم ، أما كنعان فقد أصبح أبا لكل من – سيد - أول مولود وهيث )) . بالنسبة لشعوب الشرق الأقصى فإن مصريم إختار مصر ، كنعان إختار كامل ساحل فلسطين وفينيقيا ، أما سينار التي ربما كانت المكان الذي غادر منه نمرود إلى غربي آسيا فإنها ربما لا تزال تشير إلى مملكة النوبة . ما قيمة هذه الإفادات ؟ كونها جاءت من شهود فإنها من الصعب أن تكون مزيفة .ربما أخطأ (هيرودتس) حينما إستدل بشكل مسهب أو موجز عن أعراف شعب لتفسير ظاهرة مبهمة في أيامه ، لكن يجب على المرء أن يقدر أنه كان قادرا على الأقل على أن يميز لون بشرة سكان الدول التي زارها . بجانب ذلك فإن هيرودتس ليس مؤرخا ساذجا يسجل كل شيء من دون تحقق فهو يدرك كيف يزن الأشياء فهو حينما يروي رأيا لا يشاركه وإنما يراعي دائما ان يورد إختلافه معه . بالتالي وبالعودة إلى عادات الـ (سكيثيون) و (النور) فإنه كتب فيما يتعلق بالأخيرين (( يبدو أن هذه الشعوب سحرة حيث أن الأغريق والسكيثيون الذين سكنوا  - سكيثيا - يقولون أن النوري ينقلب مرة في العام ليكون ذئبا لعدة أيام ثم يعود في النهاية إلى شكله الطبيعي  بالنسبة ليّ فأنا لا أصدق ذلك لكنهم يؤكدونها بشكل دائم لتصبح حقيقة وهم مستعدون لدعم تأكيدهم بالقسم )) .


لقد ميّز (هيرودتس) دائما وبشكل يقظ بين ما رآه وبين ما أخبر به . بعد زيارته لـ (قصر التيه) كتب : ((هناك نوعين من الحجرات على إمتداد البلاد ، نصف أعلى الأرض ونصف فوق الأرض وتبنى الحجرة العليا فوق الحجرة السفلى . أما العدد الكلي لهذه  للحجرات فهي ثلاثة آلاف ، الف خمسمائة من كل نوع . مررت عبر الحجرات العليا ورأيتها وما أقوله عنها هو من واقع ملاحظتي الخاصة : بالنسبة للحجرات التي تحت الأرض ، يمكنني أن أتحدث فقط من النقل ، حيث أن حراس المبنى لا يستطيعون الوصول إليها لرؤيتها لأنها تحتوي – كما يقولون – على أضرحة الملوك الذين بنوا (قصر التيه) وكذلك مقابر التماسيح المقدسة . بالتالي فإنه من السمع فقط أستطيع أن أتحدث عن الغرف السفلى . أما بالنسبة للغرف العليا فقد رأيتها بعينيّ ووجدتها تتفوق على كل الأعمال البشرية الأخرى )) .


هل كان (هيرودتس) مؤرخا مجردا من المنطق وغير قادر على التغلغل في الظاهرة المعقدة ؟ إن تفسيره لفيضانات النيل تكشف عن عقل متزن لإستدلالات علمية لظاهرة طبيعية : (( ربما بعد إنتقاد كل الأراء التي طرحت بشأن هذا الموضوع الغامض فإن على المرء أن يفترض نظرية ما تعود لأحد . عليه سأتقدم لشرح ما أعتقد أنه سبب علو النيل في أوقات الصيف . في فصل الشتاء تبتعد الشمس عن مسارها الطبيعي بواسطة العواصف وتنتقل إلى الأجزاء العليا من ليبيا . إن هذا هو السر الكامل في كلمات معدودة ممكنة  ، لأنها تشير إلى السبب الذي يقترب فيه إله الشمس إلى أقرب موضع في البلاد والذي يمر بها بشكل أكثر مباشرة ، مما يتسبب في نقص المياه كما أن النهيرات التي تغذي الأنهار تتقلص في معظمها . للتفسير بشكل مسهب فإن الشمس في مرورها على الأجزاء العليا من ليبيا  تؤثر عليها على النحو التالي . عندما يكون الهواء في تلك المناطق صاف بشكل دائم والبلاد دافئة في غياب الرياح الباردة فإن الشمس في عبورها تؤثر عليها مثلما لا تؤثر على أي مكان أخر في الصيف عندما تمر في وسط السماء مما يؤثر على المياه . بعد جذب المياه فإنها تدفعها مرة أخرى نحو المناطق العليا  ، حيث تحتجزها الرياح وتشتتها وتنقصها بالتبخر ومن ثّم تمضي بشكل طبيعي لتجتاز تلك الرياح التي تهب من تلك الجهة – الجنوب والجنوب الغربي – وهي رياح معظمها ممطر ورأيي أن الشمس لا تتخلص من كل المياه التي جذبتها عام بعد عام من النيل ولكن تحتفظ ببعضها )) .


بلا شك فإن هذه الأمثلة الثلاثة تكشف أن (هيرودتس) لم يكن ناقلا سلبيا لقصص لا تصدق ، أي أنه لم يكن (كاذبا) . بالعكس لقد كان مدققا ، موضوعيا ، علميا إلى حد بعيد في عصره . لماذا يجب على المرء أن يطعن في هذا المؤرخ وجعله يبدو ساذجا ؟ لماذا يعاد تزييف التاريخ برغم من براهينه الواضحة ؟ بلا شك فإن السبب الأساسي لذلك هو أن (هيرودتس) بعد أن روى إفادات شهوده ، أخبرنا بأن المصريين كانوا سودا ، ثم أثبت بنزاهة نادرة (للإغريق) بأن اليونان قد أخذت كل عناصر حضارتها من مصر ، حتى عبادة الآلهة وأنّ مصر هي مهد الحضارة . علاوة على ذلك فإن الإكتشافات الأثرية كانت تبريء (هيرودتس) بإستمرار من إدعاءات الذين حطوا من قدره . لذا فقد كتبت (كريستيان ديروش- نوبلكور) عن الحفريات الحديثة في تانيس والتي تعرف أيضا بصان الحجر ( منطقة تقع عند مصب الفرع الشرقي لدلتا النيل ) : (( لقد رأى هيرودتس المباني الخارجية لهذه الأضرحة ووصفها  - هذا هو قصر التيه الذي نوقش أعلاه )) . لقد أثبت (بيير مونتيه) مرة أخرى أنّ (أب التاريخ لا يكذب) . قد يكون هناك إعتراض على أنه حينما زار (هيرودتس) مصر في القرن الخامس قبل الميلاد فإن عمر حضارتها كان أكثر من 10.000 سنة وأن السلالة التي صنعت تلك الحضارة لم تكن بالضرورة تلك السلالة الزنجية التي وجدها هناك .


كما سنرى فإنه في مجمل تاريخ مصر فإن مزيجا من السكان الأوائل وعناصر بدوية بيضاء ، فاتحين وتجار ، أصبحوا ذوي أهمية مع إقتراب نهاية التاريخ المصري . وفقا لـ ( كورنيليوس دي باو ) فإن مصر في فترات ضعفها التاريخي ، تشبعت بالمستعمرات البيضاء الأجنبية ، العرب مع الأقباط ، الليبيين في الموقع الذي أصبح فيما بعد الأسكندرية ، اليهود حول مدينة هرقل (أفاريس) ، البابليون ( أو الفرس ) أسفل مفيس ، (طريدو طرواده) في منطقة محاجر الأحجار العظيمة شرق النيل ، (الكاريون) و(الأيونيون) عند فرع النيل الشرقي ، أما (بسماتيك) فقد توج غزوه السلمي في نهاية القرن السابع بتأمين دفاع مصر عن المرتزقة الأغاريق . ( لقد كانت غلطة عظيمة للفرعون بسماتيك بأن عهد بالدفاع عن مصر إلى قوات أجنبية وأقحم المستعمرات المختلفة المكونة من حثالة الأمم ) . في ظل سلالة سايتي الحاكمة الأخيرة إستوطن الأغاريق بشكل رسمي في ميناء (ناوكريتس) الميناء الوحيد الذي كان يخول فيه للأجانب الإشتغال بالتجارة . بعد هزيمة مصر أمام الأسكندر تحت حكم البطالسة إزدهر تمازج الأجناس بين الأغاريق البيض والمصريين السود بفضل سياسة الإستيعاب (( لم يحظى  ديونيسيوس – إله الخمر عند الإغريق –  في أي مكان  بعبادة أكثر هياما وإستفاضة من تلك التي حظي بها من قبل البطالسة الذين إعترفوا بعبادته كوسيلة فعالة لتعزيز إستيعاب الأغاريق الفاتحين وإندماجهم مع المصريين المحليين )) .


إنّ هذه الحقائق تثبت أنه إذا كان الشعب المصري أبيضا أصلا  فيفترض أن يبقى كذلك . إن كان (هيرودتس)  وجد مصر لا تزال سوداء بعد الكثير من تزاوج الأجناس فإنه من الضروري أن تكون سوداء في البداية . طالما أن الدليل المرتبط بالكتاب المقدس له إعتبار فإن هناك القليل من التفاصيل سلفا . لتحديد أهمية الدليل المرتبط بالكتاب المقدس فإن علينا أن ندرس نشأة الشعب اليهودي . إذن من هو الشعب اليهودي ؟ وكيف ولد ؟ وكيف أوجد الكتاب المقدس الذي لعن فيه أبناء حام الجدود الأعلى للزنوج والمصريين ؟ وما هو السبب التاريخي لهذه اللعنة ؟ أؤلئك الذين أصبحوا يهودا ودخلوا مصر وعددهم بالكاد (70) فردا ، الرعاة الخائفين النازحين من فلسطين بفعل المجاعة الذين جذبتهم جنة الأرض وادي النيل . مع أن المصريين لديهم إشمئزاز غريب من الحياة البدوية والرعاة ، إلا أنه جرى الترحيب بالقادمين الجدد بحرارة في البداية بفضل (يوسف) . وفقا للكتاب المقدس فإنهم إستقروا في أرض (جاسان) حيث أصبحوا رعاة لقطعان الفرعون . بعد وفاة (يوسف) والفرعون (المناصر) ومواجهة تكاثر اليهود ، بدأ عداء المصريين ينمو ، في ظروف لا تزال صعبة التحديد وأصبح حال اليهود صعبا أكثر فأكثر . إذا كان علينا أن نصدق الكتاب المقدس فإنهم قد وظفوا في أعمال البناء والخدمة كعمال في بناء مدينة (رمسيس) . لقد إتخذ المصريون خطوات للحد من عدد المواليد وأقصوا الذكور خشية أن تزداد الأقلية العرقية إلى خطر قومي يمكن أن يزيد من صفوف الأعداء وقت الحرب .


لذا فقد بدأ الإضطهاد الأولي الذي ميّز الشعب اليهودي على إمتداد تاريخه . منذ ذلك الوقت إنطوت الأقلية اليهودية على نفسها لتخضع لتباريح العذاب والإذلال .إن هذا الشقاء قد حض على إستيلاد وإنتشار العاطفة الدينية . كانت الظروف مواتية أكثر لأن هذه السلالة من الرعاة كانت بدون مهنة أو تنظيم إجتماعي ( الخلية الإجتماعية الوحيدة كانت العائلة الأبوية ) وليس لها سلاح سوى العصي ، لا يمكن أن يتخيل أن يصدر عنها رد فعل على التفوق الفني للشعب المصري .كان على (موسى) الذي ظهر كأول نبي يهودي أن يواجه هذه المعضلة والذي درس بدقة تاريخ الشعب اليهودي منذ نشأته وقدمه مسترجعا ذلك تحت رؤية دينية . بالتالي فقد جعل ذلك (إبراهيم) يقول أشياء كثيرة لم يكن الأخير ليستطيع التنبؤ بها ، مثلا الـ (400) سنة في مصر . لقد عاش (موسى) في عصر تل العمارنة حينما حاول أمنحوتب الرابع (إخناتون) حوالي عام 1400 ق.م إحياء التوحيد الأول والذي جرى تشويهه آنذاك بالتفاخر الكهنوتي وفساد الكهنة . لقد بدأ أن (أخناتون) حاول دعم المركزية السياسية في إمبراطوريته الضخمة المنتصرة حديثا من خلال المركزية الدينية فقد كانت الإمبراطورية في حاجة إلى دين شامل . ربما تأثر (موسى) بهذا الإصلاح . منذ ذلك الوقت فصاعدا دافع عن التوحيد بين اليهود. لقد كان التوحيد بكل تجريديته في الفكرة موجودا في مصر التي إقتبسته من سودان مروي ، أثيوبيا العصر القديم (( مع أن الإله الأعلى نظر إليه بنقاء الرؤى التوحيدية كونه الموجد الأوحد في السماء وفي الأرض الذي لم يولد ، الإله الحي الوحيد في الحقيقة ،  إلا أن آمون الذي يدل أسمه على الغموض ، العبادة ، وجد نفسه يوما مستبعدا ومدركا من قبل الشمس – را – أو متحولا إلى أوزيريس أو حورس )) .

مع التسليم بالجو غير الآمن الذي وجد الشعب اليهودي نفسه في مصر ، إلا أن الرب الذي بشرهم بغد موثوق منحهم دعما معنويا لا عوض عنه . بعد بعض التحفظ في البداية فإن هذا الشعب الذي بدأ أنه لا علم له مسبقا بالتوحيد – بعكس الرأي الذي يعضدهم من أنهم مبتدعي التوحيد – قد نقل رغما عن ذلك إلى درجة لافتة من التطور . مستعينا بالعقيدة قاد (موسى) الشعب العبري إلى خارج مصر ومع ذلك فإن اليهود سرعان ما ملوا هذه الديانة وعادوا تدريجيا إلى التوحيد – عجل هارون الذهبي في سفح جبل سيناء.  بدخولهم مصر كـ (70) راعيا في (12) عائلة أبوية ، بدوا من غير مهنة أو ثقافة ، بقي الشعب اليهودي (600) سنة هناك فأصبحوا 600.000 من الأشداء ، بعد أن إكتسبوا منها كل عناصر أعراقها المستقبلية بما في ذلك التوحيد . إذا إضطهد المصريون اليهود كما يقول التوراة وإذا كان المصريون زنوجا أي أبناء حام كما يقول التوراة ، فإننا لم نعد نتجاهل الأسباب التاريخية للعنة التي حلت على حام – بالرغم من أسطورة سكر(نوح) . لقد دخلت اللعنة في الأدب اليهودي متأخرة بشكل ملحوظ عن فترة الإضطهاد . بناء على ذلك فإن (موسى) نسب الكلمات التالية إلى الرب السرمدي في (العهد القديم) والتي وجهها إلى (إبراهيم) في الحلم : (( أعلم يقينا أن ذريتك سيكونون غرباء في أرض ليست أرضهم وسوف يخضعون للعبودية ويضطهدون لأربعمائة عام )) . لقد وصلنا هنا إلى الخلفية التاريخية عن اللعنة التي حلت على حام . إنها ليست صدفة أن كانت هذه اللعنة على أب مصريم ، بوط ، كوش وكنعان وليس على كنعان وحده الذي سكن في أرض تمناها اليهود على إمتداد تاريخهم .

متى ظهر هذا الإسم حام (شام – كام) ؟ وأين عثر عليه (موسى) ؟ أكيد في مصر حيث ولد وترعرع وعاش حتى الخروج . في الواقع أننا نعرف أن المصريين أطلقوا على بلادهم إسم (كيميت) التي تعني الأسود في لغتهم . إن التفسير يعني أن المشار إليه هي التربة السوداء لمصر أكثر من الأنسان الأسود وبالتوسع السلالة السوداء لبلاد السود  وهو ناجم من تشويه من عقول مدركة التفسير الصحيح للكلمة وما تشير إليه . من ثمّ فإنه من الطبيعي أن نجد كلمة (كام) تعني في العبرية  حرارة ، أسود ، محروق . هكذا فإن كل التناقضات الظاهرة تختفي ، فيما يظهر منطق الحقائق على كامل صورته . إن سكان مصر الذين يرمز إليهم بلونهم الأسود ، كيميت أو حام في التوراة ، سوف يتهموا في أدب الشعب الذي إضطهدهم . إننا نستطيع أن نفهم بأن هذه اللعنة التوراتية على ذرية (حام) لها منشأ مختلف تماما عن ذلك الذي قدم اليوم بدون أدنى أساس تاريخي . ما لا نستطيع فهمه هو كيف أصبح من الممكن جعل العرق الأبيض أسودا : حامي ، أسود ، أبنوسي ، الخ .. (حتى في اللغة المصرية) . وفقا لمتطلبات السبب فإن حام قد لعن ، سوّدت بشرته ، وأصبح الجد الأعلى للزنوج . إن ذلك يحدث كلما أشار أحد إلى العلاقات الإجتماعية المباشرة .

على الجانب الأخر فإن الأسود يبيّض حينما يسعى أحدهم إلى البحث عن منشأ الحضارة ، لأنه سكن أول بلد متحضر في العالم . لذا فقد جرى تصوير فكرة الحاميين الشرقيين والغربيين التي ليست سوى إبتداع مزعج لحرمان السود من أفضلية معنوية في الحضارة المصرية وفي الحضارات الأفريقية الأخرى كما سنرى . الشكل (2) يمكننا من ملاحظة الطبيعة المنحرفة لتلك النظريات . إنه من غير الممكن ربط الفكرة العامة عن الحاميين  - مثلما نعمل لنفهمها في الكتب المدرسية الرسمية – مع أدنى واقع تاريخي ، جغرافي ، لغوي أو عرقي . ليس هناك متخصص قادر على تحديد مكان ميلاد الحاميين  ( أتحدث بشكل علمي ) ، اللغة التي يتحدثون بها ، طريق الهجرة الذي سلكوه ، البلاد التي إستقروا فيها ، أو شكل الحضارة التي خلفوها . في المقابل فإن كل الخبراء قد إتفقوا على أن هذا المصطلح ليس له محتوى جاد ومع ذلك فإنه لم يتوانى أحد منهم في إستخدامه كمفتاح رئيسي لتفسير أدنى دليل للحضارة في أفريقيا السوداء .

الفصل الثاني

ميلاد الأسـطورة الزنجيـة


حينما زار (هيرودتس) مصر كانت مصر قد فقدت مسبقا إستقلالها قبل قرن من الزمان فمنذ هزيمتها أمام الفرس عام 525  ق.م ظلت مصر وبشكل دائم تحت هيمنة الأجنبي فبعد الفرس جاء المقدونيون بقيادة الأسكندر الأكبر عام 333 ق.م ، الرومان بقيادة يوليوس قيصر عام 50 ق.م ، العرب في القرن السابع الميلادي ، الأتراك في القرن السادس عشر ، الفرنسيون بقيادة نابوليون ، ثم الإنجليز في نهاية القرن التاسع عشر . مع تدميرها جراء تلك الغزوات المتتالية فإن مصر التي كانت مهد الحضارة لـ (10.000) عام ، بينما كان باقي العالم منغمسا في البربرية ، لم تعد تلعب دورا سياسيا . بالرغم من ذلك فإنها إستمرت في تلقين شعوب البحر الأبيض المتوسط الناشئة من بين أغريق ورومان وسط أخرين دروسا نحو إستنارة حضارية . على إمتداد التاريخ بقيت مصر الأرض التقليدية التي ذهبت إليها شعوب البحر المتوسط في رحلة طويلة من أجل الإغتراف من ينبوع المعرفة العلمية ، الدينية ، الأخلاقية ، والإجتماعية وهي المعرفة الأكثر عراقة التي إكتسبتها البشرية . لذا فإن كل ما يحيط بالبحر الأبيض المتوسط من حضارات جديدة قامت الواحدة تلو الأخرى ، قد إستفادت الكثير من مزايا البحر المتوسط ، كونه مفترق طرق حقيقي لأفضل موقع في العالم . لقد تطورت هذه الحضارات الجديدة بشكل رئيسي نحو التطور المادي والفني . كمنشأ لذلك التطور فإنه يجب علينا أن نستشهد بالعبقرية المادية للهنود الأوربيين ، الأغاريق والرومان .


إن النشاط الوثني الذي صّور لنا الحضارة الإغريقية الرومانية قد تلاشي حوالي القرن الرابع . في المقابل هناك عاملين جديديين تدخلا عنوة في الإقليم القديم لأوروبا الغربية : المسيحية والغزوات البربرية واللذان أعطيا ميلادا لحضارة جديدة تظهر اليوم أعراض إعيائها . بفضل التواصل المستمر بين الشعوب فإن هذه الحضارة الأخيرة التي ورثت كل التقدم الفني للإنسانية إستعدت تماما بحلول القرن الخامس عشر للإندفاع لإكتشاف وفتح العالم وهكذا في بواكير القرن الخامس عشر هبط البرتغاليون في أفريقيا عبر الأطلنطي ، حيث أسست أول علاقات حديثة مع أوروبا لم تنقطع بعد ذلك . ماذا وجدوا آنذاك في أفريقيا ؟ أيّ شعوب قابلوا ؟ هل كانوا منذ القدم أم أنهم هاجروا أخيرا ؟ ما هو مستوى ثقافتهم ، درجة تنظيمهم الإجتماعي والسياسي ؟ ما هو الإنطباع الذي أخذه البرتغاليون عن تلك المجموعات السكانية ؟ ما هي الفكرة التي أخذوها عن إمكانياتهم الفكرية وجدارتهم الفنية ؟ أي نوع من العلاقات الإجتماعية كان قائما بين أوروبا وأفريقيا منذ ذلك الوقت فصاعدا ؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة المختلفة سوف يفسر بشكل كلي الأسطورة الحالية للزنوج البدائيين .


للإجابة على هذه التساؤلات من الضروري العودة إلى مصر في ذلك الوقت حينما كانت واقعة فيه تحت قبضة الأجنبي . ربما مضى توزيع السود في القارة الأفريقية على مرحلتين رئيسيتين . لقد أتفق بشكل عام على أنّه بحلول عام 7000 قبل الميلاد كانت الصحراء قد أصبحت قاحلة وربما كانت أفريقيا الإستوائية لا تزال كثيفة الغابات بحيث لا تجذب الناس إليها . بناء عليه فإن أخر السود الذين عاشوا في الصجراء ، غادروها الآن مهاجرين نحو أعالي النيل مع إستثناء محتمل لمجموعات معزولة قليلة صغيرة بقيت في باقي القارة ، الذين إما هاجروا إلى الجنوب أو إتجهوا نحو الشمال . ربما وجدت المجموعة الأولى سكانا سودا محليين في منطقة أعالي النيل . أيّا كانت الحالة فإنها ناشئة من التكيف التدريجي مع الظروف الحياتية الجديدة التي خصت بها الطبيعة هؤلاء السكان السود المتنوعين بحيث برزت منها أقدم ظاهرة للحضارة . لقد تطورت هذه الحضارة التي سميت مصرية في عصرنا بفترة طويلة في عصرها الأول ثم تنزلت ببطء إلى وادي النيل لتنتشر بعدها حول حوض البحر الأبيض المتوسط . ربما إستمرت هذه الدورة من الحضارة التي تعتبر الأطول في التاريخ 10.000 سنة . إن ذلك حل وسط معقول بين التسلسل الزمني الطويل (بناء على البيانات المقدمة من الكهنة المصريين ، هيرودتس ومانيثو الذين وضعوا التاريخ 17.000 قبل الميلاد) والتسلسل الزمني الصغير للمحدثين الذين إضطروا للإقرار بالتاريخ 4245 قبل الميلاد وهو التاريخ الذي كان المصريون قد إبتدعوا فيه سلفا التقويم (الذي يقتضي بالضرورة رحلة من آلاف السنين) .


خلال تلك الفترة الطويلة كان من الواضح أنّ السود قد توغلوا عميقا وعميقا في داخل القارة ليشكلوا نواة سوف تصبح مراكزا  للحضارة القارية التي جرى تحليلها في الفصل الثامن . إنّ هذه الحضارات الأفريقية سوف تنفصل عن باقي العالم فهي تميل إلى العيش منعزلة نظرا لبعدها الشاسع عن طرق الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط . حينما فقدت مصر إستقلالها إنتهت عزلتهم . منذ ذاك الوقت وبإنفصالهم عن الوطن الأم وإنزوائهم في محيط جغرافي يقتضي قليل جهد من التكيف ، إتجه السود نحو تطوير تنظيماتهم الإجتماعية ، السياسية والأخلاقية ، أكثر من التوجه نحو البحث العلمي التفكري الذي تعجز ظروفهم عن تبريره ، بل تجعله حتى غير ممكنا . إنّ التكيف مع وادي النيل الضيق الخصيب إقتضى تقنية تخصصية في الري والسدود وحسابات دقيقة للتنبؤ بفيضانات النيل وإستنتاج نتائجها الإقتصادية والإجتماعية . كذلك فإن الأمر يتتطلب إبتداع الهندسة لتحديد الملكية بعد محو خطوط الحدود بواسطة الفيضان . بذات الدلالة فإن المنطقة في القطاعات السهلة الضيقة الطويلة تتطلب تحويل المعزقة الزنجية إلى محراث والتي كان يجرها في البدء الرجال ثم الحيوانات . مع أن ذلك كان ضروري للوجود المادي للزنوج في وادي النيل ، إلا أنه أصبح كذلك غير ضروري بالتساوي في الظروف الحياتية الجديدة في الداخل .


حيث أنّ التاريخ أحدث إنقطاعا في توازنهم السابق  مع البيئة ، فإن السود وجدوا الآن توازنا ، يختلف عن التوازن الأول في غياب التقنية التي لم تعد حيوية بالنسبة لتنظيماتهم الإجتماعية والسياسية والأخلاقية . بوجود الموارد الإقتصادية التي لا تتطلب إختراعات دائمة ، فإن الزنوج أصبحوا غير مبالين بالتقدم المادي . في ظل هذه الظروف الجديدة جرت المواجهة مع أوروبا . في القرن الخامس عشر وحينما بدأ البرتغاليون ، الهولنديون ، الإنكليز ، الفرنسيون ، الدنماركيون ، البراندنبورغيون الأوائل في إنشاء مراكز تجارية لهم على ساحل غرب أفريقيا ، كانت التنظيمات السياسية للدول الأفريقية متساوية وفي الغالب متفوقة على دولها . أما الملكيات فقد كانت دستورية بمجلس شعب جرى فيه تمثيل الطبقات الإجتماعية المختلفة . خلاف الأسطورة القائلة بأن ملك السود كان طاغية بسلطة لا حدود لها . في بعض المواضع كان الشعب يبايع الملك مع رئيس للوزراء كوسيط يمثل الرجال الأحرار . كانت مهمته خدمة الشعب بحكمة وكانت سلطته تعتمد على الدستور المؤسس (مع مقارنة الفصل الثامن) . لقد كان النظام الإجتماعي والأخلاقي على ذات المستوى من المثالية . على الجانب الأخر وبالنسبة لكل الأسباب التي أستشهد بها أعلاه فإن التقدم التقني كان أقل تشديدا عليه مما هو في أوروبا . مع أن الزنوج كانوا أول من إكتشف الحديد فإنهم لم يصنعوا أي مدفع . إن سر البارود كان معروفا فقط للكهنة المصريين الذين إستخدموه فقط لأغراضهم الدينية عند الطقوس مثل أسرار أوزيريس (مقارنة) .


عليه فإن أفريقيا لم تكن محصنة تماما من وجهة النظر الفنية . لقد أصبحت أفريقيا مغرية وفريسة للغرب المزود بالأسلحة النارية والبحرية بعيدة المدى . لذا فإن التقدم الإقتصادي لعصر النهضة الأوروبي حث على قهر أفريقيا التي أكملت إنجازها بسرعة والتي إجتازت مرحلة المراكز التجارية الساحلية إلى مرحلة الإلحاق بالإتفاقيات الدولية الغربية وأعقب ذلك القهر العسكري الذي سمي (مسالمة) . في بداية هذه الفترة كانت أمريكا قد أكتشفت بواسطة (كريستوفر كولمبوس) . لقد إقتضى تطوير الجزر العذراء عمالة رخيصة وأصبحت أفريقيا بعد ذلك إحتياطيا  جاهزا  تستجلب منها القوى العاملة بأقل تكلفة ومخاطرة . لقد إعتبرت التجارة  الحديثة للرقيق الأسود ضرورة إقتصادية قبل ظهور الآلة وقد إستمر ذلك حتى منتصف القرن التاسع عشر . إن هذا الإنقلاب في الأدوار الناجم عن العلاقات الفنية الجديدة قد جلب معه علاقة العبد والسيد بين البيض والسود على المستوى الإجتماعي . خلال العصور الوسطى فإن ذاكرة مصر الزنجية التي عملت على تحضر العالم ،  غشتها الضبابية بفعل تجاهل التراث الأثري المخبأ  في المكتبات أو المدفون تحت الحطام . لقد أصبح محجوبا بشكل أكبر خلال تلك الأربعة قرون من العبودية . إن الأوربيين المتخمين بتفوقهم الفني الحديث لم يتفضلوا بالنظر إلى العالم الأسود إلا من خلال ثرواته . إن تجاهل التاريخ القديم للسود ، إختلاف الأعراف والتقاليد ، الإضطهاد العرقي بين السلالتين  جعلهم يواجهون بعضهم البعض للمرة الأولى مع الحاجة الإقتصادية للإستغلال – لذا فالكثير من العوامل قد جعلت العقل الأوروبي ميالا لتشويه الشخصية الأخلاقية للإنسان الأسود ومقدرته الفكرية . منذ ذلك الوقت أصبحت كلمة (زنجي) مرادفة للإنسان البدائي لتتحول إلى (الأقل قدرا)  وذو العقلية الجاهلة . حيث أن الإنسان تواق دائما لتبرير مسلكه فقد  مضوا في ذلك إلى الأبعد . إن الرغبة في شرعنة الإستعمار وتجارة الرقيق – أو بمعنى أخر الحالة الإجتماعية للزنوج في العالم الحديث – قد أنتجت أدبا كاملا يصف ما سمي بالسمات الدونية للسود .بالتالي فإن عقول الأجيال المتعددة من الأوربيين سوف تلقن تدريجيا بوجهة النظر الغربية التي سوف تتبلور وتقبل بشكل غريزي مثل حقيقة مكتشفة : الزنوج = بشرية دونية .


لتتويج هذا التعبير الساخر فإن الإستعمار قد صّور على أنه يسدي واجبا للإنسانية . إنهم (يستدعون) مهمة التحضر المحملة بالمسئولية لرفع الأفريقي إلى مستوى الأخرين (المعروف لدينا بعبّ الرجل الأبيض) . منذ ذلك الوقت شرعت الرأسمالية بشكل واضح في تطبيق أكثر مظاهر الإستغلال وحشية تحت ستار ذرائع أخلاقية . على الأقل فإنهم يدركون بأن الزنجي له مواهب فنية مرتبطة بحساسيته كحيوان دوني . إن هذا هو رأي ( فرينشمان جوزيف دو غوبنيو) رائد الفلسفة النازية الذي أورد في كتابه ( في عدم تساوي الأعراق البشرية) أن الحس الفني لا ينفصل عن الدم الزنجي ، غير أنه يختزل الفن إلى ظاهرة دونية للطبيعة البشرية وربط حس الإيقاع بالإستعداد العاطفي للسود . إن هذا المناخ من العزلة قد أثر عميقا على شخصية الزنجي خاصة الزنجي المتعلم الذي كانت لديه الفرصة لكي يكون واعيا بالرأي العالمي وبشعبه . إنه يحدث غالبا أن يفقد المفكر الزنجي إمكانياته الخاصة وإمكانيات عرقه – بالرغم من شرعية الدليل المقدم في هذا الكتاب -  للحد الذي سوف يكون من المدهش أن يكون بعض منّا لا يزال غير قادر على التصديق على أن السود لعبوا فعلا دورا حضاريا مبكرا في العالم . في الغالب فإن السود ذوي الإدراك العالي يظلون أسرى لهذه العزلة ، ذلك أنهم يسعون بكل حسن نية لتصنيف هذه الأفكار النازية في ثنائية مزعومة من الحساسية ، الزنجي العاطفي ، مبدع الفن  والرجل الأبيض خاصة ذلك الموهوب بالعقلانية . لذا فقد عبر شاعر أفريقي زنجي عن نفسه بحسن نية  في بيت شعر رائع : (العاطفة زنجية والفكر إغريقي) .


رويدا رويدا ظهر الأدب الزنجي (المعاصر) صبياني المقصد ، ظريفا ، منفعلا ، مشوبا بالتذمر . لقد قدّر الغربيون بشكل كبير قدرا كبيرا من الإبداعات الزنجية الحالية ، مما شكّل مرآة يستطيع الغربيون أن ينظروا إليها بفخر ، بينما إنغمسوا في عاطفية أبوية وهم يتأملون فيما يعتقدوا فيه تفوقهم . إن رد الفعل سوف يكون مختلفا إذا كان نفس القضاة قد ووجهوا بعمل زنجي مؤلف بشكل مثالي يتخلى عن ذلك النمط وأختلف مع أي إنعكاسات للخضوع ، إضافة إلى التعقيدات الدونية بإفتراض وجود مكان طبيعي على مستوى من المساواة . إن عمل كهذا سوف يخاطر بلا شك بإظهار التباهي والإغاظة على الأقل لبعض الناس . إن ذاكرة العبودية الحديثة التي خضعت إليها سلالة السود وظلت باقية حية في عقول الرجال ، غالبا ما تعكس وعي الإنسان الأسود بشكل سلبي . من تلك العبودية الحديثة أجريت محاولة لبناء أسطورة – رغم كل الحقائق التاريخية - مفادها أن الإنسان الأسود قد تنزل إلى العبودية بواسطة السلالة البيضاء المتفوقة التي عاش معها ، أينما كان ذلك . إن ذلك يمكّن السلالة البيضاء من أن تبرر بسهولة تواجد الزنوج في مصر أو في بلاد ما بين النهرين أو الجزيرة العربية وتقرر بأنهم قد أستعبدوا . مع أن هذا التأكيد لا يسوى شيئا سوى أنه تعصب في الرأي لتزوير التاريخ – أؤلئك الذين قدموا هذا التأكيد مدركون تماما بأنه خاطيء – فإنه وبالرغم من ذلك فإنه يساهم في عزلة السـود . لذا فإن شاعرا زنجيا كبيرا أخر ، بل ربما الأعظم في عصرنا وهو (إيميه سيزير) كتب قصيدة بعنوان ( منذ آكاد ، منذ عيلام ، منذ سومر ) :


يا سيد الطرق الثلاثة ..

أمامك رجل سار طويلا ..

يا سيد الطرق الثلاثة ..

أمامك رجل  سار على يديه ..

سار على قدميه .. سار على بطنه ..

سار على مؤخرته ..

منذ عيلام .. منذ آكاد .. منذ سومر

وفي مكان أخر كتب :

أؤلئك الذين لم يخترعوا البارود ولا البوصلة ..

أؤلئك الذين لم يرّوضوا البخار ولا الكهرباء ..

أؤلئك الذين لم يستكشفوا البحار ولا السماء ..


على إمتداد هذه التحولات في العلاقات الزنجية مع بقية العالم  فإنه من الصعوبة بشكل متزايد لأؤلئك الذين لا يدركون مجدهم الماضي وللسود أنفسهم ، الإيمان بأنهم أنشاوا أولى الحضارات التي أزدهرت في الأرض ، حضارة تدين الإنسانية إليها بكثير من تقدمها . من ثمّ ومع أن البراهين قد تكدست عاليا أمام ناظريهم فإن الخبراء سوف لن يروها إلا بطرف العين ويفسرونها بأنها مزورة وسوف يقيمون نظريات إكثر إستبعادا ، لأن أي إستبعاد يبدو لهم أكثر منطقية من أكثر الوثائق التاريخية صدقا والتي تشهد بالدور الحضاري الباكر للسود .


قبل دراسة التناقضات الحديثة التي تجد لها رواجا في العصر الحديث والناشئة من محاولات إثبات أن المصريين كانوا بيضا مهما كان الثمن ، دعونا نورد دهشة الباحث حسن النية كونت قسطنطين دو فولني (1757 – 1820) فبعد أن تشبع بكل التحيزات التي ذكرناها سابقا فيما يتعلق بالزنوج ، ذهب (فولني) إلى مصر ما بين 1783 – 1785 حينما كانت عبودية الزنوج مزدهرة وقد أورد مايلي عن السلالة المصرية ، السلالة التي أنجبت فرعون أي الأقباط : (( كلهم لديهم وجوه وعيون منتفخة ، أنف مفلطحة ، شفاه غليظة ، بمعنى أنه وجه خلاسي . كنت ميالا لأعزي ذلك إلى المناخ ، غير أنني حينما زرت أبو الهول فإن شكله أعطاني المفتاح للغز . عند رؤية ذلك الرأس فإن فيه كل ملامح الإنسان الزنجي النموذجي ، عندها تذكرت الفقرة اللافتة حيث يقول هيرودتس – بالنسبة لي فإني أحكم بأن الكوشيين هي مستعمرة للمصريين لأنهم مثلهم ذو بشرة سوداء وشعر أصوف – بمعنى أخر فإن المصريين القدماء كانوا سودا حقا من ذات النوع مثل الأفارقة المولودين محليا . بذلك فإننا يمكن أن نرى كيف إمتزجت دماؤهم لقرون عديدة مع دماء الرومان والأغاريق والذي كان عليه أن يفقدوا لونهم الأصلي ، غير أنهم إحتفظوا رغما عن ذلك بمسحة من شكلهم الأصلي . يمكننا أن نذكر كمبدأ عام أن الوجه نمط من الآثار يمكن أن يبرهن أو يسلط الضوء في كثير من الحالات على دليل تاريخي عن نشأة الشعوب )) .


بعد شرح هذا المقترح بالإستشهاد بحالة النورمانديين الذين لا يزالون يشبهون الدنماركيين بعد 900 سنة من إخضاع النورماندي . يضيف (فولني) :

((بالعودة إلى مصر فإن الدرس الذي علّمته مصر التاريخ هو الكثير من التأملات المتعلقة بالفلسفة . ما أجدر بالتأمل  رؤية البربرية الحالية وتجاهل الأقباط ، الآتين من أصلاب التحالف بين العبقرية العميقة للمصريين والعقلية الذكية للأغاريق . فقط فكر بأن هذه السلالة من السود هم اليوم عبيدنا ومادة إزدرائنا وهي السلالة التي ندين لها بفنوننا ، علومنا وحتى إستخدامنا للحديث . أخيرا تصور فقط أنه في وسط الشعوب التي تسمي نفسها أعظم أصدقاء للحرية والإنسانية ، من وافق على أكثر العبودية بربرية ويتساءل عما إذا كان للسود ذات النوع من الذكاء الذي للبيض)) .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

//////////////////////////////